هيا ننهل من علم واخلاق الداعية السلفي الشيخ محمد أبو شقرة

الكاتب : Time   المشاهدات : 593   الردود : 8    ‏2004-05-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-03
  1. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الشيخ محمد شقرة ومسيرة دعوة [/color]

    [color=FF0000](1/2)[/color] [color=0000CC][color=FF0000]الإسلام اليوم[/color]
    حوار: وائل البتيري
    9/3/1425
    28/04/2004
    الأستاذ الشيخ محمد إبراهيم شقرة أحد أبرز علماء الدعوة السلفية المعروفين بالخلق الرفيع والعلم الغزير في الأردن وفي مختلف أنحاء العالم، حرصنا في موقع الإسلام اليوم على الإفادة من خبرته في طريق الدعوة والعلم الشرعي؛ وهو من قد بذل سنين عمره في هذا الطريق، داعين الله أن يتقبل منه ذلك وأن يجعل ما قدم خالصًا لوجهه الكريم. وقد تفضل الشيخ بالموافقة على الحوار ومراجعته والتأكد من توضيح الرسالة التي أراد إيصالها للدعاة وطلبة العلم على الرغم من حالته الصحية ومشاغله الكثيرة.
    كعادته، يقدم " أبو مالك" في هذا الحوار رؤية جريئة واضحة لجزء من مسيرته الدعوية والعلمية، يرصد خلالها جوانب من الخلل التي وقعت فيها بعض الحركات الإسلامية، ويوجه الشباب الإسلامي عامة والسلفي خاصة إلى تجاوز الأخطاء والسلبيات التي يقع فيها عدد كبير من الدعاة وطلبة العلم، من خلال لغة أدبية رفيعة وممتعة تنقل القارئ من موضوع إلى موضوع دون ملل أو سأم، ويصل إلى نهاية الحوار ليجد نفسه أمام تحديات مهمة يثيرها لديه حديث "أبي مالك " ويدفعه إلى العمل بروح متجددة مستبشرة بهذا الجيل الطيب السبّاق الذي يحنو على الشباب المسلم ويحرص عليهم أن يكونوا دومًا على منهاج الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسلف الأمة الأطهار الأبرار... ونبدأ في الحلقة الأولى بتسليط الضوء على سؤال واحد يحكي مسيرة الشيخ:

    فضيلة الشيخ؛ هل لكم أن تحدثونا عن بداية مسيرتكم الدعوية: كيف تعرفتم على الدعوة وانخرطتم فيها، كم كان عمركم آنذاك؟ كيف كان حال الدعاة، وطبيعة النظرة الاجتماعية لهم؟
    - الحمد لله وحده وكفى، وصلاةٌ وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. أما بعد:
    فإني أشكر لله -عز وجل- أولاً على ما أولانا، وأفضل علينا من نعمه التي لا تُحصى، عطاءً غير مجذوذ، وقبضاً غير مبسوس، ومن أجلِّ هذه النعم وأوسعها فيضاً، وأبرِّها أثراً، نعمة هذه الدعوة المباركة، التي عاشت الأمة في أكنافها قروناً، وأظلَّت الأجيال أزماناً، وأخلَدَ العالم لأطياف حُسْنها وروحها وريحانها في غير ملالة ولا هوى في غيرها، على نأْيٍ من أحباسها، أو قربٍ من حسيسها، أو توسُّطٍ في رغبةِ المُقام بينهما.
    نعمةً أوفر الله فيها أنعماً جمّة، كلُّ واحدةٍ منها تقف من وراء الأخرى كأنَّما تحرسها كيفما كانت، وتراها -من أمامها- وهي وراءَها لرقَّتها، كأنما صيغت من عذوبة صوت الملائكة، وهي تسبِّح بحمد ربِّها، وتصلِّي على رسله، وتدعوه أن يُبْقي نعمة الخضوع والطاعة له عليها.
    وهي جماع النِّعم في الخفاء وفي الظُّهور، وكلٌّ منها تمسك بالأخرى تذكِّرها بما أوجب الله عليها من حقِّ الشكر، المستوجب شكراً غامراً متجدِّداً، مذ كان الشكر حقاً لله سبحانه، وقد أوثقه باسمه (الشكور)، يعلِّم العباد به كيف يكون شكره، يكون مصروراً له وحده في كنانة من الطيوب الفوَّاحة، لا يهتدي لها إلا من له ذوقٌ، يدركُ به حقَّ الشكر المتداعي بالشوق إلى المتعالي به من فوق عرشه سبحانه، فيكون الشكر بذا نعمةً تتراءى بذوق طيوبها نورَ العرش، وهي في صعودها تحملها الرغبة الحاسرة إلا من ذاتها نفسها، وفي نزولها، تحمل من زاد الرُّؤية، فلا يشغلها شيءٌ إلا الشوق بها إلى المتجلي بنور وجهه من فوق عرشه على الصالحين من عباده برحمة رضاه.
    فهنيئاً والله لمن كان يعرف طريق الشكر على هذه النعمة الجليلة، نعمة هذه الدعوة المباركة، التي أنعم الله بها علينا، وآوانا بمنيع قدره الهانئ، وهدايته المنيرة، إلى رواقها الحافظ الجميل، لكن قليلاً من العباد الشكور.
    ومن أجلِّ آثار نعمة الشكر لله على نعمة هذه الدعوة التي أنعم بها على الأخيار الأبرار من هذه الأُمة، أن يظل همُّها - وهو الهمُّ الأكبر - حاضراً في الصدور، شاخصاً في الأعين، قارًّا في الأسماع، لا يغيب حتى يكون حاضراً، ولا يحضر حتى يقال إنه لغائبٌ، تلتقي القلوب به على فهمٍ واحدٍ، لأنه الفهم الذي لا يبتعد عن الكلمة التي وصفها الله –سبحانه- بقوله: (وتمَّت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته).
    وقد علمت الجِنًّة والناس أجمعون -مؤمنهم وكافرهم على حدٍّ سواء- أن الله سبحانه قد جعل في هذه الدعوة المباركة من القوة ما أمضى به على كل الأديان والمذاهب أمرها، فتكون به هي الظاهرة عليها جميعاً، لا تنازع فيه، ولا يحام به حولها، إلا أن يكون وهنٌ جائفٌ طاف بأهلها، كان جرّاء غفلةٍ سكنت قلوبهم، ومِرَّةِ طمعٍ أوثقت إليها نفوسهم، وخُلْفَ طُلعةٍ تجشَّأت بها صدورهم، فمن أراد هذه الدعوة بسوءٍ؛ فقد صار إلى غمر شرٍّ، يوبقه في الأذلِّين، ويلحقه بالهالكين السابقين، من الذين عتوا في الأرض، وناصبوا أنبياءهم العداوة والبغضاء، وأمخروا فلكَ كِبْرهم على حرّة لاهبة. وأقلُّ هذا السوء وأكثره سواءٌ، على اليُريده أن يكون محاذره، كيلا يوثقه إلى ظالعة ريب فتكفأه على منخره.
    وكأنني بالأخ السائل - وقد حسب الورم شحماً- يريدني على أمر لو أنه أراده من غيري لكان خيراً وأحبَّ إليّ، إذ هو من باب قوله عليه السلام: "إني أحبُّ أن أسمعه من غيري"؛ فإن كان مريداً ذلك مني، فحسبه ما عندي على قُلِّه، وليرضَ به على عجره وبجره. وإن كانت تجربتي في مسيرة هذه الدعوة المباركة تُعَدُّ عند الفضلاء العقلاء الأوفياء تجربةً غنيّةً، جمعت إليها كثيراً من القضايا والمسائل، التي شغلت بال العالم منذ بزغ فجر الإسلام، على رجاءٍ في قلوب السّواد الأعظم من الأمم التي ذاقت مرارة العيش، وهي ترنو إلى يومَ يأتيها البشير بنبأ، تعلم به أن الأمر سيكون على غير الحال التي هي عليها، فكان ذلك في بشرى ظهور الإسلام، وأما الأقلُّون الذين رأوا في الإسلام قامعاً لرغائبهم، مُذهباً لأطماعهم، فقد امتد بهم حبل الأمل أن يكون الإسلام صورةً من صور الباطل -وحاشاه- فأخذوا يكيدون به كيداً شديداً، ويرسمون الخطط لطمس معالمه، وإضعاف قوته، وإخماد جذوته، ولم يعوا معنى قوله سبحانه فيه: (يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون).
    وهذه الدعوة المباركة ليست تحتاج إلى جهد كبير في الوصول إليها، ومعرفتها على الوجه الصحيح، فهي دعوة الفطرة، فمن سلمت له فطرته أسلمته إليها، واهتدى إليها على أحسن ما يكون الاهتداء، وأسلمه، وأنوره، وليس يحتاج المرء مع سلامة فطرته لأكثر من استقامة سلوكه، وبعده عن المنكرات والخطايا التي تشغله عن الإبقاء على وِصْلةِ البراءة بينه وبين الفطرة النَّقية.
    وأذكر أنني كنت أيام الطلب في أرض الكنانة، أطوف على المكتبات التي عرفت ببيع الكتب المستعملة القديمة، وأستخرج من بين ركاماتها التي تزدحم بها رفوفها ما تقع عليها يدي، وبخاصة الصغيرة الأحجام، فأقرأ عناوينها، فإذا ما وقع بصري على عنوان واحد منها، ويقع في نفسي أنه كتاب نافع - وما كان ذلك مني من معرفة سابقة به، لكنه اختيار إلهامي محض - حتى أسارع إلى شرائه، وحيازته إلى مكتبتي الصغيرة آنذاك.
    وذات مرة أتيت مكتبة (العم أحمد محجوب) وكانت قريبة من الأزهر الشريف، فوقع بصري على كتاب (التوحيد) لابن خزيمة، ولم أكن قد سمعت حتى باسمه حينذاك، فنقدته ثمنه، وكم كان فرحي به، وسألت واحداً من شيوخ كلية أصول الدين عنه - رحمه الله - قائلاً: ما رأيك في كتاب التوحيد لابن خزيمة؟ فبادرني بقوله: هذا كتاب الشرك؛ ففزعت والله من قوله، وكنت قد قرأت أكثر أبوابه، فما قرأت فيه إلا قال الله وقال رسوله -صلى الله عليه وسلم-، منسوباً إلى كتب السنة العظيمة المشتهرة، وكنت أرى في هذا الشيخ -رحمه الله- عالماً كبيراً، فما ازددت بقوله هذا إلا وثوقاً بأن هذا الكتاب كتابٌ نافع، واجب أن يقتنى، ومما صار يحزنني فيما بعد أن هذا المعلم العلمي العتيد البادخ (الأزهر) لم يكن يعنى بتدريس العقيدة التي تعرف بالعقيدة السلفية، وهل يمكن أن يتحقق الأمر على هذا النحو على رقعة واسعة كما تحقق لي؟
    أحسب الجواب: أن لا، لذا؛ فإنه لا بد لجماعة واعية، يتوافر فيها الفقه والحكمة والإخلاص، تدعو إلى هذه الدعوة وبها على بصيرة.
    والمشهور في الناس أن جماعة (أنصار السنة) في مصر كانت هي تلك التي تقوم على هذه الدعوة المباركة، غير أنه لم يقدَّر لي حتى ولا معرفة مقرَّها، ولا الجلوس إلى مؤسسها وشيخها الشيخ حامد الفقي رحمه الله، ولا الالتقاء مع غيره من شيوخها ودعاتها، وهم كثر وظاهرون في الناس وعليهم، فقد عرفت هذه الجماعة - جماعة أنصار السنة - بالعلم، والدعوة إلى التوحيد الخالص، ومحاربة البدع والمحدثات من الأمور، دقيقها وجليلها، صغيرها وكبيرها، وبخاصة ما كان منها في التوحيد، ومن أهم الكتب التي عنى بها الشيخ المؤسس -رحمه الله- فحققه ونشره كتاب: (اقتضاء الصراط المستقيم) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-، وهو كتاب جليل القدر، عظيم النفع، معدود في رأس الكتب التي تأسست عليها الدعوة السلفية، على يد المجدد العظيم ابن تيمية -رحمه الله تعالى-.
    ولست أنسى ما كان لجماعة الإخوان المسلمين - جزاهم الله خيراً - من فضل عليَّ من بعد الله سبحانه، عشت السنوات التي قضيتها في مصر والتقيهم في مراكزهم ومساجدهم وقراهم، أخطبهم، وأجتهد ولا آلو، غير هيَّاب ولا وجل، ولم يكن مني خلال السنوات التي قضيتها في أرض الكنانة وحتى يومي هذا إلا الوفاء لهم، والاعتراف بفضلهم علي، وهم ليسوا بحاجة إليه، لكنه من أنبل الأخلاق وأرفعها وأولاها بالرعاية والاقتضاء، ومن لم يكن له سبيل إلى الوفاء ورعايته، فخير أن يوثق نفسه بوثاق الغدر، وليقل: إن الشيطان وليي وأنا وليه.
    وليس يُنكر فضل الإخوان المسلمين على الدنيا بأسرها؛ فملايين الشباب خرجوا من الظلمات إلى النور على أيديهم، فمن كان غير أعمى ولا يبصر آثار فضل الإخوان، فقد أكذب نفسه، وإن كان من خطأ وقع فيه بعض هذه الجماعة فلا ينبغي أن تعاب به الجماعة كلها، والموازنة بين الخطأ وبين الصواب بالعدل هي الحكم.
    وتحضرني هنا قولة لواحدٍ من غلاظ السلفيين الشداد، وقد أُخبر بأن شاباً كان فاسداً جداً، ما ترك معصيةً إلا وقد أتاها، فاصطادته جماعة التبليغ وآوته إليها، فكان جوابه: (كان خيراً لهذا الفاسد لو بقي على فساده وضلاله، وألا تؤويه جماعة التبليغ إليها)، وأما ما يقوله هذا وأمثاله - ممن اتخذوا الجرح والتعديل مهنةً لهم- في جماعة الإخوان المسلمين (وبخاصة سيد قطب وحسن البنا رحمهما الله تعالى، وكلاهما أكرمه الله بالشهادة، ولهما أجرها إن شاء الله)؛ فخير لأولئك إذاً أن يضع الواحد منهم لسانه بين أسنانه العليا وبين أسنانه السفلى، ويضغط عليه، فلا يحركه.
    إن الإفلاس الخلقي والعلمي بل والعقدي هو الذي يقود هذا القائل وأمثالَه، ممن يقال فيهم: اقعدوا مع القاعدين و(فاقعد فأنت الطاعم الكاسي)، وأذكرهم بما قال ذلك الثعلب العاجز -رحمه الله-: هذا حصرمٌ رأيتُه في حلب.
    وهذا يلزمني ومن هو من مثلي أن نسارع في التأليف بين الجماعات الإسلامية والتوفيق بينها، ولو على أدنى قدرٍ يمكن أن يكون التلاقي عليه وأن نقول للناس حسناً، وأحسبني على مثل اليقين أن المثل السيِّئ القائم بين السلفيين الآن، يهوِّن من أمر الخلاف الكائن بين الجماعات الإسلامية، ويسهِّل عليها التقارب الذي يبدو لها عسيراً وصعباً.
    فالسَّلفيون يقولون: إنهم أقرب الناس إلى الحق، وأسرعهم استجابة له، وأولاهم بقيادة الجماعات الإسلامية، فلماذا التنازع الذي يشهده الناس فيهم، ولماذا التشهير بالجماعات الإسلامية التي تقف منهم موقفاً يغاير موقفهم من المسائل والقضايا التي كان الاختلاف فيها ولا زال اختلافاً أقرب ما يكون إلى الجبلة البشرية، وإن كانت الجماعات كلها لا تنقى من الكدورة النفسية، وهي تحمل هذا الاختلاف فيما بينها، وكان عليها أن تخرجها من نفوسها، لأنها ليس بالأمر الذي لا يستطاع، لكنها الأهواء التي تغلب على البشر، وما تكنه الصدور من حبِّ الاستعلاء والغلبة، وهذا شيءٌ إن أُنكر فهو من الكذب الصراح، وإذ الأمر كذلك فلسوف يبقى المسلمون على توثُّب العداوة، وسوء الظنّ، وشرِّ المنقلب عياذاً بالله.
    حين قدمت أرض الكنانة للطلب، كنت في السادسة عشرة، وأعدُّ هذه السن هي البداية التي طرقت فيها قدماي طريق الدعوة، وكنت أحبُّ أن أغشى مساجد الجمعية الشرعية لأداء صلاة الجماعة فيها، لحسن صلاتهم وطولها، وأحمد الله -سبحانه- على أنني لا زلت على صفة صلاتي تلك التي اعتدتها في مصر، وأول من أصعدني المنبر لخطبة الجمعة هو الأستاذ محمد شديد -رحمه الله- رئيس شعبة الإخوان المسلمين في شمال القاهرة حينذاك، وليس هذا موضع الحديث عن تجربتي في الخطابة والتدريس.
    واشتد عودي في الدعوة حين عملت أستاذاً للنحو العربي في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة -على ساكنها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم-، وكنت إذ ذاك في الثالثة والثلاثين، وكان القائم على أمره حينذاك الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى، وصحبته رحمه الله خير كلُّها، وبركة يعرفها كلُّ من صحبه، وقد أفدت منه الكثير الكثير، ومناقبه رحمه الله التي شاعت في الناس كانت مدرسةً عظيمة، أروت، وأشبعت، وأسعدت، وأغنت، وأصلحت.
    وأصبت من علم الشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وصحبته في الجامعة وخارجها، وجلست إليه في حلقته التي كان يعقدها رحمه الله في المسجد النبوي المطهَّر، أما الشيخ ناصر رحمه الله فلم أنعم بلقياه في الجامعة، فقد أُلغي عقده في تلك السنة التي قدمت فيها المدينة المنورة، ثم قدمت عليه دمشق، ولقيته أول ما لقيته في كهفه الأنيس المكتبة الظاهرية، ومكثت ضيفاً عنده أياماً، ولم أرجع إلى عمان إلا وفي جعبتي وعدٌ منه -رحمه الله- أن يزور الأردن، وقد كان منه بعد أشهر ما وعد.
    وتتابعت زوراته إلى الأردن، وبخاصةٍ بعد أن صار له فيها صهرٌ وختن، ثم اختار عمان/الأردن لتكون له دار مقام، وأحسب أن ما نال الشيخ وأنال في الأردن لم يَنَلْه ولم يُنِلْه من قبل، والحديث عن الدعوة في هذه الفترة التي أقام فيها الشيخ في عمان هو الحديث عنه نفسه رحمه الله، وهذا يقتضي أن يخصص ويفرد بحديث عنه وحده.
    ولكن لا بدّ أن تُبيَّن أمورٌ وتوضح أحوال وأقوال، نسبت إلى الشيخ حتى لا يكون لبسٌ أوقع فيه الناس بعضٌ ممن لا يخشى الله، ولا يريد أن يقي وجهه من سوء العذاب، جعلوا من الشيخ - كما يقال - مشجباً يعلِّقون عليه أرديتهم القديمة، أو - كما يقال أيضاً - سلّماً يصعدون عليه، ظناً منهم أنهم يبطشون بأيديهم السحاب، وكان أحدهم إذا سئل: لماذا تصنع هذا؟ يقول: إن مصلحتي أن أصنع ذلك، وألا أنأى بنفسي عن أولئك، وبعبارة أخرى: إن مصلحة الدعوة هي مصلحتهم، ومصلحتهم هي مصلحة الدعوة، فهذه تلك، وتلك هذه، وهم الدعوة، والدعوة هم، يقال هذا وذاك، تكسُّباً وسمعةً.
    لذا فإن حقاً عليّ أن أُبيّن الأمر على جليَّته للناس، حتى لا يكون فتنةٌ، تدركُ أو تُنسب للشيخ رحمه الله من بعد موته في قبره، وحيٌّ واحد يغلب ألف ميِّت، فقد أُدخل على سيرة الشيخ ما كان يكره، وكذب عليه الكثير الكثير، ولو كان حياً لم يَعْيَ بالرَّدِّ والبيان، بل وما كان لكاذب أن يكذب، ولا لمتقوِّلٍ أن يتقوَّل، ولا لصفيق وجهٍ أن لا يتوارى من بعض خجلٍ فيه.
    وإن كان للشيخ من هناتٍ، فمنها أنه أمكن لمثل هؤلاء المسيئين له من بعد موته أن يتطاولوا على الأمشاج والأخلاط من الناس بنسبة أنفسهم إلى الشيخ، وقد علم - كما أعلمني بذلك صهره- أنهم كانوا يسطون على نتاج قلمه وهو حيٌّ، وسكت عنهم، ولم يكن هذا من أسلوبه مع المخالفين في مثل هذا الأمر الخطير جداً، وما كنت -والحمد لله- أعرض للحديث عنهم مجتمعين أو فرادى عند الشيخ، وما كان لمجلس من مجالس الشيخ أكون فيه، إلا وهو شاهدٌ لذلك وناظرُه، يشهد لذلك التسجيلات التي ملأت الأرض، وما كان يصلح لي ولا لواحد مثلي أن يكون عنده خنجران؛ خنجرٌ لعذره في خفاءٍ، وخنجرٌ يدفع به عن وفاءٍ في علانية.
    [/color]
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-05-03
  3. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=FF0000]الشيخ محمد شقرة ومسيرة دعوة
    (2/2)
    [/color]

    حوار: وائل البتيري
    14/3/1425
    03/05/2004


    [color=0000CC]نتابع اليوم مع قرائنا الكرام .. الحلقة الثانية والأخيرة من حديث الشيخ أبومالك محمد إبراهيم شقرة، أحد أبرز علماء الدعوة السلفية المعروفين بالخلق الرفيع والعلم الغزير في الأردن وفي مختلف أنحاء العالم، حرصنا في موقع الإسلام اليوم على الإفادة من خبرته في طريق الدعوة والعلم الشرعي؛ وهو من قد بذل سنين عمره في هذا الطريق، داعين الله أن يتقبل منه ذلك وأن يجعل ما قدم خالصًا لوجهه الكريم. وقد تفضل الشيخ بالموافقة على الحوار ومراجعته والتأكد من توضيح الرسالة التي أراد إيصالها للدعاة وطلبة العلم على الرغم من حالته الصحية ومشاغله الكثيرة، ويحدثنا في هذه الحلقة عن مراحل تطور الدعوة السلفية كما يرصدها هو، وأبرز معوقات العمل الدعوي الإسلامي والسلفي على وجه الخصوص، وبعضًا من المواقف الخاصة به، ورؤيته لبعض رموز الدعوة الإسلامية .. فإلى الحلقة الثانية والأخيرة من هذا الحوار..

    يعتبر (أبو مالك) أحد أبرز مشايخ الدعوة السلفية في الأردن، وأحد علماء الأمة المعتبرين، من خلال رصدكم لتطور الدعوة السلفية في الأردن وتطورها: كيف يمكن أن نلخّص ذلك؟ وما هو الدور الذي قام به الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، خاصة أنك كنت قريباً جداً منه أثناء حياته؟
    - حين أستذكر الأيام التي أخذت فيها سمتَ الطريق السَّويَّة إلى الدعوة، أستذكر النفر الأوائل الذين كان لهم فضل السبق إليها في الأردن، من قبل أن يكون طلاب علم أضلَّهم العلم، ومن قبل أن يُدَّعى أنهم شيوخ علم أمتعهم الشيطان بغيِّه وغروره، ومن قبل أن يكون مئات ولربما ألوف ينتسبون للسلفية نسبةً مائرة، خدعتهم أنفسهم وصاروا رعاة صادقين للفتنة التي أمرعوا فيها أهواءهم، وأسبتوا فيها عقولهم، وأمعنوا فيها بأنجاء باطلهم، أذكر منهم: الأَخوان: أبوجمال ضمرة، وأبو عبد الله القريوتي، وأبو عبد الله النعمان، وأبو محمد الزغايبة، وغيرهم، منهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر وما بدّلوا، ولا زال أبناء بعضهم مقيمين على العهد الذي قضى عليه آباؤهم رحمهم الله جميعاً، يوفون به بحسن الذكر والصلة، وإبداء الحب، وإجراء الثناء، وهذا من أبر البر، كما هو معلوم من السُّنَّة التي عزَّت على كثير ممن كان منا الإحسان لهم، والحمد لله على كلِّ حال، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.
    وإذا ذكرت الدعوة قُرن ذكرها بذكر الشيخ ناصر رحمه الله تعالى، وكان دور الشيخ رحمه الله في مجال الدعوة، يسير في خطين اثنين معاً، الأول، خطُّ التأليف الذي جاد فيه على الناس بالعلم الوفير الغزير. والثاني: خطُّ الحديث اللساني الذي عرفه الناس في الأشرطة المسجلة التي قام بتسجيلها الأخ محمد أبو ليلى. وأما الخط الثالث - وهو الأهم والأبقى - فخطُّ التعليم المنهجي الذي يُجْمع إليه وعليه الناس، بتدريس الكتب العلمية، التي تؤسِّس الملكات العلمية وتسوِّرها على نحو طريقة السابقين، فلم تَرُق له رحمه الله، وكان كلّما طلبت ذلك منه اعتذر قائلاً: لم يَبْق يا أبا مالك من الشجر غير الحطب، وأنا مشغول بمشاريعي التي تحتاج مني لكل ساعةٍ، وكل جَهْدٍ، لذا، فلم يجلس الشيخ رحمه الله مجلساً علمياً منهجيّاً واحداً في الأردن منذ أن قدمه وإلى أن قضى. وبقيت أمنيةً عالقة في الصدور، ذهب كلُّ سبب إليها في حياة الشيخ ومن بعد موته رحمه الله.
    وأما دعوى بعضهم أنه تتلمذ على الشيخ، وصار تلميذاً له، فدعوى كاذبةٌ ذاهبة. نعم، إن كان مرادهم بهذه الدعوى أنهم استمعوا إليه بصوته المسجل، فهي دعوى يستوي فيها الذي رأى الشيخ، ومن لم يَرَ الشيخ، فكلٌّ منهما بهذه الدّعوى يصدق فيه أنه تلميذ للشيخ، بل إنه لربما كانت هذه الدعوى تصدق في الذي لم ير الشيخ أكثر من الذي رآه، وهذا لا يخفى وما ينبغي، لأنه أكثر الاستماع إلى أشرطة الشيخ، أما أدعياءُ التلاميذ فحسبهم من علم الشيخ أنهم لم يكونوا يحضرونه، وأحلفُ بالله وأرجو أن أكون صادقاً أن بعضاً من أولئك الأدعياء ما كان يُرى في هذه الحلقات العامة إلا إن كان يحضر بدعوةٍ إلى طعامٍ أو وليمة، فحينئذٍ تكون المزاحمة بينهم، بل والمدافعة أيضاً، وقد سجلت أشرطة أبي ليلى شيئاً من هذه الحلقات، شهدت لها قعقعة الملاعق، وأصوات طرق الصحون والأواني، وشهيق وزفير الأنفاس المتراكضة المتلاحقة، والحلاقيم تبتلع الطعام وتزدرده، ومات الشيخ رحمه الله، وظلّت أمنيةً عالقةً في الصدر.
    نعم، لقد نعم الأردن بوجود الشيخ فيه سنوات، ورآه الكثيرون، وعرفوا صورته، لكن السواد الأعظم من أهل الأردن لم يسمعوا بذكره، ومات ولم يشهدوا جنازته.
    وكان للخصومة التي ثارت بينه وبين الأستاذ زهير شاويش، وبينه وبين الشيخ نسيب الرفاعي أثرٌ سلبيٌّ على الدعوة، وصارت الخصومات بين أتباع السلفية تزداد وتتفاقم ضراوتها، ويعذب الحديث فيها، وقلَّ هم أولئك الذين ينحون باللائمة على الشيخ، بظنٍّ منهم أنه الملوم، أما سهام اللوم التي كانت تُصَوَّب لظهر زهير الشاويش، فقد كان لغيره ممن نزعوا لثام اللوم عن وجهه نصيب من هذه السهام، أدمت أعقابهم، وأنزفت أدبارهم، وقرَّحت جلودهم وأبشارهم، وصار لهذه الخصومة نزيف دائم، هُجِرَ فيها الصدق وأُنشأت حِقَب جديدة، امتد فيها زمان الهجر والقطيعة والبغضاء، وطالت أظفار الأغمار، واشتد فيها سُعارهم، وهُجرَت فيها التقوى، وحُصِّل بها نعيب غربان الهوى، وشُرِبت بوائق الفتنة، ومُدَّ سماط القذى والأذى، على وداد للألسن المتنزِّية بالغيبة والنَّميمة والسَّعي اللازب بشهيق الباطل، وزفير الكيد والتربُّص بالمكر السَّيِّئ.
    وكان من أسوأ آثار هذه الفتنة، أن تركت الحبل على الغارب لكل خصومة نشأَت بين اثنين أو بين أكثر من بعدُ، وجرَّأَت عقارب السعي بالوقيعة على غير بصيرة وهدى، بتوجيه ورضا من أولئك الذي أحسنوا الظنَّ بأنفسهم، وألبسوها أثواباً فضفاضة، يخفون فيها تلك العقارب حين تقضي الحاجة، ووجدت هذه الفئة نصرة ومظاهرة، من بعض من أُعطوا حظّاً من الدنيا، من رئاسة، أو مال، أو جاه وسمعة، من داخل البلاد ومن خارجها، لأنهم علموا علم اليقين أن المستقبل الراجيَ إنما هو لهذه الدعوة المباركة، التي أرادها الله أن تكون مأْوىً آمناً، وحصناً منيعاً، لكل من يحب الحق ويبغض الباطل، أو يفكر في العودة عن الباطل الذي علقه بفتنةٍ أحدثها أو أُلبِسَها، ليكون أداةً طيِّعةً في يد من أحدثها، بعد أن ظهرت جليّةً غير خفيَّة، وكما يقول المثل: لقد ظهر الصبح لذي عينين.

    ما هي أبرز المعوقات والتحديات التي تقف في وجه العمل الإسلامي بشكل عام، والعمل السلفي بشكل خاص في الأردن؟
    - حسب العمل الإسلامي - الدعوة السلفية جزء منه - من المعوِّقات، أولئك الذين أجادوا صنع الفتنة، وأرضخوها لأهوائهم الكائدة، وأرصدوا لها من صنائع السوء الماكر في كلِّ أرضٍ جَعَلَ الله فيها لها مهاداً، وطيَّبوها بعلم الجرح والتعديل، وجمّروها بمسائل العقيدة، وشغفوا بالبدع والمحدثات، وأعرضوا عن الوافدين إلى هذه البلاد وغيرها من غربان السوء الجرباء، التي لا ينقطع لها نعيب، ولا تسكن لها حركة، ولايطيب لها عيشٌ إلا بإشاعة الفواحش الفكرية، والثقافية، والدينية، والجسدية، والخلقية، من مثل هذا الدعيِّ المنكوس في دينه (عبد الله الهرري) وأتباعه، الذين أخذوا على أنفسهم أن يكونوا دعاة للناس على أبواب جهنم، وأن يشيعوا في الأرض الفساد والمنكر، وأن يزحزحوا الأمة نساءً ورجالاً وصغاراً وكباراً عن عقيدتهم وأخلاقهم وشريعة الله التي فطرهم الله عليها، فيصدق فيها بذلك قوله عليه السلام: (فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجِّسانه) ويُعْزى إليهم (أو يحبِّشانه)، وليس يخفى على الناس أن هذه الفئة قد أصبحت خطراً يهدِّد الأمة في كل مكان، ويزيد من ضراوة الفتنة التي تسعى بين ظهرانيها، ومن ورائها طوائفُ من كل لون، تلقي بظلال الفسوق والعصيان والكفر على كلِّ جهة من جهاتها، وأُفقٍ من آفاقها، وكأنما ما كانت إلا لذلك.
    وقد استبحر خطر هذه الطائفة، واستعصى على العلماء والدعاة شرّها، ووجدت من الغوغاء وأهل الظلم والجهل نصرةً لها، واستبان للغادي والرائح مكرها السَّيِّئ، وصار لها في الناس شأن يُذكر، وساعد على تعاظم شرها، واستفحال سوئها أن الذين يدَّعون أنهم أهل دعوة الحق والأحقُّ بحملها شغلوا أنفسهم بأنفسهم، وصار لكلِّ مَعِصٍ منهم تلاميذ، حتى لم يعد يجد الواحد منهم تلميذاً يُنْمى إليه أو هو ينميه إليه، فاتخذ من نفسه تلميذاً لنفسه، وتنافروا على غير مودَّة، وتدابروا على غير جِدَة، وتآبقوا على غير جِلْبة، وشُغِفَ كبراؤهم بحبِّ أنفسهم، والتَّحاسُد الكريه، والإملاصات الحابقة، وانصرفوا إلى لغاغات الدنيا بعمل الآخرة، ولجُّوا في طغيان الكبر الرَّاعب الكابد، وتفاصدوا بغرارة اللوم، وتناوحوا بفساد ذات البين، وتصابروا بوداد الأهواء، وتمايسوا بخيلاء السمعة، وتفاخروا بسبوغ الأقبية والعباءات، وأمَّلوا في عطايا الأيدي والهبات، ومرجت بهم العهود، وطاب لهم بها الورود على جنح الصدود، وهذه كلُّها أنستهم حظَّ الآخرة، ومضوا بالدعوة آخذين بها سبيل التأويل الباطل للعقيدة والأحكام، يُرضون بذلك أهل الجهل والجاهلية، لائذين... بكل واهفٍ، هارفٍ، هايفٍ، وأحدثوا - ومن قبل كانوا يكرهون - زعموا - الإحداث - في دين الله صُوَىً كثيرة، ليس منها واحدة تهدي إلى حياة الصدر الأول، أو تذكر بشيء من أخلاقه وصبره وتضحيته.
    والآلام في مسيرة الدعوة كثيرة، والتحديات التي واجهت الدعوة - ولا تزال - كثيرة، فالدعوة لا يرفع لها منار، ولا يبنى لها سور، ولا تُرسى لها قاعدة، ولا يكون لها أتباع وأنصار إلا بالآلام والتحديات، والفرح لا يحدث للدعاة، ولا يستقدم لهم سرور من وراء سجف الغيب، إلا أن يذوقوا الآلام، ويكون لهم صراع مع التحديات، يطول أحياناً ويقصر أحياناً، ومن يمشي متأمِّلاً طريق الدعوة، يعلم يقيناً أن النجاح للدعوة والفشل ليس من سبيل للدعوة إليه في شيء، فالله سبحانه جعل لها من عناصر البقاء والدوام والنجاح ما يجعل من يريدها بشر خاسئاً حسيراً ملوماً مدحوراً، وبدهي أن من يريدها بشرٍّ هم الأعداءُ والخصوم، لكن هناك من يريدها بشرٍّ وهم يزعمون أنهم الأنصار لها والمظاهرون، وآثار هذه الإرادة أسوأُ بكثير من آثار إرادة الأعداء، ذلكم أن إرادة الأعداء تعرف وتعرف الأساليب التي تتبع فيها، بما يكتب ويقال ويدبَّر، وليس يخفى منها شيءٌ، أما إرادة الأنصار، فهناك قدر مشترك بين المسلمين جميعاً، وهو الإعراض عنها، والسكوت عن نصرتها، والقعود عن الدفع والذَّبِّ عنها، ثم ما يكون من تنازع وتفرُّق واختلاف بينهم، وكل فريق منهم يزعم أن الفقه السليم الصحيح لها عنده، وهو بعيد عن الآخرين، ومن أسوأ هذا الفهم أن كلَّ واحدٍ يرى أنه الأقوم سبيلاً في فهم (لا إله إلا الله) ومقتضاها.
    ولا ينبغي أن يغيب عنا أن الدعوة السلفية بأصولها الكلية، وقواعدها الثابتة، وفروعها المنبثقة عن هذه الأصول والقواعد، هي الدعوة الأقوم سبيلاً، والأوضح والأنور دليلاً، ذلكم أنها هي التي لا تخالف في شيءٍ منها عن الكتاب العظيم، وسنة النبي الكريم، لكن البغضاءَ المستعرة في قلوب المنتمين إليها تقضي في ظاهر الأمر بخلاف ذلك ولا بدَّ، إذاً فلا بدَّ من استطلاع هذا الواقع السيئ لاستظهار الأسباب التي قعدت بهذه الدعوة المباركة عن مواكبة الدعوات الأُخرى.

    وماهي تلك الأسباب؟
    وعندي أن هذا الأمر مردُّه إلى أسباب:
    أولاً: المباينة بين مقتضيات الدعوة وبين المنتسبين لها، والدعوة إن لم تظهر سلوكاً على أهلها، فالعيبُ يعود لهم لا لها، ومعلومٌ جداً أنّ السلفيين مختلفون اختلافاً كبيراً على المسائل المهمة الكبيرة في الإيمان، وجلُّهم أقرب إلى عقيدة الإرجاء، وبخاصة من يسمون منهم بأهل العلم وطلابه، ومن أرادهم منهم على غيرها فهو على ضلال عندهم، واسألوا إن شئتم أولئك الذين استكبروا على لجنة الإفتاء، وأصرُّوا على البقاء على إرجائهم، وأخرجوا من تبعهم إلى طريق لم يعرفها ابن تيمية، وابن القيم، وابن عبد الوهاب، وأعلام الفتيا من هذه الأمة في كل قرن.
    ثانياً: ظهور علم الجرح والتعديل بوجهه الكالح في الحقبة الأخيرة، الذي استبيحت به الأعراض، وكُلِمَت به القلوب، وتنادى به أهل الهوى من كل حدبٍ وصوب أن يا أيها السلفيون أقْبِلوا إلينا، هلمُّوا نحونا؛ فنحن السلفيون الأحق بالاتباع والاستماع، ومن لم يكن ميزانه مذهبنا في الجرح والتعديل فقد غوى وضل وهوى، وخرج عن المنهج، وصار البعض هم الحكم في الإخراج عن المنهج أو الإدخال فيه. إنها ليست طامَّة واحدة، بل طامات، ورحم الله (رويبضات زمان أول !).
    ثالثاً: زعمهم أنهم حذَّاق العقيدة، وفرسان الحديث، وصناع فلك السنة في هذا الزمان، ودعواهم أن علم الجرح والتعديل آل إليهم، ولا ينازعهم فيه منازع؛ أخرج الكثيرين منهم عن العدل، وأسلمهم إلى التخوُّض في مسائل هذه العلوم على غير هدى، ونفى عنهم لين الجانب وحسن الخطاب، وألبسهم لباس الشِّدَّة والغلظة، وكان حسناً يكون فيهم هذه العلوم لو أخذوها عن شيوخها والأكياس الأتقياء منهم، وجلُّ ما علموه ما أخذوه من كتب الشيخ ناصر رحمه الله، وهو إمام في هذه العلوم العظيمة، لكنه لم يعطِ السلفيين منها أخذَ عطاءٍ وتلقٍّ، وتلك خسارة كبيرة أصابت السلفيين، ويستطيع خصومهم أن يقولوا: إن السلفيين بمثل هذا ليسوا على المنهج الذي يزعمون أنهم عليه، بل هم خارجون عنه قولاً وعملاً.
    رابعاً: جمهور السلفيين يعيبون علي كثير من الدعاة ما اصطلح عليه بأنه (فقه الواقع)، ويرمونهم بكلِّ مؤثَّمةٍ من القول، ويتهمونهم تهماً أقل ما يقال فيها إنها باطلةٌ، آفكةٌ، سافكةٌ، كاذبةٌ، فهم يصفونهم وينعتونهم بأوصافٍ ونعوتٍ بادت ونسيها الناس أو كادوا، وأخرى استحدثوها حتى صارت أعلاماً على طوائفَ وجماعات، يراد بها لهم الأذى، وإشباع غريزة الاستعلاء، والوشاية بهم، والتقرب من الشيطان وجنوده، يقولون فيهم تارة إنهم خوارج، وتارة متطرفون، وتارة سروريون، وتارة تكفيريون، ولا أدري كم سيحدثون من الأسماء والنعوت، وكم سيزلقون بأبصارهم من الصالحين والأتقياء، وكم سيفسدون ما أصلح المصلحون، وكأنهم قد حيل بينهم وبين التوبة، حتى غدوا منها، وغدت بهم على غيبٍ طامس، لا يُرى منه نور ولا ظلام، ولا يعرف استقامة ولا عوج، ولا يدرك حق أو باطل، وصاروا به على رَكِيَّةِ ضلال سحيقة، فيا ويلهم مما قالوا، ويا ويلهم مما يصنعون، وهل كان فقه الواقع إلا من الفقه في الدين، مأخوذاً من قال الله سبحانه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وكأن على قلوبهم أقفالها، نزلت بهم نوازل البلاء، فهم في عَمَهٍ يترددون.
    خامساً: أما الأمة بسوادها الأعظم - بكل طوائفها، وكل طرائق تفكيرها ومذاهبها، وأنماط خلائقها وأخلاقها، واختلاف صورها وأشكالها، وتباين طبائعها وعاداتها وسنن حياتها، وائتلافها وتفرُّقها، وما كانت عليه في ماضيها، وما هي عليه في حاضرها، وما تؤَمِّل أو ترجو أن تكون عليه في مستقبلها - فهي أُمة ما كانت لتكون، أو عسى أن تكون إلا إن هي استمسكت بدينها، ونضت عن ذاتها ثوب التقليد، الذي غنيت به بالقهر عن الثوب الذي حاكه الله لها، وألبسها إياه، فزهَتْ به على الأُمم، وظلّت به في عين الشمس ماثلة على أُفق الزمان، بطاعة ربِّها سبحانه، والقيام على رعايته، ودعوة الأمم والشعوب إليه على هدىً وبصيرة، تَسْعَد بنور وتُسْعِدُ، وتأْوي - في الغدو والآصال، وفي غلس ظلمة الليل، وفي مُسْتَحَمِّ ضوء النهار - إلى مُدَّخل الخلافة القوي الآمن، لا تخاف على نفسها إلا الله، أو أن تُغصَبَ على ثوبها، أو أن تسلب منه جزءاً، أو يخرق فيه خرق يَمَسُّها منه أذى.
    وما وهنت للأمة عصيَّة، ولا أكلت من أطرافها آكلةٌ، ولا مسَّتها نائبة، إلا من بعد أن أفلتت ذمة الخلافة من قلوبها، وألقت عصا الدفاع عنها من يدها، وخالطت الأُمم التي نسجت مكائدها للقضاء على دار الخلافة، وكان الأمر على ما أرادت، وركبت بمكائدها هذه كلها العرب، وأسرعت بها إلى مقاصدها السوءِ كلِّها، تنثر من على جانبها دسائسها بظلماتها الدكناء الكالحة، ولا تزال دائبة السعي في إقصاء المسلمين عن دينهم، وتشويه معالم تاريخهم، وتسويد رؤى الخلافة النقية في أعينهم، وأنَّها خلافة أعجمية، فلا العروبة منها ولا إليها بسبيل، وليس بينها وبين الإسلام واصلة رحم. والخلافة يجب أن تكون دارها عربيةً صريحةً في عروبيتها، لا تكنّها ولا تدفع عنها لا واجرةٌ نابتةٌ في أرض الجزيرة.
    وكسرت عصا الخلافة، وتقطعت الراية إرباً إرباً، وجيءَ بشريعة الكفر إلى الأرض العربية، وسعدت ملة الكفر بذهاب الخلافة، وأُخذ العرب بمزاعم الغرب وأوهام إغراءاته الكاذبة الكنود، فلا أدرك العرب حتى أن يبقى لهم شيءٌ من رمال جزيرتهم، ولا من نقطها، حتى ولا من هوائها ووهج حرارة شمسها، وصارت مراحاً، ومستقراً، ومقاماً، ومستراحاً، لكل من لا يعرف العربية، إلا أن يكون رطانة، تذوي على ألسنتهم بها الحروف العربية المقدسة، وينتقص بها القرآن العظيم، وسنة النبي الكريم، ورسِّخت هذه الرطانة على ألسنة العرب، حتى صارت أحبَّ إليهم من الفصاحة التي جبلت عليها لغة القرآن والنبي الأكرم.
    إذاً: فإن الأمة بما هي عليه - ومن ينتمون إلى السلفية جزءٌ لا يتجزأ منها - لن تقوم لها قائمة إلا إن هي وعت حقيقة وجودها، وأنها ذاتُ رسالة تخلد هي بخلودها، وتقوى بقوَّتها، وتحقق ذاتها على نحو ما كانت عليه سابقَ عهدها، بعودة الخلافة إليها، وعودتها هي إلى الخلافة، وتعرف أنها كما قال الله: كنتم خير أُمة أُخرجت للناس، وأنها لن يصلح شأنها في آخرها إلا بما صلح عليه في أولها، فمتى يكون ما نتمنَّى، ويعرف من ينتسب إلى السلفية أنَّ فقه الواقع من الدين، وأن يعلموا أن مكثهم على ما هم عليه من التنازع والتباغض والغرور تأكيدٌ لقوله تعالى: (فاقعدوا مع الخالفين)، ويمضي ركب الأخيار إلى الجنة، وتتوقد جمرة الحسرة في قلوب الخالفين.

    من خلال واقع الدعوة الإسلامية؛ ما هي المواقف التي تحزن الشيخ أو تفرحه؟
    - يحزنني جداً الواقع المرير الذي عليه الجماعات الإسلامية كلها بعامة، وما عليه السلفيون الذين يقولون في أنفسهم، وعلى ملأ من الناس: إنهم أولى الأمة بالإسلام، وهم يعلمون علم اليقين أنهم على غير دعواهم، وأنّ مردَّهم إلى الله، وأن حسابهم بدعواهم لن يكون نقاشاً.
    ويفرحني جداً أن تعرف الجماعات الإسلامية التوحيد الحق، وأن تلتقي على مقتضاه الحق، وأن تستعلي على الواقع المرير، وأن تنبذ ما هي عليه من خلاف، من على أيمنَ وأشأَمَ منها، ومن أمامها ومن خلفها، فتستحق بذلك مِدْحَةَ الله لها: وكذلك جعلناكم أمةً وسطاً لتكونوا شهداءَ علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً.
    ولعلَّ مما يعينها على تحقيق هذا الفرح أن تعلم أن ما تعرف من عداوة الأعداء لها، لا يخفف منها إلا زوال الأعداء بالمرة، وأن ما يبقى من يسير منها، سيكون هو البؤْرة التي تربو فيها هذه العداوة، وتتسع دائرتها، وتشتد ضراوتها.

    بجمل قصيرة؛ ماذا يقول الشيخ في الأسماء التالية: ابن باز، ابن عثيمين، الألباني، الحوالي، العودة، عبدالرحمن عبدالخالق؟
    - الشيخ عبد العزيز بن باز: الحبر الرباني الزاهد.
    - الشيخ ابن عثيمين: فقيه ثبت متقن.
    - الشيخ ناصر الدين الألباني: محدث العصر بلا منازع.
    - سفر الحوالي: شطر من شطري ابن تيمية.
    - سلمان العودة: شطر من شطري ابن تيمية.
    - عبد الرحمن عبد الخالق: داعية موفَّق أريب.

    هل من كلمة أخيرة؟
    - حسبي بهذه الإجابات السالفة التي أدرجتها تحت أسبابها الخمسة أن تكون كافيةً في استنباط التحدِّيات التي تواجه الدعوة الإسلامية، وكيف يمكننا أن نقف منها موقفاً قادراً على تذليلها، والتخفيف من شدة وطأتها، وإقصائها عن طريق الدعوة، وهي في ظني تحمل وصايا ونصائح يحسن أن تُرادَ في مواطنها، وأن يستذكر بها المنتمون إلى السلفية شيئاً أو بعضاً من تجربة واحدٍ، بذل من نفسه وقلبه وجسده طول سنين خلت شيئاً من جهد يرجو ثواب الله والدار الآخرة، وكان له من أذى بعضِهم ما هو معلوم في دنيا الناس، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
    [/color]
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-05-05
  5. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=0000CC]للرفع
    لوجه الله
    ثم من اجل أن لاتفوتكم الفائدة
    ولكم التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-05-06
  7. iskandr

    iskandr عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2003-09-25
    المشاركات:
    910
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا يااستاذ تايم .. كلام من ذهب .. ياليت قومي يقرءون ويعون ويطبقون
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-05-08
  9. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك أخي تايم
    كم أعجبني قول الشيخ :/
    فلماذا التنازع الذي يشهده الناس فيهم، ولماذا التشهير بالجماعات الإسلامية التي تقف منهم موقفاً يغاير موقفهم من المسائل والقضايا التي كان الاختلاف فيها ولا زال اختلافاً أقرب ما يكون إلى الجبلة البشرية، وإن كانت الجماعات كلها لا تنقى من الكدورة النفسية، وهي تحمل هذا الاختلاف فيما بينها، وكان عليها أن تخرجها من نفوسها، لأنها ليس بالأمر الذي لا يستطاع، لكنها الأهواء التي تغلب على البشر، وما تكنه الصدور من حبِّ الاستعلاء والغلبة، وهذا شيءٌ إن أُنكر فهو من الكذب الصراح، وإذ الأمر كذلك فلسوف يبقى المسلمون على توثُّب العداوة، وسوء الظنّ، وشرِّ المنقلب عياذاً بالله
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-05-08
  11. مراد

    مراد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-11-28
    المشاركات:
    13,702
    الإعجاب :
    2

    [color=666666]أحسنتَ فزِد فعلكَ ياهذا فعل الأسد
    " بس قل لي وين النمر حقك:D"

    خالص مودتي [/color]
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2004-05-08
  13. هديل

    هديل عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-30
    المشاركات:
    65
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك.....
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2004-05-08
  15. ابو خطاب

    ابو خطاب قلم ماسي

    التسجيل :
    ‏2002-10-31
    المشاركات:
    13,910
    الإعجاب :
    1
    الشيخ ابو شقرة ورأيه في الشيخ اسامه

    كنت مع شيخنا الشيخ علامة الشام عموما والأردن خصوصا بعد أن فقدت عالمها الرباني الشيخ الألباني ( رحمه الله ) . مع شيخنا الشيخ محمد شقرة ( أبو مالك ) حفظه الله ونحن في صدد

    الذهاب إلى منزله

    قلت له يا شيخنا :

    ما رأيك بمن يقول عن المجاهدين في أفغانستان أنهم خوارج ؟

    قال :

    لست بصدد البيان والكلام حول من يقول ذلك ولكن لو كنت هناك لغسلت أقدامهم

    قلت له يا شيخنا : وأسامة ابن لادن ما تقول فيه ؟

    قال : هو عالم الأمة

    قلت له كيف عالم الأمة يا شيخ ؟!

    قال لأنه علمها الجهاد في سبيل الله بعد أن فقدته الأمة فقد أحياه فيها

    انتهى كلامي مع الشيخ ( أبو مالك ) حفظه الله

    أخوكم / أحمد بوادي

    منقوول
    -----------------

    جزاك الله خيرا يااخي العزيز تايم على هذا الموضوع ارائع عن علم من اعلام الامة بالشيخ محمد ابو شقرة


    ملاحظة اين النمر هل رجع جمل في هذا الزمن الغريب ............طرفة ومزحة هههههههههههه
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2004-05-09
  17. Time

    Time مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2003-07-14
    المشاركات:
    18,532
    الإعجاب :
    1
    اللقب الاضافي:
    نجم المجلس اليمني 2004
    [color=0000CC]الأخوة الكرام
    اسكندر
    الحسام اليماني
    واصبحاه
    هديل
    ابو خطاب
    نسأل الله أن يعلمنا وأياكم ماينفعنا
    وأن ينفعنا بما علمنا
    وجزاكم الله خيرا على مروركم وقراءتكم

    اما بخصوص سؤال الأخوين واصبحاه وابي خطاب عن النمر
    فقد تخليت عنه حين رأيت كثيرا من الاعضاء قد نسخوه واتخذوه شعارا لهم
    ولعلها دعوة ابو عصام الذي كان بحسب اول المالكين للنمر قبل أن يصبح مطية لكل من هب ودب
    ونصحية للأخ ابو خطاب بأن لايعتمد على كلام المنتديات الذي يُنسب للعلماء ولابد من مصدر موثوق !
    وللجميع خالص التحيات المعطرة بعبق البُن
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة