وِدْ – فتاة غير عادية 2

الكاتب : رفيقة امس باهت   المشاهدات : 1,307   الردود : 18    ‏2004-05-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-05
  1. رفيقة امس باهت

    رفيقة امس باهت عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-16
    المشاركات:
    141
    الإعجاب :
    0




    وِدْ – فتاة غير عادية 2

    لدقائق لا أعرف طولها جلست أحدق في المرآة دون سبب... لا أحمرا للشفاه يجدي ولا عبثية إخفاء تقاطيع العمر ...
    هذه المناسبة السنوية تتطلب مساحيق من نوع آخر...
    ألوان من الصبر كالذي علمتني إياه صديقة عمري " وِدْ ".
    وبعد ساعات من ذرف الدموع ومسحها ... خرجتُ كما دخلت ...
    أكدت على وجدي كافة التعليمات ، ورد بضجر انه قد تعود على ذلك فلا حاجة للتكرار.. دكتور ويكره الاستغفال ...
    قبلت طفلاي أحمد و وِداد وخرجت مسرعة.. لألحق ميعادي .. وجولة أخرى من الدموع..

    امتلأت الشوارع بأناس عائدين لمنازلهم... يحلمون بجو من الراحة بعد ساعات من العمل المضني..
    توشحت المدينة بالسواد ... كامرأة – عجوز متصابية- تختال في عباءتها تتناثر عليها الأضواء كحبات اللؤلؤ المضيئة..
    وكل من في الشارع يطلب ودها.. علها تحن عليه هذه الثرية بنظرة أو ابتسامة .. بفتات ترميها ليتلقفها اللاهث خلفها دون كلل أو ملل.. أحب هذا الجو المشحون.. أحب الليل.. الساكن الرابض في وقار..
    روّاد الليل غيرهم أولى النهار.. كل الحـــالمون.. الطــامعون.... حتى مصــاصي الدمــــاء.. امتزجوا ببعض في العتمة..... فتشابهت الوجوه وان اختلفت الغرائز..

    ومــازلت أحبهـ ـــا!

    هي في غموضها وعتمتها وسحرها تماما كـــ وِدْ..
    لم تكن وِدْ كأي فتاة أخرى ... ببساطة ثائرة و مجنونة... لا تتردد في خوض المستحيل فقط من أجل التجربة.. والفضول..
    هي مؤمنة.. بأن تصف حالة ما، ليس كأن تشعر بها.. واقعا ملموسا...
    هذا المبدأ كلفها آلاما لا تحصى.... تلقتها عن رضا وقناعة..
    كنت قد لاحظتها مرارا قبيل تعرفي بها.. تجلس وحدها تكتب بشراهة غير عادية!...
    ثم فجأة انتبهت عليها مراقبتي الشديدة، فليوم كامل كنت لا أدير رأسي إلا وأرى عيناها مصوبتان نحوي بكل وقاحة.. وتلك الابتسامة الغامضة تكاد لا تفارق وجهها.. ثم وبثقة توجهت نحوي قائلة:
    "لا أعدك بشيء.. سوى أن أكون مخلصة بقدر إخلاصك لي..."
    لم يعتد عقلي على فهم عبارات كتلك، فارتعبت وسألتها عما تريده بالضبط.. قالت فقط كوني صديقتي...
    من يومها وأنا مرتبطة بها لدرجة لا أتخيل معها قدرتي على الفكاك.. أردت أحدا ما .. تسمع ثرثرتي دون تذمر.. وفوق كل ذلك تنبري لمساعدتي وقت الحاجة..
    كنت أراها مجنونة، وإلا كيف تدعي ذنبا لم ترتكبه لمجرد أن يتلقى كفيها الصغيرتين 10 ضربات!
    تعجبت إن كانت وِدْ أرادت حماية المذنبة .. أستغرب هكذا شفقة منها!! إلا أن إجابتها حملت تفسيرا أعجب.

    "إنني وحيث لم أقتنع بدموعهن التي تُذرف على هذا الضرب، قررت أن أجرب ذلك بنفسي....."

    وقد بلغ الجنون قمته معها حين وجدتها أمها في إحدى المستشفيات ، تراقب عجوزا ميته.. وتتحسس وجهها بأناملها...
    تعودت خالتي هند على ذلك... لن تتوقع أقل من ابنة الثائر.. فهو نفسه لم يرض بغير الموت كخلاص له مما يحمله هذا العالم من قضايا لا تنتهي...
    في يوم غضبتُ منها حين أقحمتني في إحدى نزواتها دون أن أعلم.. فقررت الفرار من سلطويتها علي .. لكن لم أحتمل بعدها فجلست أنوح كالثكلى .... حتى جاءت أخيرا، وأخبرتني انه لن يوجد أحد يكفكف دمعي فلما لا أوفرها..
    فجأة قلت لها وبدون تفكير:
    "أعرف ، وان لن ولم تقولي ، تحبينني....."

    صمتت.... فابتسمتُ راضية .. اعرف تماما أن الصمت هو صوت الهزيمة عند وِدْ..
    وسأقسم ألف مرة أنها هي من كتبت تلك العبارة لمثيرات الغبار أيام الثانوية، لمجرد أن تستشعر الخوف لدى مليكات الثقة الأولى في المدرسة..

    "إذا عجزت الحياة عن إمدادنا بالدروس .. فعلينا أن نرتجل ... مخطئ ذاك من يراهن على الحياة".

    يومها ضحكتُ بجنون استلهمتُه منها....أما هي فلم تتوقف عن ابتسامتها تلك.....


    وصلت أخيرا لمنزل خالتي هند.. عريق... لم تبخل عليهم الدنيا بالمــال.. المنزل أثري شاهق... واسع .. صار وكرا للغربان...
    أعرف أنها في الغرفة الصغيرة الآن .... جالسة على السرير تقرأ ماضيا ولّى وان بقي ماثلا للأذهـــان كشرارة تصطلي مع كل حكة للذاكرة ....

    لا أدري ماذا ستقول لو رأتني الآن، لست أظن أنها توقعت بأني في يوم من الأيام سأكون مديرة مجلة ، بزوج دكتور، وطفلين هما مهجة الدنيا..
    هي ستكون ثائرة في مكان ما من بقاع هذا العالم... لكن الحياة أوقفت رهانها على وِدْ.. خطت قلمها.. وأغمدت سيفها في قلوبنا تاركة امرأة كلومه وصديقة فجوعه..
    لم أشعر أبدا بوحدة مخيفة كالتي شعرت بها بعد موت وِدْ في الحادث منذ ست سنين، ومن يومها وأنا وخالتي هند نستعيد ذكرى طيشها وجبروتها وحدنا في غرفتها الصغيرة التي بقيت كما هي...

    لن اكذب إن قلت أن وِدْ هي الريح التي تحمل جناحاي نحو أفق لم أعتد عليه، فكلما أردت قول لا ... استحضر قوتها ... تتلبسني فابتسم ذات الابتسامة ..... لكن سرعان ما تنهكني.... لن تحتمل نفسي قوة جبارة كهذه حتى بعد هذه السنين..


    أعلن الجرس وصولي .. انزاح الباب عن امرأة تجاوزت الأربعين بكثير ... تورُّم واحمرار جفنيها دليل واضح على أنها لم تتوقف عن البكاء... والأخــاديد التي رسمتها دموع الشوق خلفت آثارا بائسة على امرأة أنهكها الهوان.. مسكينة أم وِدْ ... وماذا استطيع غير تقاسم سيل الدموع معها...

    دلفنا للغرفة...تغلفت الأجواء بالصمت، فأصبح الليل أكثر ظلمة وسكون... اختفى أثر كل صوت في الخارج وكأنها تجمعت لتقف لحظة صمت ترثي بطلة انتهت فصول حكايتها ..


    يوم الحادث قالوا أنها – أي وِدْ - كانت تحاول إبعاد طفل بالقوة عن طريق الشاحنة..
    وأتساءل .... إن كانت تلك هي الحقيقة... أم أن وِدْ أرادت أخيرا خوض تجربة الموت؟





    نوره عبدالله - 28 ابريل -
    2004
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-05-06
  3. جلنار

    جلنار قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-02-28
    المشاركات:
    13,030
    الإعجاب :
    3

    لا أدري إن كنت قد قرأت لهذا القلم سابقاً .. !! لكنه بهرني ، وسلب الكثير من ذاكرتي المثقوبة التي اتجهت نحو " ود "

    لغة أكثر من را قية ، لاتدل إلا على كاتبه متمرسة بالكتابة ،شعرت بالأسف أنني لم أكن القارئة الأولى لهذا القلم الجميل ، والذي لم يكن محتاج لإظهار نفسه ، فقد سبقته حروفه التي اظهرته بجداره

    جميل ماقرأت

    كل التوفيق
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-05-06
  5. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    يا إلهي ما هذا؟!!
    كثرت وعود العودة !
    لكن هذا هو الملاذ الوحيد عند أن يذهلنا نص كهذا!
    بورك قلمك يا أختنا .
    لي عودة إن شاء الله .
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-05-06
  7. حافظ الحنشلي

    حافظ الحنشلي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-04-24
    المشاركات:
    281
    الإعجاب :
    0
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-05-10
  9. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    الأستاذة الفاضلة:
    حقّاً عشنا مع ود لحظات غسّلتها الدموع .
    ما يعجبني في قلمك هو هذه اللغة الراقية , وهذا الوصف الذي تجيدين إنشاده
    فقد أجدت بشكل مذهل , في أخذنا معك إلى الماضي الذي امتلأ بود.
    وفّقك الله , فقلمك يزرع فينا الخجل أن نكتب ونحن نتعثّر في الوصول , إلى مكانة
    كمكانتك الرفيعة هذه .
    حقّاً كانت قصّة فارهة عالية المكانة .
    وكلّما ازداد عندي النص عظمة , زادت حقوقه عليّ , فاسمحي لي بما رأيت:
    -//إلا وأرى عيناها مصوبتان// والأصح :عينيها مصوبتين .
    -لقد كانت أنفاسنا متوتّرة , مشدودة لجمال النص وروعته , لكنّي أحسست
    بشيء من الفتور , عندما ذكرت (وفاة ود) , ألا ترين أنّ هذا الموضع بالذّات
    كان بحاجة إلى صياغة تتناسب مع الحدث , ومع الجو العام للنص الرائع.

    أعجبني بشكل لا يوصف , تعبيراتك المتّسمة بالعمق والشّاعريّة:

    //امتزجوا ببعض في العتمة..... فتشابهت الوجوه وان اختلفت الغرائز..//


    //لن تتوقع أقل من ابنة الثائر.. فهو نفسه لم يرض بغير الموت كخلاص له مما يحمله هذا العالم من قضايا لا تنتهي//

    وفي هذه الجملة اختزلت حياة كاملة , بإسلوب جدّ رائع .

    أمّا النهاية , فأنا , يا أختنا , أحيّيك على هذا التألّق , فهذا السطر الأخير , حوى سؤالاً ضمّ حياة (ود) ومشاعرها وشخصيّتها , بدقّة وعمق بارعين.

    //وأتساءل .... إن كانت تلك هي الحقيقة... أم أن وِدْ أرادت أخيرا خوض تجربة الموت؟//
    يا إلهي !!

    سيّدتي:
    دمتِ في تألّق دائم , ودام هذا القلم حيّاً نابضاً بالإبداع .


    إلى أساتذتنا المشرفين:
    ألا يوافقونني أنّ هذه القصّة الرائعة , تستحق الثبيت؟
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-05-10
  11. أبوحسن الشّافعي

    أبوحسن الشّافعي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2002-12-07
    المشاركات:
    344
    الإعجاب :
    0
    التثبيت!!
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-05-11
  13. شلي

    شلي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-06
    المشاركات:
    213
    الإعجاب :
    0
    ما هذا الجمال

    مغرم ,وحالم , بالكاريزما المميزة بطيف كتاباتك ايها الفتاة الغير عادية ما معنى تعطي الحب والكراهية في نفس الوقت وكأننا نتعالج من الأفيون بالهيروين.
    جميل ان تتساوىهذه الأفكار لتتحول إلى نتاج أكثر إبداعاً ننتظره بشوق مع رجائي قراءة مادتي الققصية
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-05-11
  15. رفيقة امس باهت

    رفيقة امس باهت عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-16
    المشاركات:
    141
    الإعجاب :
    0
    [color=993366]العزيزة جــلــ نـــار

    الحبيبة جــلــ نـــار

    المبدعة جــلــ نـــار

    مرحبا بك في أولى إطلاله لك علي...

    الطريق لك عندي مفروش بورود الإعجاب .

    فقد قرأتك من قبل...

    وسأظل أقرأ..

    أعتز... بهذا المرور الطاغي..

    ولك مني ما لا أستطيع البوح به هنا لعجزي..

    فاتركيه .. لي

    تــ حياتي..


    نوره[/color]
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-05-11
  17. رفيقة امس باهت

    رفيقة امس باهت عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-16
    المشاركات:
    141
    الإعجاب :
    0
    [color=333366]لا أريد التــجاوز....

    لذلك أعلن لك أخي الشافعي عودتي مع عودتك

    وان كنت استمتع بقراءة لك... في موضوع.... بحق اعجبني..

    تحياتي الغاليه


    نوره[/color]
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2004-05-11
  19. رفيقة امس باهت

    رفيقة امس باهت عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-16
    المشاركات:
    141
    الإعجاب :
    0
    :)
     

مشاركة هذه الصفحة