التضاد بين العقيدة و العمل

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 456   الردود : 0    ‏2004-04-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-29
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    عن عبدالله بن عمر قال: سمعت رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: اِنما هو خير يرجى، اَو شر يتقى، اَو باطل عرف فاجتنب، اَو حق يتعين فطلب، و آخرة اَظل اِقبالها فسعى لها، و دنيا عرف نفادها فأعرض عنها... اِن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء، و هو يسعى لدار الفناء، و عرف اَن رضى الله في طاعته، و هو يسعى في مخالفته.(1)

    الشرح:

    تشتمل عبارات الحديث على نوع من التعقيد، لكن يبدو أن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) ذكر اِبتداءا مضمون الدنيا، ثم تطرق اِلى تضاد عمل الانسان مع عقيدته، على أن مشكلة الناس ليست عدم المعرفة، بل التقصير في العمل. اَما مصادر الدنيا فانها حسنة اَؤ سيئة، اِن كانت حسنة كان من الاولى على الانسان اَن يطلبها، و اِن كانت سيئة فالحري بالانسان اَن يجتنبها; بعبارة أخرى فان هنالك سلسلة من الحقائق المعروفة و المعينة التي يجب على الانسان التعرف عليها و الاعتقاد بها، و ينتبه اِلى اَن الاخرة على الابواب و ان الانسان على أعتابها و عليه اَن يبذل قصارى جهده من اَجل نيل سعادة الاخرة و الفوز بر ضوان الله.

    فالكل يعرف تفاهة الدنيا و انها لم تف لأحد، حتى و صفتها الرواية بالعجوز الشمطاء التي قتلت الالاف ممن تزوجها.(2) و عليه فلابد من الابتعاد عنها. و بالطبع فاننا غالباً ما نلقى بتبعة ذنوبنا على الجهل دون الاذعان بالتقصير، و لاتتكرر أن الجهل لا يسبب الانحراف فان اَغلب القبائح و الفواحش انما يفرزها الجهل، الا اِننا اِذ عدنا اِلى اَنفسنا لرأينا ان تقصيرنا هو سبب تلك الذنوب و المعاصي.

    فقد سمع الامام علي(عليه السلام) حين سمع رجلا يذم الدنيا فقال له: أيها الذام للدنيا، المغتر بغرورها، المخدوع بأباطيلها! أتغتر بالدنيا ثم تذمها؟ أنت المتجرم عليها، اَم هي المتجرمة عليك؟ متى استهوتك، أم متى غرتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، و كم مرضت بيديك تبتغي لهم الشفاء، و تستوصف لهم الاطباء.(3) ثم قال(عليه السلام): «...فكفى واعظا بموتى عاينتوموهم، حملوا اِلى قبورهم غير راكبين، و انزلوا فيها غير نازلين...».(4) عليك بالتجول فصل الخريف في الحدائق و البسانين لترى بعين العبرة كيف ذبلت و مماتت، فقد كانت غنّاء في فصل الربيع و قد تفتحت براعمها و تدفقت مياهها و امتلأت بزقزقة العصافير و تغريد البلابل و الطيور، و هذه هي حال الدنيا، فهي لاتدوم سوى لا شهر أو سنوات قد لاتناهز الستين، فأين مواضع الغرور و الخداع فيها، الانسان هو الذي يخدع نفسه ثم يحمل الدنيا مسؤولية خداعه في مقارفة الذنوب.

    و من هنا ورد الحث على زيارة القبور ولو مرة واحدة لكل أسبوع لنوقن بان دارنا الاخيرة هناك. حتى صرحت بعض الروايات بان من فوائد زيارة القبور الذهاب يالهم و الغم، فهمو منا و غمو منا ليست معنوية، اننا نغتم لم لم نحصل على المقام الفلاني؟ لم لا أمتلك دارا؟





    فاذا زرنا القبور هدأ روعنا و اِطمأنت أنفسنا اِلى اَن المثوى الاخير هو هذه الحفرة. فاذا وصلت المقبرة و رأيت قبور أقربانك و اصدقائك اَيقنت بانك مجاورهم لا محالة، و من البلاهة التأثر بما يردده عوام الناس من قبيل: لا سامح الله: و عميت عين الشيطان و أبعد الله ذلك اليوم. فليس في الموت من مزاح، و الكل يقربان الموت قادم لا محالة و هناك ساعة لا يمكن تحظيها. و ما أروع ما قال اَميرالمؤمنين(عليه السلام) على فراش الموت حين خاطب من حواله: «اَنا بالامس صاحبكم و انا اليوم عبرة لكم و غدا مفارقكم...».(5)

    فهل من مسوغ بعد هذا لارتكاب الذنب و تجاوز الحق؟ فتعال لنصلح أنفسنا و أعمالنا و لا نبيع آخرتنا الباقية بدنيانا الفانية.

    التضاد بين العمل و العقيدة

    من العجيب اَن يكون هناك تضاد بين عمل الانسان و اِعتقاده، أي أنه يؤمن بشىء و يعمل على خلافه. قطعا هنالك الاسباب التي تودي اِلى هذا التناقض، فالاعتقاد يؤثر على العمل و بالعكس. و الفارق بين الانسان و الحيوان هو وجود الدوافع الفكرية للاول و الغريزية للثاني; أي اِنه يفكر ثم يعمل على ضوء تشخيصه لمصالح و مفاسد العمل الذي يريد اَ يقوم به، مع ذلك فما اَكثر تناقض الفكر مع العمل. و الخلاصة لابد من تحري جذور هذا التناقض. و نموذج ذلك ما اَورده الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم): «اِن العجب كل العجب لمن صدق بدار البقاء، و هو يسعى لدار الفتاء، و عرف اَن رضى الله في طاعته، و هو يسعى في مخالفته».







    يبدو ان هذا التناقض يستند اِلى عدة عناصر من الناحية النفسية:

    1- ضعف الايمان:

    فضعف العقيدة و الايمان يقترن بالشك; و يفيد هذا الشك ضعف الايمان القلبي; الامر الذي يؤثر مباشرة في العمل، فالعمل هو اِنعكاس لباطن الانسان. فانك اِذا علمت اَن النار محرقة فمن المحال اَن تقرب يدك منها. ولو كان لك مثل هذا العلم و الايمان و الاعتقاد بكلام الله لاستحال التضاد بين عملك. و اِعتقادك: «اِن الذين يأكلون اَموال اليتامى ظلما انما ياكلون في بطونهم نارا و سيصلون سعيرا».(6) و عليه لابد من ترسيخ الاعتقاد للنجاة من هذه المصيبة التي تتمثل بتناقض العلم مع الايمان.

    2- الشهوات:

    قد يتحلى الفرد بالايمان، الا ان شهواته قد تتغلب على اِيمانه، و عليه فليس هنالك من سبيل سوى كبح جماح هذه الشهوات عن طريق ترويض النفس، و تأمل سيرة العلماء و الاولياء و التمعن في الايات و الروايات.

    3- الغفلة:

    قد يكون الفرد مؤمنا لا يستجيب للشهوات و يتغلب عليها، الا انه غافل قد يلقى نفسه بالنار و يعمل ما يضر بشخصه و مصالحه، بحيث تسحره الدنيا بزخرفها فتجعله غافلا عن اَبسط ما يحيط به. أما علاج الغفلة فيكمن في التفكير و التأمل، فيقوم الانسان ولو لفترات بالتفكير في الاحداث و الوقائع و لا سيما حين يخلد اِلى النوم فيتأمل نفسه ماذا فعل، اَين ذهب، من اَين جاء، اِلى اَين سيذهب، ما غاية وجوده، هل حقق غرضه من الوجود، و الخلاصة لابد من اِجالة الفكر الذي يخترق حجب الغفلة.

    على كل حال فان هذه العوامل هي التي تجعل الافراد يتناقضون في عملهم و عقيدتهم، على سبيل المثال هناك بعض الافراد الذين يعرفون خطر المخدرات، مع ذلك فهم يقولون: ماذا نفعل فلا يسعنا أن نملك أنفسنا; لقد فقدنا السيطرة على أنفسنا. و بناءا على ما تقدم لا بد من تقوية دعائم الايمان من جانب و الفكر و التأمل الجاد في هذا الأمر من جانب آخر، و تقوية دعائم الايمان اِنما تتأتى من خلال كثرة المطالعة و العمل الصالح و كبح جماح الشهوات. و لا شك ان العمل الصالح يجعل ايمان الفرد قويا راسخا و يضيىء قلب الانسان بنور الهدى و الحق.
     

مشاركة هذه الصفحة