العوامل القديمة والحديثة لتأزيم المنطقة العربية

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 454   الردود : 0    ‏2004-05-03
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-03
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    مقدمة:

    قرأت بيان علماء مكة الصادر قبل بضعة أسابيع عن المجمع الفقهي الإسلامي فيه، والمتضمن بيان معنى الجهاد في الإسلام وعلاقته بالإرهاب. ولم أجد بحمد الله في هذا البيان ما يصح أن أقف عنده، بأي تحفظ أو انتقاد. وكيف يتأتى النقد أو التحفظ تجاه ما تقرره الشريعة الإسلامية في هذا الأمر الذي لا مجال للريبة أو الاختلاف فيه؟..

    إذن فلن يكون حديثي إليكم في هذا الموضوع إلا إتماماً لنقص، أو تفصيلاً لمجمل، أو توثيقاً لحقائق ذكرت في ذلك البيان، ربما كانت بحاجة إلى وثائق وبينات تدعمها.

    ولسوف يتسلسل حديثي إليكم من خلال النقاط التالية:

    أولاً: من أين ينبثق الإرهاب الذي يعنيه الغرب ويتظاهر بالتخوف منه، وأين يخطط له؟

    ثانياً: ما هي الدوافع إلى ترويج الإرهاب في عالمنا العربي والإسلامي، إلى أوائل العام المنصرم؟ وما هي الدوافع التي جدّت إلى ترويجه والنفخ في ناره، بدءاً من أوائل عام 2001؟

    ثالثاً: ما الإرهاب الذي تعنيه الدوائر الغربية الأمريكية؟ وما المعنى الذي تشمله كلمة الإرهاب في اللغة والعرف؟ وما موقف الشريعة الإسلامية وموازين العدالة الإنسانية منه؟

    رابعاً: جريمة إسقاط ((إرهاب البغي)) على الجهاد الذي شرعه الله، وذلك من خلال بيان معنى الجهاد في الشريعة الإسلامية وعرض الدلائل العلمية على ذلك.

    خامساً: الواقع التطبيقي الذي يبرز الوجه الإنساني والعدالة الاجتماعية، من خلال الفتوحات وواقع المجتمعات الإسلامية.

    سادساً وأخيراً: الحركة السياسية الإسلامية في الوطن العربي: عواملها، ما لها وما عليها.

    * * *

    وها أنا أبدأ ببيان النقطة الأولى:

    بكلمة بسيطة واضحة، وبقرار لا مجال للريبة فيه، أقول: إن الإرهاب بالمعنى الذي يتحدث عنه الإعلام الغربي، إنما تم ويتم طبخه وإنضاجه في دوائر غربية معينة، ثم إنه يصدّر إلى العالم العربي أولاً، وسائر العالم الإسلامي ثانياً للتنفيذ. وليكن واضحاً أنني حيثما قلت ((الدوائر الغربية)) فإنما أعني - على الغالب - الدوائر الأمريكية.

    وقد تزايد الاهتمام بالتخطيط له، ثم طبخه، ثم تصديره إلينا، عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، واختيار ((الدوائر الغربية)) عدوّها الجديد الذي ينبغي أن تناصبه العداء بعد زوال الاتحاد السوفيتي. وهو كما تعلمون ((الإسلام)).

    ما الدليل على هذا الذي أقول؟

    سأعرض لكم طائفة يسيرة من أدلة كثيرة على ذلك:

    أولاً: نشرت مجلة الشؤون الخارجية الأمريكية (Foreign Affairs) مقالاً ضافياً في عدد تشرين الثاني لعام 1992 عن خطر الإسلام وأفضل الطرق لتفاديه والقضاء عليه.. وأفضل الطرق إلى ذلك فيما انتهى إليه المقال تقطيع جسور التواصل والتضامن بين الدول العربية، التي هي المصدر الأول للخطر الإسلامي، ثم العمل على إيجاد أكبر قدر من التشاكس بين شعوب المنطقة وحكامها، بحيث يهتاج فيما بينها العنف ويسودها القلق والاضطراب.

    ثانياً: يقول برنارد لويس في كتابه (الشرق الأوسط والغرب The Middle East And The West): ((إن التغريب في المنطقة العربية أدى إلى تفكيكها وتجزئتها، وإن هذا التفكيك السياسي واكبه تفكيك اجتماعي وثقافي. والواقع أن إلحاق المنطقة بالغرب لم يكن ممكناً إلا من طريق تفكيكها وتجزئتها، عن طريق إثارة الفتن الطائفية وافتعال أسباب الخصومات والعنف)) ثم قال: ((ولا شك أن من يسعى إلى هذا يحزنه مشهد السلام بين الطوائف، ويسعده اندلاع التقاتل بينها. ولعل من يستبعد دور الغرب في إشعال فتيل هذا التقاتل، واحدٌ من اثنين، خادع أو مخدوع))(1).

    ثالثاً: أصدر مجلس الأمن القومي الأمريكي في نهاية عام 1991م تقريراً يتحدث عن خطر الإسلام على المجتمع الغربي وضرورة القضاء عليه، ثم وضع عشرة بنود تقريباً كمشروع يطلب تنفيذه للقضاء على هذا الخطر: البند الأول هو إثارة التناقضات في الفكر الإسلامي!.. البند الثاني تأليب المسلمين بعضهم على بعض بكل السبل الممكنة. البند الثالث تحويل العمالة العربية الإسلامية في الخليج إلى عمالة آسيوية.. إلخ.

    رابعاً: كنت قبل سنوات في زيارة لمقرّ جريدة (زمان) في استانبول. ودار الحديث مع بعض القائمين عليها حول مشكلة العنف الذي تسرب إلى العمل الإسلامي، بل العلاقات الإسلامية في السنوات الأخيرة. فأخبرني أحدهم أن فتاة محجبة ومتنقبة أخذت تستثير الفتيات المتدينات من طالبات جامعة استانبول، وتدفعهن إلى القيام بأعمال سلبية ضدّ الدولة، لمواقفها اللادينية من الحجاب الإسلامي. ورآها بعض الشباب بين ثلة من الطالبات الجامعيات وهي تستثيرهن باسم الإسلام، فرابه أمرها وصوتها، فدنا منها ثم أسرع فانتزع نقابها، وإذا هي شاب من الرجال، وكانت (كمرة) الجريدة له بالمرصاد. ثم تبين أن الشاب كان مدفوعاً من جهة ما للتسرب بين الفتيات المتدينات والقيام بهذه الاستثارة أملاً في خلق مواجهة ما بين الدولة والاتجاهات الإسلامية، للإيقاع بالمسلمين من جانب ولصبغ الإسلام بصفة الإرهاب من جانب آخر.

    أقول: وإن هذه الجهة وإن بدت أنها جهة داخلية كالاستخبارات التركية مثلاً، إلا أن تلك الجهة بدورها إنما تنفذ مهمة وكلت إليها من قبل دوائر أجنبية. ولا ريب أن الدوائر الغربية بمقدار ما تظهر الاشمئزاز والسخط من أعمال العنف وما تسميه مظاهر الإرهاب التي تؤججها في أقطار عربية وإسلامية كثيرة، تبطن حقيقة السعادة والرضا بذلك، ولذا فهي تذهب في دعم تلك المظاهر سراً وبالأساليب المتنوعة إلى أقصى حدود الإمكان!..

    * * *

    ولننتقل إلى الحديث في النقطة الثانية، وهي التساؤل عن العوامل القديمة والجديدة التي تدفع الدوائر الغربية إلى التخطيط للإرهاب ثم لطبخه وتهييء أسبابه، ثم لتصديره إلى عالمنا العربي والإسلامي؟

    وأقول في الجواب عن هذا التساؤل: أما العوامل القديمة، أي التي تعود إلى ما قبل عام ونيّف من هذا التاريخ، فتتمثل في الواقع التالي:

    استقر في دماغ السياسة الأمريكية، منذ غياب الاتحاد السوفيتي عدوّها التقليدي، أنها بحاجة، أي السياسة الأمريكية، إلى عدو بديل. إذ وُجِدَ على مسرح السياسة العالمية من أقنع ذلك الدماغ بأن المصالح الأمريكية لا تزدهر ولا تتنامى شبكتها في العالم، إلا من خلال اصطفاء عدو، تمارس من خلال معاداته سبل طموحاتها.. شركاتها العملاقة وفي مقدمتها تلك التي تنتج الأسلحة المتطورة، وتصطنع الوسائل الرهيبة لتسويقها، واستهلاكها، لا بدّ من سبيل لهيمنتها على الأسواق العالمية، وخير سبيل وأقصره إلى ذلك، فيما يراه دماغ السياسة الأمريكية، فتح أنفاق الحروب واتخاذها شرايين تسري من خلال دماء المصالح الأمريكية.

    وكان لا بدّ أن يقع الاختيار على الإسلام، بديلاً عن العدو التقليدي الذي انقضى عهده. ولكن لماذا وقع الاختيار على الإسلام دون غيره؟

    وقع الاختيار عليه لعاملين اثنين:

    أولهما: تزايد انتشار الإسلام في المجتمعات الغربية، بشكل ذاتي، وتقبل العقلية الغربية مبادئ الإسلام ومعتقداته، واستئناسها بالكثير من أخلاقياته، وهو الأمر الذي نبه القيادات الغربية إلى خطر الإسلام على الحضارة الغربية.

    ثانيهما: تقارير كثيرة تقدم بها مراقبون غربيون إلى دوائر غربية متخصصة، تتحدث عن احتمال ظهور يقظة إسلامية حقيقية، تدفع المسلمين إلى تجاوز علاقاتهم التقليدية بالإسلام، وتنهض بهم إلى تطبيقه قِيَماً وشرعة ونظاماً. لعلّ من أهمها وأخطرها التقرير الذي رفعه (وليم كليفورد) أستاذ علم الإجرام ومدير معهد علم الإجرام في أستراليا، الذي أوفدته هيئة الأمم المتحدة إلى سلسلة المؤتمرات التي عقدتها المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي ضدّ الجريمة، والتابعة للجامعة العربية في أواخر السبعينيات من القرن الفائت، أوفدته مراقباً وممثلاً لها.

    وكان أن تطارح المؤتمرون آنذاك فكرة العودة إلى تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية لمعالجة الجريمة والتضييق من أخطارها. فأثار ذلك الطرح العرضي العابر ما يشبه الذعر في نفس ذلك المراقب، ورفع إلى هيئة الأمم المتحدة، وإلى كثير من الدوائر الغربية المتخصصة، تقريراً مطولاً بلغ ما يقارب ثلاثين صفحة فلسكاب. يقرع فيه أجراس الخطر على مسامع المسؤولين الغربيين. وقد شاء الله تعالى أن يتسرب إليّ هذا التقرير الذي كتبت عنه دراسة وافية في كتابي (على طريق العودة إلى الإسلام).

    يتلخص التقرير في النقاط التالية:

    * إنه يحذر أولاً من ظهور حركة انبعاث إسلامية قوية، تغذيها ((دولية مضادة للاستعمار)) على حدّ تعبيره، ويحمّل الغربَ مسؤولية النتائج التي قد تنجم عن ذلك الانبعاث الإسلامي الذي بات ينذر بتجاوز الحدود التقليدية للممارسات الإسلامية، إلى السعي الحثيث إلى ((استعادة تحقيق الذات)) ومن ثم إلى ((استعادة طاقة الحياة الاجتماعية الإسلامية، الكامنة والكفيلة أيضاً بضمان نجاحها السياسي)) على حدّ تعبيره.

    * ثم إنه يربط مخاوفه الشديدة مما يسميه الانبعاث الإسلامي بالقوة المادية الأولى التي يتمتع بها الشرق العربي، ألا وهي النفط. فيكرر أكثر من مرة أن حركة انبعاث إسلامية جادة، تدعمها الطاقة المادية التي يتمتع بها أصحاب ينابيع النفط، كفيلة بقلب الموازين الحضارية كلها، والقضاء على ما تبقّى للغرب من هيبة ونفوذ، على حد تعبيره.

    * وفي الختام ينصح التقرير الغرب بالعمل بكل الوسائل الممكنة على أن يضع يده على ينابيع النفط هذه، وأن يحول دون ما يسميه ((انبعاثاً إسلامياً جاداً يمكن أن يتحقق في أي حين)).

    فهذان العاملان هما السبب في اختيار الغرب الأمريكي الإسلام دون غيره عدواً جديداً يمارس من خلال بطشه ومعاداته له تمرير مصالحه المختلفة وطموحاته التي لا حدّ لها.

    أما العامل الجديد الذي لا يزيد عمره على عام ونيف، فيتمثل في الهياج الخفي الذي يسري في كيان الصهيونية العالمية، من جراء المشروع الذي وصلته أنباؤه، وهو سعي الدول الأوروبية والآسيوية إلى بناء ما يسمونه بالجسر الأوربي الآسيوي بينهما، ومن المعلوم أن روسيا تلعب دوراً رئيسياً لإنجاز هذا المشروع الذي من شأنه إقامة نظام متكامل للقطارات المعلقة بالحقل المغناطيسي، والذي سيمتد من روتردام في هولندا إلى شنغهاي. والهدف من هذا المشروع تأسيس نظام اقتصادي (أوروبي - آسيوي) يحلّ محل الانهيار المالي الذي يهدد العالم وفي مقدمته أمريكا.

    يقول (ليندون لاروش) أحد الذين ترشحوا للرئاسة الأمريكية في محاضرة له ألقيت عبر الإنترنت يوم 24/6/2001: إن القوى الإسرائيلية في الخارج والتي يمثلها بشكل نموذجي ((زبيغينو برجينسكي)) ستحضّر لحرب في الشرق الأوسط لمنع الدول الأوربية والآسيوية من بناء هذا الجسر البري بينهما، والذي من شأنه أن يزيح هيمنة الصهيونية العالمية على الاقتصاد العالمي والنظام النقدي. وينبغي أن تنطلق حرباً دينية ثم تستجر إليها أوربا، وبذلك يتلاشى هذا المشروع في ضرام تلك الحرب المستعرة.

    فما هو دور الإدارة الأمريكية برئاسة بوش تجاه هذا الواقع؟

    دورها تنفيذ ما توحي به الدوائر الصهيونية لتأزيم الأمور وإشعال فتيل الحرب. والشرارة التي لا بدّ منها لذلك إنما هي إلباس الشرق الأوسط على حين غرة، ودون سابق توقع، كسوة الإرهاب، وإنما يتأتى ذلك عن طريق ربطه بالإسلام الذي يعدّ الشرق الأوسط المعين الأول له.

    إن هذا الذي تخطط له الدوائر الصهيونية، كما قد خططت من قبل للحرب العالمية الأولى بمعونة بريطانيا التي كانت هي الظاهرة على مسرح الأحداث، لم يعد خفياً ولا مجهولاً في المجتمعات الأمريكية ذات الثقافة المتميزة. والسؤال الذي يتطارحه الجميع هناك إلى أي مدى سيندفع الرئيس الأمريكي في هذه المغامرة الرهيبة؟

    إذن هذا هو العامل الثاني (وهو عامل جديد) لاصطفاء الإسلام عدواً جديداً لأمريكا بعد رحيل الاتحاد السوفيتي.

    * * *

    والآن: ما الإرهاب الذي تعنيه أمريكا، من خلال تهديداتها التي فاجأت بها العالم قبيل هذا العام على غير توقع، كما قلت قبل قليل؟

    إن الإرهاب الذي تعنيه، كل جهد أو مشروع أو فكر، يتعارض مع مصالحها، أو مع ما تحسب أنه من مصالحها الذاتية، دون أي نظر إلى ما قد تتطلبه حقوق الآخرين.. ونظراً إلى أن الخطة (الأوروبي - آسيوية) تناقض مصالحها، فينبغي دعم الدوائر الصهيونية في السعي إلى إشعال حرب في الشرق الأوسط تتكفل بالقضاء على تلك الخطة. ونظراً إلى أن الوقود الوحيد لإشعال هذه الحرب هو لصق أكذوبة الإرهاب بالإسلام الذي إليه ينتمي سكان هذه المنطقة، إذن فيجب قرع طبول الحرب على أساسها ومن منطلق الاتهام بها.

    ولكن فلنتساءل: ما شأن الإسلام والإرهاب؟ وما علاقة كل منهما بالآخر.

    وقبل أن أجيب عن هذا السؤال، لا بدّ أن أذكّر بما هو بدهي، من أن الإسلام ليس مكلفاً بالخضوع للمصطلح الأمريكي لكلمة الإرهاب، ومن ثم فإن الإسلام ليس من شأنه أن يكون الحارس الأمين لمصالح أمريكا في العالم.

    إن كلمة الإرهاب التي هي مصدر لأرهب يرهب، سلاح ذو حدين، كما هو معلوم للدنيا كلها. فهو بالنسبة لأحد حدّيه وسيلة تربوية لا بدّ منها، وسور لا غنى عنه لحماية العدالة في المجتمع.. لولا شيء من الإرهاب لما صلح أمر تربية الأولاد في المنزل، ولما سلمت تربية التلاميذ في المدرسة، ولما استقر حكم القضاء في المجتمع، ولما تحصنت الحقوق عن أيدي المعتدين والغاضبين.

    فأما إن تجاوز المجتمع أو الأفراد هذا الحدّ المشروع للإرهاب، بأن أصبح يستعمل لسلب الحقوق أو خنق الحريات، أو الإساءة إلى الكرامة الإنسانية. فذلكم هو البغي في المصطلح الإسلامي، والباغي يجب أن يقطع دابره، وخطاب الله في هذا صريح لعباده، إذ يقول: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الأُخْرَى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات: 49/9].

    تلك هي علاقة الإرهاب بالإسلام أو الإسلام بالإرهاب. وإنه لقرار إنساني عادل تجمع عليه أعراف وقوانين وشرائع الأمم والدول المتمدّنة والمتحضرة كلها.

    وعندما تفسر الإدارة الأمريكية الإرهاب الذي فاجأت الدنيا بالتهديد والتوعد لكل من يمارسه، بالبغي الذي لا يغيب معناه عن أحد، فإن العالم الإسلامي كله، شعوباً وحكومات معها في الوقوف في وجه البغي والقضاء عليه.

    ولكن ماذا عن أولئك الذين يشدّون الغرب إلى الشرق فينعتون الجهاد القتالي الذي شرعه الله عز وجل بالإرهاب؟

    إن الجهاد في الشريعة الإسلامية، في كلمة جامعة، ليس أكثر من العين الساهرة التي تحرس حقوق الأمة. وآية ذلك أن المسلمين عاشوا في مكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثلاثة عشر عاماً يتعرضون لأصناف من الاستهانة والإيذاء، دون أن يؤذن لهم بالجهاد إذ لم تكن لهم فيها حقوق يقاتلون دونها. فلما هاجروا مع رسول الله إلى المدينة، وتحقق للمسلمين فيها أرض ووطن، وقامت لهم عليها دولة، وظهر لهم في ظلها نظام سلطوي، كان لا بدّ لهم من سبيل لحماية حقوقهم هذه من أي عدو متربص هناك، ومن أجل هذه الحاجة شرع الله الجهاد.

    أما في مكة، فلم يكن للمسلمين فيها، وراء العقيدة التي يدعون إليها ويحاورون في سبيلها أي حق ثابت ينهضون لحراسته يقاتلون في سبيله إن اقتضى الأمر، ومن ثم لم يكن للجهاد القتالي أي موجب، ومن ثم أي وجود آنذاك.. بل لقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يستقبل عدوان المشركين له إلا بمزيد من الشفقة عليهم والرحمة لهم!.. فما حرّك لسانه بكلام قاس لهم أو بدعاء عليهم، حتى في أحلك الساعات وأقسى الظروف التي مرت به وبالمسلمين في تلك السنوات الطوال التي أمضوها في مكة.

    إذن فالجهاد لم يشرع لإرغام الناس على الإسلام، كما يحلو لبعض المفتئتين من محترفي الغزو الفكري أن يقولوا. ومتى كان الإسلام الذي يُساق الإنسان إليه كرهاً إسلاماً مقبولاً عند الله؟ إذن لاستوى المنافق والمؤمن في ميزان الله عز وجل، وأنى يكون ذلك؟

    لقد شهد تاريخ الفتوحات الإسلامية التي كانت بقيادة رسول الله، ثم التي كانت بقيادة الخلفاء من بعده، أنه ما من غزوة عُقِد لواؤها إلا وكانت رداً على عدوان واقع، أو متوقع، أي عدوان خفي يخطط له. ولقد دخل رسول الله مكة فاتحاً فلم يرغم مشركاً على الإسلام ولم يستقبل من المبايعين له إلاّ من ساقته إليه قدماه طوعاً.. وحسبكم في بيان هذه الحقيقة التي تعتز بها الإنسانية أيما اعتزاز، هذا البيان الإلهي القائل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ} [التوبة: 9/6].

    فليس على رئيس الدولة الإسلامية أن يستقبل الكافرين أياً كانوا وأن يرحب بهم فقط في دار الإسلام، بل عليه أيضاً أن يحقق لكل منهم مظلة أمن تحميه من كل سوء، خلال وجوده فيها، كما أنّ عليه أن يتكفل بإعادته، كافراً إن شاء أو مسلماً، إلى مأمنه الذي وفد إليه منه!..

    وما من بقعة سعدت بالفتح الإسلامي، إلا وكانت صورة رائعة لتعايش سعيد ما بين المسلمين وغيرهم أياً كانوا، تشهد على ذلك مصر والعراق وبلاد الشام وغيرها، ولم يكن ذلك التعايش نتيجة لسياسة ارتآها القادة والحكام، ولكنه كان ولا يزال حكماً نافذاً من أحكام الشريعة الإسلامية في كل زمان ومكان.

    ولما توجهت الجيوش الصليبية غزاة إلى بلاد الشام، أرسل قادة تلك الجيوش سراً رسائل إلى النصارى الموجودين بين ظهراني المسلمين - وكانوا لا يقلّون عن الثلث - يسألونهم عن قرارهم الذي اتخذوه أهو الوقوف إلى جانب بني قومهم المسلمين أم الوقوف إلى جانب بني دينهم الوافدين. فكان جوابهم: بل تتخذ مواقفنا إلى جانب بني قومنا، وشهد التاريخ كيف وقف المسلمون والنصارى يوم ذاك في خندق واحد لردّ غائلة الصليبين!..

    ولقد أحصى المؤرخون عدد الذين قتلوا من مسلمين وغيرهم، في الغزوات التي قامت بين الفريقين، من السنة الثانية إلى التاسعة للهجرة، فكان عددهم 1018 شخصاً، ثم إن المؤرخين اليوم أحصوا عدد القتلى في الحرب العالمية الأولى التي أوقد نيرانها كل من بريطانيا والصهيونية العالمية، من عام 1914 إلى عام 1918 فكان عددهم (2.100.000)!.

    ألا، فلتضحك الدنيا اليوم ضحك ذهول قاتل من هذا الذي تراه العين ولا يصدقه العقل، وحوش تتقوقع تحت سيما ملائكة الحب والسلام، وقيم ربانية تنزلت رحمة للأسرة الإنسانية جمعاً، تنعت من قبل تلك الوحوش بالإرهاب!..

    إذن هذا هو الجهاد في شرع الله وحكمه، معناه وضابطه اليوم، هو معناه وضابطه بالأمس، حراسة لحقوق الأمة أن لا يسطو عليها باغ ولا يطمع في النيل منها طامع، وحراسة الحقوق أياً كان سبيلها الذي لا بدّ منه أمر مقدس، لا لأنها حرب تَشْفي الغليل، ولكن لأنها خدمة إنسانية للأسرة الإنسانية جمعاء، ومن ثم فقد كان الحارس لحقوقها شهيداً إن أريق دمه على هذا الطريق، بشهادة من رسول الله القائل: ((من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد)).

    ومن أسمج ما يشمئز منه المنطق، أن يكون وقوف الدوائر الغربية في وجه الدنيا كله، من أجل مصالحها المشروعة وغير المشروعة عملاً مؤيَّداً مبروراً، ثم لا يكون دفاع المستضعفين عن حقوقهم المسلوبة مؤيداً ولا مبروراً!..

    * * *

    وبعد، أفتظنون، أن هذه الحقيقة التي فرغنا من بيانها، معززةً بأضعاف الأدلة والوثائق التي ذكرتها، يمكن أن تثني الإدارة الأمريكية الحالية عن خطتها الرامية إلى إلهاب الشرق الأوسط بنيران حرب دينية تستجرّ إليها أوربا؟!.. إن من السذاجة أن نظن ذلك. سيُحكم إلصاق أكذوبة ((الإرهاب)) بنا نحن المسلمين شاءت أم لم تشأ الحقيقة ذلك، لأنها الوقود الذي لا بدّ منه لإشعال نيران الفتنة ثم الحرب.

    إحدى وسيلتين لا ثالث لهما هي التي يمكن أن تنتصر للحق، وتحمي العالم من كارثة توشك أن تقع فتقضي حتى على المسخرين لتنفيذها في البيت الأبيض.

    إحداهما: يقظة الاتحاد الأوربي إلى هذه الخطة المرسومة بصورة أتم. والوقوف بفاعلية أقوى وأكثر جدية لمقاومتها. ولكن ما ينبغي نحن العرب والمسلمين أن نركل إلى الأمل في هذه الوسيلة.

    الوسيلة الثانية: أن تنهض الدول العربية من كبوتها، وتودع إلى غير رجعة خلافاتها الطافية على السطح والمتوضعة الخفية في العمق. فتتحد أو تتضامن تضامناً حقيقياً، تستعيد من خلاله ذاتيتها، بحيث يصبح قرارها، لاسيما في هذا الأمر، قراراً واحداً يرضي الله ويعزّ الأمة، ويخيب آمال القوى التي تراهن على استبقاء خصوماتها واستزادة شقاقها، وعلى تحويل قادتها إلى صغار يتهارجون ويتنابذون في الخفاء، ويتعانقون ويتجاملون على مسارح اللقاء، وأمام الكَمرات وتحت الأضواء.

    * * *

    بقي أن نقول: إن شيئاً واحداً يعكر صفو الحقيقة التي جاءت في بيان علماء مكة، والتي أكدتُها بمزيد من الأدلة القاطعة، والوثائق الناطقة، في حديثي هذا إليكم، إنه التطرف الذي يبدو في تصرفات بعض من يعدّون أنفسهم جماعات إسلامية، كالذي يجري في الجزائر، والذي يجري أحياناً في مصر، والذي سمعنا نماذج عنه في اليمن.

    وبتعبير آخر: إنه النهج المتطرف الذي نراه فيما يسمى اليوم بالإسلام السياسي.

    فما موجب هذا التطرف من هؤلاء الناس، بعد الذي تبين لنا جميعاً من أن الإسلام لا يقرّ شيئاً من هذا الغلو، ويبرأ من قبوله سلوكاً فضلاً عن تسميته جهاداً؟

    أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال ماثل في أذهاننا جميعاً، بعد الذي ذكرته لكم عن الأدلة والوثائق الناطقة بأن هذا النوع من التطرف أو الإرهاب، يطبخ ويحضّر في الدوائر الغربية، ثم يصدّر إلينا للتنفيذ. من منا يجهل أن في بريطانيا، بل في لندن بالذات، نخبة متميزة من قادة التطرف والإرهاب، يديرون عملياتهم الإرهابية باسم الإسلام من هناك، ويوحون إلى جنودهم وصنائعهم في البلاد العربية التي تطولها مساعيهم، كيفية تنفيذها، وبريطانيا تعلم ذلك وتقدم لأولئك الأشخاص، كل عون وتحميهم من كل سوء‍!..

    غير أنا لكي نكون دقيقين في بيان الأمور وتحليلها، يجب أن نتذكر ما هو مقرر وثابت، من أن الدوائر الغربية، لا تملك لتنفيذ خططها وأهدافها التي تحدثنا عنها، أن توجد فينا معدوماً، وإنما هي تبحث دائماً عما هو موجود مما يناسب أهدافها، فتسخره وتوجهه لمصالحها.

    إذن فنشأة الجماعات الإسلامية، الساعية إلى إقامة المجتمع الإنساني السليم أو الدولة الإسلامية الرشيدة، حقيقة قائمة بدافع ذاتي وبشعور داخلي، في الأصل.. ولا ريب أن لها عواملها الداخلية التي لا نستبعد أن تكون عوامل غيرة على الإسلام ومصيره.

    وتتلخص هذه العوامل، التي ينبغي أن تستأثر باهتمام قادة البلاد العربية والإسلامية، فيما يلي:

    كان قادة العالم الإسلامي، في العصور الغابرة، وأخصّ منها عصور الخلافة الإسلامية، يحمّلون أنفسهم مهامّ حماية الإسلام من المتربصين به أو بأيٍّ من قيمة، ومهام النهوض به، وتغذيته بمزيد من روافد الثقافة والعلوم. فكانت الشعوب الإسلامية على اختلاف فئاتها تنظر إلى إسلامها بعين مطمئنة، وتوقن أن له حرّاسهُ الذين يسهرون على رعايته وحمايته، فلم يكن يرى أيٌّ منهم أيَّ فراغ ينبغي سدّه في هذا المجال، عن طريق نشأة جماعة أو جماعات تأخذ على عاتقها، ما يقوم به قادة المسلمين على خير وجه..

    ولكن فما الذي جرى بعد ذلك؟

    الذي جرى بعد ذلك، ما تعلمون، من سقوط الخلافة، ومن تشظّي الدولة الإسلامية الواحدة إلى شظايا من دول شتى، ومن المشكلات السياسية الكثيرة المتنوعة والمعقدة التي اهتاجت فيما بينهم فشغلتهم وصدّتهم عن التفرغ للمهمة القدسية التي قام ونهض بها أسلافهم، فغابت عن الإسلام تلك العين الساهرة التي كانت تحرسه، واغتبط المتربصون به أن سبلهم إلى الكيد له والعمل للقضاء عليه، أصبحت مفتّحة، بل معبدة، وفي أفضل الأحوال الاستثنائية أحيلت مهامّ رعاية الإسلام إلى ما يسمونه بوزراء الأوقاف والشؤون الإسلامية، وإنما تتمثل رعايتهم له، في إدارة شؤون المساجد والأوقاف الجارية عليها، وما قد يتبعها من الوظائف التقليدية، التي لا تكاد تصلح فساداً أو تقوّم اعوجاجاً.

    في هذا المناخ الذي وصفته لكم، رأى المسلمون الغيارى على الإسلام، من عامة الناس، وهم بحمد الله كثر، أن الإسلام يتيم في ربوعه أو كاد، وأن سهام الكيد تتجه إليه من سائر الآفاق، وترمى إلى نحره بأيدي قادة الدول والحكومات المناهضة للإسلام، بينما قادة الدول الإسلامية في شغل شاغل عن ذلك، منصرفون إلى شؤونهم السياسية، وإلى معالجة علاقات ما بينهم، فكان لا بدّ أن تهتاج بين جوانح كثير من هؤلاء المسلمين الغيارى على الإسلام، عوامل النهوض لحمايته وإعادة فاعليته وسلطانه، وكان السبيل إلى ذلك فيما رأوه أن يؤلفوا فيما بينهم جماعة إسلامية ينبثق منها تيار ذو فاعلية نهضوية إسلامية يحقق الأهداف المرجوة.

    ونظراً إلى أن الكثرة الغالبة من هؤلاء المسلمين الذين أصبحوا يسمون إسلاميين، لا يملكون من زاد العلوم والثقافة الإسلامية، القدر الذي يتمتعون به من حرارة العاطفة والوجدان، ونظراً إلى عدم وجود مرجعية واحدة أمامهم يثقون جميعاً بها، فقد كان لا بدّ لأولئك المسلمين الغيارى بعواطفهم المتفلتة عن ضوابط العلم، أن يختلفوا فيما بينهم، ومن ثم كان لا بدّ أن تتحول الجماعة الإسلامية الواحدة إلى جماعات شتى نداؤها واحد، وأفهامها وقناعاتها متعددة متضاربة. ثم كان لا بدّ للعاطفة التي لا تتقيد بعلم أن تمدّ على أعين أصحابها غاشية من النظرة السوداوية المنكرة إلى حكام المسلمين، بل إلى الكثير من عامة المسلمين أنفسهم، فتقود أصحابها إلى التكفير أو التفسيق، وتجرئهم على الغلوّ والتطرف وإثارة الفتن باسم الجهاد.

    أما الدوائر الغربية المراقبة، فقد رأت في هذا الواقع بغيتها، ووقعت من هذا المناخ الذي وصفته لكم على كنز ثمين... ورأت فيه المجال الرحب لتحقيق وصايا المجلس القومي الأمريكي، وفي مقدمتها ضرورة تأليب المسلمين على بعضهم، وإثارة التناقضات في الفكر الإسلامي.

    فما كان منها إلا أن بذلت كل ما تملك (وما تزال) في سبيل تذليل السبل أمام تطرف الجماعات الإسلامية وبعث مزيد من عوامل الهياج النفسي لديها لتألب على قادتها وحكامها. وأنا أعلم أن هذه الدوائر لا تتردد في دس عملاء لها بين تلك الجماعات دُربوا على التظاهر بالحماس الديني والتزيي بالزي الإسلامي التقليدي المفضل، وإطلاق اللحى الوافرة، وإتقان تلاوة القرآن. ليبعثوا مزيداً الهياج النفسي وعوامل الإثارة على الآخرين بحجة التكفير أو التبديع أو التفسيق... وكم كشف مسلمون ناشطون في مراكز إسلامية أو في مساجد لهم، في جهات مختلفة من أوربا وأمريكا، أناساً مدسوسين من هذا القبيل.

    * * *

    وبعد، فإن كل هذا الذي تم بيانه، من خلال ما قد أوضحه وقرره علماء مكة، ومن خلال الأدلة والوثائق التي عرضتها في محاضرتي هذه، لن يكون له جدوى على صعيد الواقع، إلاّ في حالة واحدة لا ثاني لها، هي أن تُرَى هذه الأمة وقد اتحدت اتحاداً حقيقياً، على مستوى قادتها أولاً، وعلى مستوى فئاتها وجماعاتها ثانياً.

    ففي مناخ هذه الوحدة الاستراتيجية الراسخة، تستنبت الحقائق التي تم بيانها معزَّزة بالبراهين الراسخة والوثائق الدامغة، وتتجلّى ثمراتها، ويضعها العالم في مركز التصديق من كيانه أولاً ثم التقدير لها ثانياً.

    أما إن ظل هذا التفرق، بل هذا التشرذم، مستمراً، فلسوف تبقى أكذوبة الإرهاب ملتصقة بنا، ولسوف يظلّ معنى الجهاد في الإسلام المعنى المزيف الذي يختاره له محترفو الغزو الفكري. ومهما صاح مثلي صائحون، وكتب كاتبون، وأعلن ناشرون، يكشفون عن الزيف، ويبرزون وجه الحق، فلسوف يختفي ويضيع ذلك كله، في تلافيف الخلافات والصراعات، الخفية أو الظاهرة، المستحكمة. ولن يطفو عندئذ على السطح إلا الزيف الذي تسمعون، ولن تسمعوا من أوصاف الضياء الإسلامي الذي يحتضن كل معاني العدل والإنسانية والمساواة والمواساة، إلا نقائضها الحادّة زوراً وكيداً وافتراءً.

    فإن عجزنا عن إقناع أمتنا هذه بأن ترتفع عن وهدة التشرذم المهين، إلى السدّة التي ارتضاها الله لها وحدة وتضامناً واعتصاماً حقيقياً بحبله المتين، فليس أمامنا إلا باب واحد نطرقه، هو باب الالتجاء إلى الله بضراعة وتبتل وصدق. وأعظِم به من ملجأ وملاذ.

    هذا إن وجد اللائذون واللاجئون الذين يقرعون هذا الباب العالي بانكسار وصدق. ولعلهم موجودون وأرجو أن يكونوا كثيرين يملؤون رحب عالمنا الإسلامي.

    للشيخ البوطي
     

مشاركة هذه الصفحة