النكتة السياسية... ضحك كالبكاء

الكاتب : fas   المشاهدات : 624   الردود : 0    ‏2004-05-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-06
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    بقلم:سالم الحافي
    الوطن العمانية
    انتشرت فى الايام التى تلت انتحار صدام حسين والذين معه على أسوار الوهم.. انتشرت مزحة تقول: إن الرئيس المخلوع تخفى فى هيئة أحد الأكراد وحاول شراء (القشدة) من امرأة عجوز فى السوق ترتدي ملابس سوداء، لكن العجوز رفضت الحصول على أي مال منه وقالت إنه مازال رئيس الجمهورية رغم كل شىء، وعندما سألها صدام فى يأس: كيف تعرفت عليه رغم التخفى ؟ أجابته إنها عزت إبراهيم.. النائب السابق لصدام فى مجلس قيادة الثورة‍‍‍‍‍‍‍.

    ربت قلمي على كتفى منبها إياي أننى استدعيته لكتابة مقال سياسي وليس نكتة رديئة، نظرت إليه شزرا ثم أمرته أن يكتب هو التبرير المنطقى بأن ما كتبته ليس نكتة، لكنه سياسة، وأي سياسة، إنها أصدق سياسة لانها رحلة لجمع البصمات من فوق شفتي (المواطن) ووضعها فى صندوق الاقتراع الشعبى على الواقع السياسي الذى يتجرعه الناس الذين نتصور أحيانا أنهم يضحكون بدون سبب، تذكرت أننى أمارس ديكتاتورية على (قلمى) وما كان لى أن أفعل ،لكننى أقنعت نفسى بأنهم جميعا يمارسون على أم رأسى أنواعا من الديكتاتورية، فلأكن ديكتاتورا ولو مرة ، وليدفع ذلك المشاغب ثمن سؤالهالغبى..

    صاغرا كتب قلمى: للامانة.. لم يسند الرأى العام الشعبي لصدام حسين وحده دور البطولة في النكتة السياسية، فرجل الشارع العربي فعلها كثيرا ومازال، فعندما كان كل بيت في مصر بل والوطن العربي ينزف دما بعد نكسة 1967 انطلقت الانات ـ عفوا ـ النكات السياسية، ودائما ما وجدنا من يلعب دور (السنيد) أو (الكمبارس) للبطل (الزعيم) في الواقع السياسي، فكان منطقيا أن يجد ذلك السنيد مكانا فسيحا له في النكت أيضا، لذلك لم يكن (الصحاف) بدعا فى أسلوبه الاعلامى وبالتالي فى النكت، فقد سبقه أحمد سعيد وزير الاعلام المصري إبان النكسة وبياناته النارية التي تشبه دانات الصحاف الاعلامية التي انفجرت فعلا لكن في مشاعرنا فأصابتنا بالخيبة وقلة الحيلة، فأطلقنا على (الصحاف) صواريخنا الساخرة، فأصبح الرجل مادة ثرية للتنكيت بل سيكون بطلا لأكثر من فيلم سينمائي ومسرحية كوميدية ـ طبعا ـ فالشاعر المصري جمال بخيت انتهى من كتابة مسرحية بعنوان (اهلا بالعلوج) وهناك فيلم روائى قصيراسمه (أنا مش الصحاف خالص) واطلقت إحدى الفضائيات العربية برنامجا يسخر من الصحاف والاشاوس والغريب أن ذلك يحدث عيانا جهارا أمام المشاهدين بينما مقدما البرنامج يدخنان الشيشة ذات الدخان الازرق، أى الحشيش ـ لامؤاخذة ـ وصار ابن لادن وصدام حسين وغيرهما دمي يلهو بها الاطفال فى أوروبا بل أصبحوا أهدافا لـ(النشان) ببنادق الأطفال فى ملاهى إيطاليا وغيرها من الدول الاوروبية بعد أن كان هتلر هو النجم الاوحد لهذه المهزلة، الغريب أن الدنيا ملأى بالسفاحين والدجالين والدكتاتوريين وقتلة محمد الدرة وايمان حجو ولم نر واحدا من هؤلاء يسخر منه أطفال أوروبا.

    ـ قديما قالوا فتش عن اللوبى ـ

    والسؤال الذى يطرح نفسه: لماذا نسخر من مواجعنا، وأي رحم هذا الذى مازال قادرا على ولادة النكتة حتى ولوكانت قيصرية؟

    اعتدل قلمى في جلسته وابتلع مرارة السؤال ثم أجاب قائلا: لانبالغ إذا قلنا إن المزحة (النكتة) السياسية قديمة قدم الإنسان ذاته وربما يؤيد ذلك ماقاله علماء النفس بأن الإنسان حيوان ضاحك وإذا سلمنا أو اختلفنا مع ذلك، فالأكيد أننا جميعا سنرفع الراية البيضاء بأن النكتة السياسية ابنة عم الإنسان العربى بدليل أن فن الكاريكاتير ـ وهوغالبا نكتة سياسية (وهى أكبر حزب معارض فى العالم) هذا المعارض الجميل ولد فى أكبر دولة عربية، فالمعروف أن فن الكاريكاتير اختراع فرعوني، وفى التراث العربى الذى هو أصدق مرآة لرؤية الواقع بلا رتوش: (شر البلية ما يضحك) المتنبي لخص أصدق إجابة عن سؤال البعض: لماذا نضحك على خيبتنا القوية؟ أجاب:

    كم ذا بمصر من المضحكات

    لكنه ضحك كالبكا

    (ضع أى بلد تشاء من وطننا العربى الكبير بدلا من مصر يستقم لك المعنى)

    وللامانة فإن الضحك الذى يشبه البكاء موجود أينما تولى وجهك خاصة شطر دول العالم النايم ـ عفوا ـ النامى ،فمع أول انقطاع للاتصال بين الحاكم والمحكوم تخرج النكتة السياسية، لتقوم بمهمة توصيل رسائل الرأى العام الكامن إلى صناع القرار وكلما زادت زنازين سجن الرأى الشعبي توالدت آلاف النكت من رحم البرلمان الشعبى الحقيقى، فى محاولة للتنفيس الذى يحاول تسلق جدران الكبت والقهر السياسي، الذى يخشى سوط السياسي، فيتوارى خلف غيره.. حينا خلف جماد وحينا خلف ستر الإسقاط والرمزية وأحيانا خلف حيوان، فيجعل الحيوان ينطق نيابة عنه.. نعم إلى هذه الدرجة يصل مؤشر التنفيس السياسى، إلى حد الخوف الذى يجعل الصمت سيد الموقف، ليتكلم الحيوان الاخرس نيابة عن ذلك المتغطرس الناطق: الانسان.

    ولقد كان ابن خلدون بارعا في تحليل الشخصية العربية وربما يكون له السبق في الوصول إلى إجابة لسؤالنا، فالنظرة الخلدونية تحلل ببراعة العلاقة بين الناس وحكامهم، فمازلت أسمعه وهو يقول: (في الوقت الذى تنسحب فيه الحكومات مؤقتا من الصراع يحل الناس محلها تحت مسميات مختلفة، قد يكون أكثرها تأثيرا حماية الدين، فتبدو السلطة الاجتماعية (قفا) السلطة السياسية وتتمفصل من جديد العلاقة بينهما).

    لكن السلطة الشعبية هذه عندما تعجز عن المبارزة الحقة في ميدان الديمقراطية وحقها فى الحرية وتداول السلطة تلجأ عادة إلى المبارزة بسلاح النكتة وإن كان أضعف الايمان، ولاعجب فى ذلك إن أدركنا أن النكتة السياسية نوع من التنفيس وحماية لرجل الشارع البسيط من التصدع النفسي والحيلولة دون دخول هذا المسكين في حالة اكتئاب قد لايخرج منها إلا محمولا على الأكتاف إلى مثواه قبل الاخير سكت قلمى عن الكلام المباح فترة طويلة ظننت فيها ظن السوء به، فانفجرت فيه قائلا :هل تخشى الحديث أمامى بصراحة، تظننى من أعضاء (البعث) العراقي أو واحدا ممن صاروا أبطالا على (الكوتشينة) ورق اللعب الاميركي؟

    كعادته رمقني بنظرة أفلاطونية ثم أردف قائلا: مرة واحد يهودى... واستلقى على قفاه من الضحك،خشيت لحظتها ان ينسكب مداده الاحمرعلى وسادتى وأنا بينى وبين (الاحمر) نيران ليست بالصديقة، يكفينى (الاحمر) الذى يسكبه شارون كل صباح فى حلقي بمجازره التى ما إن يجف أحمرإحداها حتى يستل الأباتشى ليقتلنى ألف مرة، يبدو أن قلمى أدرك عقدتى الحمراء، فاعتدل قائلا: المضحك لدرجة البكاء أن النكتة السياسية وغيرها التصقت فى سيرتها الأولى باليهود ثم اختفى اليهود من النكتة لنحتل نحن العرب مادتها.

    لدرجة أن أولى المحاولات للتفسير السيكولوجي للنكتة كانت بإمضاء عالم النفس اليهودى (فرويد) ففى دراسته المعنونة: (النكتة واللاشعور) يرى (أن النكتة تعكس محتويات اللاشعور بصورة ملتوية تجعلها أقرب إلى الحيلة الدفاعية وكان من الطبيعى ان يركز (فرويد ) بحثه على النكات اليهودية، ففى رأيه أن النكتة اليهودية تستثير ضحك الآخرين بمجرد معرفتهم أنها تتناول اليهود، إذ يكفى أن تقول: مرة واحد يهودى.. حتى يضحك الناس لأنهم يتوقعون علاقة النكتة بالسلوك اليهودى).

    بداية من تحايل اليهودى البخيل وتهربه من دفع المال إلى التحايل على المغفلين ما إن انتهى قلمى من تحليله لظاهرة النكتة السياسية العربية حتى رأيتنى أقول: لكن السعادة الحقيقية ومؤشر الضحكة الرايقة الصادرة من القلب يرتبط ارتباطا وثيقا بازدهار الديمقراطية وارتفاع مستوى الحقوق السياسية والحريات المدنية.. وأقسم بربي أننى لى خمس عشرة سنة أو يزيد لم أضحك من قلبى وكل أملى أن أضحك ضحكة طفولية قبل أن أودع..

    يبدو أن قلمى أشفق لحالي.. حيث فوجئت به يقول: فى آخر جولة لصدام حسين فى شوارع بغداد، توقف فجأة سائق سيارته، ولما سأله صدام عن سبب توقفه المفاجىء أخبره السائق أن اطار السيارة به (بوش) فأخرج صدام مسدسه وأطلق رصاصتين على السائق
     

مشاركة هذه الصفحة