الاجتهادُ في الشَّريعة الإِسلامية

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 454   الردود : 0    ‏2004-05-01
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-05-01
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    مقدمة: الاجتهاد، وحكمه

    إذا كان الاجتهاد، بذلَ الجهد لمعرفة حكم الله عز وجل في أمر ما، طبق ضوابطه وأصوله المعروفة، فالاجتهاد ينبغي إذن أن يكون عدّة كل مسلم ورفيقه في تعامله مع الله عز وجل من خلال تنفيذ أوامره والانتهاء عن نواهيه.

    ذلك هو الأصل في الوظيفة التي أقام الله عليها عبادة الذين أسلموا له، وخضعوا للميثاق الذي واثقهم به. إذ إن استخراج أحكام الله من مصادرها، ليست دائماً من اليسر والسهولة بحيث لا تحتاج إلى أي جهد. بل العكس هو الواقع في الغالب. ولله عز وجل في ذلك حكمة باهرة، لا مجال للخوض فيها في هذا المقام.

    غير أن اللطف الإلهي بالعباد، اقتضى الرأفة بهم، نظراً إلى تفاوتهم في القدرات الفكرية ووسائل الدراية والاستنباط، ونظراً إلى اختلافهم في الانصراف إلى المشاغل الدنيوية والمرهقات المعيشية التي تحول دون إمكان قيامهم جميعاً بهذا الواجب على السواء وبالوجه السليم.

    فكان من رأفته بهم أن رخص لهم في اتباع من أتيح لهم النهوض بهذا الجهد، وذلك من خلال خطابه الذي قال لهم فيه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 16/43].

    وبهذا تحول ما كان في أصله واجباً عينياً إلى واجب كفائي. إن قام به من يقعون موقعاً من الكفاية التي تحتاج إليها الأمة في التبّصر بأحكام دينها، سقطت مسؤولية هذا الواجب الاجتهادي عن الباقين.

    ومن هنا ندرك ضرورة وجود طائفة من العلماء المجتهدين في كل عصر. إذ لا يخلو كل زمن من جديد لم يكن موجوداً أو معلوماً من قبل، يحتاج المسلمون إلى معرفة حكم الله فيه. وإنما سبيل ذلك الاجتهاد. فإن خلا عصر من العصور عن العدد الكافي من المجتهدين، توّرط المسلمون كلهم من جراء ذلك التقصير، في معصية لا ترتفع عن كواهلهم إلا بوفرة هذه الطائفة الكافية من العلماء الذين بلغوا مبلغ القدرة الاجتهادية على استنباط الأحكام من مصادرها.

    ويتلخص الدليل على فرضية الاجتهاد كفائياً في الدليلين التاليين:

    أولهما جميع النصوص الدالة على وجوب طاعة الله ورسوله، من مثل قول الله تعالى: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ} [آل ‌عمران: 3/32] وقوله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 8/20]، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مالك في موطئه: ((وقد تركت فيكم إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، كتاب الله وسنتي)).

    ووجه الدلالة، أن الله تعالى إذا أوجب عليهم طاعته فيما أمرهم به ونهاهم عنه، مما قد ورد في كتابه أو سنة رسوله، فقد أوجب عليهم بذل الجهد اللازم لفهم ما قد دلت عليه نصوص كل منهما. ذلك لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وهي قاعدة أصولية معروفة.

    ثانيهما قول الله عز وجل: {وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} [التوبة: 9/122].

    ووجه الاستدلال بها أن نعلم بأن الجهاد من أهم ما قد شرعه الله وفرضه على عباده. فإذا أمر مع ذلك بتخلّف نفر من الناس عن الخروج إلى الجهاد، لكي يتفرغوا للتفقه في الدين الذي هو استنباط الأحكام من نصوص الكتاب والسنة، فإن ذلك من أجلى الأدلة على أن الاجتهاد في فهم أحكام الدين فريضة كالجهاد، ولكنه فرض كفائي يكفي في القيام به نفر من الناس، بشرط أن يكونوا من الكثرة بحيث يشكلون مرجعاً كافياً لعامة الناس، فيما قد يستشكلونه أو يسألون عنه.

    ولكن هل يغني عامة الناس، ويرفع عنهم الوزر، أن يتبعوا أئمة مجتهدين قد ماتوا وخلوا من قبل، أم لابدَّ أن ينهض من بينهم من يتعلم فيرقى إلى رتبة الاجتهاد، كي يكون لهم في اتباعه ما يغنيهم عن تقليد الأموات؟

    الصحيح الذي عليه جمهور العلماء، جواز تقليد المجتهد وإن كان ميتاً. فإن الأقوال الاجتهادية لا تموت بموت أصحابها. يقول ابن القيم: ((هل يجوز للحيّ تقليد الميت والعمل بفتواه من غير اعتبارها بالدليل الموجب لصحة العمل بها؟.. فيه وجهان لأصحاب الإمام أحمد. فمن منعه قال يجوز تغيير اجتهاده لو كان حياً.. والثاني يقول بالجواز. وعليه عمل المقلدين في أقطار الأرض وخيار ما بأيديهم تقليد الأموات، والأقوال لا تموت بموت قائليها، كما لا تموت الأخبار بموت رواتها))(1).

    ويقول الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة ((إن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد أجمعت الأمة أو من يعتدّ به منها على جواز تقليدها إلى يومنا هذا. وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى. لاسيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم، وأشربت النفوس الهوى، وأعجب كل ذي رأي برأيه)).

    أقول: وهذا رأي الشيعة الإمامية أيضاً: إذ الأئمة المعصومون الذين خلوا من قبل، لا تزال أقوالهم هي المرجع في كل ما قد أبرموا القول فيه، غير أن أقوالهم لا تسمى عندهم اجتهاداً بالمعنى المتداول عند أهل السنة. إذ الاجتهاد عند الجمهور قابل للخطأ، نظراً إلى أنه صادر من جهده الشخصي، أما عند الشيعة فالعصمة عن الخطأ هي السمة التي لابدَّ أن يتصف الأئمة بها. ومن ثم فإن أقوالهم التي صدروا عنها في الأحكام، بمثابة وحي علوي، أو هو اجتهاد، ولكنه اجتهاد معصوم عن تسرب الخطأ إليه.

    بقي أن نقول: إن خضوع الاجتهاد للفرض الكفائي في كل زمن، يضفي إشكالاً كبيراً على المقولة الدارجة على كثير من الأفواه: ((إن باب الاجتهاد قد أغلق منذ أوائل القرن الخامس)) ولسوف نناقشها، ونوضح وجه الحق فيها، في المكان المناسب من هذا البحث إن شاء الله.

    موضوع الاجتهاد، والمحور الذي يدور عليه:

    يدور الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، مهما تنوع، على محور النص من القرآن أو السنة، فهو يظلّ مرتبطاً به، خاضعاً له، باحثاً عنه. ذلك لأن الاجتهاد في مسألة ما من مسائل الدين، لا يعدو أن يكون استجلاء لمدى صحة النص وثبوته، أو تبيناً لمعناه ودلالته، ويدخل في الحالة الثانية البحث في مدى عموم النص أو خصوصه، أو إطلاقه أو تقييده، وفي مدى خضوعه للتأويل، وفي العلة التي يدور عليها حكمه.

    بل إن مطلق ما يسمى حكماً في مصطلح الشريعة الإسلامية، لا يتحقق له وجود، إلاّ على أساس الخبر أو الحكم الذي بلغنا من الله عز وجل ورسوله. إذ بدونهما لا يسمى العلم الشرعي علماً، بل هو لا يعدو أن يكون وهماً وزغلاً.

    وفي ذلك يقول الإمام الشافعي رحمه الله: ((وليس لأحد أبداً أن يقول في شيء: حلّ أو حرم، إلا من جهة العلم. وجهة العلم الخبر في كتاب الله أو السنة أو الإجماع أو القياس))(2).

    ومعلوم أن كلاً من الإجماع والقياس أثر من آثار النص، لا يتقومان إلاّ به، ولا ينهضان إلا عليه. ويقول الإمام الشافعي في بيان أن القياس أثر لا ينفك عن النص: ((والقياس ما طلب بالدلائل على موافقة الخبر من الكتاب أو السنة، لأنهما عَلَمُ الحقّ المفترض طلبه))(3).

    ولو جاز أن تتسع دائرة الاجتهاد في الشريعة الإسلامية إلى تخطّي حدود النصّ ومدلولاته، إذن لجاز لهذا الاجتهاد ذاته أن يبطل حكم الشريعة بأسرها، وأن يستبدل بها شيئاً فشيئاً غيرها.

    ولقد أوضح الشاطبي هذه الحقيقة بدقة بارعة عندما قال:

    ((ولو جاز للعقل تخطّي مأخذ النقل (أي النص) لجاز إبطال الشريعة بالعقل. وهذا محال باطل. وبيان ذلك أن معنى الشريعة أنها تَحُدُّ للمكلفين (أي بالنقل الوارد إلينا من الله ورسوله) حدوداً في أفعالهم وأقوالهم واعتقاداتهم. وهو جملة ما تضمنته. فإن جاز للعقل تعدي حدٍّ واحد، جاز له تعدي جميع الحدود، لأنّ ما ثبت للشيء ثبت لمثله.. وهذا لا يقول به أحد))(4).

    وقد حصر الماوردي عمل المجتهد في سبعة أقسام لا يتجاوزها، تدور كلها على محور النص. وهي: إثبات النص، أو استخراج علته، أو ضبط مدلولاته، أو الترجيح بين احتمالاته، أو الكشف عن عمومه وخصوصه، أو إطلاقه وتقيده(5).

    هل القياس مصدر آخر إلى جانب النص؟

    إن فيما قد أوضحته، ثم أيدّته بكلام الإمام الشافعي ومن جاء بعده، ما يجزم بأن القياس ليس إلا واحدة من الدلالات التي تهدي إلى معنى النص ومضمونه.

    وفي هذا ما يدل على أن الخلاف بين أهل السنة والجماعة، وبين الشيعة الإمامية في مشروعية الأخذ بالقياس في استنباط الأحكام، ليس إلا خلافاً لفظياً. إذ إن الشيعة الإمامية يستعظمون القول بحجية القياس مصدراً ثالثاً من مصدري التشريع: (القرآن والسنة) تخوفاً من أن ينتهي هذا القول إلى هيمنة القياس على النص، وإلى التضييق من دلالته أو القضاء عليها.

    غير أن ما عرفناه الآن من أن مهمة القياس ليست إلاَّ خدمة النص، عن طريق الكشف عن المعاني الكامنة فيه، وعن حدود ما يرمي إليه، يقضي على هذا التخوف، ويذيب أي أثر لهذا الخلاف. وهذا ما قد انتهى إليه العالم المحقق الشيخ محمد مهدي شمس الدين إذ يقول: ((الحقيقة أن ذكرنا لا يعني أنه يوجد تباين كامل بين المذاهب في هذه الأدوات الاستنباطية. ففي بعض الموارد يكون الاختلاف لفظياً. أي إن الاختلاف يكون في التسمية فقط. وبعض الموارد التي تعتبر قياساً عند أهل القياس، لا يسميها فقهاء الإمامية قياساً))(6).

    مجالات الاجتهاد

    من الثابت يقيناً أن الاجتهاد المشروع، هو ما تعلق بحكم شرعي ليس فيه دليل قطعي. ذلك لأن الحاجة إلى الاجتهاد متفرعة عن وقوع الاحتمال في ثبوت النص أو في دلالته، كما قد أوضحنا من قبل.. ولا يقع الاحتمال إلا حيث يكون الدليل ظنياً.

    وبهذا تخرج مسائل العقيدة الإسلامية ومبادئها الأساسية عن دائرة الاجتهاد. لأنها مستندة إلى دلائل يقينية الثبوت والدلالة، كما يخرج أيضاً كل الأحكام الفقهية التي ثبتت على وجه القطع واليقين، كفرض الصلوات الخمس ووجوب صوم رمضان وحج البيت على المستطيع وحرمة القتل بدون حق والسرقة والزنى وشرب الخمر.. إذ إنها تستند إلى أدلة قطعية ذات دلالة يقينية لا مجال فيها للاحتمال. ومن ثم فلا سبيل للاجتهاد إليها.

    ومن أبرز الأدلة التي تخرج أصول العقيدة الإسلامية وما يتبعها من ضروريات الأحكام الشرعية، عن ساحة الاجتهاد، قول الله عز وجل {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ اللَّهُ} [محمد: 47/19]. وقد عرفنا أن العلم هو ما تسامى فوق درجة الشك والظن وبلغ درجة اليقين والجزم، ولا يتأتى ذلك إلا بأدلة قاطعة، تغني عن النظر والاجتهاد فيها.

    ومثل ذلك قول الله تعالى في التحذير من اتباع العقائد الزائفة: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً} [النجم: 53/28] وقوله تعالى في صدد الموضوع ذاته: {وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء: 17/36].

    وفي بيان هذا يقول الشافعي رحمه الله: ((العلم علمان، علم لا يسع بالغاً غير مغلوب على عقله جهلُهُ، مثل الصلوات الخمس، وأن لله على الناس صوم رمضان وحج البيت إذا استطاعوه وزكاة في أموالهم، وأنه حرم عليهم الزنا والسرقة والقتل والخمر، وما كان في معنى هذا مما كلف الله به العباد أن يفعلوه ويعلموه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم، وأن يكفوا عما حرم الله عليهم منه. وهذا الصنف كله من العلم موجود نصاً في كتاب الله، وموجود عاماً عند أهل الإسلام، ينقله عوامهم عمن مضى من عوامهم، يحكونه عن رسول الله ولا ينازعونه في حكايته ولا وجوبه عليهم. وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل، ولا يجوز فيه التنازع))(7).

    ويقول الإمام الغزالي في المستصفى: ((والمجتَهَدُ فيه، كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي، واحترزنا بالشرعي عن العقليات ومسائل الكلام، فإن الحق فيها واحد والمصيب واحد والمخطئ آثم. وإنما نعني بالمجتهد فيه ما لا يكون المخطئ فيه آثماً.. أما وجوب الصلوات الخمس والزكاة وما اتفقت عليه الأمة من جليّات الشرع، ففيها أدلة قطعية يأثم فيها المخالف، فليس ذلك محلّ اجتهاد))(8).

    وهذا ما يقرره سائر علماء الشريعة الإسلامية وأصولها، على اختلاف مذاهبهم في دين الله عز وجل، ولا أحسب أن في ذلك أيّ خلاف.

    ولكن يدخل في حكم الفروع الاجتهادية، جزئيات اعتقادية خارجة عن المبادئ الأساسية في بناء العقيدة. إذ لم تتوفر عليها أدلة قطعية. كالبحث في النشأة الثانية للإنسان بعد الموت أتكون بعد انعدام كلي أم بعد تفتت واضمحلال.. وكالبحث في صفتي السمع والبصر لله عز وجل أهما تتعلقان بالموجودات كلها، أم يتعلق البصر بالمبصرات والسمع بالمسموعات؟

    فهذه وأمثالها، وإن كانت من الأمور الاعتقادية، إلا أنه لما لم يرد في شأنها نصوص ثابتة ذات دلالات قاطعة، بقي أمرها موكولاً إلى علم الله، وربما وصل الباحث فيها عن طريق الاجتهاد إلى رأي مظنون . ولا يكلفه الله في ذلك بأكثر مما وصل إليه طوقه الاجتهادي.

    غير أن في مسائل العقيدة ما وقع الخلاف بشأنه بين بعض المذاهب الإسلامية، أهو من الجزئيات التي لم يرد بشأنها نص قاطع، فهي إذن من المسائل الاجتهادية، أم هو من الأمور اليقينية التي تستند إلى نصوص ثابتة قاطعة، ومن ثم فلا مجال للاجتهاد فيها. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مسألة الخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فهي عند الشيعة الإمامية وغيرهم من القضايا الأساسية التي أبرم الشارع حكمها بأدلة نصية قاطعة. ومن ثم فلا مجال للاجتهاد فيها. وهي عند سائر المسلمين من المسائل الجزئية التي تنبثق عن الرأي والتشاور والاجتهاد.

    غير أن حدود الخلاف، في هذه المسألة، تاريخية فيما أراه. وهي تنتهي عند الإمام الثاني عشر. إذ يلتقي الجميع هناك وإلى يومنا هذا، على كلمة سواء. هو اختيار الإمام أو الحاكم الصالح الذي يستطيع أن يدير أمور الأمة. وأعتقد أن في اعتماد ما يسمى بـ(ولاية الفقيه) ما يساهم في ردم ثغرات الخلاف ويدعم الجامع المشترك التي يلتقي عليه سائر المسلمين اليوم.

    من هو المجتهد؟

    قلنا إن المجتهد هو ذاك الذي يبذل ما يملك من الجهد لمعرفة حكم الله عز وجل، طبق ما تدلّ عليه مصادر الشريعة الإسلامية. ومن المعلوم أن بذل هذا الجهد الذي لابدَّ منه، لا يتأتى من الناس جميعاً، لما قد سبق بيانه من تفاوت الناس في القدرات الذهنية والملكات العلمية، وامتلاك أدوات المعرفة والاستنباط.

    إذن فقد كان لابدَّ من ضبط هذه القدرات، وبيان الأنواع المطلوبة من العلوم والمعارف، ثم بيان القدر المطلوب في مجال معرفتها. إذ إن وجود هذه القدرات ضمن أنواعها وحدودها التي لابدَّ منها، يفرض على صاحبها أن يستقل بالاجتهاد واستنباط الأحكام من مصادرها، ويحرم عليه تقليد الآخرين فيما انتهت إليه اجتهاداتهم.

    فما هي هذه الشروط العلمية التي إن توفرت تجعل من صاحبها مجتهداً يحرم عليه التقليد؟

    ألخّص بيان هذه الشروط، أخذاً مما ذكره الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الأحكام، بعد أن استعرضت هذه الشروط لدى بقية الباحثين من أئمة أصول الفقه، فلم أجد بينهم في ذلك خلافاً يذكر. وهي تلخص في الشروط التالية:

    أولاً: أن يكون المجتهد سليم العقيدة والسلوك، لم يتهم بمروق أو فسق أو تهاون في أداء أوامر الله عز وجل والدفاع عنها عندما يقتضي الأمر ذلك.

    ثانياً: أن يكون عالماً بمدارك الأحكام الشرعية وأقسامها وطرق إثباتها، ووجوه دلالات تلك المدارك على مدلولاتها، وأن يكون على بينة من اختلاف مراتبها، وأن يعلم القواعد التي يتم على أساسها الترجيح عند التعارض، وأن يعلم كيفية استثمار الأحكام من مصادرها. وأن يكون عالماً بالرواة وطرق الجرح والتعديل، وأنواع الحديث الصحيح منها والضعيف..

    ثالثاً: أن يكون متبصراً بأسباب النزول وبحقيقة النسخ وأماكنه والناسخ والمنسوخ في النصوص التي تتضمن الأحكام.

    رابعاً: أن يكون عالماً باللغة العربية وفنونها من نحو وصرف، وبلاغة، بحيث يميز بين دلالات الألفاظ من مطابقة وتضمن والتزام، وحقيقة ومجاز، ومشترك ومتواطئ، وترادف وتباين، واقتضاء وإشارة وعموم وخصوص وإطلاق وتقييد(9).

    أقول: ويتفاوت المطلوب من هذه المعارف والعلوم، حسب نوع الاجتهاد الذي يريد المجتهد أن يمارسه. فالاجتهاد في جزئية صغيرة، لا يتطلب ما يتطلبه الاجتهاد في كليات الأحكام الشرعية. والاجتهاد الذي يمارسه الفقيه ضمن قواعد مذهبه الفقهي الذي ينتمي إليه، لا يتطلب من الدقة في استيعاب الأحكام وتلك العلوم ما يتطلبه الاجتهاد المطلق الذي لا يتقيد صاحبه بمنهج اجتهادي سابق. وهذه الملاحظة تسلمنا إلى المسألة التالية وتفصيل القول فيها:

    أقسام الاجتهاد وواقعه إلى هذا اليوم:

    للاجتهاد تقسيمات من جوانب متعددة.

    فهو ينقسم، من حيث النظر في مناط الحكم (أي في متعلَّقه) إلى ما يسمى بالاجتهاد في تحقيق المناط وتخريج المناط وتنقيح المناط.. وينقسم من حيث النظر في أحكام الشريعة الإسلامية مجتمعةً ومتجزئةً إلى الاجتهاد الجزئي، أي في جزئية ومسألة واحدة من مسائل الشريعة الإسلامية، وإلى الاجتهاد فيما يعم سائر جزيئاتها وأحكامها.. وينقسم من حيث استقلال المجتهد بأصول الاجتهاد ومنهجه أو عدم استقلاله بها، إلى ما يسمونه اجتهاداً مطلقاً واجتهاداً في المذهب. وسأتحدث في كل من هذه الأقسام بالقدر الذي يسمح به هذا المجال.

    أولاً - من حيث النظر في مناط الحكم ومتعلّقه

    وهو يتفرع كما قلت إلى الأقسام التالية: أولها الاجتهاد في تحقيق المناط، وهو يعني تطبيق الأحكام الشرعية على وقائعها ومتعلقاتها، على صعيد العمل التنفيذي. مثال ذلك أن الله تعالى قال: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [الطلاق: 65/2] فجعل مناط قبول الشهادة العدالة. وقد أوضحت الشريعة معنى العدالة وحدودها. ويبقى تطبيق هذه الحدود على الأشخاص. وتلك هي وظيفة المكلف وواجبه عندما يريد أن يُشْهد على أمر من الأمور. ومثاله أيضاً أن الله جعل الفقراء من مستحقي الزكاة. وقد عرفنا معنى الفقر الذي عناه البيان الإلهي. وإنما بقي تطبيق صفة الفقر على الأشخاص الذين هم مناط هذا الحكم الرباني.

    ولا أعلم خلافاً في أن هذا الحد الأدنى من الاجتهاد، واجب على كل من تكاملت لديه أهلية التكليف، إذ هو اجتهاد يسير يقوى عليه كل ذي نظر وفكر(10).

    ثاني هذه الأقسام وثالثها: الاجتهاد في تخريج مناط الحكم والاجتهاد في تنقيح مناطه. والمراد بالأول منهما بذل الجهد لاستخراج علّة الحكم الشرعي في الواقعة المنصوص عليها، تمهيداً للقياس عليها بموجبها، كاستنباط علة جريان الربا في الأصناف الأربعة المنصوص عليها من المطعومات.. والمراد بالثاني منهما تشذيب ما علق بالعلة الشرعية، من صفات اتفاقية لا مدخل لها في علّة الحكم، كلون الخمرة وما قد يعلوها من فقاقيع وزبد.

    ومما لا ريب فيه أن هذين القسمين من الاجتهاد، يخضعان للشروط الاجتهادية العامة التي سبق ذكرها. وذلك عند من يأخذ بحجية القياس ويبني عليها الأحكام، وقد سبق بيان ذلك.

    ثانياً - من حيث التجزؤ وعدمه

    وبيانه أن الباحث قد يكون ذا ملكة علمية عامة، تخوله الاجتهاد في سائر الأحكام الفقهية، وقد يكون متخصصاً في دراسة بعض الأبواب أو المسائل دون غيرها، فيبلغ في تلك المسائل التي اهتم بدراستها درجة الاجتهاد، ولكن بقي دون تلك الرتبة فيما سواها.. فالأول إذن مجتهد في سائر الأحكام الفقهية أي فهو مجتهد كلي. والثاني مجتهد في بعض المسائل دون غيرها فهو إذن مجتهد جزئي. وهذا مقبول وممكن. إذ إن الشروط التي يجب أن تتوفر للاجتهاد، إنما تتعلق بالمسائل التي يريد الباحث أن يجتهد فيها، ذلك لأن العلم ليس حقيقة مترابطة غير قابلة للتجزؤ. بل العلم بكل مسألة منفصلة عن العلم بالمسائل الأخرى.

    ولكن مما لا ريب فيه أن جامعاً مشتركاً من الملكة العلمية العامة، يجب أن يكون متوافراً لدى كل من يريد أن يجتهد، كيفما كان اجتهاده، جزئياً أم كلياً. أي فليس معنى تجزؤ الاجتهاد إمكان أن ترى الرجل ضليعاً في مسألة فقهية واحدة، وجاهلاً جهالة مطبقة في المسائل الأخرى، بل إن مثل هذه المفارقة لا يمكن أن تتحقق بحال.

    ثالثاً - من حيث الإطلاق والانضباط بأصول أحد المذاهب

    والاجتهاد، من هذه الوجهة الثالثة ينقسم إلى ما يسمونه اجتهاداً مطلقاً، واجتهاداً في المذهب.

    فالأول هو أن يعتمد الباحث المجتهد على مداركه ومعلوماته الشخصية في استخراج أصول الاجتهاد العامة ومسالك الاستدلال، وأن يعتمد على ما يراه هو من قواعد تفسير النصوص، ودلائلها وأحكامها باجتهاد ذاتي منه... ويعدّ الأئمة الأربعة ومن على شاكلتهم في مقدمة من تمرسوا بهذه الصفات وتبوؤوا هذه الدرجة في الاجتهاد.

    والثاني هو أن يلتزم الباحث منهج أحد الأئمة، في أصول الاجتهاد ومسالك الاستدلال، ثم يبني على منهجه ما قد يستقلّ به من الاجتهاد في الأحكام الفقهية المختلفة. فهو مجتهد، ولكن ضمن خطة سبق أن وضعها أحد الأئمة من قبله. ومن هنا سمي مجتهداً في المذهب.

    إلا أن الذي تجدر ملاحظته في هذا الصدد. أن هذا التقسيم غير وارد عند الشيعة الإمامية. ذلك لأن النظر في أحكام الشريعة الإسلامية إما أن يكون عائداً إلى واحد من أئمة آل البيت السابقين، وإما أن يكون عائداً إلى من جاء بعدهم. فأما النظر في تلك الأحكام في عهود أولئك الأئمة، فهو لا يُعدّ اجتهاداً بالمعنى الذي ذكرناه، وإنما هو علم يرد من الله إلى عقول أولئك الأئمة. ومن ثم فهو غير قابل للخطأ والزيف. وأساس ذلك ما يتصفون به - في اعتقاد الإمامية - من العصمة. وهي وإن كانت دون مستوى النبوة المؤيدة بالوحي. فهي على كل حال كلاءة متميزة من الله تعالى لهم تحميهم من الوقوع في الأباطيل والأوهام... وأما النظر في الأحكام في العهود التي تلت من بعدُ، إلى يومنا هذا، فهو اجتهاد ولكنه غير خاضع للتقسيم إلى ما هو مطلق وما هو مقيد لعدم وجود المناخ الذي يستدعي ذلك زمنياً. وإذا أخذنا بالاعتبار الدّور الذي يقوم به اعتماد (ولاية الفقيه) فإن بوسعنا أن نعتبر الاجتهاد في هذا العصر محصوراً في هذه الهيئة العلمية المتميزة التي تحل بشكل مؤقت محلّ قيادة الإمام وتوجيهه.

    حجية الاجتهاد وقيمته الدينية

    إذا كان الاجتهاد واجباً دينياً كما أوضحت، فإن ما قد يؤدي إليه هذا الاجتهاد، يكون بالضرورة حكماً دينياً... وإنها لقضية منطقية شرطية تحمل برهانها في داخلها.

    وإنه لخطأ بيّن ذلك التصور الذي يقع تحت تأثيره بعض الكاتبين والباحثين في هذا العصر، إذ يفرقون بين ما يسمونه الشريعة الإسلامية، وما يعبرون عنه بالأحكام الفقهية الاجتهادية، ثم يحصرون سمة الدين وسلطانه فيما يسمونه الشريعة، وينفون هذه السمة عن سائر الأحكام الاجتهادية، بحجة أنها ليست إلا من إبداع المجتهدين وحصيلة أفكارهم البشرية.

    والحقيقة أن الدعوة الهائجة اليوم عند عشاق الحضارة الغربية إلى الاجتهاد وإعادة النظر في الأحكام الفقهية القائمة، ثمرة لهذا التصور الخاطئ والخطير.

    إنهم يتصورون أن أكثر الأحكام الفقهية المدونة في مصادرها ثمرة لاجتهاد علماء امتازوا بالدربة والمعرفة القانونية في عصورهم، وما أيسر أن تنسخ أفكارهم بأفكار أمثالهم من العلماء الذين جاؤوا على أعقابهم اليوم.. أي إن الاستهانة بالقيمة الدينية الكامنة في الأحكام الفقهية الاجتهادية، هي التي تحفز أصحاب هذه الاستهانة إلى الدعوة إلى ما يسمونه بتجديد الفقه الإسلامي عن طريق اجتهاد جديد.

    غير أنا إذا تأملنا في هذا التصور الذي يتضمن هذا التفريق المختلق بين الشريعة الإسلامية والأحكام الفقهية الاجتهادية، فإنا سنجد أن خضوعنا لما يسمّى بالشريعة الإسلامية يؤول إلى خضوع وهمي لشعار لا مضمون له.

    ذلك لأن جلّ أحكام الشريعة الإسلامية، أحكام اجتهادية مأخوذة من الدلائل الظنية للنصوص. فإذا كان المعنى الاجتهادي الذي فيها يسقط عنها القيمة الدينية، فقد عاد اسم الشريعة الإسلامية كحقيبة كبيرة أفرغت من كل ما فيها، يحملها صاحبها على كتفه، تحت وهم أنه يحمل فيها أمتعته وحوائجه!..

    وكم قرأنا لأناس يقدسون الشريعة الإسلامية كل التقديس، فلما قيل لهم عن الربا وحرمته أجابوا بأنه حكم اجتهادي منوط بظروف تبدلت وتطورت.. وإذا حدّثتهم عن عقوبة الزنى أو القاتل أو المرتد أو ذكرت لهم أحكام الذمة، أو فصلت لهم شيئاً من أحكام المرأة فيما يتعلق بلباسها وآدابها، هَوَّنوا من الأمر، وتحرروا من تبعات هذه الأحكام كلها بحجة أنها آراء اجتهادية!..

    وإن أحدنا ليسأل بحق: فماذا تعني الشريعة الإسلامية المقدسة الخالدة إذن؟!.. وما هي مضموناتها التي يتجلى فيها معنى خلودها وخضوعنا لسلطانها، إذا استثنينا بدهياتها المعروفة كأصل وجوب الصلاة والصوم والحج والزكاة...؟

    ونعود، فنردّ على هذا اللغو بتأكيد القضية المنطقية التي استقطبت إجماع علماء المسلمين، وهي أن الأحكام الاجتهادية التي جاءت نتيجة اجتهاد شرعي سليم توافرت فيه أصول الاجتهاد وشروطه، جزء لا يتجزأ من الدين. فهي إذن أحكام دينية يلزم بها صاحب الاجتهاد في حق نفسه أولاً، ثم يلزم بها كل من تقاصرت درجته العلمية عن الاجتهاد ثانياً.. ثم إن لم يجد أمامه إلا هذا الاجتهاد، فليس له عنه أي معدل. وأما إن تعدد المجتهدون من حوله وتعددت اجتهاداتهم في المسألة الواحدة، فعليه أن يختار منها ما تسكن إليه نفسه ويطمئن إليه قلبه. وإنما الحكم الديني في حقه، أن لا يخرج عن اتباع مجموع تلك الآراء الاجتهادية التي انتهى إليها أولئك المجتهدون.

    يدلّ على ذلك قول الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 16/43].

    فإن الأمر بسؤال أهل الذكر، وهم العلماء، إنما هو فرع عن الأمر باتباعهم، وهل الدّين إلا ما أمر الله عباده به؟

    ويدل عليه أيضاً ما تم الاتفاق عليه، من أن المجتهد إذا عاد فغير اجتهاده في مسألة واحدة، فإن اجتهاده اللاحق لا ينقض اجتهاده السابق في المسألة ذاتها، قال الأسنوي في شرحه على منهاج البيضاوي ((والاتفاق على أن الاجتهاد لا ينقض الاجتهاد))(11) وقال صاحب مسلّم الثبوت ((لا يُنقَضُ الحكم في الاجتهادات إذا لم يخالف قاطعاً، وإلاّ نقض هذا النقض باجتهاد لاحق، ويتسلسل..))(12).

    وجه الدلالة، أن الاجتهاد الذي توفرت شروطه ينزل منزلة النص في دلالته على الحكم الشرعي. فكما أن اتباع مدلول النص واجب ديني، فكذلك اتباع ما انتهى إليه النظر الاجتهادي في حق المجتهد ومقلده، واجب ديني. فإذا عرض له بعد ذلك اجتهاد آخر في المسألة ذاتها، وانتهى إلى ترجيح اجتهاد مخالف لما كان قد ظنه وارتآه، فإنما يكون ذلك كورود نص معارض للنص الذي قبله، ينسخه وينهي زمن العمل به، ولا يحمل أي دلالة على أنه كان خطأ أو باطلاً من أساسه. فالاجتهاد الثاني أيضاً لا سلطان له على الزمن الذي أبرم فيه الاجتهاد الأول، لأنه استظل بحكم ديني صحيح. وإنما ينبسط سلطانه على الزمن الثاني الذي ظهر فيه الاجتهاد الجديد، عن طريق النسخ والإنهاء فقط.

    ولم أجد إلى الآن ما يدلّ على مخالفة الشيعة أو الإباضية للجمهور في هذه المسألة.

    وأوضح شاهد على ذلك، هو أن كتب الفقه المقارن وكتب أحاديث الأحكام مع شروحها تفيض بذكر الآراء الاجتهادية للشيعة الإمامية والزيدية والإباضية المتفقة أو المخالفة لآراء المذاهب الأخرى. ومن البدهي أن أياً من أصحاب هذه المذاهب لا يجنح إلى ما رجحه اجتهاده، إلا لما يعتقد من دينيَّة ما انتهى إليه وغلب على ظنه أنه الحق بالنسبة إليه.

    غير أن في الناس اليوم من يثير الشبهات التالية حول حجية الاجتهاد ودينيَّته.

    أولاً: قولهم إن إثبات الصفة الدينية في الأحكام الاجتهادية يتعارض مع ما رواه مسلم في صحيحه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أرسل صحابياً على رأس سرية. فقال له فيما قال: وإذا أنزلت أهل حصن على حكمك، فلا تقل إنه حكم الله عز وجل، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله أم لا. ولكن أنزلهم على حكمك.

    والجواب عن هذا من وجهين:

    الوجه الأول: أن قضايا السلم والحرب وكل ما يتعلق بهما وينتج عنهما، لا يجوز أن يبت فيها إلا إمام المسلمين أو من قد ينيبه عنه، كما في هذا الحديث، وهذا معنى كونها داخلة في أحكام الإمامة. وقد علمنا أن الإمام مفوض في هذه القضايا أن يتخير أقرب ما يراه محققاً لمصلحة المسلمين.. ونظراً إلى أن ما يتخيره الإمام أو نائبه من ذلك، قد لا يصيب الأوفق والأصلح (كاختياره صلى الله عليه وسلم افتداء الأسرى على قتلهم في غزوة بدر) فقد كان من مقتضى الحيطة والأدب مع الله عز وجل أن ينسب الإمام أو نائبه ما يراه من الاجتهادات في أحكام الإمامة إلى نفسه، ولا ينسبه إلى الله عز وجل تحسباً لهذا الاحتمال.

    غير أن هذه الحيطة، لا تجعل الناس في حل من اتباع الإمام فيما قضى به من أحكام الإمامة. بل يجب عليهم بإيجاب الله تعالى الانقياد لما قضى به وإطاعته فيما ألزمهم به من ذلك.

    الوجه الثاني: أن من مقتضى الأدب مع الله تعالى في سائر الأحكام الاجتهادية، أن ينسب المجتهد ما انتهى إليه بعد النظر والتمحيص، إلى فهمه واجتهاده، لاحتمال أن يكون مخطئاً.

    غير أن هذا الاحتمال لا يعفيه من ضرورة اتباع ما هداه إليه اجتهاده، كما لا يعفي الذي يستفتيه من وجوب اتباعه في هذا الذي أفتاه به. بل إن كلاً منهما يجب أن يدين باتباعه والانقياد له.

    ثانياً: يقول بعضهم إن ثبوت القيمة الدينية للشيء إنما يترتب على يقين اعتقادي بذلك. واليقين الاعتقادي لا يتوافر إلا حيث تقوم أدلة ثابتة ثبوتاً قطيعاً. والأحكام الاجتهادية مظنونة دائماً. فكيف يترتب الحكم اليقيني الذي هو أساس القيمة الدينية، على مسائل وتصورات ظنية؟

    والجواب أن القيمة الدينية الثابتة يقيناً، آتية من الدليل الشرعي اليقيني، على أن العمل بالأحكام الاجتهادية في حق أصحاب الاجتهاد ومقلديهم، واجب لا مناص منه، وليست آتية من جهة الدلالة الظنية التي أورثت الحكم الاجتهادي المظنون، فالجهة بين هذين الأمرين كما ترون منفكّة. ورب مسألة كان الدليل عليها ظنياً، ولكن ثبت وجوب العمل بها بدليل قطعي.. وإن من أجلى الأمثلة على ذلك، دلالة خبر الواحد في نطاق الأحكام العملية، فإن مدلوله يغلب أن يكون ظنياً، إلا أن الأدلة الصحيحة قد تواردت وتواترت على وجوب العمل بمقتضى هذه الأخبار(13).

    ثالثاً: وربما قال قائلهم إن إعطاء الحكم الاجتهادي قيمة دينية ثابتة، يستلزم الجنوح إلى رأي المصوّبة، وهم الذين يرون أن الحق في المسألة الواحدة يتعدد بتعدد المجتهدين، وأنهم كلهم، بناء على ذلك، مصيبون. ومن المعلوم أن الراجح هو أن الحق في علم الله وحكمه واحد، وأن المجتهد قد يصادفه وقد لا يصادفه، وهو ما صرح به رسول الله في الحديث الصحيح.

    والجواب عن هذه الشبهة. أن هذه المسألة ليست مما نحن بصدده في شيء. فإن البحث في وحدانية الحق أو تعدده في علم الله شيء، وإلزام الله عباده باتباع ما غلب على ظنونهم أنه الحق، في الأحكام العملية، شيء آخر، وليس بينهما أي تلازم.

    فإن القبلة التي أمر الله عباده بالتوجه إليها في صلاتهم واحدة في واقع الأمر وأصله. ولكن الله عز وجل لم يلزم عباده البعيدين عن الكعبة بأكثر من التوجه إلى الجهة التي غلب على ظنهم أن القبلة فيها. حتى وإن تغير ظن المصلي في أثناء صلاته، بحيث اقتضى ذلك أن يتحول في كل ركعة من صلاته، إلى جهة أخرى، بل ذلك هو واجبه الديني، لا يملك غيره(14).

    وهكذا، فإن الله عز وجل نزّل ما هدى المجتهدين اجتهادهم إليه، منزلة الحق الثابت في علمه، تجاوزاً منه وفضلاً. فكان ذلك في حقهم هو الدين الذين يجب اتباعه.

    هذا كله، إذا أخذنا برأي القائلين بأن الحق في أحكام الشريعة واحد، وبأن المجتهد إما مصيب أو مخطئ. أما إذا جنحنا إلى رأي المصوّبة، ومنهم الإمام الغزالي والباقلاني وإمام الحرمين، وآخرون، فلا إشكال أصلاً.

    والخلاصة التي لا أحسب أنها تغيب عن بال أي باحث متدبر، هي أن الاجتهاد في معرفة أحكام الدين واستنباطها من مصادرها، واجب ديني كما قد عرفنا وتبين لنا في أول هذا البحث.

    إذن فالنتائج التي تنبثق عن الاجتهاد لابدّ أن تكون أحكاماً دينية. وإلاَّ لوقع التشاكس بين المقدمة والنتيجة، وهذا ما لا يعقل نسبته إلى الدين الحق.

    متى يبطل الاجتهاد السابق حكم الاجتهاد اللاحق؟

    قلت إن الاجتهاد اللاحق لا ينقض الاجتهاد السابق في المسألة ذاتها، بل إن لكل منهما مشروعيته في ميقاته.

    ولكن ربما تكون من الاجتهاد السابق إجماع ضمني يتعلق بجزء مما قد تعلق به ذلك الاجتهاد، ففي هذه الحالة يبطل كل اجتهاد لاحق يتعارض مع الجزء الاجتهادي السابق الذي ارتقى إلى درجة الإجماع.

    مثاله أن يختلف المجتهدون في عصر سابق، في مسألة ما، إلى رأيين، ولكن يوجد بين الرأيين جامع مشترك هو محلّ اتفاق من أصحاب الرأيين. ففي هذه الحالة لا يصح الاجتهاد اللاحق إن خالف هذا الجامع المشترك. لأنه يعدّ مصادرة لحكم تم عليه الإجماع.

    ومن أقرب التطبيقات الفقهية لذلك، اختلاف الأئمة في ميراث الجدّ مع الإخوة، فإنهم اختلفوا فقال بعضهم: المال كله للجدّ، وقال بعضهم: بل المال بينهما. فقد اتفق القولان إذن على أن للجدّ في كل الأحوال شيئاً من المال. فاجتهاد من جاء لاحقاً بقول ثالث، وهو حرمان الجد وإعطاء اللمال كله للأخ، اجتهاد مخالف للإجماع السابق الذي انبثق من الرأيين السابقين. ومن ثم فهو اجتهاد باطل ومردود.

    وتبين من هذا أن القول الثالث الذي جاء به اجتهاد لاحق، يكون شرعياً ومقبولاً إذا لم يعارض شيئاً متفقاً عليه في السابق، مثاله: أن يرى بعضهم جواز أكل الذبيحة متروكة التسمية سواء كان ذلك عمداً أو نسياناً، في حين يرى بعضهم أنه لا يجوز أكلها إن كان ترك التسمية عمداً.

    فإذا جاء من بعدُ، من اجتهد في الأمر، فرأى أن متروك التسمية لا تؤكل سواء تركت التسمية عمداً أو سهواً، فإن هذا القول الثالث لا يصادم شيئاً متفقاً عليه لدى أصحاب الرأيين السابقين.

    هذا ما ذهب إليه جمهور الأصوليين: الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة(15).

    ولم أعثر في هذه المسألة على خلاف للإباضية أو الشيعة لهذا الذي ذهب إليه الجمهور. هذا مع العلم بأن الإجماع المعتدّ به عند الشيعة الإمامية هو إجماع آل البيت.

    أخيراً، هل أغلق باب الاجتهاد؟

    هنالك من قال من العلماء: إن باب الاجتهاد قد أغلق فعلاً منذ أواسط القرن الرابع، وقد عادت مهمة الفقهاء مجرد ترجيح بين الأقوال أو تخريج عليها.. وفيهم من قال: بل إن باب الاجتهاد لم يغلق ولا يملك أن يغلقه أحد، ولكن تقاصرت الهمم وتراجعت العلوم الفقهية، وفيهم من قال: إن الاجتهاد لم يغلق بابه والعلماء لم تتقاصر همههم ولا تناقصت علومهم. ولكن أدركتهم الرهبة وخانتهم الجرأة فلم يقتحموا إليه كما فعل من قبلهم.

    فما هو الحق في هذه المسألة؟ وما هو واجب المسلمين اليوم؟

    لعل الجواب الذي يتفق مع المنطق وتسكن إليه النفس، ما قاله الشيخ محمد نور الحسن رحمه الله في بحث ألقاه في المؤتمر الأول لمجمع البحوث الإسلامية في القاهرة. قال:

    ((الذي يظهر لي أن النزاع في أن باب الاجتهاد أغلق أم لم يغلق، لا طائل منه، إذ لم يتوارد فيه السلب والإيجاب على مورد واحد. ولذا فإن أصحاب كل من الرأيين على حق، بالنظر إلى المعنى الذي يتصورونه ويرمون إليه.

    فالاجتهاد قد أغلق بابه فعلاً مع بداية القرن الرابع، إذا كان مقصوده الاجتهاد المطلق الذي يبدأ أصحابه بوضع الأسس الاجتهادية، واعتماد أصول الاستدلال، والاجتهاد لم يغلق بابه، بل هو مستمر إلى يومنا هذا، إن أريد به استعمال هذه الأسس والقواعد الثابتة، في استخراج الأحكام من مصادرها الشرعية، وفي مواصلة الاجتهاد في كل ما يجد من القضايا والأحكام)).

    أعتقد أن بوسعي أن أزيد هذا الكلام الدقيق إيضاحاً، من خلال بيان ما يلي:

    إن الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ليس عملاً إبداعياً طليقاً، كالذي نعرفه في نطاق البحوث المتعلقة بكثير من المعارف والأفكار الإنسانية الأخرى.. وإنما هو اتجاه مرسوم، والتزام بمنهج محدد. إذ هو ليس أكثر من البحث عن حكم الله الذي خاطب وألزم به عباده في كتابه أو أوحي به وحياً غير متلو إلى نبيه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. كل ذلك استناداً إلى سبل ووسائل علمية محددة، لا مجال لأحد من الناس، مهما كان شأنه أن يتجاوزها أو يتحرر منها.. إذن فالساحة الاجتهادية أمام الباحثين محددة ضمن قواعد وأصول ثابتة معينة في تفسير النصوص والقياس عليها.

    وقد كان لحسن حظ العلماء الذين جاؤوا في القرن الرابع فما بعد، أنهم نظروا إلى العلماء الذين سبقوهم، وإذا هم قد ا ستخرجوا أصول الاجتهاد وقواعد الاستنباط، واتفقوا على ما لا مجال فيه للاختلاف من تلك القواعد والأصول، وتقاسموا وجوه الرأي في كل ما فيه متسع للرأي والخلاف ثم تأمل هؤلاء المتأخرون في جزئيات الأحكام الفقهية، فرأوا أنه ما من مذهب اجتهادي يمكن أن يلوح لهم في فهم نص أو استنباط حكم، إلا وسبقهم إلى القول به واحد من أولئك السابقين!..

    وهكذا، فقد رأوا أن الساحة الاجتهادية المطلقة محجوزة كلها عنهم باجتهادات من سبقهم. لا لأن أولئك السابقين كانوا أكثر منهم تعمقاً وعلماً، ولكن لأن الساحة كما قلت محدودة، ولأن احتمالات وجوه فهم النصوص هي الأخرى محصورة ومتناهية، فبأي طاقة أو مرونة اجتهادية يتمكن هؤلاء من إبداع اجتهادات جديدة في مسألة ما، مما سبق النظر والاجتهاد فيه؟ وبأي وسيلة اجتهادية مشروعة يصلون إلى اختراع قواعد ومناهج جديدة للاجتهاد وفهم النصوص، لم يُسْبَقُوا إليها؟ كيف يتسنى لهم ذلك إذا كانت الاحتمالات الممكنة والواردة كلها قد سُبِق إليها، وسُدَّت أو عولجت بدراسات اجتهادية سابقة؟

    ومن هنا نعلم أن شيئاً آخر غير العبقرية العلمية، لعب دوراً كبيراً في رفع أولئك الأئمة الذين كانوا في الصدر الأول من تاريخ التشريع الإسلامي، إلى مركز الصدارة في الميدان الاجتهادي، ألا وهو فراغ المجال الاجتهادي أمامهم، بحيث إن أي إنجاز علمي يتجلّى فيه، لابدَّ أن يأخذ الشكل الإبداعي، وأن يسمى بالاجتهاد المطلق.

    فهذا هو الذي أظهر أسبقية أولئك في مظهر المبدعين للاجتهاد ومناهجه، وأظهر هؤلاء المتأخرين، شاؤوا أم أبوا، في مظهر المقلدين والتابعين، حتى وإن كانوا في واقع الأمر مستقلين بالنظر والبحث.

    وقد نقل الزركشي عن القفال الشاشي أنه كان إذا استُفْتِي أجاب السائل، ثم قال له: لست مقلّداً للشافعي، ولكن وافق رأيي رأيه!.. وكذلك ابن دقيق العيد والعز بن عبد السلام (من أعيان القرن السابع) فقد كان كل منهما يجتهد فيما يُستفْتَى فيه، إلا أنه يجد نفسه مع ذلك غير خارج عن مذهب إمامه..

    إذن فإن ما كان يبدو في النشاطات العلمية لعلماء القرن الرابع فما بعد، من مظهر التقيد بمنهج من قد سبقهم، لم يكن عن تقليد وابتعاد منهم عن الاجتهاد، بل لم يكن لهم منه بدٌّ ولا مناص. لهذا السبب الذي ربما أطلت في بيانه.

    * * *

    أخيراً ما الذي نأخذه من هذا الكلام كله لعصرنا الذي نحن فيه؟

    نأخذ منه ما يلي:

    أولاً: باب الاجتهاد مفتوح ولا يمكن أن يغلقه أحد.. ولكن له شروطه وضوابطه، ولا يجوز أن يتلاعب بها أحد.

    ثانياً: لا معنى للتطلع إلى ما يسمى (الاجتهاد المطلق) إذ لا معنى ولا مبرر لاطّراح قواعد الاستنباط وتفسير النصوص، لمجرد أنها قديمة الاكتشاف، وأن غيرنا من العلماء قد سبق إلى معرفتها والعمل بها فاكتسب بذلك اسم (المجتهد المطلق). الشأن في ذلك كشأن الذين اكتشفوا من قبلنا قواعد اللغة العربية تماماً.

    ثالثاً: إن دراسة المشكلات والأوضاع الحديثة يجب دراستها دراسة اجتهادية بجدّ وإخلاص، وهي تدخل بدون ريب في صميم واجباتنا وحياتنا الإسلامية، ومن الخير الاستنجاد بـ(الاجتهاد الجماعي) كلما اشتدت المشكلة وتغلبت عوامل الالتباس والتشابه.

    رابعاً: إن الكلمة الجامعة التي ينبغي أن تلتقي عليها المذاهب الإسلامية في هذا العصر بصدد مسألة الاجتهاد، هي: أن المسالك الاجتهادية إنما هي السبل المؤدية إلى معرفة الغوامض من أحكام الله وأوامره للانضباط بها والتحرك داخل ساحتها، وليست، كما يجب أن يراها بعضهم اليوم، سبلاً للتسلل والفرار من خلالها، من ضوابط الشرع وقيوده، والابتعاد عن فلك الدين والتحرر من جاذبيته.

    والميزان الذي به يمكن أن ندرك هذه الحقيقة ونتذوقها، هو القاعدة التي لا شذوذ فيها ولا ريب والقائلة:

    إن الإسلام الحضاري الذي يثير دهشة وإعجاب كثير من الناس، لا يمكن أن ينهض إلا على أساس راسخ من الإسلام التديّني!.. وإن كلاً من الماضي البعيد، والحاضر الذي نتقلب فيه، لأكبر شاهد على ذلك.

    والحمد لله رب العالمين.
     

مشاركة هذه الصفحة