منظمة العفو الدولية

الكاتب : massar   المشاهدات : 435   الردود : 1    ‏2004-05-19
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-19
  1. massar

    massar عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-13
    المشاركات:
    160
    الإعجاب :
    0
    منظمة العفو الدولية
    الولايات المتحدة الأمريكية - تقويض الأمن: انتهاكات الكرامة الإنسانية وحكم القانون واستراتيجية الأمن القومي في حالات الاحتجاز في إطار "الحرب على الإرهاب"

    09 إبريل/نيسان 2004 رقم الوثيقة: AMR 51/061/2004




    "ينبغي للولايات المتحدة أن تدافع عن الحرية والعدل لأن مبادئ الحرية والعدل صائبة وصحيحة بالنسبة لكل البشر في كل مكان"
    استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة، سبتمبر/أيلول 2002

    في 6 مارس/آذار 2003، أبلغ الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الحضور في اجتماع خاص "للجنة مكافحة الإرهاب" المنبثقة عن مجلس الأمن الدولي بأن "احترام حقوق الإنسان، والحريات الأساسية، وحكم القانون أدوات لا غنى عنها في الجهود الرامية لمكافحة الإرهاب وليست امتيازات يمكن التضحية بها عندما يسود التوتر."i وبعد ثلاثة أسابيع قال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول إن "الدول التي تبدي درجة عالية من احترام حقوق الإنسان هي الدول التي يُرجح أن تساهم أكثر من غيرها في الأمن والرفاه الدوليين."ii وتتفق منظمة العفو الدولية مع هذا الرأي. فالطريق إلى ضمان الأمن لا يتخطى حقوق الإنسان، بل ينبغي أن يكون احترام حقوق الإنسان ركيزة أساسية للاستراتيجية الأمنية لأي حكومة. ومن شأن ازدراء مبادئ حقوق الإنسان المتفق عليها دولياً أن يورث السخط ويذكي نار الشقاق داخل الدول وفيما بين البلدان.

    وتنطوي السياسات التي تتبعها الإدارة الأمريكية فيما يخص احتجاز الأشخاص في إطار ما يُسمي "الحرب على الإرهاب" على خطر إضعاف وزعزعة الأمن في العالم بسبب ازدرائها للمبادئ الأساسية للقانون الدولي. فعندما تعتمد أية دولة، ناهيك عن دولة بمثل قوة الولايات المتحدة، منهجاً يتسم بالانتقائية أو بالازدراء بالمعايير الدولية، فمن شأن ذلك أن يضعف ما تنطوي عليه هذه المعايير من تضافر وتكامل. إذ ما الذي يمنع أية دولة أخرى عندئذ من أن تزعم لنفسها الحق في ألا تلتزم بالقانون الدولي لحقوق الإنسان إلا حيثما ناسب ذلك أغراضها؟

    وقد راقبت منظمة العفو الدولية استخدام التشريعات الأمنية والإجراءات الأمنية في جميع مناطق العالم على مدار 40 عاماً. وفي كثير من الحالات التي شُنت فيها "حروب" على خصوم سياسيين أياً كانوا، تعرضت حقوق الإنسان للانتهاك، بما في ذلك الحق في عدم التعرض للتعذيب، والحق في عدم التعرض للاحتجاز التعسفي، والحق في الحياة. وكثيراً ما كان السكان المدنيون على وجه العموم من بين المضارين وهم براء من أي نشاط غير مشروع. ومن بين نماذج هذا الاستخدام الواسع للتشريعات الأمنية الذي يؤدي إلى انتهاك حقوق المواطنين العاديين "الحروب القذرة" في بعض بلدان أمريكا اللاتينية، مثل الأرجنتين وشيلي في السبعينات والثمانينات؛ وجنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري؛ وكل من تركيا وإسبانيا في معرض تصديها للحركات القومية الخاصة بالأقليات؛ والهند، ولاسيما في الولايات التي ترتفع فيها مستويات العنف السياسي؛ وإسرائيل والأراضي المحتلة حتى يومنا هذا.

    وينبغي أن نتعلم من التاريخ. ففي انتقاد مفحم لنظام غوانتانامو واقتراحات الولايات المتحدة الخاصة بمحاكمة بعض المعتقلين المنتقين أمام لجنة عسكرية، أشار اللورد ستين، وهو من أرفع قضاة المملكة المتحدة، إلى أن "من الموضوعات المتكررة في التاريخ أنه في أوقات الحرب، أو الصراع المسلح، أو ما يُعتقد أنه خطر على الوطن، تلجأ الدول، حتى من كان منها ذا نظام ديمقراطي ليبرالي، إلى اعتماد إجراءات تتعدى على حقوق الإنسان بأشكال مفرطة لا تتناسب بالمرة مع حجم الأزمة." وأشار اللورد ستين إلى أن "قائمة الشكاوى المتكررة من الاستغلال الجسيم للسلطة من جانب الحكومات الديمقراطية الليبرالية طويلة إلى حد يتعذر معه ذكرها، لكن من أجل الفهم ومن أجل وضع الحكومات موضع المحاسبة يحسن بنا أن نأخذ في اعتبارنا دورات التاريخ."iii

    وفي مذكرة قانونية وقعها 175 من أعضاء البرلمان البريطاني وقُدمت إلى المحكمة العليا الأمريكية في يناير/كانون الثاني 2004 تأييداً للمطالبة بالعدالة للمئات من المعتقلين في الحجز الأمريكي في خليج غوانتانامو، أعاد البرلمانيون البريطانيون إلى ذهن السلطات الأمريكية جانباً من التاريخ عسى أن تتعظ به. تقول المذكرة: "تجربة المملكة المتحدة الأخيرة مع الإرهاب... تقدم نموذجاً يمكن التعلم منه. فرداً على الاتهام بأنها انتهكت حقوق الإنسان الخاصة بالمواطنين الأيرلنديين المحتجزين في المملكة المتحدة بسبب الاشتباه في ضلوعهم في الإرهاب، زعمت حكومة المملكة المتحدة أنها مضطرة لاتخاذ إجراءات مشددة. إلا إن سلطات الاحتجاز التي مُورست على الأشخاص المشتبه بأنهم من الإرهابيين الأيرلنديين تعرضت في نهاية الأمر للانتقاد من جانب المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان باعتبارها انتهاكات مفرطة لحقوق الإنسان. وتصلح مثل هذه الأمثلة "كتحذير من أنه في أوقات الأزمات ينبغي عدم استغلال الضرورة العسكرية والأمن القومي كدرع يحمي المؤسسات الحكومية من الرقابة الوثيقة والمحاسبة.""iv

    كما قدم المحامون العسكريون المكلفون بالدفاع عن معتقلي غوانتانامو، الذين سيُحاكمون أمام لجنة عسكرية، مذكرةً إلى المحكمة العليا الأمريكية. وقد وصفوا في هذه المذكرة سياسة الاحتجاز التي تتبعها الحكومة بأنها "نظام ملكي" يضطلع الرئيس بوش في ظله "بسلطة خلق فراغ قانوني". وقد دعوا فعلياً السلطات إلى الاتعاظ بالتاريخ وعدم تكراره. فهم يشيرون إلى أن السلطة التنفيذية تعتمد على "البيئة التي عفا عليها الزمان" الخاصة بسابقة للمحكمة العليا الأمريكية مضى عليها نصف قرن "بدلاً من التصدي للعالم كما هو اليوم".v

    وتسلم منظمة العفو الدولية بخطورة التهديدات التي تتعرض لها السلامة العامة في الوقت الراهن وواجب الدول طبقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان في أن تحمي مواطنيها من الأعمال الإجرامية العنيفة. إلا إن مثل هذه الإجراءات ينبغي أن تُنفذ في إطار يحمي كل حقوق الإنسان. ومن ثم فالتحدي الماثل أمام الدول ليس هو النهوض بالأمن على حساب حقوق الإنسان، بل هو ضمان أن يتمتع كل الأشخاص باحترام الحقوق جميعها. وقد يبدو أن الإدارة الأمريكية تدرك ذلك. فعلى سبيل المثال، قال مساعد وزير الخارجية لشؤون حقوق الإنسان إن الحكومة الأمريكية لن تنسى التزامها بحقوق الإنسان في "الحرب على الإرهاب". وشدد على أن "حماية حقوق الإنسان هي الآن في الواقع أكثر أهمية من أي وقت مضى".vi

    كما تلزم "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية الولايات المتحدة على ما يبدو بمنهاج يتمحور حول حقوق الإنسان. فهي تشدد، مثلاً، على أن السبيل إلى زيادة الأمن في العالم لابد أن يتضمن "احترام الكرامة الإنسانية". وهي في الواقع تكرر كلمتي "الكرامة الإنسانية" ما لا يقل عن سبع مرات في صفحاتها الإحدى والثلاثين. وهي إذ تفعل ذلك تسترشد بمبادئ "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي صدر عام 1948 رداً على "تناسي حقوق الإنسان وازدرائها" على مدى سنوات والذي يدعو في صميمه إلى عالم يحظى فيه كل إنسان باحترام كرامته.

    ويزعم الرئيس جورج بوش أنه من المدافعين الأوفياء عن الإعلان العالمي. وقد قال أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة إن "الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها من الموقعين الأصليين لميثاق الأمم المتحدة ملتزمة تجاه الأمم المتحدة. ونحن نبدي هذا الالتزام من خلال العمل على الوفاء بالأهداف المعلنة للأمم المتحدة وإضفاء معنى على مثلها. وتستند وثائق تأسيس الأمم المتحدة ووثائق تأسيس أمريكا إلى نفس التراث. فكل منها تشدد على أن البشر ينبغي ألا يهونوا فيصبحوا أدوات للسلطة أو التجارة، لأن كرامتهم أصيلة فيهم."vii كما شدد في خطب "حالة الاتحاد" الثلاثة التي ألقاها وكذلك في خطاب تنصيبه على أن الولايات المتحدة الأمريكية أُسِسَّت على الدفاع عن الكرامة الإنسانية وأنها مخلصة لهذه القضية.viii وقال في خطاب ألقاه أخيراً في "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية" بخصوص السلام والأمن "نحن نؤمن بأن... من واجب الدول احترام كرامة جميع الأفراد وحقوقهم."ix

    وفي هذا الاتجاه نفسه تخصص "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية فصلاً كاملاً تعد فيه بأن الولايات المتحدة "ستدافع بحزم عن المطالب الثابتة والراسخة للكرامة الإنسانية"، بما في ذلك "حكم القانون" و"القيود على السلطة المطلقة للدولة". وتشدد "الاستراتيجية القومية لمكافحة الإرهاب" الخاصة بالولايات المتحدة على أن الارتقاء بالعالم بحيث تصبح فيه مثل هذه المبادئ "معتمدة كمعايير وليس كاستثناءات هو أفضل ترياق يتصدى لانتشار الإرهاب". وتخلص إلى أن "هذا هو العالم الذي ينبغي أن نبنيه اليوم".

    وبدلاً من ذلك كله، أقامت الولايات المتحدة معسكر اعتقال في قاعدتها العسكرية في خليج غوانتانامو في كوبا وملأته بمئات المحتجزين من شتى أنحاء العالم. كما يُحتجز عدد غير معروف من الأشخاص في أماكن أخرى لم يُكشف عنها ولا تعرف حتى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهي المنظمة الدولية الوحيدة التي سُمح لها بزيارة معتقلي غوانتانامو، أماكن احتجاز هؤلاء المعتقلين ولا تتمكن من الاتصال بهم.x

    وقد صار مركز الاحتجاز الأصلي في غوانتانامو، أي "معسكر إكس راي"، ثم "معسكر دلتا" الذي حل محله، والآن "معسكر إكو"، حيث يُودع المعتقلون في فترة الاحتجاز السابقة على المحاكمة أمام اللجنة العسكرية منذ أشهر في عزلة أشد، مرادفاً لسعي الحكومة للاضطلاع بسلطات تنفيذية لا يعوقها عائق ولتجاهل حكم القانون في تعارض مباشر مع استراتيجيتها الأمنية المعلنة. وبعد أن مضى على كثير من المعتقلين الآن ما يزيد كثيراً على العامين محتجزين في زنازين ضيقة لمدد تقرب من 24 ساعة في اليوم خارج نطاق أي عملية قانونية، يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية تعتبر الكرامة الإنسانية وحكم القانون أمرين بعيدين عن الثبات والرسوخ فيما يتصل بالأمن القومي.

    وما زالت بواعث القلق الدولي بخصوص غوانتانامو تتزايد. فعلى سبيل المثال، خصتها الفائزة بجائزة نوبل للسلام، داعية حقوق الإنسان الإيرانية شيرين عبادي، بالذكر في خطاب قبول الجائزة إذ قالت: "في العامين الأخيرين انتهكت بعض الدول المبادئ والقوانين العالمية لحقوق الإنسان من خلال استغلال أحداث 11 سبتمبر/أيلول والحرب على الإرهاب الدولي كذريعة... وفي هذا الإطار سُجن مئات من الأفراد الذين اعتُقلوا في سياق صراعات عسكرية لشهور في غوانتانامو دون التمتع بالحقوق المقررة بموجب اتفاقيات جنيف الدولية والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية."xi

    وقد اعتُقل بعض سجناء غوانتانامو في ساحة الصراع في أفغانستان، إلا إن ثمة آخرين احتُجزوا في بلدان بعيدة عن ميدان هذه المعركة. ولم يكن اعتقال بعضهم سوى عمليات اختطاف خارج نطاق القضاء تتجاهل ضمانات حماية حقوق الإنسان والإجراءات القضائية المعمول بها في تلك البلدان. ويشير أحدث تقرير لوزارة الخارجية الأمريكية بخصوص حقوق الإنسان في البلدان الأخرى إلى أن السلطات القضائية في البوسنة والهرسك خلصت إلى أن "اتفاقيات حقوق الإنسان" انتُهكت عندما نُقل ستة من المواطنين الجزائريين من البوسنة "إلى حجز حكومة أجنبية في يناير/كانون الثاني 2002."xii ولم تذكر وزارة الخارجية الأمريكية أن الحكومة الأجنبية المعنية هي حكومة الولايات المتحدة الأمريكية وأن الرجال الستة انتهى بهم المطاف في خليج غوانتانامو حيث لا يزالون قابعين بعد مرور أكثر من عامين.

    وقد وصل أول سجناء يُنقلون إلى خليج غوانتانامو من أفغانستان يوم 11 يناير/كانون الثاني 2002، بعد رحلة جوية استغرقت 20 ساعة قضوها محرومين من استعمال حواسهم ومكبلين بأغلال كثيفة. وأضحت صورة وزعتها وزارة الدفاع الأمريكية آنئذ رمزاً للاستثنائية الأمريكية غير المقبولة. ويظهر فيها المعتقلون في بزات برتقالية اللون جاثين أمام الجنود الأمريكيين وهم مكبلين بالأغلال وأيديهم مقيدة بالقيود الحديدية وقد وُضعت على أعينهم نظارات تزلج مطلية لحجب الرؤية وعلى أفواههم وأنوفهم أقنعة. وقال سيد أبا زين، وهو من محتجزي غوانتانامو السابقين مستعيداً ما حدث له: "وصلت مقيداً مكمماً. لقد كانت معاملة إنسان على هذا النحو عملاً حيوانياً. وكان أفظع يوم في حياتي."xiiiوفي الوقت نفسه، كانت اللقطات التي أذاعتها محطات التلفزيون للمعتقلين في زيهم البرتقالي اللون وهم مكبلين بالسلاسل الحديدية يجرون أقدامهم إلى غرفة التحقيق أو يُنقلون إلى هناك على محفات متحركة ذات عجلات، تؤكد ما يرمز إليه لذلك المعتقل الذي مُنعت منظمات حقوق الإنسان من زيارته.

    وجاء نقل بعض المعتقلين، مثل سيد أبا زين، إلى كوبا في أعقاب تعرضهم على مدى أسابيع لمعاملة قاسية في الحجز الأمريكي في أماكن أخرى. فقد كان محمد إسماعيل أغا "صبياً قروياً أمياً نحيلاً في الثالثة عشرة من عمره" عندما أُودع في الحجز الأمريكي في أفغانستان في أواخر عام 2002 حيث احتُجز في قاعدة بغرام الجوية ستة أسابيع. ومع ذلك فقد اعتُبر "خطراً على أمن الولايات المتحدة" وأُودع بعد ذلك في الحجز الأمريكي دون تهمة أو محاكمة ما يزيد على العام، بما في ذلك فترة قضاها في خليج غوانتانامو. وقد أُعيد إلى أفغانستان حيث أُفرج عنه في أواخر يناير/كانون الثاني 2004 مع اثنين آخرين من الأطفال المعتقلين بعد أن تقرر رسمياً أنهم "ما عادوا يمثلون خطراً على أمتنا" دون تفسير للسبل التي يمكن لأطفال من خلالها أن يهددوا أمن واحدة من أقوى الدول على الأرض.xiv

    وادعى محمد إسماعيل أغا أنه احتُجز رهن الحبس الانفرادي في بغرام وتعرض لما صار يُعرف "بأساليب الضغط والإكراه".xv وقال: "كانوا يستجوبونني كل يوم ولم يقدموا لي في الأيام الثلاثة أو الأربعة الأولى سوى القليل من الطعام، وكانوا يعاقبونني." وقال إنه كان يُرغم على الجلوس متربعاً على الأرض لثلاث أو أربع ساعات متواصلة حتى عندما يكون راغباً في النوم.xvi وقال: "كان مكاناً فظيعاً. وكنت كلما غفوت يركلون بابي ويصيحون في أن أستيقظ. وعندما كانوا يحاولون حملي على الاعتراف كانوا يجعلونني أقف منثني الركبتين لساعة أو ساعتين. وفي بعض الأحيان لم أكن أقوى على تحمل المزيد وكنت أسقط على الأرض فكانوا يجعلونني أقف بهذه الطريقة مزيداً من الوقت."xvii وتتفق مزاعمه مع ما ذكره بعض المعتقلين السابقين الآخرين الذين احتجزهم الجيش الأمريكي في أفغانستان.xviii

    ومن بين هؤلاء وزير محمد، وهو سائق سيارة أجرة أفغاني أُفرج عنه من خليج غوانتانامو في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 وتحدث إلى منظمة العفو الدولية في كابول في أواخر فبراير/شباط 2004. وقد استعاد خلال المقابلة ما مر به خلال احتجازه في الحجز الأمريكي في أفغانستان في إبريل/نيسان ومايو/أيار 2002 قبل نقله إلى غوانتانامو. وقال إنه احتُجز في زنزانة بمفرده في قاعدة بغرام الجوية لمدة 45 يوماً وظل مكبلاً بالسلاسل ومقيد اليدين بالقيود الحديدية طوال الأسبوع الأول. كما أشار إلى إضاءة منطقة الاحتجاز لمدة 24 ساعة في اليوم وقيام الأفراد العسكريين بمنع المحتجزين من النوم من خلال الطرق بعصي على المعدن لإحداث جلبة كبيرة. وقد استُجوب مرة واحدة لمدة تقرب من ساعة، وكان يُقال له في كل يوم من الأيام الخمسة والأربعين إنه سيُفرج عنه.

    إلا إنه لم يتم الإفراج عن وزير محمد، بل نُقل من بغرام إلى قاعدة قندهار الجوية. وقال إنه كان خلال نقله مغطى الرأس مقيد اليدين، وكانت القيود الحديدية ضيقة إلى حد أنها حبست الدم عن يديه. وفي قندهار استُجوب من جديد مرة واحدة لمدة تقرب من ساعة. وقال إنه أُرغم على الزحف على ركبتيه من زنزانته إلى غرفة الاستجواب، وهي مسافة استغرقت منه قرابة عشر دقائق.

    واحتُجز وزير محمد طوال المدة التي قضاها في بغرام وقندهار بمعزل عن العالم الخارجي. ولم يُمنح أية فرصة للطعن في قانونية احتجازه. ولم يكن له محام، ولم يُسمح له بالاتصال بأسرته، ولم يمثل أمام أي محكمة، بما في ذلك "الهيئة القضائية المختصة" المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف لتحديد وضع السجناء في زمن الحرب. كما لم يلتق قط بأي من مندوبي الجنة الدولية للصليب الأحمر. وبعد ذلك أُودع على متن طائرة أقلته إلى خليج غوانتانامو. وقال إنه قضى مدة الرحلة الجوية التي بلغت 22 ساعة مغطى الرأس مقيد اليدين. وعندما سُئل بخصوص استعمال المرحاض خلال الرحلة الجوية رفض الخوض في التفاصيل قائلاً إنه لا يستطيع الحديث عن بعض الأمور التي حدثت في الطائرة.xix وقال وزير محمد إنه عند الوصول إلى غوانتانامو أُخذ هو وزملاؤه المعتقلون من الطائرة "كبضاعة لا كبشر". أين كان التزام "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية بالكرامة الإنسانية آنئذ؟ وكيف تنهض المعاملة القاسية والمهينة للمعتقلين بالأمن القومي.

    وبالمثل، يتنافى رفض الإدارة للمراجعة القضائية لاستمرار احتجاز المعتقلين مع الضمانة الواردة في "استراتيجية الأمن القومي" بخصوص "القيود على السلطة المطلقة للدولة". وفي معرض دحض الحاجة إلى التدخل القضائي أعلنت الإدارة أخيراً أنها ستنشئ آلية للمراجعة الإدارية السنوية لاستمرار احتجاز المعتقلين. وجاء الإعلان عن هذا البديل غير الكافي للمراجعة القضائية في إطار زيادة حادة في المعلومات التي تقدمها الإدارة بخصوص المعتقلين منذ أعلنت المحكمة العليا الأمريكية أنها ستنظر في مسألة ما إذا كانت المحاكم المحلية تتمتع بالولاية على محتجزي غوانتانامو. وتشير الإدارة كذلك إلى عملية الفحص ذات المراحل المتعددة التي تقول إنها تستخدمها لتحديد ما إذا كان احتجاز أي فرد بعينه ضرورياً، وتلاحظ أن من علامات فعالية هذه العملية أنه لم يتقرر الاحتجاز في غوانتانامو سوى لنسبة صغيرة ممن اعتُقلوا في أفغانستان. وتضيف أنه بعد وصول المعتقل إلى غوانتانامو يُجرى تقييم آخر لاحتجازه، من خلال وسائل من بينها "مقابلات" معه. وتزعم الولايات المتحدة أنه تم الحصول على معلومات "حيوية" من خلال هذه الاستجوابات.xx

    وقد استُجوب وزير محمد مرتين في أفغانستان ثم قرابة 12 مرة في الأشهر الثمانية عشر التي قضاها في غوانتانامو، وكان الشخص الوحيد الذي رآه خلال هذه الفترة من خارج نظام الاحتجاز هو مندوب للجنة الدولية للصليب الأحمر التقى به مرة واحدة في اليوم الأول لاحتجازه في كوبا، على حد قوله. ويبدو أن "المعلومات" الوحيدة التي كان من شأن وزير محمد أن يتمكن من تقديمها هي أنه سائق سيارة أجرة وأن كل يوم يقضيه محتجزاً على بعد آلاف الأميال من بيته في أفغانستان يلحق مزيداً من الضرر بأسباب رزقه.

    ولم يكن من شأن عملية مراجعة الاحتجاز ذات المراحل المتعددة التي أعلنت عنها الإدارة أن تحول دون الاحتجاز المستديم لأشخاص مثل وزير محمد الذي يبدو أنه كان فحسب في المكان غير المناسب في الوقت غير المناسب.xxi وهو من بين 146 معتقلاً نُقلوا من غوانتانامو حتى الآن، وقد أُفرج عن غالبيتهم العظمى لدى وصولهم إلى بلدانهم.xxii وكان هؤلاء هم المعتقلون الذين وصفهم الرئيس الأمريكي وإدارته بأنهم "أشرار"، و"قتلة"، و"إرهابيون". وفي تصريحات أدلى بها يوم 13 فبراير/شباط 2004 واصل وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد هذا التجاهل لمبدأ افتراض البراءة معرضاً المعتقلين في الوقت نفسه لاحتمال زيادة خطر انتهاك حقوقهم الإنسانية عند إعادتهم إلى بلدانهم، حيث قال: "سبب احتجازهم هو بكل بساطة أنهم خطرون. ولو لم يُحتجزوا لكانوا قد عادوا إلى القتال وواصلوا قتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال."xxiii وبعد أقل من شهر سلمت وزارة الدفاع خمسة معتقلين بريطانيين إلى سلطات المملكة المتحدة. ولم تر شرطة المملكة المتحدة ضرورة حتى لمجرد استخدام القيود الحديدية مع المعتقلين وأُفرج عن الرجال الخمسة جميعاً بعد قليل من وصولهم إلى المملكة المتحدة.xxiv

    وزعم ثلاثة من المعتقلين البريطانيين أنهم تعرضوا للاستجواب ما يزيد على 200 مرة لكل منهم خلال الفترة التي أمضوها في الحجز الأمريكي دون أن يُسمح لهم بالاتصال بأي محكمة أو محام أو بذويهم. وكانت المحكمة العليا الأمريكية قد لاحظت قبل 40 عاماً عند نظرها مسألة الاستجواب في إطار الاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي أنه: "حتى دون استخدام الوحشية... يكون للاستجواب في الحجز في حد ذاته تأثير جسيم على حرية الفرد ويستغل ضعف الأفراد... ومن الواضح أنه ما من سبب لخلق مثل هذه البيئة للاستجواب سوى إخضاع الفرد لإرادة المحقق الذي يحقق معه. وهذا المناخ يحمل علامات الترهيب. وهو ليس ترهيباً بدنياً على وجه اليقين لكنه ذو تأثير مساو من حيث تدميره للكرامة الإنسانية. وتتنافى ممارسة الاستجواب بمعزل عن العالم الخارجي الحالية مع أحد أهم مبادئ أمتنا، وهو عدم إرغام الفرد على تجريم نفسه. وما لم تُستخدم إجراءات كافية للحماية لتبديد الإكراه القائم في صميم بيئة الاحتجاز فلا يمكن لأي إفادة تم الحصول عليها من المتهم أن تكون حقاً نتيجة اختياره الحر."xxv وكما تقول "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية لابد أن تكون هناك قيود على سلطة الدولة. فسلطة الدولة التي لا تحدها حدود تثير احتمال الوقوع في أخطاء لا يمكن تداركها كما تثير، كما يبين التاريخ، احتمال ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والكرامة الإنسانية.

    وأشار السجناء البريطانيون الثلاثة الذين أُفرج عنهم إلى إدلائهم باعترافات زائفة بعد أن أُودعوا في زنازين العزل واستُجوبوا مراراً وتكراراً.xxvi وعززت أقوالهم بواعث القلق بخصوص احتمال تعرض المعتقلين للمحاكمة أمام اللجنة العسكرية على أساس إفادات منتزعة تحت وطأة الإكراه، وكذلك، وبوجه أعم، بشأن إمكان أن يسفر نظام غوانتانامو عن معلومات مضللة مثلما يتيح معلومات صحيحة، وهي استراتيجية غير بناءة للنهوض بالأمن القومي. فالمعتقلون المحتجزون في هذا الإطار البعيد عن أي عملية قانونية، بنظامه الذي يثيب ويعاقب على التعاون أو عدم التعاون، من المرجح أن يقولوا ما يعتقدون أن آسريهم يريدون سماعه حتى ينالوا الرأفة أو الإفراج. وقال خبير بارز في شؤون الاستجوابات والاعترافات: "كلما طال أمد احتجاز الأشخاص وزادت قسوة ظروف احتجازهم واشتد افتقارهم إلى نظام للدعم زاد خطر أن يكون ما يقولونه غير موثوق به."xxvii كما أن الجوانب المتعلقة بالصحة العقلية لهذا الاحتجاز غير محدد الأجل تزيد بواعث القلق في هذا الصدد. وسيكتمل قريباً مرور عام على قول اللجنة الدولية للصليب الأحمر لأول مرة إنها لاحظت "تدهوراً يبعث على القلق" في الصحة النفسية لعدد كبير من المعتقلين بسبب غياب أي عملية قانونية. وأية إفادات أدلى بها المعتقلون في ظل هذه الظروف بالتصديق أن تكون محل شك إلى حد بعيد ولا يمكن قبولها كدليل في كثير من المحاكم.

    ويُذكر أنه في عام 1948 دعت الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إقرار "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" بوصفه المثل الأعلى المشترك الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب وكافة الأمم، كما يسعى جميع أفراد المجتمع وهيئاته" من أجل تحقيقه بالكامل. وتماشياً مع هذا تشدد "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية على أن الولايات المتحدة "ستجاهر بالحديث بأمانة" في التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان وتضيف أنها ستطالب الحكومات "التي تنكر حقوق الإنسان على التحرك نحو مستقبل أفضل". غير أن تجاهل الحكومة لحقوق الإنسان يسلبها حق انتقاد الآخرين وقد يمثل أيضاً سابقة تعرض أمن مواطنيها للخطر.

    ففي مذكرة قُدمت إلى المحكمة العليا الأمريكية تحثها على اعتبار المحاكم الأمريكية ذات ولاية على محتجزي غوانتانامو، كتب ما يزيد على 20 من الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين ممن شغلوا مناصب السفراء في بلدان من بينها كولومبيا، والبرازيل، وزمبابوي، وروسيا، والسلفادور، والهند، وسريلانكا، والبرتغال، وموريشيوس، ومالطا، وإسرائيل، وزامبيا، ونيجيريا، وليبيا، وإندونيسيا، والفلبين، ومصر، والأردن، وجمهورية أفريقيا الوسطى، والكويت، واليونان، وساحل العاج، وكوستاريكا، وفنزويلا، وبيرو أن الوضع في غوانتانامو "من واقع خبرتنا في مجال السياسة الخارجية هو حالة ذات مغزى عام واسع. وقد اكتسب فعلياً في واقع الأمر سمعةً سيئةً في الخارج... والانطباع الذي توحي به هذه الحالة في الخارج –ومؤداه أن قوة الولايات المتحدة يمكن ممارستها خارج نطاق القانون بل ويُفترض أنها تُمارس بشكل يتنافى مع القانون – سيضعف مكانتنا وسمعتنا في العالم."

    وأضاف الدبلوماسيون السابقون أن المغزى الذي ينم عنه نظام غوانتانامو "يضع مواطني الولايات المتحدة في الخارج – وكذلك مواطني البلدان الأخرى – في خطر لأنه يمكن الاستشهاد به تأييداً لممارسة بلدان أخرى الاحتجاز التعسفي... ومن دواعي الأسف أن هذه الرسالة وصلت على ما يبدو. فقد استغلت بلدان أخرى بالفعل النموذج الذي تقدمه الولايات المتحدة في تبرير انتهاكاتها. فعلى سبيل المثال، قال وزير العدل الماليزي مبرراً احتجاز المتشددين دون محاكمة إن هذا الإجراء "يماثل تماماً العملية الجارية في خليج غوانتانامو". وأكد أنه "يشبّه الوضع بخليج غوانتانامو لمجرد أن يكون واضحاً لكم أن هذا ليس مجرد أسلوب ماليزي في معالجة الأمور"."xxviii

    وفي مذكرة أخرى مقدمة إلى المحكمة العليا الأمريكية تأييداً لمعتقلي غوانتانامو، قال عدد من الضباط العسكريين الأمريكيين المتقاعدين: "رغم تنديد المسؤولين الأمريكيين ببلدان أخرى لاحتجازها الأشخاص لأجل غير محدد دون أن تتيح لهم اللجوء إلى محكمة أو هيئة قضائية، فإن النظم الاستبدادية في أماكن أخرى تشير إلى معاملة الولايات المتحدة لسجناء غوانتانامو كمبرر لمثل هذه الإجراءات." وتستشهد المذكرة بأمثلة من إريتريا، ومصر، والكاميرون، وبوركينا فاسو، وساحل العاج. وتضيف: "إذا كان الاحتجاز الأمريكي لسجناء غوانتانامو– أي الحبس لأجل غير محدد دون أي مراجعة من جانب محكمة أو هيئة قضائية – يُعتبر سابقة لأعمال مماثلة من جانب دول نحن في سلام معها، فمن الواضح أنه قد يُعتبر كذلك أيضاً من جانب أعداء يأسرون جنوداً أمريكيين في صراع قائم أو مستقبلي. ونتيجة لذلك قد تكون حياة أفراد القوات العسكرية الأمريكية عرضة للخطر بسبب إحجام الولايات المتحدة عن منح السجناء الأجانب الذين تحتجزهم نفس الحقوق التي تصر الولايات المتحدة على منحها للسجناء الأمريكيين الذين يحتجزهم الأجانب."xxix وأيدت مجموعة من أسرى الحرب الأمريكيين السابقين هذا الرأي في مذكرة قدمتها إلى المحكمة العليا وقالت المجموعة في مذكرتها إنه إذا كانت الولايات المتحدة تنتهك حقوق الإنسان "فهي تعرض للخطر سلامة رجال ونساء القوات المسلحة الأمريكية وقدرتها هي نفسها على الإصرار على التزام الدول الأخرى بأعراف اتفاقيات جنيف."xxx

    وقالت "لجنة الحقوقيين الدولية"، وهي منظمة غير حكومية تتألف من 60 من الحقوقيين البارزين يمثلون الأنظمة القانونية المختلفة في العالم، إن تجاهل الولايات المتحدة للأسس القانونية في غوانتانامو يقوض عملها في مجال النهوض بحكم القانون في المجتمع الدولي.xxxi

    ويمثل تطبيق معايير مزدوجة أحد أسباب الاستياء الدولي من السلطات الأمريكية. ففي عام 2002، خلص تقرير رعاه "مجلس العلاقات الخارجية"، وهو مركز بحوث أمريكي غير حزبي، إلى أن الإدارة فشلت في التصدي للحقيقة المتمثلة في أنه "في شتى أنحاء العالم من أوروبا الغربية إلى الشرق الأقصى يعتبر الكثيرون الولايات المتحدة بلداً متغطرساً يتسم بالنفاق ومستغرقاً في ذاته ومنقاداً لأهوائه ولا يقيم اعتباراً للآخرين."xxxii وفي يوم نشر التقرير رد البيت الأبيض بأنه سينشئ "مكتباً للاتصالات العالمية" للقيام بدور التنسيق في التصدي لمثل هذه التصورات. وحسب تعبير المتحدث باسم الرئيس "سيساعد تحسين تنسيق الاتصالات الدولية أمريكا على شرح ما نقوم به ولماذا نقوم به في شتى أنحاء العالم."xxxiii وقد حذرت منظمة العفو الدولية آنئذ من أن الولايات المتحدة تحتاج، في مجال حقوق الإنسان على الأقل، إلى تجاوز أنشطة العلاقات العامة وإجراء تغيير كبير إذا كانت ترغب في تحسين سمعتها في الخارج.xxxiv ولعل غوانتانامو هو الوجه الأسوأ سمعةً من أوجه إخفاق الإدارة في هذا المجال، حيث يؤجج الانقسامات الدولية ويقوض التعاون الدولي.

    وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة قبل غزو العراق بستة أشهر، قال الرئيس جورج بوش "لقد أنشأنا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة حتى... لا تكون قراراتنا مجرد أمنيات. فبعد أجيال شهدت حكاماً مستبدين مخادعين ومخالفة للمعاهدات وإهداراً للأرواح كرسنا أنفسنا لمعايير الكرامة الإنسانية التي يؤمن بها الجميع ولنظام للأمن يدافع عنه الجميع."xxxv وتساءل الرئيس بوش منذراً بالقيام بعمل عسكري ضد العراق ما لم يتم الوفاء بقرارات مجلس الأمن: "هل ستُحترم قرارات مجلس الأمن وتُوضع موضع النفاذ أم تُنحى جانباً دون عواقب؟ هل ستفي الأمم المتحدة بالغرض من إنشائها أم ستكون غير ذات صلة بمجريات الأمور؟"

    وكان مجلس الأمن قد أصدر في وقت سابق قراراً ذَكَّر فيه جميع الدول بأن "تضمن الالتزام في أية إجراءات تُتخذ لمكافحة الإرهاب بكل واجباتها بموجب القانون الدولي، وأن تتخذ مثل هذه الإجراءات بشكل يتفق مع القانون الدولي، وخصوصاً القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي بخصوص اللاجئين والقانون الإنساني الدولي".xxxvi وقد صدر هذا القرار بعد مرور عام على وصول أول دفعة من السجناء إلى خليج غوانتانامو. وما زال قرابة 600 سجين محتجزين هناك دون أية عملية قانونية من أي نوع، مما يمثل انتهاكاً للقانون الدولي وتجاهلاً تاماً لقرارات مجلس الأمن الدولي.xxxvii

    وفي خطابها بمناسبة قبول جائزة نوبل أشارت داعية حقوق الإنسان الإيرانية شيرين عبادي إلى أن "ثمة سؤالاً كان ملايين المواطنين في المجتمع المدني الدولي يسألونه لأنفسهم طوال السنوات القليلة الماضية، وخصوصاً في الأشهر الأخيرة، وما زالوا يسألونه وهو: لماذا تكون بعض قرارات مجلس الأمن الدولي ومقرراته ملزمة بينما لا تملك بعض قرارات المجلس الأخرى قوة الإلزام؟ لماذا لا توضع العشرات من قرارات الأمم المتحدة المعنية باحتلال دولة إسرائيل للأراضي الفلسطينية والصادرة على مدى الخمسة والثلاثين عاماً الماضية موضع التنفيذ على وجه السرعة بينما تعرض العراق دولةً وشعباً على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية للهجوم، والضربات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وأخيراً الاحتلال العسكري، تارة بتوصية من مجلس الأمن وتارة على الرغم من معارضة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟"

    وما من شك في أن الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه غير مشروع دولياً ولا يقوم على دوافع تتسم بالشفافية أو على معلومات يًوثق بها، قد أجج التوتر الدولي ويرى البعض أنه جعل العالم أقل أمناً.xxxviii فهل يمكن أن يُقال الشيء نفسه بخصوص فضيحة حقوق الإنسان في خليج غوانتانامو التي ما زالت مستمرة بعد مرور ما يزيد على عامين؟ فهذه العلامة البارزة على انتهاك القانون الدولي تشير في النهاية إلى أن الولايات المتحدة تشترك على الأقل في بعض الصفات التي تنسبها إلى ما تسميه "الدول المارقة". فالدول المارقة حسب "استراتيجية الأمن القومي" هي تلك الدول التي "لا تبدي اعتباراً للقانون الدولي" و"تنتهك بفظاظة المعاهدات الدولية التي هي طرف فيها".

    وأفادت الأنباء أن وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بعث برسالة "شديدة اللهجة" إلى وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، في إبريل/نيسان 2003، يشير فيها إلى شكاوى من حكومات ثمان من الدول المتحالفة التي لها محتجزون ضمن سجناء غوانتانامو ويشير إلى أن الموقف يهدد بتقويض التعاون الأمني الدولي.xxxix ومنذ ذلك الحين قال واحد على الأقل من المسؤولين الحكوميين الأمريكيين السابقين إن احتجاز المعتقلين في غوانتانامو أدى إلى تقويض الأمن ولم يساعد على النهوض به. ففي 24 مارس/آذار 2004، قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت، التي كانت تتولى الوزارة قبل الوزير باول، في إفادتها أمام لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة "لمست استياءً واسع النطاق في كثير من أرجاء العالم من قرار إدارة بوش احتجاز المئات من الأشخاص في غوانتانامو لما يزيد على العامين دون محاكمة أو الحصول على مساعدة قانونية أو توجيه أي تهم محددة إليهم. ولم يكن لأي جانب آخر من جوانب سياستنا مثل هذا التأثير في مجال تقليص التأييد للولايات المتحدة وإثارة الشكوك بخصوص التزامنا بمثلنا. ومن المحتمل وربما من المرجح أن الغضب من هذا الاحتجاز قد ساعد بن لادن على النجاح في تجنيد مزيد من النشطاء الجدد يفوقون المشتبه بهم المحتجزين عدداً."

    وكان من شأن الالتزام الحقيقي والصارم بمبادئ حقوق الإنسان الأساسية أن يساعد على تجنب مثل هذا الاستياء و"التقليص" للتأييد الدولي. وتوافق وزارة الخارجية الأمريكية حتى الآن على هذا فيما يبدو. فموقعها على شبكة الإنترنت يحوي الإفادة التالية: "لقد كانت حماية حقوق الإنسان الأساسية حجر أساس قامت عليه الولايات المتحدة قبل ما يزيد على 200 عام. ومنذ ذلك الحين كان من بين الأهداف المحورية للسياسة الخارجية الأمريكية النهوض باحترام حقوق الإنسان كما تمثلت في "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان". وتدرك الولايات المتحدة أن وجود حقوق الإنسان يساعد في إقرار السلام، وردع العدوان، والارتقاء بحكم القانون، ومكافحة الجريمة والفساد، وتعزيز النظم الديمقراطية، ومنع الأزمات الإنسانية." ويبين احتجاز المعتقلين في غوانتانامو وبغرام وأماكن أخرى لم يتم الكشف عنها أن الولايات المتحدة الأمريكية تنهى عن الفعل وتأتي بمثله.

    وأشار هارولد هونغجو كو، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لشؤون حقوق الإنسان في إدارة كلينتون، إلى أنه منذ 11 سبتمبر/أيلول 2001 "صار التحرر من الخوف هاجساً يمسك بتلابيب سياسة حقوق الإنسان الأمريكية".xl ووصف خلق "المناطق الواقعة خارج نطاق القانون" مثل خليج غوانتانامو و"الأشخاص الواقعين خارج نطاق القانون" مثل "المقاتلين المعادين" بأنه من العناصر المحورية لهذا المنهج المعيب. ويتعارض التصرف فوق القانون بهذه الطريقة تعارضاً مباشراً مع رؤية "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" الذي ينص على أنه "من الضروري أن يتولى القانون حماية حقوق الإنسان".

    وقبل عامين من اعتماد "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، كتبت المحكمة العليا الأمريكية تقول: "كان من شأن كل جهود التعبئة وكل المجهود الحربي أن يذهب سدى لو أننا اكتشفنا بعد انتهاء كل شيء أننا دمرنا في هذه العملية نفس الحريات التي حاربنا من أجلها؟"xli ويمكن أن يُقال الشيء نفسه بخصوص ما يُسمى "الحرب على الإرهاب". فالسعي من أجل التحرر من الخوف هدف حكومي مشروع في مجال حقوق الإنسان، إلا إنه سيأتي بنتائج عكسية إذا تم العمل من أجل تحقيقه على حساب الحريات الأساسية الأخرى المنصوص عليها في الإعلان العالمي. وتدعي "استراتيجية الأمن القومي" الأمريكية احترام هذه الحقوق الأساسية، إلا إن الإدارة تتقاعس عن الوفاء بهذا الوعد. ونتيجة لذلك تهدد سياسة احتجاز الأشخاص التي تتبعها الولايات المتحدة الأمريكية في "الحرب على الإرهاب" بتقويض الأمن بدلاً من النهوض به من خلال إضعاف حكم القانون واحترام قيم الكرامة الإنسانية التي طالما احتضنتها.

    وفي قصيدة كتبها لأسرته من خليج غوانتانامو في عام 2002، كتب الأفغاني وزير محمد "لم يسألني أحد أأنا إنسان أم لا".xlii وستكون الحكومة الأمريكية قد أحسنت صنعاً إن هي تدبرت كلماته، فهي تقول بطريقة أخرى ما يقوله "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان"، وهو أن البشر، بما في ذلك المحتجزين في كل المواقف، هم بشر أولاً وأخيراً، حيث ينص على أن "الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم". وما من سبب يدعو للتخلي عن حكمة "الإعلان العالمي لحقوق الإنسان" ورؤيته في الوقت الحاضر.

    الهوامش

    i الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، الاجتماع الخاص "للجنة مكافحة الإرهاب" المنبثقة عن مجلس الأمن مع المنظمات الدولية والإقليمية وشبه الإقليمية، 6 مارس/آذار 2003.

    ii تصريحات في لقاء صحفي بخصوص التقارير القطرية لوزارة الخارجية الأمريكية المعنية بممارسات حقوق الإنسان لعام 2002، وزير الخارجية كولن باول، واشنطن، 31 مارس/آذار 2003.

    iii Guantلnamo Bay: the legal black hole. Johan Steyn, 27th F.A. Mann Lecture, 25 November 2003.

    iv Rasul v Bush, Brief of 175 members of both Houses of the Parliament of Great Britain and Northern Ireland as amici curiae in support of petitioners. The final quote is from Korematsu v United States, 584 F. Supp. 1406 (N.D. Cal. 1984).

    v Al Odah et al v US, In the Supreme Court of the United States, Brief of the military attorneys assigned to the defense in the Office of Military Commissions as amicus curiae in support of neither party, 14 January 2004.

    وقرار المحكمة العليا الأمريكية الصادر عام 1950 في دعوى جونسون ضد أيزنترينجر هو ما تستند إليه الحكومة في منع المحاكم المحلية من التدخل في نظام غوانتانامو.

    vi لورن كرينر، مساعد وزير الخارجية لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل. إعلان التقارير القطرية بخصوص ممارسات حقوق الإنسان لعام 2001. وزارة الخارجية الأمريكية، واشنطن. 4 مارس/آذار 2002.

    vii خطاب الرئيس جورج بوش أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، 23 سبتمبر/أيلول 2003.

    viii "هدفنا هو إحلال سلام يقوم على الديمقراطية – سلام يتأسس على كرامة وحقوق كل رجل وامرأة." خطاب حالة الاتحاد، 20 يناير/كانون الثاني 2004. "لقد كرس من أسسوا بلدنا هذا البلد لقضية الكرامة الإنسانية وحقوق كل شخص والإمكانيات التي تتيحها حياة كل شخص." خطاب حالة الاتحاد، 28 يناير/كانون الثاني 2003. "ستدافع أمريكا دائماً بقوة عن متطلبات الكرامة الإنسانية الثابتة والراسخة." خطاب حالة الاتحاد، 29 يناير/كانون الثاني 2002. "بلا كلل وبلا مهادنة وبلا نهاية نجدد اليوم هذا الهدف، وهو أن نجعل بلادنا أكثر عدلاً وكرماً، وأن نؤكد كرامة شخوصنا وكل شخص." خطاب التنصيب، 20 يناير/كانون الثاني 2001.

    ix كلمة الرئيس بوش في "المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية"، 19 نوفمبر/تشرين الثاني 2003.

    x تشير بعض الأنباء إلى احتمال وجود بعض من مراكز الاحتجاز السرية هذه في تايلاند والأردن وباكستان. انظر على سبيل المثال:
    Operation Take Away My Freedom: Inside Guantanamo Bay On Trial, By David Rose. Vanity Fair, January 2004.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-05-20
  3. يافعي بيقرح قوح

    يافعي بيقرح قوح عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-04-26
    المشاركات:
    412
    الإعجاب :
    0
    الله اكبر

    كم اقري الله الله تعرف انا من النو الكسل الذي احب اقرا جماع كلمات لا كن اشكرك واحاول ان اقري هذا الموضوع بعدين شكرا
     

مشاركة هذه الصفحة