مقابلة معادة للتذكير لراشد الغنوشي( الجزء الأول)

الكاتب : ابو حذيفه   المشاهدات : 419   الردود : 0    ‏2004-05-04
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-04
  1. ابو حذيفه

    ابو حذيفه مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-05-01
    المشاركات:
    10,896
    الإعجاب :
    0
    بعد سنوات العمل الإسلامي كيف يرى الأستاذ راشد الغنوشي موضوع مرجعية العمل الإسلامي وجدلية العلاقة بين الديمقراطية التي تنقل المرجعية إلى الشارع والخطاب الإسلامي الذي لايقبل الديمقراطية إلا بشروط العلم بالتراث وفتاويه رغم أنها اجتهادات تصيب وتخطئ؟



    - يخطئ الكثير من الإسلاميين في فهم الديمقراطية والإسلام معا إذ يقيمون بينهما تناقضا جذريا وهوة غير قابلة للتجسير بحسبانهم الحكم الإسلامي حكم الله عز وجل الذي لا سبيل للتوصل إليه إلا عبر اجتهاد فئة خاصة لا تخرج عن علماء الدين بينما حكم الديمقراطية مرجعيته الشعب وسلطة الرأي العام وضغوط الشارع.
    وهو تصور على قدر كبير من التبسيط لما هو متعدد الأوجه، كما أنه مسيء إساءة بالغة للإسلام والديمقراطية معا، إذ يجعل حكم الإسلام نقيضا لحكم الشعب وكأن الإسلام لن يحكم إلا غلبة وقهرا في تجاهل كامل لحقيقة كبرى من حقائق الإسلام هي حرية إرادة الإنسان ومسؤوليته أمام خالقه في كل ما يتعلق بمسائل الضمير والاعتقاد، بعيدا عن كل صورة من صور الإكراه والإخضاع والسيطرة "لست عليهم بجبار"، "لست عليهم بمسيطر"، "لا إكراه في الدين"، بما يقصر مهمة الرسل على البلاغ "إن عليك إلا البلاغ"، ليترك الناس ومسؤوليتهم "وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولأن الله سبحانه شاء أن يكون الإنسان حرا مسئولا فقد ترك له بعد البلاغ سلوك أحد النجدين الهداية أو الضلالة، ونتج عن ذلك لزوما انقسام البشرية إلى مؤمنين وكافرين "ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة" أمة واحدة في الهداية مثل أمة الملائكة ولكنه لم يشأ ذلك إذ خلقنا أحرارا، فليس من مهمة الانبياء ولا من مهمة خلفائهم محو الكفر من العالم فليس ذلك ممكنا ولا مراد الله عز وجل ما دام سبحانه قد خلق الإنسان حرا.
    وإذا كان المؤمنون مدعوين إلى طاعة ربهم والدعوة إلى دينهم فليس لهم من سبيل غير سبيل الحجة والجدال بالتي أحسن لإقناع من لا يشاطرهم الرأي والاعتقاد.
    الشريعة في ذاتها حق آمن الناس بها أم كفروا، إلا أن سبيلها إلى أن تغدو نهجا لحياة مجتمع ما ودستورا له ومرجعية عليا لتمييز ما هو حلال وحق وخير وعدل عما هو حرام وشر وظلم، سبيلها الوحيد الى ذلك هو حصول إجماع حولها أو ما في معناه من غالبية. وهو ما يجعل الحكم الإسلامي حكم الناس وليس حكم الله، بمعنى أنه اجتهاد الناس في إدراك حكم الله، أي تنزيل مبادئ الإسلام وتفصيلها على واقع محدد، وهذا التفصيل وفق واقع محدد هو عمل بشري معرض للصواب والخطأ.
    والواقعة المشهورة في السيرة النبوية إذ سأل أحد قادة المسلمين رسول الله صلى عليه وسلم وهو يرسله في غزاة "أأنزلهم على حكم الله أم على حكمي؟" فكان جواب المصطفى ^: بل على حكمك، فأنت لا تدري أتصيب حكم الله أم تخطئه"، وهو ما حدا بعلماء السياسة الشرعية أن يؤكدوا في وصف الحكم الإسلامي بأنه: حكم مدني من كل وجه أي هو محض اجتهاد من بين اجتهادات أخرى محتملة.
    ولأن لكل مسلم حظه من الاجتهاد وقد انقطع الوحي وفي غياب سلطة دينية تدعي النطق باسم السماء لا يبقى من سلطة على الناس غير سلطة الحجة والبرهان أو ما اختاروه عبر شوراهم من حكم يقيمونه لخدمتهم تحت رقابتهم ويصرفونه متى شاءوا لاستبداله بغيره وفق تعاقد معلوم.
    وإذا كانت الإجتهادات المنبثقة من المرجعية الإسلامية، ستختلف ولا بد بحكم غياب السلطة الدينية واختلاف العقول والأوضاع فسيؤول إلى الناس أمر تفضيل مذهب أو اجتهاد على آخر نهجا للعمل، وهو ما قد حصل في تاريخ التطبيق الإسلامي إذ اختارت شعوب إسلامية مذهبا معينا في الاجتهاد واختار آخرون مذهبا آخر، وكل ذلك يمثل مجال لقاء مع النهج الديمقراطي الذي يعتمد الشعب مرجعية عليا في اختيار نوع الحكم والحاكم وطرائق نصبه ومراقبته وعزله.
    ولقد نجحت طرائق الديمقراطية المعاصرة بما طورته من آليات في الانتخاب وعمل المجالس والأحزاب والصحافة الحرة واستقلال القضاء في الإجهاز إلى حد كبير على الاستبداد والحكم الفردي وتسليم السلطة إلى الشعب بما جعل حكم الشعب التعريف المبسط للديمقراطية في مقابل ليس حكم الله وإنما حكم الانفراد والاستبداد، إذ أن الديمقراطية لا تستلزم بالضرورة التمرد على الدين كما يروج دعاة الاستئصال وإنما هي تستلزم حق الشعب في اختيار نمط الحكم والحاكم والسياسات وخضوع الحاكم كالمحكوم لسلطة القانون وتداول الحكم سلما وفق طرائق يتفق عليها.
    ولا يمنع ذلك إيمان ذلك الشعب بمرجعية قيمية عليا لم يفرضها عليه أحد، فالشعب في الديمقراطية يملك ولا شك حرية الاختيار للسياسات ومن ينفذها وسواء تم التنصيص في دستوره على مرجعية قيمية عليا تتولى توجيه كل السياسات وتتم في إطارها كل الاختيارات، من مثل التنصيص على الإسلام أو المسيحية أو اليهودية أو البوذية أو قانون الطبيعة -كما يرد في توطئات كثير من الدساتير- أم لم يأت فإن الديمقراطية كما تمارس في الواقع لا تعني الاختيار المطلق لدرجة الانتقال بين الأضداد وإنما هي اختيار في سياق ثقافة محددة وانتقال داخل عائلة ثقافية واحدة انتقال من الشبيه إلى الشبيه وليس من النقيض إلى النقيض ولذلك تندر الصراعات العقدية في الحملات الانتخابية اعتبارا للأرضية الثقافية المشتركة بما يجعل الصراع بين برامج حياتية اقتصادية وسياسية واجتماعية وتربوية، حتى أن السياسات الخارجية قل أن تطرح في الحملات الانتخابية باعتبارها تعبر عن المصلحة القومية وليس عن مصلحة حزب.
    لقد نجح الغرب في تطوير فكر سياسي يبوئ الفرد مقاما محمودا والشعب مصدرا للسلطة في إطار ثقافات شعوبه ومصالحها بما خلصه إلى حد كبير من مصيبة وعائق حكم الاستبداد، الآفة العظمى التي أفرغت مبدأ الشورى العظيم من مضمونه باعتباره رمزا لحكم الأمة وقوامتها على حكامها وحولت هذا المبدأ إلى مجرد شكليات في البيعة ليس لها من معنى غير القهر والاغتصاب.

    وكان حريا بنا نحن المسلمين الذين تلظى تاريخنا بمصيبة الاستبداد التي انحدرت بأمتنا إلى الحضيض أن نبتهج بما أنجز الغرب من تطوير لمبدأ الشورى حوله الى جهاز للحكم يجسد الى حد كبير إرادة الامة وأن نقول هذه بضاعتنا ردت الينا كما فعلنا بكل حكمة طورها الغرب في مجال تقنيات الاتصال والزراعة والطب والدفاع .. بدل ذلك انبعث ضيقو العقول منا في تطرف لا يشاطرهم فيه غير أعداء الإسلام.
    فكما أراد أولئك أن يفرضوا على المسلمين الاختيار بين التقدم العلمي والدين معتبرين أن الثمن الوحيد المقبول للتقدم هو الإلقاء بالدين الإسلامي جانبا، نهج قوم منا إلى محاكاتهم دون وعي فقالوا ليس أمامكم إلا أن تختاروا بين حكم الله وحكم الشعب بين الديمقراطية والإسلام، وكل ذلك هو عند التحقيق من قبيل لزوم ما لا يلزم فأمتنا خلافا لأمم الغرب اجتازت طريقها إلى الحضارة من باب الإسلام وعرفت حكم الشورى حكم الأمة والتداول السلمي للسلطة في قمة تدينها في ظل حكم النبوة والخلافة الراشدة.
    فليس من تناقض بين مرجعية الشعب ومرجعية الوحي في إطار شعب مؤمن ولا تناقض بين مرجعية العلماء ومرجعية الرأي العام أو الشارع ما دام العلماء غير معصومين وأن الشعب بشكل مباشر أو عبر نوابه الذين انتخبهم هو من له سلطة الاختيار بين مختلف الاجتهادات فيما هو قابل للاجتهاد أما ما هو ثابت في الدين فهو يمثل الأرضية المشتركة بين الحاكم والمحكوم بين النخبة والشعب. وذلك في إطار مجتمع إسلامي مستقر.

    * ألا ترى أننافي العمل الإسلامي قد خرجنا من روح الجماعة إلى روح الحزب فجسدنا الحزبية بأقبح صورها؟ وكيف يمكن أن نتجنب ذلك في المستقبل؟
    - هل تكون الحركة الإسلامية قد أفرطت في التحزب على أنقاض الرباط الإسلامي العام الذي يجعل من المسلمين كلهم جماعة، مشدودين بقوة بميثاق الأخوة الإسلامية التي ترتب لكل مسلم حقوقا في عنق إخوانه المسلمين؟ ألم ترد نصوص الوحي كتابا وسنة مؤكدة لهذا الرباط الإيماني الجامع حاثة على إعلائه على كل رباط آخر "عليكم بالجماعة"،"من شذ عن الجماعة شذ إلى النار" كما ورد في الحديث النبوي الشريف.
    فكل أهل القبلة هم الجماعة الخيرة "كنتم خير أمة أخرجت للناس" وهم جميعا حزب الله، وكلهم بعضهم أولياء بعض ويد واحدة على من سواهم مهما اختلفت اجتهاداتهم المذهبية والسياسية والفقهية.
    إنهم أمة واحدة من دون الناس، فما موقع فكرة التحزب والحركة في سياق جماعة المسلمين؟ ألا تكون بالضرورة انتقاصا منها بل خطرا على وحدتها يهددها بالتمزق والتشرذم وذهاب الريح "إ ن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء"، "ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم"، "ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم"؟
    لا ليس الانتماء إلى وحدة صغيرة مثل الانتماء إلى أسرة أو قبيلة أو نقابة أو ناد رياضي أو جمعية ثقافية أو جمعية خيرية أو دولة قطرية أو حزب سياسي وما إلى ذلك من ضروب الانتماء ليس هو بالضرورة نقيضا للانتماء العام لجماعة المسلمين وانتقاصا منه ومضار له، ليس ذلك حتما لازما، ولكنه محتمل الوقوع عند ما تختلط السبل وتضيع الموازين وتختل المفاهيم والضوابط التي تؤتي كل ذي حق حقه حسب التعبير النبوي المعجز، ذلك أن مما يميز الإنسان تعدد الأبعاد والانتماءات في شخصيته، وهي إذا أحسن ترتيبها تكون مصدر ثراء للفرد والجماعة.
    وهي ليست فقط فطرية بل ضرورية من أجل تكامل شخصية الإنسان، فهو يتحرك في مجموعة واسعة من الدوائر بحسب ثراء شخصيته: فهو عضو في أسرة صغيرة ترتبط بروابط الدم مع أسرة أوسع، وهو بحكم سكناه في حي معين يرتبط بروابط مصلحية وروحية مع أهل حيه، وهو بحكم كونه منتجا اقتصاديا يرتبط بأهل مهنته بروابط محددة تقتضيه حقوقا وواجبات، وبحكم كونه كائنا مفكرا يتأمل في الوجود المحيط به، في أصله والمصير، فيستقر في نفسه تصور عقدي يشده إلى من يشاركه بروابط عقدية قوية، ولأن الناس فطرهم الله مختلفين فتتعدد اجتهاداتهم في تفاصيل حتى التصور العقدي الواحد وتطبيقاته في أوضاع محددة.
    ولأن الله خلق الناس شعوبا وقبائل فقد تعددت انتماءاتهم إلى أوطان وكيانات سياسية واجتماعية وعرقية وثقافية...، وكل ذلك وغيره يؤسس لتعدد انتماءات الإنسان.
    أما في ظل أوضاع انتقالية كالتي تعيشها كثير من أوطان المسلمين حيث يصطرع الإسلام مع الاستئصالية المدعومة بقوة الأساطيل فالديمقراطية هنا أيضا توفر لمجتمعاتنا فرصا للسلم والتضامن الوطني والبحث عن وفاقات ومشاركات مع التيارات المعتدلة الأخرى.
    وما حصل في أقطار كثيرة من تعاون بلغ إلى حد المشاركة في الحكم بين إسلاميين وعلمانيين شاهد آخر على إمكان التعايش بين الوسطية الإسلامية وبين العلمانية المعتدلة بين الديمقراطية والإسلام كما هو الأمر في اليمن والأردن والمغرب وماليزيا وتركيا والبحرين..الخ، بينما قاد التطرف العلماني كثيرا من بلاد المسلمين إلى حروب أهلية ساخنة أو باردة لا سيما إذا قابله من الجهة أخرى شقيقه التشدد الإسلامي كما حصل في الجزائر.
    دلالة كل ذلك واضحة أن الإسلام لا يضيق بالاختلاف في الرأي أو العقيدة بل هو في بحث ناصب عن كل فسحة من الحرية له ولخصومه شعاره ما كان يردد صاحب الدعوة عليه السلام "خلوا بيني وبين الناس" فكل سبيل ينزع الأغلال عن الناس ويوفر لهم حرية الاختيار وضمانات العدل وسلطة القانون هو من الإسلام وإن لم يرد ذكره في آية أو حديث فإنما إقامة العدل بين الخلق وتحقيق مصالح العباد في الدارين هو ما بعثت من أجله الرسل "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قويٌ عزيز".



    * ألا تلاحظون أن الخطاب الإسلامي بدا يفقد روحانيته وجلاله وبدا يصبح وكأنه يساري أو اشتراكي؟ هل هذا اختراق؟
    - الخطاب الإسلامي ليس بحال أحادي الأسلوب والمضمون بل هو غاية في التنوع فيهما، وما السياسة غير بعد من أبعاده الكثيرة، لأنه شامل شمول الإسلام، تحتل الاهتمامات العقدية فيه المكان الأبرز بسبب موقعها المركزي في بنية الإسلام، والعقيدة نفسها تطرح في الأدبيات الإسلامية الحديثة كما كانت تطرح قديما من زوايا كثيرة منها الزاوية العلمية من مثل ما أسهمت في تنميته أعمال شيخنا وأخونا العلامة عبد المجيد الزنداني المتعلقة بمجال الإعجاز القرآني وما والاها من الأعمال.
    وقد تعد الأعمال التجديدية للأستاذ عبد الوهاب المسيري في نقد الحداثة الغربية مندرجة ضمن مقدمات علوم العقيدة وكذا أعمال العلامة محمد إقبال، ووحيد الدين خان، وغيرها من الزوايا المختلفة التي تم عرض مسائل الاعتقاد من خلالها.
    ويمكن أن نمضي بعيدا في استعراض مجالات الخطاب الإسلامي في الأدب وفي الاقتصاد وسائر أحوال المجتمع وكذا في مجالات التربية وعلم النفس وشؤون المرأة وفي نظام الدولة والعلاقات الدولية وفي مناهج التغيير..الخ.
    ولأن المجال لا يتسع فالمؤكد أن سببا من أسباب اتساع المتلقين للخطاب الإسلامي وتفوقه في ذلك عن كل خطاب آخر منافس هو تعدد مجالات وأساليب هذا الخطاب من القرضاوي والغزالي إلى الترابي والمسيري والبشري إلى طه عبد الرحمن، وعبد السلام ياسين، ومالك بن نبي، إلى سيد قطب ومحمد حسين فضل الله، إلى عمرو خالد وزين العابدين الجفري والزنداني..الخ.
    ولا ينفي هذا التنوع حاجة هذا الخطاب إلى فيض أكبر من التجديد وجرأة أعظم في ارتياد مجالات جديدة للإبداع ولاسيما في علوم تشخيص الواقع المحلي الذي تعمل في إطاره كل حركة إسلامية، وكذا واقع المنطقة والوضع الدولي، حتى تضبط الخطط لا في ضوء المبادئ والعموميات والأماني والرؤى والخطب الحماسية وإنما في ضوء معطيات ذلك الواقع، بحسب قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان .
    ولا ينكر وجود فقر في مثل هذه العلوم مقابل تضخم في علوم الشريعة المعروفة، وهو ما يفسر في مسيرة الحركة الإسلامية كثرة الأخطاء وتكررها وسهولة الاستدراج إلى التورط في كثير من المعارك الهامشية بدافع ردود الأفعال، والمطلوب من الجيل الجديد في الحركة الإسلامية أن يستدرك هذه الأخلال فيكون منه إلى جانب علماء الشريعة التقليديين علماء الاقتصاد والسياسة والاجتماع والانثروبولوجيا والسياسة والقانون والفلسفة والأدب والسينما وكتابة الرواية والسيناريو وسائر الفنون الجميلة في إطار قيم الإسلام الجمالية والأخلاقية الرحبة.


    * كيف يرى أستاذنا القدير الوضع الداخلي للحركة الإسلامية ومامدى ترابطه وتماسكه؟ وهل ثمة تطوير لمنهجية الحركة وأنشطتها في ظل المتغيرات الدولية خاصة ونحن نشهد حربا شعواء على الإرهاب الذي تعد الحركات الإسلامية المتهم البارز فيها؟
    - لئن اتفقت الحركات الإسلامية على مرجعية الإسلام كتابا وسنة، واتفقت على هدف إقامة الإسلام عقيدة وعبادة وشعائر وأخلاقا وشرائع، فهي تختلف في باقي التفاصيل -على أهميتها- سواء تعلق الأمر بالمناهج الأصولية وتطبيقاتها الحياتية تجديدا أو تقليدا مرونة أو تحجرا، أم تعلق الأمر بمناهج التغيير والإصلاح سلما وحربا، أم تعلق الأمر بالعلاقة بالمخالف مسلما أو غير مسلم سماحة أو تشددا.
    وقد يبلغ الاختلاف درجة استحالة اللقاء والعمل المشترك بين بعض جماعات الحركة الإسلامية، بينما بعض ذلك ممكن مع جماعات غير إسلامية.
    وهذا الوضع يحملنا على الاقتصاد في التعميم فنحن إزاء حركات إسلامية كثيرا ما يكون اللقاء بينها عسيرا بسبب التشدد في بعض أوساطها الذي يبلغ درجة تكفير المخالف والخلط بين ما هو قطعي الورود والدلالة -وهو في الدين قليل- وبين ما هو ظني، وهو الأغلب، الخلط بينهما وحسبان أن كل ما عليه جماعتهم من تصورات عقدية وسياسية ومناهج حياتية وتغييرية هو وحده الحق الثابت الذي على المسلمين الأخذ به.
    إن ذلك لعمري أكبر العوائق والتحديات في وجه كل محاولات الحوار والتعاون والتوحد داخل الحركات الإسلامية، مع أن المجرى الرئيس في الحركات الإسلامية يغلب عليه الاعتدال والقبول بالاختلاف وتجنب التكفير والعنف والتشدد، بما يفتح إمكانات واسعة للتوحد وحسن التفاعل مع المتغيرات المحلية والدولية وابتغاء نهج التدرج في تحقيق الأهداف بدل التعجل والعزوف عن طرائق العنف في حل معضلات السياسة والاعتقاد والفكر داخل المجتمع الإسلامي، اللهم إلا أن يكون العنف دفعا لاحتلال.
    أحسب أنه بالرغم من السياسات الدولية الظالمة بقيادة الإدارة الأمريكية الداعمة لأسوأ الأنظمة المتحكمة القامعة لشعوبها كدعمها المطلق للكيان الصهيوني، واستهدافها الإسلام مما يشكل المنبع الأساسي للتشدد والعنف والإرهاب، فإن فكر الوسطية والاعتدال يحوز باستمرار على مزيدا من القبول والدعم وفرض نفسه محاورا للغرب وللأنظمة القائمة على حساب التشدد الأصولي العلماني والإسلامي على حد سواء.

    وبقدر ما تتعلم الحركات الإسلامية من أخطائها ولاسيما خطيئة التشدد وسرعة التورط في العنف كما تتعلم من قيم العصر في الديمقراطية وحقوق الإنسان وموقع المرأة المتميز في الإصلاح وتركيز الجهود على إصلاح الإنسان ودعم مؤسسات المجتمع المدني، والقبول بأي مساحة للحرية للإفادة منها في الدعوة والإصلاح والعمل على توسيعها كالقبول بمبدأ المشاركة ولو شريكا أصغر والتدرج في تحقيق الأهداف بدل التعجل والمغالبة والاستحواذ، والعمل على تحقيق الإجماع داخل الأمة وتعبئة كل تياراتها الأيدلوجية والعلمانية لتحقيق أهداف مشتركة في العدل والحرية على أساس الاشتراك في والمساواة في حقوق المواطنة "لهم مالنا وعليهم ما علينا" من أجل المواجهة صفا واحدا لقوى الهيمنة والاستبداد وفي طليعتها المشروع الصهيوني، بقدر ما تكون على الطريق الصحيح، طريق النمو والتكامل وتحقيق موعودات لها بالنصر والتمكين.
    وكل المؤشرات دالة أنه بالرغم من الصعوبات الفكرية المعيقة المتبقية وعائق الاستبداد وضغط قوى الهيمنة فإن الحركات الإسلامية في تقدم مطرد كيفا وكما.
    ولك أن تنظر إلى ما آلت اليه: تجارب التقدم على أساس التغريب والاستبداد من فشل ذريع في كل ما وعدت به، أو تجارب العنف سبيلا للتغيير من كوارث فلا ظهر أبقوا ولا أرضا قطعوا ما حملهم على التوب ومراجعة النفس بعد نقد ذاتي وتقويم للنتائج، وهو ما يمثل توفيرا لطاقات مهدرة والإلقاء بها عناصر ايجابية فاعلة في مجهود الإصلاح تعزيزا للتيار الوسطي الذي يحقق كل يوم كسبا جديدا على امتداد العالم الإسلامي بل على امتداد المعمورة.
    صحيح أن ميزان القوى الدولي لا يزال ومنذ مائتي سنة لصالح القوى المعادية للإسلام ولكن ذلك لم يمنع الإسلام أن يكون أسرع الديانات انتشارا، وحركاته أسرع الحركات الفكرية والاجتماعية والسياسية تقدما، مقابل حالة الشيخوخة والترهل والتراجع التي عليها تيارات الاستئصال، التي لم تعد قادرة على جذب طموحات وآمال الشباب، ورصيدها داخل العالم الإسلامي وخارجه سوط السلطان والتهديد، مما لا يمكن أن ينهض ويستقر عليه ملك ويزدهر به عمران.
    كل المؤشرات ناطقة بكل لسان أن الإسلام قادم وأنه صوت الأحرار وحامل لواء التحرر والفداء والمبشر بالعدل والحرية والوحدة الإسلامية والوطنية والقومية والإنسانية.
    بحق ويقين نجزم أن المستقبل لهذا الدين.
    ولا يحتاج الأمر إلا لجهد ارتقائي إلى مستوى عدل الإسلام ورحمة الإسلام وسماحة الإسلام وعالمية الإسلام التي تستوعب في رحابه الواسعة كل مشاكل البشرية وكسبها الحضاري.والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".
    وليس من شأن دين الفطرة أن يصادر شيئا من تلك الأبعاد في شخصية الإنسان لحساب بعد واحد، بما ينتج ما يسمى بالإنسان ذي البعد الواحد، والحق أن كل ما في هذا الكون متعدد وليس من واحد أحد إلا الذي في السماء.
    وإذا كان في كل ما هاهنا في دنيانا من وحدة ممكنة فليست غير الوحدة النسبية المركبة، الوحدة التي تعترف بالتعدد، ومن خلاله تكدح للتوصل إلى أشكال متنامية متدرجة في صيغة دوائر لا حد لتعددها ولكن في انسجام وتآلف، تلك هي ميزة من ميزات الإسلام الذي قامت فلسفته التنظيمية على مبدأ تعدد الانتماءات وإعطاء كل ذي حق حقه، فلم يعتبر مثل بعض الديانات والفلسفات اليوتوبية (الخيالية) أن الانتماء إلى أسرة أو قبيلة أو وطن أو مذهب أو حزب مخلا بالانتماء الإيماني العام لجماعة المؤمنين، بل اعترف بتلك الانتماءات وعمل على تشذيبها من التعصب وتجاوز الحد والإخلال بالتوازن المطلوب في شخصية الفرد والأمة.
    لقد أرسل الله سبحانه الأنبياء عليهم السلام بلغات قومهم، فكان القرآن عربيا مبينا وحدث العرب ليست بلغتهم فحسب بل بثقافتهم أيضا جادلهم في عقائدهم وضرب لهم الأمثال بما استقر في ذاكرتهم وفي بيئتهم من آثار المدنيات والنبوات المحيطة بهم ولم يذكر لهم من الثمار والأشجار والحيوان إلا ما يعرفون، ولا ينفي ذلك أنه رسالة عالمية ولكن طريقه إلى العالمية يمر ولا بد عبر دوائر من الخصوصيات اللغوية والأسرية والثقافية والاقتصادية والسياسية.
    إن تصور عالمية مجنحة منبتة عما دونها من الو لاءات هو تصور خيالي، ولك أن تنظر إلى التعددية الخصبة التي مثلها أول مجتمع إسلامي في المدينة وما حفل به من صنوف الوحدات داخله، والتي نظمها في توافق وانسجام دستور المدينة "الصحيفة"، الذي لم يقص أي انتماء من الانتماءات العرقية والدينية الموجودة في الواقع فهو لم يعامل سكان المدينة باعتبارهم أفرادا إزاء الدولة كما تفعل دول الاستبداد، بل تعامل معهم باعتبارهم جماعات منظمة: فالمسلمون مهاجرون وأنصار، والأنصار أوس وخزرج، واليهود قبائل ذكرتهم الصحيفة واحدة واحدة، ولم تهمل أي تكوين اجتماعي في المدينة، وحددت واجبات كل مجموعة وحقوقها داخلها وإزاء الكيان الجماعي الذي يضم الجميع.
    ولقد اعتبر الإسلام رباط الدم مثلا -"وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض" ولكنه أعلى من شان رباط العقيدة إذا ما تناقضا.
    أمر الزوجة بطاعة زوجها ولكن ما احترم الشريعة فلم يأمر بمعصية وإلا فرباط العقيدة أولى.
    أمر الابن بطاعة أبويه ولكن ما لم يأمراه بشرك أو معصية وكذا أمر الأمة أن تطيع الحاكم ولكن ما أطاع الله ورسوله والتزم العدل والشورى، أعلى من شأن الوطن فجعل واجب الدفاع عنه يسبق واجب طاعة الوالدين أو الزوج..، وهكذا بنى الإسلام مجتمعا واحدا ولكنه متعدد الانتماءات والجماعات الجزئية داخل جماعة المسلمين الكبرى وهو ما أرسى دعامات قوية لحضارة عظمى استوعبت حضارات وشعوبا بكاملها ولم تضق بكسب من كسبها الحضاري أو لغة من لغاتها، كما أسس قواعد صلبة لمجتمع أهلي "مدني" ثري جدا، متماسك جدا، قوي جدا، منفتح جدا، يحيط الفرد فيه بجملة من الحصون والولاءات تحميه من تغول الدولة، وتعوضه عنها إذا هي تدهورت وأخلت بواجباتها أو اختفت جملة.

    ولك أن تنظر للمجتمع الفلسطيني كيف كان أثر تكويناته المجتمعية من أحزاب وعشائر وجمعيات خيرية ليس فحسب في تضامنه من أجل توفير حاجياته الأساسية، بل في تقديم الحماية والدعم لمقاومة بطولية دوخت جنرالات الجيش الذي لا يقهر، وحدث مثل ذلك في مجتمع صغير مثل لبنان عندما خفت وطأة الدولة عن المجتمع فانطلق بتكويناته التقليدية يقارع الجيش "الذي لايقهر" حتى اضطره للفرار تحت جنح الظلام تاركا أسلحته وعملاءه بينما كان ولا يزال قوة إرهاب للجيوش العربية بسبب سطوة الدولة وقهرها لمجتمعاتها.
    والتجربة اليوم تتكرر اليوم في العراق بعد انهيار دولة الاستبداد إذ عمت الفوضى "الفتنة"التي كادت تودي بالمجتمع كله إلى الدمار الشامل لولا نهوض التكوينات المجتمعية من عشائر ومساجد وجماعات دينية بمهمة استعادة الأمن ووقف النهب والدمار، وبالمقابل عملت على توفير الحد الضروري من الخدمات من اجل استمرار الحياة.
    ومالنا نذهب بعيدا وأمامنا نموذج يضرب به المثل في تعدد الانتماءات التقليدية كالقبيلة والطائفة والانتماءات الحديثة كالحزب والدولة أعني المجتمع اليمني الذي انتهج في التحديث نهجا متميزا دل على صدق شهادة النبي على حكمته وإيمانه "الإيمان يمان والحكمة يمانية"، إذ يحاول استيعاب الحداثة السياسية من تعددية سياسية لا تقصي أحدا ومؤسسات منتخبة، وكذا الحداثة الاجتماعية من تعليم ونقابات ومشاركة للمرأة في الشأن العام ولكن في إطار بنيانه القبلي وثوابت هويته العربية والإسلامية فلم يضح بها كما فعلت تجارب تحديثية أخرى مثل تونس والجزائر وعلى نحو ما، مصر وسوريا والعراق حيث عملت الدولة على تفكيك البنى التقليدية من أجل إعادة تركيبها على المثال الغربي ولكن كانت الحصيلة متراوحة بين الفشل والكارثية، فلا البنيان التقليدي استبقت، ولا الحداثة السياسية والاجتماعية كسبت: انهار البنيان التقليدي أو كاد، فتوسعت الهوة بين الدولة التي اغتربت عن المجتمع الذي ظل يدافع في أشكال مختلفة عن هويته في مواجهة الدولة فتقوقعت هذه عن نفسها وتسارع اعتمادها على أجهزة القمع للمحافظة على وجودها.
    لقد اختل التوازن بالكامل بين الدولة التي تعملقت ولكن باغتراب، وتحولت إلى جهاز أمني رهيب -هو مصدر شرعيتها إلى جانب الظهير الدولي- وبين المجتمع المفكك الذي لم يبق أمامه في مواجهة الدولة غير إنتاج أشكال من التطرف البائس أو الانعزال والتوقع والزهد في الشأن العام، مقابل ذلك ظلت المجتمعات التي اعتمدت نهج التحديث في إطار هوية المجتمع وتراثه المجتمعي محافظة على قدر من التوازن بين الدولة والمجتمع وبالتالي على قدر من الحرية والحداثة السياسية مثل اليمن والأردن والمغرب ويمكن أن تلحق بها دول الخليج مستقبلا وقد بدأت المسيرة.
    ورغم أن أوضاع التجزئة القطرية التي فرضت على أمتنا فإنها لم تنجح في إلغاء الانتماءات الأعلى منها مثل الانتماء القومي العروبي والتركي والفارسي والمالاي ولا الانتماء الأعلى، الانتماء الإسلامي والإنساني، تشهد لذلك المكانة المتميزة التي تحتلها قضية فلسطين في نفس كل عربي ومسلم وكذا قضية احتلال العراق اليوم وما تجده مقاومة الاحتلال من تعاطف وكذا المقاومة في الشيشان وكشمير والفلبين ومن قبل المقاومة في البوسنة وكوسوفا، وكذا ما كان من حرب ضد العنصرية في جنوب أفريقيا، ودلالة كل ذلك أن تعدد دوائر الانتماء فطري وشرعي وواقعي ومن العبث التعسف وابتغاء المستحيل لاختزال الإنسان في انتماء واحد أو ضرب الانتماءات بعضها ببعض، فلقد جاءت الشريعة تقر هذه الفطرة التعددية وترسم الحدود والضوابط التي تجعلها تعمل في انسجام بما يثري الحياة ويطورها، وبما يدرأ عنها الشطط والتعصب وتجاوز الحد.
    وإذا حصل من ذلك شيء بأن طغى انتماء على آخر فالعلاج لا يكون في التسطيح والإلغاء بحجة الانتصار لبعد واحد كالعالمية وإنما في استعادة التوازن وحذف الشطط والتذكير بالموازين والضوابط من مثل أن انتماءك لدائرة من الدوائر كالأسرة أو القبيلة أو الحزب أو الفريق الرياضي أو الجمعية الثقافية أو الوطن أو الدولة أو الأمة بكاملها والإنسانية، هذا الانتماء لا ينبغي أن يتحول مصدرا للحكم على أمر بأنه حلال أو حرام، وحق أو باطل، وخير أو شر، فمثل هذه الموازين ينبغي أن تطلب أولا في الانتماء الأعلى، الانتماء لله ورسوله فيما ورد من توجيهات وتعاليم الكتاب والسنة وما أجمع عليه المسلمون، وهو إن فهم على وجهه الصحيح يتوافق مع كل ما أقرته العقول السليمة وشهدت له تجارب البشرية المختلفة من مبادئ وقيم ونظم ومكاسب حضارية فإنما جاءت الشريعة لإرساء العدل بين الناس وتحقيق مصالحهم وسعادتهم في الدارين، وكل ما ثبت أنه عدل وصلاح فهو من الشريعة وإن لم يرد به نص خاص.
    إن الإسلام دين للفرد والجماعة والبشرية كلها.
    ورغم أن المسؤولية فردية " ولا تزر وازرة وزر أخرى" فيقف الإنسان فردا بين يدي الديان، إلا أن صلاح الفرد وتفوقه ونوع إنتاجه يتوقف إلى حد بعيد عن نوع الدوائر الانتمائية التي يتحرك في إطارها من المهد إلى اللحد، بدء من الأسرة إلى المدرسة والشارع والنادي والحي والجماعة السياسية والدولة..الخ.

    الفرق بين العبقري والخامل هو الفرق بين الدوائر الانتمائية التي يتحرك فيها كل منهما، يصدق ذلك على الأفراد والمجتمعات.
    من هنا أكد الإسلام منذ البدء على أهمية الأسرة "يولد الولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه"، كما حث على ارتياد المساجد وصلة الرحم والبحث عن صحبة صالحة، وعن وسط خير يتعاون معه على البر والتقوى "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"، "من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه"، الأرجح أن يكون الخطاب في الآيتين متوجها إلى طليعة متميزة تتولى عملية المبادرة إلى الإصلاح وإيقاظ الأمة وتعبئة صفوفها، ولعلها الطائفة المعنية في الحديث "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم.."، إن الانتماء لهذه الطائفة الطليعية المنصورة التي تنهض بالفرض الكفائي في إيقاظ الأمة ووضعها مجددا على طريق الإسلام الصحيح طريق النهوض والتوحد والإنتاج والجهاد، الذي يعني بذل أقصى الجهد في سبيل الله -وليس أدنى الجهد- الجهد بكل أنواعه المطلوبة زمانا ومكانا مثل جهاد الكلمة والتعليم والاقتصاد والإعلام والفن ولنصرة حقوق الإنسان والانتصار للمستضعفين من النساء والأطفال والأقليات والقتال لدفع الاحتلال والتصدي لضروب الاضطهاد الديني والعرقي"الفتنة".
    إن لرسالة الإسلام الجهادية التحريرية الإنسانية بكل أبعادها المذكورة هو من أعظم القربات، وهو انتماء لا يحيف على الانتماءات الأخرى، بل يعززها ويخدمها: فالمسلم المنتمي لهذه الرسالة باعتبار أنه يفترض فيه أن يكون الأوعى بمقاصد الإسلام والأكثر التزاما بتعاليمه لأنه لم يكتف بالقصد إلى إصلاح نفسه بل تصدى لمهمة الإصلاح العام منتظر منه أن يكون أبر بوالديه وأرفق بزوجه وأوصل لرحمه والآمن لجيرانه ولكل الناس والأغير على وطنه والأسرع إلى نجدة الملهوف وإن يكن غير مسلم فكيف إذا كان مسلما ولو في أقصى الأرض بل هو لأشفق حتى على الحيوان والنبات والبيئة باعتبارها مخلوقات لله ذات وظيفة في بنيان الكون فيجب الحرص على سلامتها.
    وكل ذلك يجعل الدعوة إلى التحلل من الانتماءات والتكوينات الجزئية من مثل ما ذكرنا بحجة درء التعصب والانتصار للانتماء الإسلامي العام أو الوطني دعوة غير سليمة تتصالب مع مقتضيات الفطرة والشرع وحتى مطالب الحداثة التي تلح على أولوية ومركزية المجتمع المدني أي المجتمع المنظم طوعا في إطار تكوينات ودوائر انتمائية قديمة وحديثة غاية في التنوع والتعقيد بما يتيح للأفراد حماية من تسلط وتغول الدولة، ويوفر لهم الوصول إلى معظم حاجياتهم في استقلال عن الدولة وبما يحدث توازنا بينها وبين المجتمع لصالح هذه الأخير، فيحد من فسادها ويروض استبدادها ويفرض عليها دور الخادم المطيع، ويتيح له القوامة عليها وصرف القائمين عليها متى شاء واستبدالهم بغيرهم وفق آليات الديمقراطية الحديثة التي تعد أفضل منهاج تطبيقي للشورى في إطار قيم الإسلام.
    وحتى في صورة فساد الدولة وانفلاتها من الرقابة فإن التكوينات المجتمعية القوية تستمر في حفظ مصالح المجتمع وتماسكه بل حتى ازدهاره وهو ما يفسر في تاريخنا فساد الدول وازدهار المجتمعات لوقت طويل.
    لاسيما والإسلام قد جاء ليعمل في كل الظروف والأحوال بما يتطلب قوة المجتمع الإسلامي، وانظر إلى أركان الإسلام كيف جعلت بحيث تؤدى في كل الأحوال حضرت الدولة أم غابت، بما يجعل مصير الإسلام ليس مرتهنا للدولة كالشيوعية مثلا -على أهمية مكانة الدولة فيه إذا هي صلحت-، ويمثل كتاب الإمام الجويني "غياث الأمم.." جملة من التصورات لعمل شريعة الإسلام في كل الأحوال مهما فسد الزمان، وكل ذلك يؤكد أهمية الانتماء إلى "جماعة" في كل المستويات وترويض النفوس على ما تكره من مقتضيات العيش في جماعة، فلقد حفت النار بالشهوات ومنها شهوة الانفراد، وحفت النار بالمكاره ومنها كراهة تكاليف العمل الجماعي المنظم.
    ولذلك تواترت وصايا صاحب الدعوة عليه السلام بالترغيب في العمل الجماعي والتحذير من أن يلقى المؤمن ربه وليس في عنقه التزام في عمل جماعي يصلحه ويصلح به.
    وإذا حصل أن تجاوز البعض ضوابط العمل الجماعي مما ذكرنا فيكون العلاج الرد إلى الوسطية والاعتدال وليس توهين العرى القائمة، والله نسأل الهداية والتوفيق وأن لا نلقاه إلا وفي عنقنا التزام صادق بعمل إسلامي رشيد "رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين". ---- يتبع
     

مشاركة هذه الصفحة