تماسك الأسرة المسلمة سرّ قوة الأمة

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 677   الردود : 0    ‏2004-05-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-03
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ياربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبيٍ أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل سيدنا محمد؛ صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم ـ أيها المسلمون ـ ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
    أما بعد، فيا عباد الله:
    لقد علمت الدنيا كلها أن أعدى أعداء الأمة العربية والإسلامية إنما هي الصهيونية العالمية، وما قد نراه من عداواةٍ في ديار الغرب بين الحين والآخر، إنما يتم لاسترضاء هذا العدو الأول، وإنما يأتي مجندةً لحسابه، هذه حقيقةٌ بدهية باتت واضحة للعالم كله، والصهيونية العالمية إذ تشن حربها التي لا هوادة فيها على العالم العربي والإسلامي، إنما تشنها على جبهتين اثنتين: الأولى منهما معلنة صريحة مادية، وهي تلك التي تتم على أرض فلسطين، وفي بقاع أخرى هنا وهناك، وأما الجبهة الأخرى فإنها لجبهة خفية، وهي أخطرهما، جبهة خفية غير معلنة، تتلخص في السعي إلى نسف دعائم الأسرة الإسلامية من المجتمعات العربية والإنسانية، وتتمثل في القضاء على تماسكها، وتكمن خطورة هذه الجبهة في أن قلة من الناس يتنبهون إلى هذه الحرب الخفية، ذلك لأن أسلحتها غير معلنة، والذين يباشرون الحرب على جبهتها لهم أسماء إسلامية، ووجوه ربما عربية، فمن هنا كانت هذه الجبهة هي الجبهة الخطيرة جداً، ولقد رأينا من الوثائق والدلائل الناطقة التي لا حاجة إلى مزيد عليها، تدل على أن الصهيونية العالمية منذ حين ماضية في العمل على نسف دعائم الأسرة في المجتمعات العربية والإسلامية، وعلى القضاء على تماسكها.
    عقدت إسرائيل في أواخر القرن الماضي من أجل ذلك مؤتمرين اثنين عرفهما العالم كله، أولهما ذاك الذي عرف باسم صندوق الإسكان، والذي اقترحت إسرائيل أن يقام في مصر في القاهرة، والمؤتمر الثاني ذلك الذي عقد في بكين، مؤتمر المرأة.
    كل العالم علم أن هذين المؤتمرين طبخا بمخطط صهيوني إسرائيلي، ونفذا من هذا المنطلق ذاته، ورسمت التوصيات لذلك سلفاً، وكل التوصيات تدور على السعي إلى محق الأسرة العربية والإسلامية، والقضاء على تماسكها، ونسف دعائمها، ولعلكم تذكرون أن سورية هذه البلدة التي كانت ولا تزال تعتز بإسلامها، تعتز بقيمها، وتعتز بوعيها الثاقب، كانت أول من رفض بشمم وإباء تلك التوصيات، ولكن هل كان ذلك يعني أن تضع الصهيونية العالمية أوزار هذه الحرب؟ وهل كان ذلك يعني أن تغمد أسلحتها الخفية للقضاء على المجتمعات العربية والإسلامية، من خلال القضاء على تماسكها ونسف دعائمها؟ لا أيها الإخوة، إنها كانت ولا تزال ماضية في السعي إلى ذلك، وهذه الحرب الخفية أخطر بكثير من الحرب التي تسمعون أحداثها بين الحين والآخر على أرضنا العربية الإسلامية في فلسطين وفي بقاع أخرى.
    علمت الصهيونية العالمية أن تماسك الأسرة هو أساس تماسك المجتمع الإنساني، وما أشبه الأسرة من المجتمع الإنساني بالحديد الذي يسري في الإسمنت المسلح، أرأيت لو أن قضبان هذا الحديد أزيلت؟ إلامَ يؤول هذا البناء؟ كله يتهاوى.. الأسرة كهذه القضبان من البناء، وحسبكم بياناً لخطورة الأسرة وأهميتها أن الله عز وجل أنزل في بيان أهميتها وأحكامها سورة كاملة، وافتتحها بهذه الآية التي تبرز مدى خطورة الأسرة، ومدى أهميتها، ومدى ضرورة وضعها في المكان الأعلى بعد العبودية لله سبحانه وتعالى: {يا أَيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَساءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً} [النساء: 4/1] وتأتي التفاصيل بعد ذلك أيها الإخوة، إذا كنا نعلم، ويجب أن نعلم بداهة: أن الصهيونية العالمية وفي مقدمتها إسرائيل ماضية بوسائل شتى على جبهة خفية لتقويض دعائم الأسرة، ولنسف القيم التي بها تتماسك الأسرة، إذن ينبغي أن نكون على بيِّنةٍ.
    أصغوا السمع جيداً، تجدوا أن المعزوفة القديمة المهترئة العفنة، لا تزال تتكرر على الأسماع.
    الحديث عن الطلاق ينبغي أن يحدد الطلاق، وينبغي ألا يكون للزوج حرية كما شرعها الله عز وجل في الطلاق.
    القِوامة التي تعتز بها القيم الإسلامية والحضارية، والتي هي من سر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم ((إذا كنتم ثلاثةً فأمروا عليكم)) لا تزال معزوفة الأمس ترددها اليوم.
    الميراث، تعدد الزوجات... إلى آخر ما هنالك.
    والدريئة التي تستعمل لذلك: المرأة، وحقوق المرأة.
    والمرأة المسلمة كانت ولا تزال تعتز بالمبادئ التي توّجَها الله سبحانه وتعالى بها، ولكن المسألة ليست مسألة امرأة ولا رجل، وليست مسألة ميراث ولا قوامة ولا طلاق، ولكن المسألة مسألة خطة رسمت في أقبية الصهيونية العالمية، ودفع إليها أناس بدافع من الغباء أو الجهالة أو العمالة، من أجل السعي إلى تنفيذ هذه الخطة. أصغوا السمع جيداً تجدوا أن معزوفة الأمس وما قبل الأمس التي مجها الناس، وملها الناس، ونوقشت مثنى وثلاث ورباع، قد عرف العالم كله أنه ليس في الإمكان أبدع مما شرعه مولانا وخالقنا عز وجل في ذلك.
    كلكم يعلم لدى المقارنة بين واقع الأسرة في الغرب، إن كانت هنالك أسرة باقية، وواقع الأسرة التي يعتز بها العالم العربي والإسلامي اليوم، كلكم يعلم لدى المقارنة أننا نمسك من هذا الذي شرعه الله عز وجل لنا بكنز، لو استبقيناه كما أمر الله عز وجل لكان ذلك منطلق عزنا الجديد، ومنطلق قوتنا، وهل يوجد مجتمع بدون خلايا الأسرة؟ وهل تنهض أسرة إلا على نظام من الكوابح؟ وهل هنالك كوابح وضوابط خير مما رسمه الشرع الحنيف؟ الأسرة عندما يكون أعضائها قد نشئوا في ظلال التربية الإسلامية التي نركز عليها دائماً، ونطالب بالمزيد من الاهتمام بها دائماً، عندما ينشأ أعضاء الأسرة في ظل هذه التربية، أي مشكلة توجد في داخلها، الود يتنامى في بيت هذه الأسرة ولا يتراجع، العلاقة الزوجية تزداد رسوخاً كل يوم، ولا يمكن أن يتسرب إليها الضعف إطلاقاً، ولكن أوجدوا التربية الإسلامية الحقة، غذوها بغذاء الرعاية في المدارس، غذوها بغذاء الرعاية، بل بمزيد من الرعاية في الإعلام، غذوها بمزيد من الرعاية في جنبات المجتمع.
    وانظروا أي شيء تنقمون من واقع الأسرة؟ الطلاق؟ أتريدون أن يعود الزوج أسيراً في أمر الطلاق كما هو أسير في المجتمعات الأمريكية؟ هل علمتم عاقبة ذلك هناك؟ نعم قضت الدولة بأن الرجل الذي يطلق زوجته ينبغي أن يتنازل عن نصف ممتلكاته لها، فماذا صنع الزوج؟ هجر زوجته بدون أن يطلقها، واهتاجت الزوجة وسعت وراءه تطلب منه أن يطلقها، واهتاجت الشحناء بينهما، فأقدم الزوح على قتل زوجته، وهكذا يستشري اليوم قتل الزوجات والخليلات، في كل دقيقة ست نساء، يقضى عليهن قتلاً، أو تحطم أعضاؤهن وعظامهن بيد خليلٍ أو بيد زوج، وقد اضطرت المجتمعات الأمريكية أن تنشئ ملاجئ من نوع معين لاستقبال النساء الهاربات من ظلم الأزواج، ومن ظلم الخلائل، لماذا؟ لأن الزوج يفر من هذا الإلزام الذي قضى به ذلك المجتمع، أن يتنازل عن نصف ممتلكاته، إذا ملَّ من زوجته، وأراد أن يطلقها، يهجرها ولا يطلقها، وتلاحقه الزوجة لتنال حقها نصف الممتلكات، وتقوم الشحناء بينهما، والنتيجة أن الكثرة الكاثرة من النساء يَطْحَنُهُنَّ الردى، وقد نشرت المقالات بهذا والوثائق موجودة أيها الإخوة.
    ماذا يريد الأغبياء والغبيات في مجتمعاتنا اليوم؟ شريعتنا الإسلامية تضع الكوابح لحقوق كل من الزوج والزوجة، شريعتنا الإسلامية رفعت مستوى المرأة إلى مكانة لم ترقَ إليها المرأة في المجتمعات الغربية، نعم تألق مظهرها، تألقت الدعايات الإعلامية التي من حولها لخداعها، أمّا في الحقيقة، أمّا لدى اختراق هذا الألق، عندئذ تنظر إلى المأساة، تجد البؤس الذي يُبكي، والذي يُذيب الحشاشة.
    نعم أيها الإخوة، قولوا للأغبياء والغبيات، المغفلين والمغفلات: ألا تعلمون أن المرأة عندما تتجاوز الستين في الغرب ينفض عنها الأهل كله، ينفض عنها الأخ، أكثر الأزواج، كل الأخلاء، ينفض عنها الأولاد والبنات، وتبقى أسيرة الوحدة، وتضطر أن تلجأ إلى دور العجزة لتقضي بقية أيامها هناك، وإن تسرب إليها مرض استأجرت في المشفى من يرعى شأنها، استأجرت أجل، منبوذة من الأهل كله.
    أما المرأة عندنا فكلما تقدم بها السن كلما ازدادت هالة القداسة حولها، وكلما أصبحت سيدة المنزل لا يقضي دونها بأمر.
    قولوا للأغبياء والغبيات: ماذا يريدون؟ أجل لست مبالغاً إن قلت: أغبياء وغبيات.
    آخر حجة يضحك منها العقل، يضحك منها العقل البريء، تلك التي قالتها من تريد أن تغير أحكام الله عن الأسرة، قالت: إن الحجة القوية التي تدعم موقف التغيير أن القرآن تحدث عن الخيل والبغال والحمير أداة للركوب وغيرها، وها هو ذا المجتمع قد تجاوز مرحلة الخيول والبغال والحمير إلى أدوات أخرى للركوب، إذن ينبغي أن نتجاوز أيضاً أحكام القرآن التي شرعها في سورة النساء وغيرها، ونقول: من قال إن المجتمعات الإنسانية قد فرغت من الخيول والبغال والحمير؟ أي ضرير هذا؟ بل أي عاقل هذا؟ لا يعلم أن المجتمعات الإنسانية لا تزال مليئة بالخيول وبالبغال وبالحمير، ولعلها أكثر من ذي قبل تؤدي عملها؟ تؤدي مهامها؟ عليها أن ترجع إلى الحقول الكثيرة هنا وهناك، وإن لم تشأ أن تنظر إلى العالم العربي والإسلامي فلتنظر إلى القرى المحيطة بالمدن في المجتمعات الغربية المختلفة، أجل مع العلم بأن الله عز وجل قال: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 16/8].
    لكن أي قياس هذا الذي يجمع الشرق إلى الغرب، فيقول بما أنه هنالك وسائل ركوب تجددت، ومن ثم زهد كثير من الناس في الوسائل السابقة، إذن علينا أن نلغي قانون الميراث، إذن علينا أن نلغي مبادئ الأسرة ودعائمها، إذن علينا أن نلغي الأحكام الكثيرة التي أمرنا الله عز وجل بها، وحذرنا من تبديلها وتغيرها، أي علاقة بين هذا وذاك؟ نعم، أيها الإخوة، أقول لكم هذا الكلام حتى تربطوا الماضي بالحاضر، اذكروا ولا تنسوا: أن الصهيونية العالمية وفي مقدمتها إسرائيل تسعى سعيها اللاهث لنسف دعائم الأسرة العربية والإسلامية، وللقضاء على تماسكها، أملاً منها أن تنهار المجتمعات العربية والإسلامية، ولا تنسوا مؤتمري صندوق الإسكان وبكين.
    وأزيدكم علماً أن مؤسسة ما في هذه البلدة، كانت تسعى في الخفاء إلى تنفيذ توصيات صندوق الإسكان، وكانت تتلقى ميزانية ضخمة في الخفاء، ووصل علم ذلك إلى رئيسنا الراحل رحمه الله، خلال ثلاثة أشهر قضى على هذه المؤسسة كلها، أسأل الله عز وجل أن يجعل ذلك الماضي الأغر مقروناً بهذا الحاضر الأبلج الذي لا نزال نعتز به.
    أيها الإخوة رأسُ مالنا نحن في بلادنا العربية والإسلامية، لاسيما في سورية، الوعيُ الإسلاميُّ، إسلامنا ليس عبارة عن عواطف فجة، إسلامنا إدراك ومعرفة وإحساس لما وراء الأكمة، لما وراء الأحداث، وإذا كنا نتمتع بهذا الوعي فما الذي بقي علينا؟ بقي أن نجند هذا الوعي لما يرضي الله عز وجل أولاً، نحن عبيده، طوع أمره، ونحن نأمل أن نكون ممن قال الله عنهم: {وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 33/23] أجل لن نبدل، ينبغي أن نجند هذا الوعي لاسترضاء مولانا وخالقنا، ثم ينبغي أن نجند هذا الوعي لتفشيل هذه الخطط التي تريد بنا كيداً، والله من وراء القصد.
    أقول قولي وأستغفر الله العظيم.
    دعاء الخطبة الثانية:
    اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، وألِّف بين قلوبهم يارب العالمين.
    اللهم إنّا عبيدك وأبناء عبيدك، وأبناء إمائك، نواصينا بيدك، ماضٍ فينا حكمك، عدلٌ فينا قضاؤك، نسألك اللهم، بكل اسمٍ هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في محكم كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وشفاء صدورنا، وجلاءَ غُمومنا وهمومنا وأحزاننا، يارب العالمين.
    اللهم اجعل هذه البلدة بلدة آمنة مطمئنة رخية مستظلة بظل كتابك، ملتزمة بهدي نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، وسائر بلاد المسلمين.
    اللهم ومن أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فخذ اللهم بيده إلى كل خير، ومن أراد بالإسلام والمسلمين شراً فخذه اللهم أخذ عزيز مقتدر، يا ذا الجلال والإكرام.
    اللهم إنا نسألك بعبادك الشعث الغبر، الذين لو أقسم عليك أحد منهم لأبررت قسمه، أن تنصر المؤمنين المستضعفين المظلومين في فلسطين، وفي مشارق الأرض ومغاربها.
    اللهم ردَّ عنهم كيد الكائدين.
    اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك اللهم من شرورهم.
    اللهم وفّق عبدك هذا الذي ملّكته زمام أمورنا للسير على صراطك ولاتباع سنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، اللهم املأ قلبه بمزيد من الإيمان بك، وبمزيد من الحب لك، وبمزيد من التعظيم لحرماتك، واجمع اللهم به أمر هذه الأمة على ما يرضيك، وحقق له في ذلك البطانة الصالحة يارب العالمين.
    ربنا اغفر لنا ولوالدينا ولإخواننا الحاضرين ووالديهم، ولمشايخنا ولأرباب الحقوق علينا، ولسائر المسلمين أجمعين.
    آمين آمين آمين
     

مشاركة هذه الصفحة