قراءة في فوضى الضمير الجماعي !

الكاتب : مروان الغفوري   المشاهدات : 609   الردود : 3    ‏2004-05-07
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-07
  1. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0


    [ALIGN=JUSTIFY]
    بسم الله الرحمن الرحيم .
    .......

    [​IMG]


    شاء أحدهم أن يبيع ناقته ، فوضع ثمنها في حدود العشرة دراهم ، لكنه اشترط على من يشتريها أن يشتري القلادة المرفقة في عنقها، ثم حدد ثمن القلادة بـألف درهم !.. فجعل القومُ يقولون : ما أرخص الناقة ، لولا هذه القلادة اللعينة …

    البارحة حدّثتني نفسي باللهو قليلاً ، لم يأخذني المقامُ بعيداً حتى " ارتزعت " في صوالين الفضائيات و رأيتُ كسَفاً من الحياء تتصبّبُ على إرادتي الهشة في اللهو و الـ " هياص " ، و كأنّي بآخر السيوف العربيّة الأصيلة و قد تعلّقت على بوابات روما ، و لم يعُد يشغل هذه الأجيال إلا " كيف تنقص وزنك " ، و كيف تصبغين شعرَك … و " سمّعنا صوتك " ! كانت الصبايايا يقطرنَ شهداً و مطراً ، لكن ... لولا هذه القلادة باهضة الثمن تشدّني لمكثت !

    دفعتني الشجاعةُ ، فجعلتُ أقلّبُ في المحطّات ، مررتُ بأخبارٍ و إذاعاتٍ، فلم تكُن سوى " قرفٍ " و " ردح" و حالات من التعبئة الجنائزية " تسم البدن " … و على الجانب البنفسجي تطلّ هيفاء ، تضعُ يديها المتشابكتين بين فخذيها ، و هي ترتدي لحاءً من " الرش " ، ثم تبتسم ـ كأنها ليلةٌ بألف ميعاد ، و تقول : سنسهر الليلة مع نجم الغناء العالمي " ..." ..! أجبرني صديقي على التجوّل السريع فوقتنا المتاح لم يعُد كافياً لـ لنجوم هيفاء ولا لاستدارة فخذيها " على حد تعبير إنجيل لوقا في وصف ابنة الكريم " ـ و فجأة وقعت أبصارنا على " خطة الهجوم " مترجمةً بعض أجزائها إلى العربية ، بقلم الصحفي الأمريكي الكبير ـ صاحب قنبلة " وتر غيت " ـ وود ورد ـ و رأيتُ تفاصيل الحملة العسكرية على العراق ـ و تآمر الأخوة الأعداء عليه ـ و " قوادة " الأمير بندر بن عبد العزيز … و جميع " آل البيت " !

    قال لي صديقي : مش مهم !

    تذكرتُ أمسيةً للثائر أحمد مطر ، قال : كنت أقلّبُ البصر في مجلّة كويتية محترمة ، فوجدت فيها إعلاناً يقول : خدّامة فلبينية مسيحية بمائة و عشرين ديناراً ، و مسلمة بـ مائة و سبعين ديناراً .. ثم أردف : الفارق خمسون ديناراً ، هذه هي قيمة الاسلام عندهم .. ثم يمضي : و في الصفحة المقابلة وجدتُ عنواناً : إسرائيل تمتلك أكثر من أربعمائة رأساً نووية .. ! أنظر ما عندهم ، و ما عندنا ..

    قال لي زميلي في الكلية : رأيت المطرب الشعبي " شعبان عبد الرحيم " في مقابلةٍ على إحدى الفضائيات ، و المذيع يسألُه : يقولون أنّك فنان " هابط " .. فرد صديقنا " شعبان " بقوله : لأ ، أنا مش هابط .. أنا فنان شعبي ، و كلامي كله شعبي و من جوّه قلوب الناس ! قال المذيع : أعطني مثالاً ؟ فقال شعبان : كبّر دماغك كبّرها ، و اديها للّي يقدّرها ..! ضحكتُ أنا و قلتُ لهم : بصراحة جواب رائع ، و استدلال غنائي في مكانه ...! وهنا هبّت إحدى الزميلات لتقول : ده معناه إن الناس ما بقاش عندها ذوق دام و هي بتسمع شعبان و بتشجعه ! قلت لها : يا سيدتي ، في ظل اتساع رقعة " الممنوع " و " المحرّم " ، و تطوير مكائن صناعة " الكمّامات " ، و تسمين الكلاب المدرّبة من ميزانية الشعب ، و من التجارة بقضايانا القوميّة و الاسلامية .. و في ظل سيطرة الطبقة " الكوربوراتية " و تحكم رجال الأعمال في ترتيب أجندات اليوم و الليلة للفرد المسلم ، و وقوفنا أمام سفك الدم المسلم مقعدين .. نبتلع دماءهم ، و على قلوبنا مليون غصة ... هنا يصبح " شعبان عبد الرحيم " عمدة المتعة ، و مهبط الهروب المقدّس . " شعبان " يمثّلُ عندنا مخدراً موضعيّاً ، ننسى مع " غبائه " القدر اللانهائي لسلبياتنا و غبائنا .. و ننشغلُ في التعليق على جهالته الماتعة ، لنداري عن أنفسنا هزيمتنا النفسيّة ، و سلبيتنا القاتلة .. هناك نوعٌ من الاضطراب اللارادي في المستوى الواعي للشخصية ، نسميه عندنا في الطب السلوكي : passive – aggressive personality disorder .. يميط هذا التوصيف النقاب عن حقائقنا المعرفيّة و جوانحنا الثقافية .. ففيه نجد صورة المجتمع كائناً سلبياً ، يعبر عن ضيقه بعدوانية غير منظمة و لا موجهة ، فيصيغ النكتة السياسية ، ليخفي ملله من تكرار ذات المشهد القميئ ، و يعبر بعملية غير واعية ، عن توجه عدائي ناحية المجموع المعايش و الدولة التي تمارس عليه شتى أنواع القهر المادي و العاطفي ، فلا يحترم الرأي العام ، و لا الموروث ، و لا المال العام ، و لا القانون ، و لا الحقوق العامه... بمعنى يتحوّل كل فرد إلى " ثقبٍ " خطرٍ على شبكة نسيج علاقات المجتمع .. تهدده بالتصدّع و الفناء الحتمي .. ! هذه الفوضى ، نجدُها إلى حدٍّ كبير في أغاني " شعبان عبد الرحيم " ، وهو ينتقد " باراك " و " شارون " و " بوش " بأسلوب سوقي فيه من النكتة الشيئ الكثير .. لكنه يدلل على مقدار كبير من " عزائم " الغياب و الهروب في قلوب المجتمع المتربّص بأغاني شعبان .. الممثل السافر لما يراوحُ في شخصياتنا من رغبات جامحة ، توشكُ أن تهدم كل شيئ !

    قال لي صديقي الذي لم يألف حياة المجتمعات " الجنـزيّة " : الوضع في شوارع القاهرة لا يطاق ! قلتُ له : و هذا مشهدٌ آخر من مشاهد الفوضى الروحية التي نعيشها ... و باستطاعتي أن أفسّر بعض النصوص التي وردت في " المنثورات و الملح " عند النووي عن أقوامٍ يعيشون في آخر الزمان ، يسود بينهم الهرج ، فلا يدري القاتل لماذا قتَل ، و لا المقتول لماذا قتِل ..! بهذا الحال ، و ما تراه أنتَ الآن ... هذه الفتاة التي تراها تخرجُ صارخةً في زينتها و لباسها الذي يعدّ في فلسفة " التصميم " نوعاً من النافلة ، فلا يكاد يسترُ شيئاً ، هذه الفتاة لا تقصدُ إزعاجك و لا إسالة لعابك الذي لم ينفك يهمي منذ وصلت أرض القاهرة ..! إنها الفوضى الروحية التي تحياها مجتمعات ما قبل الانهيار ، أو ما قبل التغيير الجذري . و بالرغم من أنّ هذه المظاهر تمثّل في تصوّري نوعاً من التحلل الذاتي " autolysis " ، إلا أنّ المشهد الأكثر تجسيديّة في محياها هو " الفوضى " التي تمثّل ثقوباً في الضمير الاجتماعي ، بما يهدد شبكة علاقاته بالفشل ، و لو بعد حين ..

    الأمم التي تعيشُ خارج دائرة الثوابت المعيارية ، لن تقدّم شيئاً للآخر ، و في الوقت نفسه ستراوح مكانها في مهب الريح لانعدام القيمة المطلقة التي تمثّل الدعامات الحامية للعلاقات العامة .. و لعلّ هذا المعنى هو ما أراد " فولتير " أن يشير إليه حين قال : لو لم يكن الله موجوداً لخلقنا الله .. و المعنى أن يوجد قيمة مقدّسة ً تمسك المجتمع و تحاكمه إلى بنيتها الثوابتيّة .. هذه القيمة المطلقة هي ما نفتقده في ضميرنـا الاجتماعي العام ، فتظهر علامات الفوضى صارخة في كل جزئيات حياتنا من اللباس حتى الفن ...

    عندما نزلت آيات " الزنا " في سورة النور ، هرعت إحداهنّ إلى المصطفى عليه السلام و هي تقول : أي رسول الله ، أو تزني الحرّة !؟ .. لقد كان ضميره الفردي " و المعبر الحقيقي عن الضمير الجماعي " سليماً من الانحراف و الزلل ، فلا تزني الحرّة ، ليس لأنها " حرة " و حسب ، و إنما لأن المجتمع لن يسمح لها بخرق عاداته و عرفه ـ و قيمه الثابته .و لا يهمني في هذا المقام ما إذا كانت تزني في عصرنا أم لا ، ليس المهم ذلك ، بل ما يعنيني هو " اختفاء " حالة الاستتنكار و الاندهاش ـ أو حتى مجرد الشجب القلبي لهذه الممارسات الدخيلة على ضمير المجتمع ! ما الأمر .. كيف انحدر ضمير المجتمع إلى هذا المستوى من التنازل عن الثابت ؟ لم تترك الديناميكا أرواحنا في مقاماتها حول العرف و التقليد و العقائد ، بل جرّتها معها حتى سلبتها صيغتها الإيمانية و حوّلتها إلى" معامل ٍ " قابلٍ للتغيير و التحديث ، و الانخلاع عن كل أرضيةٍ ثابتة !.. هذه التصدّعات الكبيرة التي نالت جسد هذا المجموع ـ الإنسان ، ليست نتيجةً و حسب ، بل هي مبتدأ لميلاد عاري من القيمة الثابتة ، يكون فيه " الهرج " سيد الحضارة ، و يضيع الاستنكار القديم " أو تزني الحرة " في لجّة التماوجات الحضارية الجديدة التي صنعها التمثال المادي العصري ـ ! ليس الأمرُ خوفاً من ممارسةٍ أخلاقية شاذةٍ ، بل مشهداً عاماً لحالة من الترهل في القيمة المحورية للمجتمع ـ و خلاصة لانعدام الضمير الفردي الذي يشكّلُ رافداً مهماً للضمير الجماعي . و بناءً عليه ، صارت الإماء و الجواري و الغلمان نجوم المجتمعات و أرقامها الفلكية .و أصبح الكذب السياسي ذكاءً دبلوماسيّاً ـ و أصبح التديّن مجرد طقوس ، و حسب .

    إن شبكة العلاقات العامة ، و الضمير الجماعي بحاجة إلى إعادة ترميم بعوامل تلامسُ مادته الأولى ، و طوره الذي لا يتغيّر مهما تغيّر حالُ المكان و الزمان .. و قديماً قال إمام دار الهجرة " لا يصلحُ حالُ آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "..!؟


    .

    ......

    بقلم / مروان الغفوري .

    8/5/2004
    .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-05-07
  3. أبو المعالي

    أبو المعالي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    830
    الإعجاب :
    0
    [color=660000]السلام عليكم..

    شكرا أخي الدكتور على إطلالتك الرائعة..

    نعم هذه مشكلتنا المتفاقمة (( التحلل الذاتي " autolysis " ))

    لقد وضعت أخي يدك على الجرح الذي يبحث عن دواء ولكن أنى ذلك ..

    عندا يفكر المرأ في طريقة للدواء يعييه التفكير فالأمر يحتاج لبعث جديد على كل المستويات وهذا لا يقوم به إلا من خلصت نيته لخدمة الوطن واستفرغ الجهد لذلك..

    اللهم ألهمنا الصواب ووفقنا للعمل به ومن أجله
    والله المستعان.

    تحياتي وننتظر المزيد.
    [/color]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-05-07
  5. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    أبو المعالي .. أنت إنسان رائع .
    دعني احتفِ بوجودك .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-05-07
  7. مروان الغفوري

    مروان الغفوري شاعر وكاتب

    التسجيل :
    ‏2004-01-13
    المشاركات:
    752
    الإعجاب :
    0
    [color=000000]مع النشر الأول وقعت بعض الفقرات سهواً ... و هنا أعيد النشر بما وقع .[/color]


    [ALIGN=JUSTIFY]


    .

    [ALIGN=LEFT]بقلم / مروان الغفوري .

    شاء أحدهم أن يبيع ناقته ، فوضع ثمنها في حدود العشرة دراهم ، لكنه اشترط على من يشتريها أن يشتري القلادة المرفقة في عنقها، ثم حدد ثمن القلادة بـألف درهم !.. فجعل القومُ يقولون : ما أرخص الناقة ، لولا هذه القلادة اللعينة …

    البارحة حدّثتني نفسي باللهو قليلاً ، لم يأخذني المقامُ بعيداً حتى " ارتزعت " في صوالين الفضائيات و رأيتُ كسَفاً من الحياء تتصبّبُ على إرادتي الهشة في اللهو و الـ " هياص " ، و كأنّي بآخر السيوف العربيّة الأصيلة و قد تعلّقت على بوابات روما ، و لم يعُد يشغل هذه الأجيال إلا " كيف تنقص وزنك " ، و كيف تصبغين شعرَك … و " سمّعنا صوتك " ! كانت الصبايايا يقطرنَ شهداً و مطراً ، لكن ... لولا هذه القلادة باهضة الثمن تشدّني لمكثت !

    دفعتني الشجاعةُ ، فجعلتُ أقلّبُ في المحطّات ، مررتُ بأخبارٍ و إذاعاتٍ، فلم تكُن سوى " قرفٍ " و " ردح" و حالات من التعبئة الجنائزية " تسم البدن " … و على الجانب البنفسجي تطلّ هيفاء ، تضعُ يديها المتشابكتين بين فخذيها ، و هي ترتدي لحاءً من " الرش " ، ثم تبتسم ـ كأنها ليلةٌ بألف ميعاد ، و تقول : سنسهر الليلة مع نجم الغناء العالمي " ..." ..! أجبرني صديقي على التجوّل السريع فوقتنا المتاح لم يعُد كافياً لـ لنجوم هيفاء ولا لاستدارة فخذيها " على حد تعبير إنجيل لوقا في وصف ابنة الكريم " ـ و فجأة وقعت أبصارنا على " خطة الهجوم " مترجمةً بعض أجزائها إلى العربية ، بقلم الصحفي الأمريكي الكبير ـ صاحب قنبلة " وتر غيت " ـ وود ورد ـ و رأيتُ تفاصيل الحملة العسكرية على العراق ـ و تآمر الأخوة الأعداء عليه ـ و " قوادة " الأمير بندر بن عبد العزيز … و جميع " آل البيت " !

    قال لي صديقي : مش مهم !

    تذكرتُ أمسيةً للثائر أحمد مطر ، قال : كنت أقلّبُ البصر في مجلّة كويتية محترمة ، فوجدت فيها إعلاناً يقول : خدّامة فلبينية مسيحية بمائة و عشرين ديناراً ، و مسلمة بـ مائة و سبعين ديناراً .. ثم أردف : الفارق خمسون ديناراً ، هذه هي قيمة الاسلام عندهم .. ثم يمضي : و في الصفحة المقابلة وجدتُ عنواناً : إسرائيل تمتلك أكثر من أربعمائة رأساً نووية .. ! أنظر ما عندهم ، و ما عندنا ..

    قال لي زميلي في الكلية : رأيت المطرب الشعبي " شعبان عبد الرحيم " في مقابلةٍ على إحدى الفضائيات ، و المذيع يسألُه : يقولون أنّك فنان " هابط " .. فرد صديقنا " شعبان " بقوله : لأ ، أنا مش هابط .. أنا فنان شعبي ، و كلامي كله شعبي و من جوّه قلوب الناس ! قال المذيع : أعطني مثالاً ؟ فقال شعبان : كبّر دماغك كبّرها ، و اديها للّي يقدّرها ..! ضحكتُ أنا و قلتُ لهم : بصراحة جواب رائع ، و استدلال غنائي في مكانه ...! وهنا هبّت إحدى الزميلات لتقول : ده معناه إن الناس ما بقاش عندها ذوق دام و هي بتسمع شعبان و بتشجعه ! قلت لها : يا سيدتي ، في ظل اتساع رقعة " الممنوع " و " المحرّم " ، و تطوير مكائن صناعة " الكمّامات " ، و تسمين الكلاب المدرّبة من ميزانية الشعب ، و من التجارة بقضايانا القوميّة و الاسلامية .. و في ظل سيطرة الطبقة " الكوربوراتية " و تحكم رجال الأعمال في ترتيب أجندات اليوم و الليلة للفرد المسلم ، و وقوفنا أمام سفك الدم المسلم مقعدين .. نبتلع دماءهم ، و على قلوبنا مليون غصة ... هنا يصبح " شعبان عبد الرحيم " عمدة المتعة ، و مهبط الهروب المقدّس . " شعبان " يمثّلُ عندنا مخدراً موضعيّاً ، ننسى مع " غبائه " القدر اللانهائي لسلبياتنا و غبائنا .. و ننشغلُ في التعليق على جهالته الماتعة ، لنداري عن أنفسنا هزيمتنا النفسيّة ، و سلبيتنا القاتلة .. هناك نوعٌ من الاضطراب اللارادي في المستوى الواعي للشخصية ، نسميه عندنا في الطب السلوكي : passive – aggressive personality disorder .. يميط هذا التوصيف النقاب عن حقائقنا المعرفيّة و جوانحنا الثقافية .. ففيه نجد صورة المجتمع كائناً سلبياً ، يعبر عن ضيقه بعدوانية غير منظمة و لا موجهة ، فيصيغ النكتة السياسية ، ليخفي ملله من تكرار ذات المشهد القميئ ، و يعبر بعملية غير واعية ، عن توجه عدائي ناحية المجموع المعايش و الدولة التي تمارس عليه شتى أنواع القهر المادي و العاطفي ، فلا يحترم الرأي العام ، و لا الموروث ، و لا المال العام ، و لا القانون ، و لا الحقوق العامه... بمعنى يتحوّل كل فرد إلى " ثقبٍ " خطرٍ على شبكة نسيج علاقات المجتمع .. تهدده بالتصدّع و الفناء الحتمي .. ! هذه الفوضى ، نجدُها إلى حدٍّ كبير في أغاني " شعبان عبد الرحيم " ، وهو ينتقد " باراك " و " شارون " و " بوش " بأسلوب سوقي فيه من النكتة الشيئ الكثير .. لكنه يدلل على مقدار كبير من " عزائم " الغياب و الهروب في قلوب المجتمع المتربّص بأغاني شعبان .. الممثل السافر لما يراوحُ في شخصياتنا من رغبات جامحة ، توشكُ أن تهدم كل شيئ !

    قال لي صديقي الذي لم يألف حياة المجتمعات " الجنـزيّة " : الوضع في شوارع القاهرة لا يطاق ! قلتُ له : و هذا مشهدٌ آخر من مشاهد الفوضى الروحية التي نعيشها ... و باستطاعتي أن أفسّر بعض النصوص التي وردت في " المنثورات و الملح " عند النووي عن أقوامٍ يعيشون في آخر الزمان ، يسود بينهم الهرج ، فلا يدري القاتل لماذا قتَل ، و لا المقتول لماذا قتِل ..! بهذا الحال ، و ما تراه أنتَ الآن ... هذه الفتاة التي تراها تخرجُ صارخةً في زينتها و لباسها الذي يعدّ في فلسفة " التصميم " نوعاً من النافلة ، فلا يكاد يسترُ شيئاً ، هذه الفتاة لا تقصدُ إزعاجك و لا إسالة لعابك الذي لم ينفك يهمي منذ وصلت أرض القاهرة ..! إنها الفوضى الروحية التي تحياها مجتمعات ما قبل الانهيار ، أو ما قبل التغيير الجذري . و بالرغم من أنّ هذه المظاهر تمثّل في تصوّري نوعاً من التحلل الذاتي " autolysis " ، إلا أنّ المشهد الأكثر تجسيديّة في محياها هو " الفوضى " التي تمثّل ثقوباً في الضمير الاجتماعي ، بما يهدد شبكة علاقاته بالفشل ، و لو بعد حين ..

    الأمم التي تعيشُ خارج دائرة الثوابت المعيارية ، لن تقدّم شيئاً للآخر ، و في الوقت نفسه ستراوح مكانها في مهب الريح لانعدام القيمة المطلقة التي تمثّل الدعامات الحامية للعلاقات العامة .. و لعلّ هذا المعنى هو ما أراد " فولتير " أن يشير إليه حين قال : لو لم يكن الله موجوداً لخلقنا الله .. و المعنى أن يوجد قيمة مقدّسة ً تمسك المجتمع و تحاكمه إلى بنيتها الثوابتيّة .. هذه القيمة المطلقة هي ما نفتقده في ضميرنـا الاجتماعي العام ، فتظهر علامات الفوضى صارخة في كل جزئيات حياتنا من اللباس حتى الفن ...

    عندما نزلت آيات " الزنا " في سورة النور ، هرعت إحداهنّ إلى المصطفى عليه السلام و هي تقول : أي رسول الله ، أو تزني الحرّة !؟ .. لقد كان ضميره الفردي " و المعبر الحقيقي عن الضمير الجماعي " سليماً من الانحراف و الزلل ، فلا تزني الحرّة ، ليس لأنها " حرة " و حسب ، و إنما لأن المجتمع لن يسمح لها بخرق عاداته و عرفه ـ و قيمه الثابته .و لا يهمني في هذا المقام ما إذا كانت تزني في عصرنا أم لا ، ليس المهم ذلك ، بل ما يعنيني هو " اختفاء " حالة الاستتنكار و الاندهاش ـ أو حتى مجرد الشجب القلبي لهذه الممارسات الدخيلة على ضمير المجتمع ! ما الأمر .. كيف انحدر ضمير المجتمع إلى هذا المستوى من التنازل عن الثابت ؟ لم تترك الديناميكا أرواحنا في مقاماتها حول العرف و التقليد و العقائد ، بل جرّتها معها حتى سلبتها صيغتها الإيمانية و حوّلتها إلى" معامل ٍ " قابلٍ للتغيير و التحديث ، و الانخلاع عن كل أرضيةٍ ثابتة !.. هذه التصدّعات الكبيرة التي نالت جسد هذا المجموع ـ الإنسان ، ليست نتيجةً و حسب ، بل هي مبتدأ لميلاد عاري من القيمة الثابتة ، يكون فيه " الهرج " سيد الحضارة ، و يضيع الاستنكار القديم " أو تزني الحرة " في لجّة التماوجات الحضارية الجديدة التي صنعها التمثال المادي العصري ـ ! ليس الأمرُ خوفاً من ممارسةٍ أخلاقية شاذةٍ ، بل مشهداً عاماً لحالة من الترهل في القيمة المحورية للمجتمع ـ و خلاصة لانعدام الضمير الفردي الذي يشكّلُ رافداً مهماً للضمير الجماعي . و بناءً عليه ، صارت الإماء و الجواري و الغلمان نجوم المجتمعات و أرقامها الفلكية .و أصبح الكذب السياسي ذكاءً دبلوماسيّاً ـ و أصبح التديّن مجرد طقوس ، و حسب .

    لفت الدكتور " احمد عكاشة ـ رئيس الجمعية العالمية للأطباء النفسيين " انتباهي إلى قضية هامة حين تحدّث عن الضمير الجماعي ـ و كثافة الثقوب التي أوغلت فيه ، فقد أشار إلى قضية " التبلّد " في المشاعر تجاه القيم الدخيلة على المجتمع ، و اختلالاته .. و ضرب لذلك مثالاً في " الرشوة " . فهو يقول أنّنا لم نكن نسمعُ من زمنٍ أحداً يتباهى أمام الناس بأنه ذهب إلى المصلحة الفلانية ثم رشا صاحب الأمر مبلغاً من المال من أجل قضائها ، و أننا إذا ما سمعنا حديثاً من مثل هذا فإننا و لا شك نستنكره أيّما استنكار .. أمّا الآن ، فأنت تجد أحدهم " يتباهى " بذلك ، بينما تتجه حواسنا بشكل درامي إلى تصور الأمر كتصرف مبرر جداً ، بل و حتى قانونيّ ! إن هذا الانفلات عن " الضوابط " يهدد مواطنتنا بالفناء ـ و أخلاقنا العامة بالانتكاس ..و يخلق أجيالاً تجد في تفلّتنا و انتهاكنا لمنظومة الثوابت المجتمعية شريعةً لها .. لم يدع النبي المصطفى مثل هذه القضيّة تمرّ على أجيالٍ تأتي مرور الكرام ، بل نوّه لها مشدداً في حظّه على " الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر "هو المعروف الجماعي و المنكر الجماعي للحفاظ على تماسك القيمة الاجتماعية العليا ، و الثوابت القومية و العقدية في مستوى الاستقرار .. فقد وصف أقواماً ينأون عن النصيحة و الأخذ " بقوة " على أيدي أولئك المتسيبين من أبناء مجتمع ما ، بأن قلوبهم تستحيلُ كالكوزِ مخيّاً ، لا تعرفُ معروفاً و لا تنكرُ منكرا .. " فالكوز المتجخي " في الوصف النبوي هو تلك الحالة العدمية فيما يخص الضمير العام ، و مدى تقبّله لقيم مختلّة و مخالفة لنسقه الثوابتي . كما نجد حديثاً في صحيح الامام مسلم يشير إلى هذه القضية الجماعية بمنتهى الدقة : و إنّ قوماً استهموا على سفينةٍ فصار بعضهم أسفلها ، و صار بعضهم أعلاها ، فقال الذين أسفلها : لو أننا خرقنا في نصيبنا خرقاً و لم نؤذِ من فوقنا ، فإن تركوهم و ما أرادوا هلكوا و هلكوا جميعاً ، و إن اخذوا على أيديهم ، نجوا و نجوا جميعا ً..

    لا يوجد وصفٌ يمكن أن يتناول شبكة هذا المجتمع و الخروق التي تطرأ فيه من بعض العدوانيين و المتسيبين مثل وصف " السفينة ـ و الخرق " .. و هي حالةٌ قريبةٌ جداً من الغرق ، و ربما الاندثار الحضاري .. كما حدث مع أمم كثيرةٍ لم يذكرها التأريخ لأنها لم ترتفع إلى مستوى " الجدّية الاجتماعية " في سلوكها الروحي والحضاري .


    المواطنة ، هي الأخرى خرقٌ آخر في محيط الضمير الجماعي .. فكما يشير الدكتور " أحمد عكاشة " إلى أنّه لم يكن لأحد أن يتحدّث عن المواطنة كقضية " اجتماعية " منذ سنين ماضية صادفت ثورات التحرر و التغييرات الكبرى ، فلقد كان الهم الاجتماعي واحداً ، و إن لم تكن خطوط هذا " الهم " واضحةً تماماً ، لكن الانخراط ضمن هدف أكبر ميّـه َ الكثير من التمايزات و صهر الجميع في المعنى الرسالي لقضية " المواطنة " .. الأمر الآن يختلف تماماً . فالشعور بالمواطنة إذا يكن نابعاً من " خانة " المقدّس ، فستعصفُ به الحاجات و الظروف . و إنهُ لمن العبث الحديث عن مواطنةٍ لا توفّرُ رغيف الخبز في ظل انعدام المقياس القدسي لهذا الشعور .. و هذا الاحساس المتعاظم في التصوّر المادي للمواطنة مثّل صفعةً أخرى لبنية المجتمع ، و خلق مساحاتٍ للكفران بكل شيئ ، فلم تعُد الأرض في عرف الكثيرين تمثّلُ أكثر من مادة " للارتزاق " ، و إن هذه القيمة النفعية هي المحدد الأول لمعنى " المواطنة " ... هذه النظرة أوشكت أن تكون عامةً من درجة الساسة إلى مستوى الفقير المعدم ..

    إن شبكة العلاقات العامة ، و الضمير الجماعي بحاجة إلى إعادة ترميم بعوامل تلامسُ مادته الأولى ، و طوره الذي لا يتغيّر مهما تغيّر حالُ المكان و الزمان .. و قديماً قال إمام دار الهجرة " لا يصلحُ حالُ آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "..!؟


    .

    ......


    8/5/2004

    .
     

مشاركة هذه الصفحة