القبور والأضرحة للمنفلوطي

الكاتب : وليد العُمري   المشاهدات : 674   الردود : 1    ‏2001-09-22
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-22
  1. وليد العُمري

    وليد العُمري عضو

    التسجيل :
    ‏2001-07-29
    المشاركات:
    101
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    @@ دمعة على الإسلام @@

    بقلم / مصطفى لطفي المنفلوطي(1)

    كتب إليّ أحدُ علماء الهند كتاباً يقولُ فيه إنـه اطـلـع عـلـى مـؤلـف ظـهـر حديـثـاً بلـغـة (التاميل)، وهي لغة الهنود الساكنين بناقور وملحقاتها بجنوب مدراس، موضوعه: تاريخ حياة السيد عبد القادر الجيلاني، وذكرُ مناقبه وكراماته، فرأى فيه من الصفات والألقاب التي وصف بها الكاتب السيد عبد القادر ولقّبه بها صفات وألقاباً هي بمقام الألوهية أليق مـنـهـا بمـقـام الـنـبـوة، فضلاً عن مقام الولاية كقوله: (سيد السموات والأرض) و (النفّاع الضرّار) و (المتصرّف في الأكوان) و (المطلع على أسرار الخليقة) و (محيي الموتى) و (مبرئ الأعمى والأبرص والأكـمـه) و (أمـره مـن أمــر الله) و (ماحي الـذنــوب) و (دافع البلاء) و (الرافع الواضع) و (صاحب الشريعة) و (صاحب الوجود التام) إلى كـثـيــر مـن أمـثال هذه الـنـعـوت والألـقـاب(2)!ويقول الكاتب: إنه رأى في ذلك الكتاب فصلاً يشرح فيه المؤلـف الكيفية التي يجب أن يتكيّف بها الزائر لقبر السيد عبد القادر الجيلاني يقول فيه: (أول ما يجب على الزائـر أن يـتـوضـأ وضـوءاً سابغاً، ثم يصلي ركعتين بخشوع واستحضار، ثم يتوجّه إلى تلك الكعبة المشرفة، وبعد الـسلام على صاحب الضريح المعظم يقول:
    (يا صاحب الثقلين، أغثني وأمدّني بقـضـاء حاجـتـي وتـفـريج كربتي. أغثنـي يا محيـي الدين عبد القـادر، أغثني يا ولي عبد القادر، أغثني يا سـلـطـان عـبـد الـقـادر، أغثنـي يا بادشـاه عبد القادر، أغثني يا خوجة عبد القادر).
    (يـا حـضـرة الغوث الصمداني، يا سيدي عبد القادر الجيلاني، عبدك ومريـدك مـظـلوم عاجز محتاج إليك في جميع الأمور في الدين والدنيا والآخرة).
    ويقول الكاتب أيضاً: إن في بلدة (ناقور) في الهند قبراً يسمى (شاه الحميد) وهو أحد أولاد السيد عبد القادر ـ كما يزعمـون ـ وأن الهنود يسجدون بين يدي ذلك القبر سجودَهم بين يدي الله، وأن في كل بلـدة من بلدان الـهـنـود وقراها مزاراً يمثل مزار السيد عبد القادر، فيكون القبلة التي يتوجه إليها المسلمون في تلك البلاد، والملجأ الذي يلجأون في حاجاتهم وشدائدهم إليه، وينفـقــون من الأموال على خدمته وسدانته، وفي موالده وحضراته ما لو أنفق على فقراء الأرض لصاروا أغنياء.
    هذا ما كتبه إليّ ذلك الكاتب؛ويعلم الله أني ما أتممت قراءة رسالته حتى دارت بي الأرض الفضاء، وأظلمت الدنيا في عيـنـي، فما أُبصرُ مما حولي شيئاً حزناً وأسفاً على ما آلت إليه حالة الإسلام بين أقوام نكروه بعـدمـا عرفوه، ووضعوه بعدما رفعوه، وذهبوا به مذاهب لا يعرفها، ولا شأن له بها!
    أيّ عين يجمل بها أن تستبقي في محـاجـرها قطرةً واحدةً من الدمع، فلا تريقُها أمام هذا المنظر المؤثر المحزن، منظر أولئك المسلمين، وهـم ركّــــع سجّدٌ على أعتاب قبر ربما كان بينهم من هو خيرٌ من ساكنه في حياته، فأحرى أن يكون كذلك بعد مماته!
    أي قلبٍ يستطيعُ أن يستقرّ بين جنبي صاحبه ساعة واحــدة، فلا يطير جزعاً حينما يرى المسلمين أصحاب دين التوحيد أكثر من المشركين إشراكــــاً بالله؛ وأوسعهم دائرة في تعدد الآلهة، وكثرة المعبودات!
    لِمَ ينقُـــمُ المسلمون التثليث من المسيحيين؟ لِمَ يحملون لهم في صدورهم تلك الموجدة وذلك الضغن؟ وعــــلامَ يحاربونهم؟ وفيم يقاتلونهم وهم لم يبلغوا من الشرك بالله مبلغهم، ولم يغرقوا فيه إغراقهم؟
    يدين المسيحيون بآلهة ثلاثة، ولكنهم يشعرون بغرابة هذا التعدد وبعده عن العقل،فيتأولون فيه، ويقولون إن الثلاثة في حكم الواحد. أما المسلمون فيدينون بآلاف من الآلهة، أكثرها جذوع أشجار، وجثث أموات، وقطع أحجار، من حيث لا يشعرون!
    كثيراً ما يضمر الإنسان في نفسه أمراً، وهو لا يشعر به، وكثيراً ما تشتمل نفسُه على عقيدة خـفـيـــة لا يـحــــس باشتمال نفسه عليها. ولا أرى مثلاً لذلك أقرب من المسلمين الذين يلتجئـون في حاجاتهم ومطالبهم إلى سكان القبور ويتضرعون إليهم تضرعهم للإله المعبود، فإذا عتب عليهم فـي ذلــك عاتـب، قالـوا: إنا لا نعبدهـم، وإنما نتوسـل بهم إلى اللـه، كأنهم يشعـرون أن العبادة ما هم فيه، وأن أكبر مظهر لألوهية الإله المعبود أن يقف عباده بين يديه ضارعين خاشعين، يلتمسون إمداده ومعونتـه، فهم في الحقيقة عابـدون لأولئك الأموات من حيث لا يشعرون.
    جاء الإسلام بعقيدة التوحـيـــد ليرفع نفوس المسلمين، ويغرس في قلوبهم الشرف والعزة والأنفة والحمية، وليعتق رقابهم من رِقّ العبودية، فلا يذل صغيرهم لكبيرهم، ولا يهاب ضعيفهم قويهم، ولا يكون لذي سلطان بينهم سلطان إلا بالحق والعدل. وقد ترك الإسلامُ بفضل عقيدة التوحيد ذلك الأثر الصالح في نفوس المسلمين في العصور الأولى، فكانوا ذوي أنفة وعزة، وإباء وغَيْرة، يضربـــون على يد الظالم إذا ظلم، ويقولون للسلطان إذا جاوز حده: قف مكانك، ولا تغلُ في تقدير مقدار نفسك، فإنما أنت عبد مخلوق لا رب معبود، واعلم أنه لا إله إلا الله.
    هـــذه صورة من صور نفوس المسلمين في عصر التوحيد. أما اليوم وقد داخلَ عقيدتَهم ما داخـلَـهـــــا من الشرك الباطن تارة والظاهر أخرى، فقد ذلت رقابهم وخفقت رؤوسهم، وضرعت نفوسهم، وفترت حميتهم، فرضوا بخطة الخسف، واستناموا إلى المنزلة الدنيا، فوجد أعداؤهـــم السبيل إليهم، فغلبوهم على أمرهم، وملكوا عليهم نفوسهم، وأموالهم، ومواطنهم، وديارهم، فأصبحوا من الخاسرين.
    واللهِ، لن يسترجـــــع المسلمون سالف مجدهم، ولن يبلغوا ما يريدون لأنفسهم من سعادة الحياة وهناءتها، إلا إذا اسـتـرجـعـوا قبل ذلك ما أضاعوه من عقيدة التوحيد، وإن طلوع الشمس من مغربها، وانصباب ماء النـهـــر في منبعه، أقرب من رجوع الإسلام إلى سالف مجده، ما دام المسلمون يقفون بين يدي الجيلاني كما يقفون بين يدي الله، ويقولون للأول كما يقولون للثاني: (أنت المتصرف في الكائنات، وأنت سيد الأرضين والسموات).
    إن الله أغيرُ على نفسه من أن يسعدَ أقواماً يـزدرونـــــه، ويحتقرونه، ويتخذونه وراءهم ظهرياً؛ فإذا نزلت بهم جائحة، أو ألمت بهم ملمة ذكروا الحجر قبل أن يذكروه، ونادوا الجذع قبل أن ينادوه.
    بمن أستغيث؟ وبمن أستنجد؟ ومن الذي أدعوه لهذه الملمة الفادحة؟ أأدعو علماء مصر وهم الذين يتهافتون على (يوم الكنسة)(3) تهافُتَ الذباب على الشراب؟ أم علماء الآستانة وهم الذين قتلوا جمال الدين الأفغاني(4) فيلسوف الإسلام لـيحـيـوا أبا الهدى الصيّادي شيخ الطريقة الرفاعية؟ أم علماء العجم وهم الذين يحجون إلى قبر الإمام كما يحجون إلى البيت الحرام؟ أم علماء الهند وبينهم أمثال مؤلف هذا الكتاب؟
    يا قادة الأمة ورؤساءها! عَذَرْنا العامة في إشراكها، وفساد عقائدها، وقلنا: إن العامي أقصر نـظـــــراً، وأضعف بصيرة من أن يتصور الألوهية إلا إذا رآها ماثلة في النصب، والتماثيل، والأضــرحـــــة والقبور؛ فما عذركم أنتم وأنتم تتلون كتاب الله، وتقرأون صفاته ونعوته، وتفهمون معنى قــولــه ـ تعالى ـ: ((قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلاَّ اللَّهُ)) [النمل:65]. وقوله مخاطباً نبيه: ((قُل لاَّ أََمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَراً)) [الأعراف:188]. وقوله: ((فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ المُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) )) [الأنفال: 17]؟
    إنكم تقولون في صباحكم ومـسـائكـم وغدوكم ورواحكم: (كل خير في اتباع من سلف، وكل شر في ابتداع من خلف) فهل تعلمون أن السلف الصالح كانوا يجصصون قبراً، أو يتوسلون بضريح؟ وهل تعلمون أن واحداً منهم وقف عند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أو قبر أحد من أصحابه وآل بيته، يسأله قضاء حاجة، أو تفريج هم؟
    وهل تعلمون أن الرفاعي والدسوقي والجيلاني والبدوي أكرم عند الله وأعظم وسيلة إليه من الأنبياء والمرسلين، والصحابة والتابعين؟
    وهل تعلمون أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حينما نهى عن إقامة الصور والتماثيل،نهى عـنـهـــــا عبثاً ولعباً، أم مخافة أن تعيد للمسلمين جاهليتهم الأولى؟ وأي فرق بين الصور والتماثيل وبين الأضرحة والقبور ما دام كل منها يجر إلى الشرك، ويفسد عقيدة التوحيد؟
    واللهِ، ما جهلتم شيئاً من هذا ولكنكم آثرتم الحياة الدنيا على الآخرة، فعاقبكم الله على ذلك بسلب نعمتكم، وانتقاض أمركم، وسلط عليكم أعداءكم يسلبون أوطانكم، ويستعبدون رقابكم، ويخربون دياركم، والله شديد العقاب.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    الهوامش :
    (1) كاتب وأديب مصري مبدع، وهو في هذا المقال يعلق على موضوع القبور والأضرحة بوجهة نظر الفرد المسلم الذي يحز في نفسه ما آل إليه حال بعض المسلمين وهو من كتاب (النظرات) تحقيق مجيد طراد.
    (2) للتعرف على شخصية الجيلاني يراجع كتاب: (الشيخ عبد القادر الجيلاني: آراؤه الاعتقادية والصوفية) للدكتور سعيد بن مسفر بن مفرح وهو رسالته للدكتوراه وتعتبر بحثاً قيماً في بابه.
    (3) يوم يذهب فيه علماء الدين إلى ضريح الإمام الشافعي للتبرك بكنس ترابه.
    (4) جمـــال الدين الأفغاني بالرغم مما له من جهود في خدمه الإسلام إلا أن عليه مآخذ وأخطاء عظيمة. انظر: (جمال الدين الأفغاني) للدكتور علي عبد الحليم محمود. ولمعرفة من هو (أبو الهدى الصيادي) انظر: موسوعة أهل السنة لعبد الرحمن دمشقية.
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2005-03-12
  3. يمن

    يمن عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2002-03-14
    المشاركات:
    1,769
    الإعجاب :
    0
    [align=right]


    الاخ وليد العمري ، جزاك الله خير وبارك الله فيك على هذا الموضوع

    هذا يبين موقف الأدباء الكبار في نبذ هذه البدع الفادحه الشركيه التي دخلت بين المسلمين

    وهذا الموقف يسجل مع مواقف كثيره لادباء كبار وخاصتاً في العصر الحديث في عصر العلم
    هذا وفضلاً عن موقف جميع علماء الطبيعه من اطباء ومهندسين ... ولا تكاد تجد احداً منهم يصدق بخرافات القبورييين وخزعبلات وشعوذات الصوفيه .

     

مشاركة هذه الصفحة