من كسر زجاج النافذة ؟ !

الكاتب : massar   المشاهدات : 444   الردود : 1    ‏2004-05-16
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-16
  1. massar

    massar عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-13
    المشاركات:
    160
    الإعجاب :
    0
    من كسر زجاج النافذة ؟ !


    كان مستلقيا على فراشه يستجمع بعض خيوط الراحة ليطرد عنه عناء التعب وسأم الإجهاد، ويستعد بنشاط للمساء القادم وما يحمله من كدح ومشقة .
    أخذ النوم يتسلل إليه شيئا فشيئا ، وبدأت الأحلام تنسج غزلها الفتَّان لتمسحه على وجهه، تمنيه بالمستقبل وآماله ، لكنه سمع صوتا اقض مضجعه.
    قام من فراشه فزعا ، وأسرع نحو جهة الصوت ، فرأى زجاج نافذة المنزل قد كسر .
    كان المشهد كافيا أن يسلبه لبه ، وكلمح البصر تسارعت أنفاسه المزفرة ، وتلاحقت نبضات قلبه ، وعلت وجهه سيماء الغضب ، وتطاير الشرر من عينيه .
    وبنبرة الغضب سأل أطفالا يلهون بكرة كانت معهم :
    - من كسر زجاج النافذة ؟ !
    فأشاروا جميعا وبصوت واحد إلى ولده الصغير ( محمد ) .
    لم يتمالك الأب نفسه ، ولم يضبط أعصابه ، وانحدر نحو عصا ملقاة في الطريق ، رفعها وأشبع ابنه ضربا .
    لقد نالت العصا من محمد في بضع لحظات مالا تناله في سنين !!
    بعد أن أشبع الوالد حنقه وغيظه ، صرخ في وجه ابنه :
    اذهب إلى البيت يا …
    كان الوقت عند الأصيل ، والشمس تستجمع أشعتها ، وتلملم وشاحها مؤذنة بالرحيل عن هذا العالم وآلامه ، وارتفعت في الأفق حمرة مغربية تحكي حزن السماء ولوعتها وتفطر قلبها المكمد المحزون على الطفل محمد .
    جاء محمد تلفه الكآبة والحزن من أعلى رأسه إلى أخمص قدميه ، واستلقى على فراشه، واستغرق في نوم عميق .


    مضت عقارب الساعة تنحت بقسوة جسم الليل ، وترسله شيئا فشيئا إلى التصرم والزوال حتى أتت على آخره .
    تنفست أسارير الفجر ، ولاح محياه المشرق الفتَّان ، وداعب النسيم العليل غصون الشجر وقرائح الطيور ، فتراقصت الأغصان ، وشدت البلابل والطيور ، وكلحن القيثارة العذب عزفت أغاني الصباح لتوقظ شمس الضحى النائمة .
    أفاقت الشمس من نومها ، ومسحت عن وجهها سحابة النعاس والملل ، وأرسلت خيوطها الذهبية معلنة ولادة يوم جديد .
    جاءت أم محمد لتوقظ صغيرها ليستعد للذهاب إلى المدرسة ، لكنها فوجئت بشيء غريب ، حقيقة أغرب من الخيال ، واقع أغرب من الصورة .
    صرخت بلوعة جسَّدت قلبها المتقطع على نبرات صوتها الشجي ، وبكلمات متكسرة قالت :
    - يا الهي ما هذا ؟ !
    كيف أصبحت يداك الناعمتان خضراوين يابستين ؟ !
    ماذا جرى لك ؟ !
    وأسرعت مهرولة نحو زوجها :
    - أفق يا أبا محمد ، ولدك ؟
    - ماذا به ؟ ماذا جرى له ؟
    - يداه خضراوان يابستان !!
    جاء الأب إلى ولده ، وكومض البرق الخاطف شق الطريق ما بين بيته – والمستشفى .
    قلَّب الطبيب يد محمد ، وأمعن النظر … ثم قدم ورقة وقال :
    - يا حاج ! ، وقع هنا !
    - علام أوقع ؟ !
    - على قطع يد ابنك !!
    نزل الخبر على قلبه نزول الصاعقة ، فانسحق القلب ، وعرى أعضاءه ذبول الأغصان التي شحبت عنها مياه الأرض ، وعافها قطر السماء ، وعلاه دوار مهول لم يشعر بمثله قط في سالف أيامه ، أراه الكون ضيقا كثقب إبرة ، مرتديا حلة سوداء حالكة ، بددت أوتار قيثار صوته ، وحطمت قنطرة ألفاظه ، وبكلمات متهدجة قال :
    - ولكن ، لماذا ؟
    قال الطبيب :
    الفحوصات تدلل على أن ولدك ضرب بعصا فيها مسامير صدئة ، نفذت إلى يده وسممتها ، وان لم نقطع اليد – الآن – من الرسغ ، فلربما قطعناها في المستقبل من المرفق أو الكتف ، ولربما تسمم الطفل ومات .
    مدَّ الأب يده بتثاقل وتردد بالغين لتجر القلم من ناصيته ، وتمرغ انفه على تراب الورقة ، لينضح دمه عليها .
    خدر الطفل محمد ، واستسلم لنوم طويل ، بينما راح الدكتور في غرفة العمليات يفري الأوردة والشرايين واللحم من يد الطفل ، حتى أنهى العملية .
    جيء بالطفل نائما إلى الغرفة التي سيرقد فيها ، وهناك كان ينتظره أبوه .
    نظر الأب إلى ابنه نائما مقطوع اليد ، وقد استدارت على رسغه خرقة بيضاء ، فانهالت على ذهنه الذكريات :
    هاهو يرى ابنه وفلذة كبده الصغير الذي لم يتجاوز الثامنة من عمره ، صاحب الوجه الوسيم المشرق ، والقوام المعتدل ، والشعر المسترسل الناعم ، والعينين الفياضتين بالجمال ، والبسمة الدائمة الحاكية عن ثغر حوى اللؤلؤ النضيد .
    أعاد التذكر إلى مسامعه أحلام الطفولة التي كانت تدغدغ مشاعر ابنه ، وتنسج له حلة قشيبة من الأماني اللامتناهية ، فهو يحدث نفسه حينا بأنه سيصبح طيارا يشق عباب الهواء ، وأخرى قبطانا يمخر بطن البحر ، وثالثة طبيبا يقتل البؤس والمرض إلى غير رجعة ، ورابعة مهندسا ، وخامسة أستاذا ، وسادسة …
    " أبي إذا صرت مهندسا ، فسأصمم لك منزلا ، ليس له في الكون مثيل .
    وإذا صرت أستاذا فسأدرس اخوتي مجانا ، أما غيرهم فسوف آخذ عليهم أموالا ..
    وإذا صرت رساما ، فسأرسم بريشتي الساحرة صورتك بحجم واجهة المنزل ، وأنت تنظر إلى هناك ..
    هناك حيث تلعب الملائكة بمياه البحر ..، هناك حيث يبني أخوتي بالرمل قصورا مشيدة على شاطئه الخلاَّب " .
    هاهو يرى ابنه ممدداً أمامه ساكتا ساكنا ، لا يقوى على الحراك .
    وتلك اليد البلورية الندية قد حسمت وقطعت ، ولن تعود إلى النهاية .
    نعم لن تعود إلى النهاية ، والطفل لم يتجاوز الربيع الثامن !
    " يا الهي ، أحلام الطفولة ، ومتاعب الحياة ، لا غنى لها عن اليد .
    آه ، كيف سيقطع ابني مشوار الحياة .
    ليتني لم أخضع لشيطان غضبي ، ليتني لم أستجب لأوار نار التهبت في داخلي فأفقدتني عقلي ، ليتني … ليتني … " .
    وقطع تلك الذكريات المؤلمة نبرات حزينة مرهفة من محمد ، لقد أفاق من غيبوبته ، ونظر إلى يده فلم يرها ،فقال لأبيه :
    " أبه ، اقسم بالله أنني لن أكسر زجاج النافذة مرة أخرى، ولكن أعد إلي يدي !! " .
    أدرك الأب جسامة ما فعله بابنه ، وما أوصله إليه ، لم يتمالك نفسه ، نظر إلى شباك نافذة المستشفى مفتوحا ، فقام مسرعا وآهات الحسرة والندامة تعتصر قلبه .
    وكالمجنون الذي لا يفكر في عاقبة أمره ، ألقى بنفسه من الشباك ،وأسلم روحه لشبح الموت الرهيب ، فتلقفتها يده القاسية .
    عبد الغني معصار yemassar@yahoo.com
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-05-16
  3. austin

    austin عضو

    التسجيل :
    ‏2004-05-01
    المشاركات:
    14
    الإعجاب :
    0
    its really nice story
     

مشاركة هذه الصفحة