السعي لطلب العزة

الكاتب : فرج الامه   المشاهدات : 397   الردود : 0    ‏2004-05-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-16
  1. فرج الامه

    فرج الامه عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-14
    المشاركات:
    6
    الإعجاب :
    0
    6666CCالسّعي لطلب العزة

    بسم الله الرحمن الرحيم . الحمد الله الذي أعزنا بالإسلام , فقال جل من قائل ( ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله﴾ ) . والصلاة والسلام على النعمة المزجاة محمد القائل " " لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عِزَّةٍ وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ " أخرجه أحمد من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ

    إخوتي وأخواتي ,
    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    لا يخفى عنكم أننا نعيش اليوم ظروفا ليست عادية , ولا تنسجم مع طبيعة هذه الأمة العريقة , ذات الأصالة المتجذرة , والحضارة المميزة , التي لا تضاهيها أي حضارة في الوجود . اليوم أيها الإخوة انقلبت الموازين , وتغيرت المفاهيم , والتبست على الناس العديد من الأمور. وصرنا نرى الأذلاء يطلون من شرفة العز على الأعزاء في ساحة الذل . وصرنا نرى الجاهل السفيه متقمصا قمصان الأشراف , والعزيز الشريف تزدرأه الأنظار, إلى غير ذلك من الأمور التي يشيب لها الرأس , ويحار فيها الحليم . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاسِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ *أخرجه أحمد . وما دامت هذه هي حالنا, كان لابد لنا من وقفة حازمة نرد فيها الأمور إلى نصابها والمفاهيم إلى صوابها .

    واليوم أيها الأخوة سنتناول بالبحث موضوعا من بين العديد من المواضيع التي التبس فهمها على المسلمين , ألا وهو موضوع العزة ولمن تكون , وكيف نعمل على تحصيلها... . وأود أن أقف مع حضراتكم على هذا الأمر, وقفة فكرية وشرعية .

    فأقول وبالله التوفيق :

    إن كل من درس واقع الإنسان وتمرس في فهم طبيعته وتفحص فطرته , يدرك تمام الإدراك , أن هذا الكائن الإجتماعي الحي متميز عن باقي الكائنات . فهو ليس مجرد كتلة من اللحم والعظم تتحرك فوق سطح الأرض , وإنما فطره الله على خاصية . هي مجموعة الحاجات العضوية والغرائز الفطرية . ولهذه الخاصية مظاهر مختلفة ومتنوعة نلاحظها في الإنسان . وقبل أن أواصل معكم تفصيل هذا الأمر, أود أن ألفت انتباهكم أيها الإخوة إلى التقارب بين الإنسان والحيوان في بعض ما فطر كلاهما عليه , وما تميز به أحدهما عن الآخر, حسب صفات كل واحد منهما. فالإنسان يشترك مع الحيوان في بعض الخاصيات , كالحاجة العضوية وبعض الغرائز الفطرية , كغريزة النوع وغريزة حب البقاء , ولكنه يتميز عنه بغريزة التدين , و بالعقل والإدراك , أي بالطاقة العاقلة . فالإنسان سمي إنسانا لأن الله كرّمه بالعقل , والحيوان سمي حيوانا لأنه فاقد للعقل , قال تعالى (﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾) . هذه إذا ملاحظة هامة لا بد من الإنتباه إليها ونحن نتدارس هذا الموضوع . ثم لا ننسى كذلك أن في الإنسان أمورا جبل عليها , وهذه الجبلة هي واحدة عند البشر , فكلنا مجبولون على الشيء نفسه , كالحركة والسكون , والأكل والشرب , والقيام والجلوس . وهذه الجبلة لا تهمنا في موضوعنا هذا وليست هي مركز إهتمامنا . بينما الذي يهمنا ويمثل بالفعل مركز إهتمامنا هي الأمور التي لها علاقة عضوية بموضوعنا, ألا وهي تلك الصفات التي يكتسبها الإنسان كسبا من خلال تجربته في الحياة , كالكرم والبخل , والصدق والكذب , والشجاعة والجبن , والعزة والذل . وعليه فإن حياة الإنسان أيها الأحبة , تتأرجح بين الرقي والإنحطاط , بين ما هو إيجابي وما هو سلبي , حسب همة الشخص . ولملاحظة ذلك عليك بالنظر في سلوك الناس . فالخاصية التي فطر عليها الإنسان , من مجموع الحاجات العضوية والغرائز الفطرية هي المحرك الذي يولد الطاقة الحيوية فيه , فيندفع إلى إشباع جوعاته وسد حاجاته وتلبية رغباته , فينتج السلوك . فإن كان للطاقة العاقلة , أي العقل لحظة هذا الإشباع دور, في تنظيم هذا الأمر وضبطه حسب كيفية معينة موافقة لفطرته . نقول حينئذ إن هذا الكائن تحققت فيه الصفة التي تميزه عن الحيوان وكان إنسانا كما يراد له أن يكون , راقيا ومرتفع الهمة . وأما إن لم يكن لها دور أو أي تأثير , وسيّرته غرائزه وشهواته , عندئذ يكون هذا الكائن قد انحدر بمحض إختياره إلى درجة الحيوان , وسلك مسلك الأنعام , وكان منحطا لا همة له . قال جل من قائل في شأن هذا الصنف , (﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾) وقال تعالى ( ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ ﴾) .

    وبناءا على ما تقدم أيها الأخوة , نقول إن للحاجات العضوية مظهرا خاصا , هو الجوع والعطش وما شابه ذلك , وإن للغرائز الفطرية عدة مظاهر مختلفة تتعلق بكل واحدة منها , كمظهر التقديس والخشوع , التابع لغريزة التدين . ومظهر الحب والحنان , التابع لغريزة النوع . ومظهر الخوف والحرص , التابع لغريزة حب البقاء . وهكذا مع بقية المظاهر الأخرى . أمّا العزة أيها الأخوة , فهي مظهر من مظاهر غريزة حب البقاء . وما من إنسان على وجه الأرض إلا ويطلب هذه العزة . لأنه مفطور على ذلك . وما دامت العزة من مظاهر حب البقاء، فان الأصل في الإنسان أن يندفع لتحقيقها كاندفاعه لتحقيق سائر مظاهر الغرائز الأخرى . لأن طلب العزة أمر فطري ولا نقاش .

    غير أنه يجب أن نلاحظ هنا أيها الأحبة , أن لكل مظهر من هذه المظاهر الغرائزية وجهين مختلفين , وجه حسن ووجه قبيح . فمثلا مظهر الكرم وهو مظهر حسن من مظاهر غريزة حب البقاء , يقابله وجه أخر قبيح هو البخل ، وكذلك الشجاعة يقابلها الجبن . وأما العزة فلا يقابلها إلا الذل . والأصل في الإنسان أن يسعى لكسب الأحسن والأفضل , ويبتعد عن كل ما هو قبيح مشين . غير انه لما يهيم على وجهه من غير هدى , ويغيب عنه دور العقل الواعي , و تضعف فيه العقيدة , فإن اندفاعه يكون باتجاه الوجه القبيح , لسهولته وتناغمه مع ما تعود عليه من خمول وكسل ، قال تعالى ( ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ ) . والحديث عن العزة وكيفية طلبها وتحقيقها غالبا ما يخالفه الكثير, لكلفة السير في هذا الإتجاه ، وما يمكن أن ينشأ عن ذلك من بلايا ومحن .

    إخوتي الكرام . اعلموا أن مظهر العزة , هو من المظاهر التي تؤثر على سير الحياة لدى الإنسان والجماعات والشعوب والأمم . فتقلبها رأسا على عقب . فالعرب في الجاهلية كانوا في ذلة وقلة , ولما أتاهم الإسلام صاروا في عزة وقوة , وركعت أمامهم أعتى الأمم وأقواها . واليوم لما فقدت الأمة الإسلامية كيانها السياسي , المتمثل في دولة الخلافة , وتعطل مع غيابها حمل الدعوة عن طريق الجهاد في سبيل الله , ذلوا في عقر دارهم , وتداعت عليهم الأمم من كل حدب وصوب , عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَئِنْ تَرَكْتُمُ الْجِهَادَ وَأَخَذْتُمْ بِأَذْنَابِ الْبَقَرِ وَتَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ لَيُلْزِمَنَّكُمُ اللَّهُ مَذَلَّةً فِي رِقَابِكُمْ لَا تَنْفَكُّ عَنْكُمْ حَتَّى تَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ وَتَرْجِعُوا عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ * أخرجه أحمد .

    أيها الأحباب ,

    إن طلاب العزة يختلفون عن غيرهم من الناس , لأنهم دائمو الحركة والبحث عما يحقق لهم هذه العزة . فتجدهم ثائرين على الأوضاع التي تجلب لهم المذلة , ويعملون الليل والنهار لبعث مظهر العزة في نفوس الأفراد والجماعات ، ذلك أنه إذا لم يكن هذا المظهر حيا في نفس الإنسان , فإن كل مفاهيم الأرض , وكل الأحداث والوقائع , لن تحرك فيه شعرة واحدة . فكان لا بد علينا أيها الأخوة أن نعالج هذا الأمر ونعتني به عناية فائقة جدا، ولابد من إثارته في النفوس بشتى السبل ، لأنه كغيره من المظاهر يمكن استفزازه وإثارته . وهي إثارة لا بد منها حتى تدبّ الحياة في الإنسان والشعوب ، فيقبلون جميعا بفكرة التغيير , بل ويسعون لها سعيا حثيثا ويبذلون في سبيلها التضحيات الجسام . فإذا ما قبلوا بهذه الفكرة , فإنه يسهل حينئذ الحديث معهم ، بل يكون منتجا بسرعة البرق . أما إذا لم يكن هذا المظهر ثائرا في نفوسهم ، وكان الوجه القبيح هو الطاغي عليهم ، فإن الحديث معهم يكون كمن ينفخ في قربة مقطوعة , كما يقال . قال تعالى (﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (52) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ﴾) .

    أيها الإخوة الأفاضل .

    يجب علينا أن نعلم أن هناك نسبا متفاوتة بين البشر في مظاهر الغرائز، فمنهم الكريم , ومنهم من هو أكرم ، ومنهم البخيل ، ومنهم من هو أشد بخلا ، وهكذا مع باقي المظاهر، ومنها العزة . غير أن الله لم يترك الحبل على الغارب ، فأرسل الرسل لينظمها بعلمه تنظيما اقتضته حكمته وقدرته عز وجل ، على نحو لا يخطر ببال إنسان . فاشبع الأضداد بشكل هو غاية في الروعة . فالله سبحانه وتعالى أوجب علينا السعي لطلب العزة ، ولكن في الوقت نفسه أوجب علينا الذلة والتمتع بها، قال تعالى ( ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾) ففي هذه الآية أوجب علينا أن نكون أعزة على الكافرين أذلة على المؤمنين ، فاشبع المظهرين المتضادين بشكل يحقق الشرف والعلو. وفي حالات أخرى نراه عز وجل يؤخر مظهرا هو بالنسبة إلينا يتربع على سلم الاولويات ويقدم عليه مظهرا مضادا له , عادة لا ترغب فيه النفس البشرية , ولم يكن ليخطر على البال , كبذل النفس في هذه الحياة في سبيل سعادة الآخرة , قال تعالى ( ﴿إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾) . وهكذا إخوتي مع باقي المظاهر .

    فالعزة إذاً لها مركز مرموق, ولذلك أوجب علينا رب العزة السعي لها ، وجعل رضاه متوقفا على هذا السعي بشكل جدي , قال تعالى : ( ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾) وقال (﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾) وعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ . وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ " أخرجه أحمد .
    فهذه النصوص , وإن كانت أخبارا , إلا أنها تفيد الطلب , فهي توجب على المسلم السعي إلى طلب العزة ، وأن لا يغمض له جفن حتى يجعل دينه وأمته ظاهرين على ما سواهما. فلا يحل له أن يقعد عن السعي للعزة مهما كلفه ذلك من تضحيات . ولا يقعد عن تحقيقها بحجة أن السعي لها قد يعرض حياته للخطر, أوقد تصادر حريته , أو قد يحرم من وظيفته , أو قد يفقد أهله وأبنائه , أو ما شابه ذلك . لأن الله عز وجل قد جعل العزة لدينه وللمسلمين فوق ذلك كله .

    أيها الأخوة .

    قد يترخص بعض الخوالف للقعود عن السعي لطلب العزة . ويعتذرون بأعذار واهية , ويزعمون أننا في حالة لا نحسد عليها من الضعف وقلة الحيلة . فنرد على هؤلاء بما تقتضيه شيم الأتقياء ونشامة الصالحين , ونقول لهم , تبا لمن أسلم نفسه للذل والمهانة بعدما أنعم عليه ربه بنعمة الإيمان , وجعل له حظا في الإنتساب لأمة الخير, أمة سيد الأنام . فالضعف وقلة الحيلة ليست بأعذار شرعية . فقد كان في سلفنا الصالح من هو أضعف وأقل حيلة منا , ولكن قوة الإيمان الدافعة , والصبر على الأذى , والنخوة والمروءة , جعلتهم أبطالا نفخر بهم ونقتدي بهداهم ونترسم خطاهم . فها هم أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم – كانوا مستضعفين بمكة وكانوا كلما مروا بكفار قريش غمزوهم بألفاظ ساقطة , منها قولهم " ها هم أتباع ابن أبي كبشة ", يريدون بذلك تحقيرهم وتحقير نبيهم و دينهم, فكان رد الصحابة – رضوان الله عليهم - ردا نشتم منه رائحة الفخر والإعتزاز , فيقولون كذبتم بل نحن أتباع محمد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - . وكذلك ما حدث مع المهاجرين في الحبشة , لما أرسلت قريش في أثرهم داهية العرب , عمرو ابن العاص و عبد الله ابن أبي ربيعة , ليستميلا ملكها فيسلّمهم إليهم , ولما وقع ما وقع وسمع الملك مقالة عمرو في المهاجرين , طلب بإحضارهم ليسمع منهم , فتشاور المهاجرون فيما بينهم وقالوا : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول والله ما علمنا, وما أمرنا به نبيّنا – صلى الله عليه وسلم – كائنا في ذلك ما هو كائن . فالله أكبر الله أكبر, نِعمَ الرجال هم , فهل بعد هذا الحرج من حرج أكبر؟ رجال يفرون بأرواحهم وأعراضهم ودينهم , يلجؤون إلى دار غير دارهم ودينها غير دينهم , ولكنهم بالرُغم من ذلك لم يتزلفوا للسلطة ولم يتملقوها , وقالوا كلمة الحق والصدق بكل اعتزاز وفخر .

    أيها الأخوة ,

    إن السعي وراء طلب العزة هو سعي للتغيير، ولا يجوز للمسلم أن يفكر في سعة العيش ويرضى بالذل ، أو يسكت عن الكفار وهو يراهم يذلون المؤمنين أو يعينهم على ذلك , عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُ أَذَلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رُءُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ * أخرجه أحمد . فمشكلتنا اليوم أيها الأخوة هي مع أناس انعدم فيهم الإحساس بضرورة التغيير، ورضوا بالحال الذي هم عليه، وسعى كل منهم إلى النجاة بنفسه، واستمرؤوا الذل وتلذذوا به. وهناك فرق عظيم بين العمل وسط أناس يريدون العزة , أي التغيير, وبين آخرين يراد حملهم على التغيير. فالصنف الأول تكون الدعوة فيه سهلة وميسورة ، ونتائجها سريعة وباهرة . والثاني غالبا ما تخفق معه دعوات التغيير، ولا يرتدع إلا بالقوة . والذي حصل مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - خير شاهد على ذلك ، فكفار مكة لم يستجيبوا للرسول - صلى الله عليه وسلم- لأنهم أبو العزة وما أرادوا التغيير أصلا ، بينما أهل المدينة كانوا يبحثون عن العزة ويريدون التغيير, فكانت النتائج معهم مذهلة وفي فترة قياسية . ومن هنا كان لزاما على كل حامل دعوة أن يعمل على إثارة مظهر العزة في نفوس الناس ، لأن ذلك ضروري لإثارة فكرة التغيير فيهم ودعوتهم إليه . حتى يكون عمله فيما بعد موجها لإرادة جاهزة عند الناس ، أما إن بقي يعمل وسط الجماهير من غير أن يهتم بهذا المظهر ويعمل على إثارته في نفوسهم , فإنه يكون كمن يحرث في الماء .

    أيها الإخوة الأفاضل ,

    إنه ليحزننا شديد الحزن والأسى , أن نرى في واقعنا المؤلم أناسا نحسبهم منا ولنا, ونتصور أن مسلكهم هو مسلكنا في طلب العزة . ولكن مع الآسف نراهم قد تخلّفوا عنا في السّعي لها, أو انشقوا عنا وراحوا ينشدونها عند غيرنا.

    فالذين انشقوا عن الأمة هم الرويبضة من الحكام , والصّعاليك من الزعماء , والمِيَعَة من المفكرين , والخائبون من الأدباء , والمأجورون من الصِحفيين . فهؤلاء كلهم يتزلفون إلى الكفار ويتملقونهم ويتوددون إليهم . بل ويلعقون أحذيتهم , ويرفعونهم فوق رؤوس المؤمنين . طمعا في كسب العزة عندهم. غير أن الله عز وجل سفه أحلامهم وخيّب آمالهم بقوله (﴿ بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (138) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ ) . فهذا الطابور الذي انشق عن الأمة ويعمل على إذلالها بشتى أنواع الأساليب والوسائل . بالحديد والنار, وبالورقة والقلم , وبالمؤامرات والفتن . سيلقى من الله ما يلقى يوم الحساب , عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ اللهٌ عنهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَكُلُّ نَبِيٍّ كَانَ , الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ , وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ , وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ بِذَلِكَ مَنْ أَذَلَّ اللَّهُ وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّ اللَّهُ , وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرُمِ اللَّهِ , وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ , وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي . * أخرجه الترمذي

    أما الذين تخلفوا عن الأمة في السعي لطلب العزة , فهم فئتان . فئة راحت تبحث عنها وعن الرقي في الحضارة الغربية , وأنماط عيشها , وهؤلاء هم المضبوعون بالغرب , والمبهورون بحضارته , والمشجعون لفكرة الإندماج في المجتمعات الغربية . وفئة تتحرج من وصف الكفار بالأوصاف التي وصفهم الله بها , وذلك من باب التملق لهم ومجاملتهم , طمعا في رضاهم , وهؤلاء هم دعاة فكرة التقارب والحوار بين الأديان . فهذان الفئتان مع إختلاف شرائحهما , سواء كانوا من العلماء أو من العامة , فإن الإسلام قد أنكر عليهم هذا التصرف , وحذرهم من سوء العاقبة . عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى * أخرجه الترمذي . وقال تعالى : ( ﴿وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾) . وإننا لنتساءل أيها الإخوة كيف نترك عزة الإسلام وراء ظهورنا ونلهث وراء الإندماج في أمم غضب الله عليهم ولعنهم . وكيف يتحرج البعض أشد الحرج من ذكر الكفار الأذلاء , بالأسماء التي سماهم الله بها في كتابه العزيز, والنعوت التي نعتهم بها لتحقيرهم وإذلالهم . فهل نحن أكثر رأفة بالعباد من رب العباد ؟ . وعليه فإننا لا نجد عذرا ولا مبررا للذين يطالبون المسلمين باستبدال المصطلحات القرآنية بأخرى أقل منها حدة حسب زعمهم . فلفظة – كفار- أصبحت غير محببة لهم , ويحبذون لفظة – أهل الكتاب – عوضا عنها , ولفظة الضريبة عوضا عن لفظة – الجزية – ولفظة المواطنة بدل لفظة – أهل الذمة – وهكذا مع بقية الألفاظ التي تميز أعداء الله عنا. وهذا الأمر إن دل على شيء فإنما يدل على ضعف الشخصية واهتراءها . فهل يجوز لنا أيها الأخوة أن ننساق وراء مثل هذه الشخصيات , ونتبع دعوات الإنحطاط والتذلل لأعداء الله . فإن كان من بينكم من يجوز ذلك , فليقل لنا ماذا نصنع بآيات الله التي تصف الكفار بأشنع الأوصاف , فهل نحذفها من كتاب الله العزيز, أم نأتي بقرآن جديد ؟ . أيها الناس , إن كل كافر بالله كان حقا على المؤمنين أن يصفوه بما وصفه الله دون أدنى حرج أو ضيق. فالله عز وجل وصف الكفار بالكلاب في سورة الأعراف , و بالقردة والخنازير في سورة البقرة , و بالبهائم والأنعام في سورة الفرقان , وبالحمير في سورة الجمعة , وبعين النجاسة , أي هم النجاسة ذاتها , في سورة التوبة . هذه هي الأوصاف التي استعملها كتاب الله العزيز بصريح العبارة حيث تبين أن لا عزة للكفار. وليس هذا فحسب , بل إننا مأمورون بالتميز عنهم والترفع عليهم , فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَاضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِهِ . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثِ لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى إِنَّمَا مَعْنَى الْكَرَاهِيَةِ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُمْ وَإِنَّمَا أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِتَذْلِيلِهِمْ وَكَذَلِكَ إِذَا لَقِيَ أَحَدَهُمْ فِي الطَّرِيقِ فَلَا يَتْرُكِ الطَّرِيقَ عَلَيْهِ لِأَنَّ فِيهِ تَعْظِيمًا لَهُمْ * أخرجه الترمذي .

    أيها المؤمنون

    إن الحق تبارك وتعالى يقول (﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾) فلا يجوز لكم أن تسكتوا على عزة أمريكا العلمانية, وروسيا الملحدة, وسائر الكفار. وأنتم ترون أن لهم يدا عليا عليكم , ولهم صولة وجولة, وشوكة ومنعة. هم في عزة ومكانة . يمتلكون الأسلحة الفتاكة , وأنتم لا تملكون شيئا ، يمارسون حياتهم بيسر, وأنتم في صخب ونصب، يحكمون الدنيا, وبلادكم مغتصبة، يصولون ويجولون في العالم أنى يشاءون , وأنتم لا حول لكم ولا قوة . لا يحل لكم أيها المسلمون أن تسكتوا على ذلك كله. وتتعللوا بأعذار فاسدة , ما انزل الله بها من سلطان , وتعزفون أنغاما ركيكة من مثل ( ما بأيدينا حيلة ) و( اللي تجنب الأذى نجى ) وما شاكل ذلك من هذه الأنغام العفنة التي لا يطرب لها إلا الخوالف والقاعدون . فإن ذلك كله حرام ولا يورد إلا إلى الهلاك في الدنيا والآخرة . فحذاري ثم حذاري أن تخالفوا أمر الله وتقعدوا عن طلب العزة والتغيير فتصيبنا المذلة والصغار, ونحشر لا قدر الله مع أقوام ليسوا منا ولسنا منهم . عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ * أخرجه أحمد .

    اللهم إنه لا يذل من واليت فلا تكلنا إلى أنفسنا فنذل , اللهم أعزنا بالإسلام وأعز الإسلام بدولة الإسلام , اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء , ودرك الشقاء , وسوء القضاء , وشماتة الأعداء , اللهم إنا نسألك الهدى والسداد , اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك , وتحوّل عافيتك , وفجأة نقمتك , وجميع سخطك , ربنا أعنا ولا تعن علينا, وانصرنا ولا تنصر علينا , وامكر لنا ولا تمكر علينا , وانصرنا على من بغى علينا , اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا , اللهم إن أردت فتنة قوم فتوفنا غير مفتونين , اللهم أحفظنا بالإسلام ولا تشمت بنا الأعداء والحاسدين , وارزقنا خلافة راشدة على منهاج النبوة , اللهم آمين , وصلي اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ,

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

    أختكم الخنساء
    اقتباس عن منتدى العقاب
     

مشاركة هذه الصفحة