ما هو التعصب ؟

الكاتب : علان   المشاهدات : 364   الردود : 0    ‏2004-05-14
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-14
  1. علان

    علان عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-13
    المشاركات:
    143
    الإعجاب :
    0
    سألني زميلي ما هو التعصب؟

    حرت كيف أضغط التعريف في أقل قدر ممكن من الكلمات، قلت له: التعصب هو توهم الإنسان أنه على الحق المطلق وقطع الطريق على كل مراجعة ولو ثبت له بالحجة أنه مخطئ، وهكذا فالتعصب للرأي هو زيادة التمسك به طردا مع بيان فساده عكسا.

    قال: لا مانع عندي أن يختلف معي الآخر وله الحق أن يمضي في طريقه كيف يشاء فهذا شأنه ولكنه في نظري في الضلال المبين.

    قلت له: إنها خطوة جيدة ولكن ألا يخطر في بالك أنه يفكر كما تفكر فيعتقد أنك أنت في الضلال المبين؟ فهذا اللون من التفكير يا صاحبي يقطع الطريق على أي حوار طالما رأى كل منكما الآخر شيطانا رجيما.

    قال: لا.. إنك هكذا تفكر على نحو خطير.

    قلت له لا يدور الموضوع حول أخطر وأقل خطرا ولكن صحيح وخطأ.

    قال ولكنك متعصب لرأيك هكذا.

    قلت له: إنه كلام جميل ويجب على من يحارب التعصب أن يكون أول المتحررين.

    والفرق بين المتعصب والمنفتح عقليا هو قدرته على الحوار وافتراض (احتمالية) أن يكون مخطئاً وفك هذا القفل يأتي بالجدل. فالأفكار تتبلور وتتوضح وتصحح من خلال الجدل بالتي هي أحسن. وهذا اللون من التفكير يفتح باب الحوار لتبيين الحق من الباطل. طالما افترض كل طرف أنه نسبي وليس مطلقا.

    وينقل عن الشافعي قوله إنه كان يعامل المختلفين في الفكر بقاعدة ذهبية "إنني على حق ولكن يحتمل أن أكون مخطئا وأنت على باطل ولكن يحتمل أن تكون على حق". وفي المقابل كان يصف جدله مع الجاهلين أنه: "ما جادلت عالما إلا غلبته وما جادلني جاهل إلا غلبني" لأن العاقل يخفض صوته ويركز تفكيره ويصغي والجاهل يلوح بقبضته ويرتفع صوته ويظهر الزبد على شدقيه انفعالا ويدعو بالهلاك على العلمانيين المارقين.

    قلت له إذا حاورت أحداً وثبت لك خطأ أفكارك فهل أنت مستعد للتراجع؟ قال: لا، قلت له: فهذا هو التعصب، قال: ولكن قد يكون ألحن في حجته، قلت له: لا حرج ولكن لو أنك تريثت وأتيت بخمس حجج جديدة فأدلي لك بخمس حجج مضادة تفند ما ذهبت إليه هل أنت مستعد لتبديل رأيك؟ تضايق صديقي زكي وقال: ولكن هذا ينطبق على القضايا البسيطة والخلافات في الطب.

    قلت له محاصرا إياه أكثر: ولكن لو نقلنا هذا للأفكار هل عندك استعداد أن تترك آراءك عندما يتبين لك خطل الآراء؟ قال قد يكون هو مدربا على إظهار حججه أكثر مني فيضحك علي ويقودني إلى الضلال، قلت له هب أنك أحضرت رجلا حجة إلى حلبة الجدل فهزم بالضربة القاضية بعد الجولة الخامسة هل عندك استعداد للتخلي عن الرأي الذي ثبت خطؤه، حار الرجل وصدم.

    قلت له إن ملكة سبأ حينما قابلت سليمان تركت دينها وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين. وعلماء النفس يقولون إن أعظم اللحظات النفسية عند الإنسان انعتاقه من عقدة أو تبديل دينه كما فعل سحرة فرعون.

    تابعت: إن القرآن نعى على الجاهلين أنهم كانوا يمشون خلف آبائهم بدون عقل نقدي فقال "أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون". والقرآن يقول "ولا تقف ما ليس لك به علم" أي لا تتبع شيئاً بدون فهم. والقرآن يصف الكفر أنه عملية إغلاق صمامات التفكير "صم بكم عمي فهم لا يرجعون" إلى الحق. وكما يقول (نيتشه) اصْلِ نفسك حربا لا هوادة فيها وعندما يتبين لك الحق فاتبعه ولو ضد نفسك فهذا هو الجهاد الأكبر. والقرآن أسس الإيمان على الفكر والتأمل فقال "إن في ذلك لآيات لأولي النهى". وقال "هل في ذلك قسم لذي حجر". وقال "إن في ذلك لآيات لأولي الألباب". وعندما جادل لوط قومه قال: "أليس منكم رجل رشيد؟" ولكننا منذ زمن بعيد أضعنا الرشد وأضعنا العقل والنهى والحجر.
     

مشاركة هذه الصفحة