[ منقول] اغتيال الحلم عبر التاريخ الإسلامي

الكاتب : جنوبي   المشاهدات : 452   الردود : 0    ‏2004-04-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-27
  1. جنوبي

    جنوبي عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2004-01-06
    المشاركات:
    691
    الإعجاب :
    0
    --------------------------------------------------------------------------------

    اغتيال الحلم عبر التاريخ الإسلامي



    تقارير رئيسية :عام :الأحد 28 صفر 1425هـ - 18 أبريل 2004م



    مفكرة الإسلام : في خضم الأحزان التي تعيشها الأمة الإسلامية المكلومة بمقتل الدكتور عبد العزيز الرنتيسي ؛ قائد المرابطين في الأرض الطيبة المباركة .. سرنا عبر التاريخ الإسلامي الكبير , ولاحظنا من خلاله أن اغتيال الحلم الإسلامي عبر زعماء المسلمين وقيادتهم كان ديدن أعداء هذا الدين بغية استئصال شأفته أو تعطيل مسيرته الناهضة .. لم يكن الدكتور الرنتيسي أول من قتلوا غيلة من قبل أعداء هذا الدين ولن يكون الأخير .. كوكبة العظماء كبيرة , شهداء الأمة من قياداتها كثر , أعداؤها عديدون ؛ تآمروا من شتى الملل والنحل حتى يوقفوا مسيرة العبودية لله الواحد القهار طمعا في استرداد أمجاد فارغة جاء الإسلام فأبطل زورها وبغيها.

    كان اغتيال الرنتيسي بلا ريب جريمة كبيرة ومن قبله كان شيخ المجاهدين أحمد ياسين لكنهما لم تكونا بدعا من الجرائم النكراء , فتاريخ الأمة ذاخر بهذه البلايا التي أرادت اغتيال حلم الأمة الإسلامية .. فرق أرادت أن تمحونا من التاريخ فأثبت الله عدوانها وبغيها لتظل الأمة على حذر منها , ويظل الإسلام أقوى من كل نحلة وأمضى من كل خنجر غدر.

    والكيد دائم ومستمر , ويلاحقه قول الحق جل في علاه 'يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون'.

    وفي هذه الدراسة التي بين أيديكم نجول في صفحات التاريخ , لنبين أن الحادثة قديمة/جديدة وأن العدوان على الرموز مستمر منذ فجر هذه الدعوة السمحاء , وانبلاج هذه الشريعة الغراء , وان الذي أقام هذه الأمة بعد اغتيال قادتها لقادر عن أن يعيد لنا الأمر من جديد ونحن نمر بهذا المنعرج الخطير من حاضر هذه الأمة ومستقبلها , إذ لا يعرف الحاضر ويستشرف المستقبل من ذهل عن تاريخه الماجد.

    دراستنا هذه نتكلم فيها عن عرض تاريخي لخاتمة ونهاية العديد من القادة الربانيين على يد أعداء الإسلام والحاقدين من أصحاب الأهواء والمصالح الدنيوية الزائلة فيما يمثل اغتيالاً لحلم هذه الأمة بالتقدم واستعادة مركزها الطبيعي في قيادة البشرية وسيادة الأمم, فإن الناظر بعين الاعتبار لمصارع هؤلاء القادة العظام يعلم علم اليقين أن ما جرى لهم إنما يقع في إطار مخطط عالمي للقضاء على الإسلام وأهله، حتى إننا لنلمح ذلك جليًا من كلامهم وتكاتفهم على اختلاف أهوائهم ضد أحلام المسلمين.

    صرح المستشرق البريطاني 'مونتجمري وات' في حديث له بجريدة التايمز اللندنية فقال: 'إذا وجد القائد المناسب الذي يتكلم الكلام المناسب عن الإسلام فإن من الممكن لهذا الدين أن يظهر كإحدى القوى السياسية العظمى في العالم مرة أخرى'.

    وفي ورقه الغزو الفكري التي وضع لبنتها الأولى الملك الفرنسي لويس التاسع بعد هزيمته النكراء على يد المسلمين أوصى فيها 'عدم تمكين البلاد الإسلامية من أن يقوم بها حاكم صالح' وأوصى أيضًا 'بالعمل على إفساد أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية بالرشوة والفساد والنساء حتى تنفصل القاعدة عن القمة'.

    وقال المستشرق الصهيوني 'برنارد لويس' تحت عنوان 'عودة الإسلام': 'إن غياب القيادة العصرية المثقفة, القيادة التي تخدم الإسلام بما يقتضيه العصر من علم وتنظيم, إن غياب هذه القيادة قد قيدت حركة الإسلام كقوة منتصرة, ومنع غياب هذه القيادات الحركات الإسلامية من أن تكون منافسًا خطيرًا على السلطة في العالم الإسلامي, لكن هذه الحركات يمكن أن تتحول إلى قوى سياسية هائلة إذا تهيأ لها هذا النوع من القيادة'.

    وهاكم لمحات من خاتمة بعض هؤلاء القادة الربانيين... وعند السرد يتضح الخبر.

    الخليفة أبو بكر الصديق:

    ربما يتعجب الكثيرون عندما يعرفون أن أبا بكر الصديق قد مات مسمومًا؛ ذلك لأن المشهور عندهم أنه مات بالحمى, ولكن الرواية الصحيحة التي رواها ابن سعد والحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أنه قال: 'أن أبا بكر والحارث بن كلدة ـ طبيب العرب ـ كانا يأكلان خزيرة ـ نوع من الطعام المطبوخ يقطع فيه اللحم والدقيق ـ أهديت إليه من قبل اليهود, فقال الحارث لأبي بكر: ارفع يدك يا خليفة رسول الله, والله إن فيها لسم سنة وأنا وأنت نموت في يوم واحد, فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا في يوم واحد عند انقضاء السنة'. وتعضد تلك الرواية رواية أخرى عند الحاكم أيضًا بسند صحيح أن الإمام الشعبي قال: 'ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدَّنيَّة وقد سُمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُمَّ أبو بكر؟ والجاني هنا هم اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة.

    الخليفة عمر بن الخطاب:

    وقصة قتله شهيرة ومعروفة للجميع, ولكن غير المعلوم لمعظم الناس أن قتله رضي الله عنه كان مؤامرة عالمية اشترك فيها فريق من أعداء الإسلام على اختلاف أهوائهم, فلم يكن أبو لؤلؤة المجوسي وحده الجاني, بل كان معه جناة آخرون ورد ذكرهم في روايات الطبري وغيره, فأغفل الناس ذكرهم وركزوا جل اهتمامهم للمجوسي اللعين, فبعد جناية اغتيال الفاروق عمر تقدم الصحابي الجليل عبد الرحمن بن أبي بكر وشهد أنه قد رأى كلاً من 'الهرمزان' وكان ملكًا على منطقة الأهواز التي فتحها المسلمون أيام عمر ووقع الهرمزان أسيرًا فاستبقاه عمر بالمدينة, وتظاهر الهرمزان بالإسلام وشك الناس في نفاقه, ورأى معه 'جفينة' النصراني من نصارى الحيرة أرسله سعد بن أبي وقاص ليعلم الصبيان بالمدينة, وكان معهما المجوسي اللعين أبو لؤلؤة المجوسي, وكان الثلاثة يتسارون فلما اقترب منهم عبد الرحمن بن أبي بكر ارتبكوا ثم سقط منهم خنجرًا له نصلين, وشهد عبد الرحمن أنه نفس الخنجر الذي طعن به الفاروق عمر.

    والخلاصة أن قتل عمر كان مؤامرة اشترك فيها المشركون والنصارى والمنافقون ولربما اليهود أيضًا.

    الخليفة عثمان بن عفان:

    يعتبر قتل الخليفة عثمان أول فتنة وقعت في الأمة الإسلامية وأول سيف يسلط على دماء المسلمين, وأعقبها فتنًا كثيرة وصراعات بين المسلمين ظلت آثارها السيئة ممتدة مئات السنين, ولكن الثوار الأغبياء السفهاء تحركوا وخرجوا بفعل الدعايات والوشايات الباطلة التي روجها اليهودي الخبيث المنتسب للإسلام زورًا 'ابن سبأ' اليهودي اليمني الصنعاني المشهور بابن السوداء, الذي استغل طمع الطامعين وحقد الحاقدين وطلاب المناصب, ونسج من أهوائهم مخططًا شيطانيًا كانت ثمرته المفتنة مقتل الخليفة عثمان واختلاف الأمة من بعده يقتل بعضهم بعضًا.

    والخلاصة أن قتل عثمان كان عبارة عن مؤامرة تم تنفيذها على أيدي الحاقدين والجهلة السفهاء بتدبير شيطاني من اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة.

    الخليفة علي بن أبي طالب:

    كان مقتل علي بن أبي طالب ثمرة من ثمرات الفتنة المشئومة التي عصفت بالأمة الإسلامية بعد مقتل عثمان وما جرى من قتال بالجمل وصفين حيث أفرزت تلك الفتنة ظاهرة وفرقة الخوارج التي تنبأ بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم, وكانت أول فرقة منحرفة تظهر في دين الإسلام وتتصف بالغلو والتنطع والتشدد في الدين مع الجهل التام بهذا الدين مما دفعهم لاستحلال أموال ودماء المسلمين وزاد الشيطان في إضلالهم حتى كفَّروا جماهير الصحابة وعلى رأسهم عثمان وعلي رضي الله عنهما, وكان قادة تلك الفرقة من الثائرين الأغبياء على عثمان من قبل، واستطاع علي وجنده أن يسحقوا تلك الطائفة في معركة النهروان سنة 38هـ مما أشعل النار في قلوب الحاقدين الجهلة حتى عملوا على قتل الخليفة علي بن أبي طالب وتم لهم ذلك على يد أشقاهم عبد الرحمن بن ملجم سنة 40هـ.

    الخليفة عمر بن عبد العزيز:

    كان عهد عمر بن عبد العزيز إيذانًا بانقلاب إسلامي جديد وبعث بعثه الله عز وجل ليجدد لهذه الأمة أمر دينها بعدما أوشك على الاندراس على رأس مائة سنة كما صح بذلك الحديث, وكان الناس وقتها على دين ملوكهم فكان الوليد بن عبد الملك يحب العمران والبناء والتشييد فكان الرجل يلقى أخاه فيسأله هل بنيت اليوم شيئًا؟ هل عمرت شيئًا؟ وكان سليمان بن عبد الملك يحب النكاح والطعام فيقول الرجل لأخيه: هل تزوجت؟ هل أولمت؟ فلما جاء عهد عمر بن عبد العزيز كان الرجل يلقى أخاه فيقول له: هل صمت اليوم؟ بكم تصدقت؟ هل صليت الليلة شيئًا؟ فقاد عمر الناس لانقلاب في حياتهم من الدنيا إلى الآخرة, ونشر العدل ونصر الحق والسنة, وقمع الباطل والبدعة, وعم الخير على الناس حتى استغنى الجميع بما في ذلك الحيوانات في مراعيها والوحوش في البرية حتى قيل: إن الذئب كان يرعى مع الغنم.

    ولكن هذه الصفات لم تكن لتعجب أعداء الإسلام وأهل الباطل عبَّاد الدنيا ومرتزقة المناصب فعملوا على التخلص منه سريعًا, فلم يمض بالخلافة سوى عامين وبضعة أشهر حتى دسوا له السم في الطعام بعد أن رشوا غلامه الجاحد نظير ألف دينار فقط, والعجيب أن عمر بن عبد العزيز يعرفه ويطلع على أمره بعد أن شعر بالسم يجري في جسده ولكنه لم ينتقم منه بل عفى عنه وأطلق سراحه.

    الخليفة العباسي المهتدي بالله:

    إذا كان عمر بن عبد العزيز هو درة الخلافة الأموية فإن الخليفة المهتدي بالله هو درة الخلافة العباسية ونظيره في العباسيين, ولكن لم تساعده الأيام والظروف على تحقيق الحلم المنشود، وكان ورعًا متعبدًا عادلاً قويًا في أمر الله, بطلاً شجاعًا, ولكنه لم يجد ناصرًا ولا معينًا، تولى في فترة مضطربة كان الأتراك يسيطرون على مقاليد الأمور؛ يعزلون ويقتلون ويخلعون الخلفاء كما يحلو لهم وأهانوا الخلافة والخلفاء لأقصى حد ممكن, فتولى المهتدي بالله وفي نيته إصلاح الأمة والتخلص من الأتراك ـ سبب البلايا كلها التي أحاطت بالأمة والخلافة ـ فبدأ في التقليل من نفوذهم وإصلاح شأن الخلافة فبدأ بنفسه فكان من الزاهدين يلبس الصوف ويأكل الملح والزيت أيام رمضان, وطرح الملاهي وحرَّم الغناء, وقصر أصحاب السلطان عن الظلم وشدد إشرافه على أمر الدواوين يجلس بنفسه أمام الكتاب للحساب, وبنى دارًا سماها دار العدل للنظر في المظالم, ونفى المبتدعة والفاسقين من بغداد, وكان يحب أهل السنة والعلم حتى إنه في يوم قال لصاحبه: رحم الله أحمد بن حنبل والله لو جاز لي أن أتبرأ من أبي لتبرأت منه' وكان أبوه الخليفة الواثق من أشد الناس قولاً ببدعة خلق القرآن وقتل من أجلها أحمد بن نصر الخزاعي وفتن كثيرًا من الناس.

    وبعد ذلك أراد المهتدي بالله أن يتخلص من الأتراك الذين أهانوا الخلفاء ولكنه لم يجد من يقف معه ويؤيده, فتكاتف الأتراك عليه حتى قتلوه شر قتلة بعصر خصيتيه ولم يكن قد أكمل عامًا واحدًا في الخلافة, وقد عدَّه كثير من أهل العلم ضمن الخلفاء الراشدين.

    الخليفة العباسي المسترشد بالله:

    إذا كان المهتدي بالله في عصر سيطر الأتراك فيه على الأمور ولم يجد ناصرًا ولا معينًا فإن المسترشد بالله كان في عصر لم يبق فيه للخلافة معنى ولا سلطان إلا على بغداد وما حولها فقط, وباقي جسد الأمة مقطع تحت إمرة المتسلطين والمتغلبين من الأمراء والملوك, وكان عهد المسترشد بالله هو عهد سيطرة السلاجقة على مقاليد الأمور, كان المسترشد ذا همة عالية وشهامة زائدة وإقدام ورأي وهيبة شديدة, ضبط أمور الخلافة ورتبها أحسن ترتيب, وشيد أركان الشريعة وأحيا سننها, وكان بطلاً شجاعًا يخوض الحروب بنفسه, ولم يكن الخلفاء قبل يفعلون ذلك, وكان في أول أمره تنسَّك ولبس الصوف وانفرد في بيت للعبادة ثم صار خليفة من أشجع الخلفاء خرج لقتال سلطان السلاجقة مسعود بنفسه, ولكن غدر به أكثر جنده فظفر به مسعود وأخذه أسيرًا فأرسل السلطان سنجر عم مسعود يأمره بالإفراج عنه فورًا ففعل ذلك.

    ولكن كانت هناك مؤامرة تحاك في الخفاء ضد هذا الخليفة البطل الذي زادت شجاعته إلى الحد الذي أقض مضاجع أعداء الإسلام وعلى رأسهم فرقة الباطنية الملحدة الكافرة التي يهمها أن يبقى وضع المسلمين في اندحار واقتتال فيما بينهم فعملوا على التخلص من هذا الخليفة الذي بدا للعيان أنه سيعيد المجد المفقود للأمة فقامت مجموعة من الباطنية بالتخفي في زي الجند وعددهم سبعة عشر ودخلوا في جيش مسعود وانتهزوا غفلة الناس ودخلوا على المسترشد خيمته وقتلوه ومزقوا جسده إلى أشلاء مما يدل على مدى حقدهم وبغضهم للإسلام ولما وصل الخبر إلى الناس ببغداد علا البكاء والنحيب, وخرج العامة حفاة مخرَّقين الثياب, والجميع يبكي ويندب الخليفة البطل وكأنهم يبكون حكمهم الذي ضاع وأملهم الذي راح.

    الوزير العظيم نظام الملك:

    أعداء الإسلام لم يهتموا فقط باغتيال كبار الأمة من القادة والخلفاء ولكن امتدت أيديهم الغادرة لتغتال أي شخص يبدي نبوغًا ومهارة وديانة وقوة على استعادة الحق خاصة من الوزراء الذين كانوا بمثابة الذراع اليمنى للخلفاء والملوك والسلاطين.

    وكبير هؤلاء الوزراء هو الوزير الكبير نظام الملك الحسن بن علي بن إسحاق وزير السلطان ألب أرسلان وولده ملكشاه, وكان نظام الملك من أهل العلم، حفظ القرآن وسمع الحديث ودرس الفقه وأنشأ المدارس ونشر العدل واستعمل الرجال الصلحاء والأقوياء في خدمة الدين, وقمع أهل البدعة بشدة, وطارد فرقة الباطنية المنحرفة حتى ثقل مكانه عليهم وعلى أعداء الإسلام فعملوا على اغتياله وتم لهم ذلك في 10 رمضان سنة 485هـ على يد غلام باطني تظاهر بزي مسكين يطلب صدقة فلما همَّ نظام الملك أن يعطيه صدقة طعنه الكلب طعنة قاتلة أودت بحياة هذا الوزير الكبير الذي أسدى للإسلام خدمات جليلة.

    السلطان ألب أرسلان السلجوقي:

    الملقب بسلطان العالم, ثاني سلاطين الدولة السلجوقية التي قضت على نفوذ الشيعة والروافض بالعراق وما حولها, وكان ألب أرسلان عادلاً قويًا رحيمًا شفوقًا على الرعية خاصة الفقراء وكان يتصدق بخمسة عشر ألف دينار في رمضان كل سنة, وكان شديد الحرص على حفظ أموال الرعايا ولقد استطاع هذا السلطان الكبير أن يقود جيشًا مؤلفًا من عشرين ألف مجاهد فقط للانتصار الباهر على الروم سنة 463هـ في الموقعة الأشهر 'ملاذكرد' وقد جاء قائد الروم بجحافل أمثال الجبال من مختلف الأجناس روم وفرنجة وترك كفار, وهو يريد استئصال الإسلام وأهله والاستيلاء على بلاد العراق كلها ثم الميل على بلاد الشام ثم مصر ليعيدوا كل البلاد للكفر مرة أخرى.

    ولكن الله عز وجل أنزل نصره على المؤمنين وكان هذا النصر أقوى مسمار في نعش الدولة البيزنطية التي طالما حاربت المسلمين, وكان هذا الانتصار كفيلاً أن يثير أعداء الإسلام ويحرك أحقادهم ودسائسهم للتخلص من هذا الذي مرغ سمعة الروم في الوحل, فلم يمض كثيرًا على هذا الانتصار حتى قتل ألب أرسلان على يد أحد الثائرين عليه دون أن تذكر كتب التاريخ دوافع هذا الثائر ولما قام بفعلته الشريرة ولكنه مخطط عالمي ينتظم في سلكه أعداء الإسلام أينما كانوا وكيفما كانوا.

    الأمير المجاهد مودود:

    عندما استولت جحافل الصليبيين على بلاد الشام وخاصة درتها الثمينة بيت المقدس سنة 492هـ كان المسلمون وقتها في حالة من التناصر والاقتتال على السلطان بين أبناء السلطان ملكشاه السلجوقي مما أذهل الناس عن العدوان الصليبي، ولما استقرت الأمور قليلاً أرسل السلطان غياث الدين السلجوقي الأمير الكبير المجاهد مودود بن زنكي أمير الموصل لمحاربة الصليبيين, فجمع مودود الجموع من أقاليم الجزيرة وتوجه للشام واستطاع أن يوقع بالصليبيين هزائم منكرة واستعاد منهم حصونًا كثيرة, وبذر بذرة الجهاد من جديد، وتقاطر المتطوعون من كل مكان لاستعادة بيت المقدس مرة أخرى وتصاغر الصليبيون وطلبوا إمدادات من إخوانهم في أوروبا وكل ذلك في سنة واحدة ولكن ماذا حدث؟

    لم تُعجب أفعال وفتوحات مودود فرقة الباطنية الكافرة الفاجرة والتي كان يهمها أن يبقى الصليبيون داخل الشام لتقوم بالدعوة لمذهبهم في حرية في ظل غياب الرقابة الإسلامية, في 22 ربيع أول سنة 507هـ وكان يوم جمعة, دخل مودود مسجد دمشق لأداء صلاة الجمعة فجاءه باطني مجرم بزي سائل يطلب منه شيئًا فأعطاه مودود بعض المال فلما اقترب منه ضربه بسكين فمات من ساعته رحمه الله, والعجيب المضحك المبكي في آن واحد أن ملك القدس الصليبي أرسل رسالة إلى ملك دمشق يقول فيها: 'إن أمة قتلت عميدها في يوم عيدها في بيت معبودها لحقيق على الله أن يبيدها'.

    الأمير المجاهد عماد الدين زنكي:

    كان من النتائج الطيبة لاهتمام الوزير الكبير 'نظام الملك' بالعلم والمدارس واستعمال الصالحين ذوي الكفاية استعمال الأمير عماد الدين زنكي بن آمد سنقر على ولاية الموصل بإيعاز من القاضي بهاء الدين الشهرزوري , فإن عماد الدين عن كفاية وحزم أحدث طورًا كبيرًا في الجهاد الإسلامي والذي تبلور في أسمى صوره في عهد ولده نور الدين وخليفته صلاح الدين, ولقد استطاع عماد الدين أن يوحد أقاليم الجزيرة في فترة وجيزة لأن الجهاد الصحيح لا يكون إلا من صف واحد وليس من صف ممزق وأهواء متباينة, وخاض عماد الدين معارك هائلة ضد الصليبيين وأخذ منهم حصونًا كثيرة مثل حصن الأثارب وقلعة حارم, وقوى المسلمون بتلك الأعمال وتوج عماد الدين أعماله بفتح مدينة الرها سنة 539هـ وكانت أقدس مدينة عند الصليبيين وذلك بعد حصار طويل وخدعة حربية ذكية جدًا حتى أنه قد رؤي له منامات صالحة بأن الله عز وجل قد غفر له بفتح الرها, واستطاع عماد الدين أن يخلي منطقة الجزيرة 'الواقعة بين الشام والعراق جهة الشمال' من حكم الصليبيين وشرهم.

    ولكن ماذا جرى أثناء تلك الرحلة؟ فجأة ودون أسباب معروفة يقتل عماد الدين وهو يحاصر قلعة 'جعبر' التي تقع على نهر الفرات, حيث عثر عليه قتيلاً في خيمته, فمن قتله وكيف تم ذلك؟ لا أحد يعرف سوى أنه عثر عليه قتيلاً، وقطعًا لا يقتل هذا الرجل الذي أعاد للإسلام كثيرًا من بلاده الأسيرة إلا عدوًا حاقدًا على الإسلام وأهله.

    الملك المظفر سيف الدين قطز قاهر التتار:

    أجمع المؤرخون لتاريخ الأمة الإسلامية أن حادثة اكتساح التتار لبغداد وما جرى فيها من فواجع وأهوال أسفرت عن قتل أكثر من مليون مسلم ومسلمة ومعهم الخليفة العباسي المستعصم وإسقاط الخلافة الإسلامية هو أسوأ ما تعرض له الإسلام والمسلمون في القرون الوسطى وأنها الحادثة العظمى والفاجعة الكبرى التي ظن معها الكثير أنها نهاية العالم، وأفول لنجم الأمة الإسلامية والفناء الأكيد لأمة التوحيد خاصة أن هؤلاء التتر قد انساقوا كالوحوش الضارية يجتاحون أمامهم كل شيء ويقتلون الكبير والصغير بغرض إفناء النوع البشري بأسره, وكانت أحوال البلاد المسلمة وقتها لا تنبئ بظهور قوة ستقف وتردع هؤلاء البرابرة المتوحشين.

    حتى ظهر البطل الكبير سيف الدين قطز الذي كان مملوكًا عند السلطان أيبك سلطان مصر, ولم يلبث أيبك إلا أن قتل على يد زوجته شجرة الدر التي قتلت قصاصًا بزوجها, وأصبح الأمير علي بن أيبك هو سلطان مصر في الوقت الذي اكتسح فيه التتر بلاد الشام بعد العراق وأصبحوا على أعتاب مصر, وعندها شعر قطز بخطورة الموقف وحداثة سن الأمير علي بن أيبك فقرر المبادرة وعزل علي بن أيبك من منصبه وذلك بعد مشورة العلماء أمثال العز بن عبد السلام وابن النديم , وتولى هو زمام الأمور ووحد الصفوف وجهز الجيوش واستعان بالعلماء والأمراء والصالحين لتهيئة الجند لحرب مقدسة ضد أعداء الإنسانية عامة والإسلام خاصة.

    ولم ينتظر حتى يأتي التتر إليه بل أخذ منهم زمام المبادرة وخرج هو للقائهم وكان الصدام الرهيب عند منطقة عين جالوت سنة 658هـ وظهرت بطولات نادرة من القائد البطل قطز حتى أنه كان يقاتل مترجلاً وعرَّض نفسه للشهادة عدة مرات واستطاع أن يقود المسلمين لانتصار هائل على التتر ليكسر بذلك أسطورة التتر الذين لا يهزمون, وكانت هذه الهزيمة سببًا لانتهاء تلك الحملات الوحشية ورادعًا قويًا للتتر فانكفؤوا على أنفسهم سنوات طويلة.

    ثم عاد هذا البطل المظفر إلى مصر, وفي الطريق يقتل هذا القائد الشجاع الذي لم يستطع التتر النيل منه في الميدان وجهًا لوجه, يقتل على يد الحاسدين والحاقدين من طلاب الدنيا وعبَّاد المناصب الذين امتلأت قلوبهم غلاً وحقدًا وحسدًا على المجد الرائع الذي ناله هذا البطل الكبير... ليغتالوا بذلك حلم الأمة في قائد رباني يحسن التفكير والتدبير ويقدر المسئولية ويعمل للتمكين لهذا الدين وهذه الأمة.

    القائد العظيم شهاب الدين الغوري قاهر الهندوس:

    هناك أبطال وقادة كبار في تاريخ هذه الأمة كان لهم الأيادي البيضاء والإنجازات العظيمة على الصعيدين الداخلي والخارجي، من هؤلاء القائد العظيم شهاب الدين الغوري الذي كان له الفضل الكبير في فتح بلاد الهند وإرساء قواعد أول دولة مسلمة بالهند, وسار على نفس الدرب الذي سار عليه محمد بن القاسم ومن بعده محمود بن سبكتكين, ولكن شهاب الدين الغوري تميز عنهما أنه نقل عاصمة ملكه من بلاد الغور 'أفغانستان' إلى داخل الهند, وجعل عاصمته مدينة 'دلهي' واستطاع أن يقمع زعماء الهندوس ويحطم أصنامهم ويدمر معابدهم وينشر دين الإسلام بينهم, هذا بالإضافة إلى محاربته للمبتدعين والزنادقة في بلاده.

    وبلغ من شده حبه للجهاد ونصرة الدين أنه لما هُزم على يد أحد قادة الهند في إحدى المعارك آلى على نفسه ألا يتلذذ بالنساء ولا ينام على البُسُط حتى ينتقم من هذا الكافر عابد البقر, وظل يجهز الجيوش حتى أعاد الكرة وانتصر عليه نصرًا هائلاً, واستمر شهاب الدين طوال حياته في جهاد وغزو وفتح ونصر ودين ودعوة حتى ضاقت الأرض على أعداء الإسلام ولم يستطيعوا أن ينالوا منه في ميادين القتال المكشوفة لبطولته وشجاعته الباهرة, فعملوا على اغتيال بطل الأمة في الظلام وفي إحدى رحلاته الجهادية دخلت عليه مجموعة من الهندوس الكفرة الذين تسللوا وانضموا لجيشه لتنفيذ مخططهم الخبيث, ودخلوا عليه خيمته وهو يصلي قيام الليل الذي لم يكن يتركه في سفر ولا حضر وقاموا باغتياله تحت جنح الظلام الذي يناسب ظلام جريمتهم بحق أمة الإسلام وذلك في 1 شعبان سنة 602هـ.

    القائد نادر خان بطل الأفغان:

    تعرضت بلاد الأفغان على مر تاريخها لسلسلة متتابعة من الاعتداءات الخارجية وظلت حتى قرنين سابقين غير معروفة الحدود كما هو حالها الآن, وأجزاؤها موزعة بين الدول المجاورة, ولما تجمعت في شكلها الحالي وأعلن قيام دولة أفغانستان تعرض للهجوم الروسي ثم الهجوم الإنجليزي حتى ظهر البطل الكبير قائد الأفغان نادر خان الذي استطاع أن يقود المقاومة الشعبية لطرد الإنجليز من أفغانستان، وتسلم مقاليد الحكم 'أمان خان' الذي خاف من شهرة نادر خان وحب الناس له فعمل على إبعاده بأن عينه سفيرًا لبلاده بفرنسا, وبعدها أطلق أمان خان العنان لشهواته وسار على درب تقليد الغرب في كل شيء فاسد, وزاد نفوذ الإنجليز داخل البلاد وعمت الفوضى بالبلاد, وانتشرت الجريمة والسرقة والرشوة بالدواوين الحكومية, وزاد الطين بلة أن خرج أمان خان لرحلة طويلة لأوروبا وخرجت نساؤه سافرات متبرجات مما زاد في السخط الشعبي عليه داخل البلاد, وقابل أمان خان هذا السخط بمزيد من الانحلال والتحرر من قيود الشرع مما أدى إلى قيام ثورة داخل البلد المسلم المتدين, واستغل هذه الاضطرابات رجل قاطع طريق مشهور بالإجرام اسمه 'ابن السقا' وقفز على السلطة واستولى على الحكم، وفرَّ أمان خان خارج البلاد, وأخذ ابن السقا يعيث في البلاد فسادًا وبطانته تقطع الطريق وترتكب الجرائم ليل نهار طيلة تسعة شهور, وعندها أدرك 'نادر خان' خطورة الموقف في بلاده فعاد سريعًا للبلاد وقام بالقبض على ابن السقا وإعدامه جزاءًا وفاقًا على جرائمه وأصبح نادر خان زعيمًا على أفغانستان, فعمل على نشر العدل وإصلاح البلاد وأحوال العباد وقضى على المحسوبية والرشوة وأعاد الصبغة الإسلامية للبلاد وقضى على مظاهر التغريب التي نشرها أمان خان, وكانت نتيجة شدته على المفسدين والمجرمين أن تربص به أحد هؤلاء المجرمين واغتاله وهو بالعاصمة كابول ليقضي بذلك على حلم أفغانستان بقائد عظيم من طراز محمود بن سبكتكين وشهاب الدين الغوري .

    محمد بن أمية ومولاي عبد الله: زعيمي ثورة الموريسكيين:

    الموريسكيون هم مسلمو الأندلس الذين بقوا فيها بعد سقوطها بيد أسبانيا الصليبية وقد خدعتهم الوعود الكاذبة التي قطعها ملوك أسبانيا لهم بحسن المعاملة والتي ما لم تلبث حتى تبخرت وانقلبت حياة مسلمي الأندلس إلى الجحيم بعينه, فأجبروا على اعتناق النصرانية وتغيير هويتهم ولغتهم وصبغتهم بصبغة صليبية كاملة, وكل يوم كانت تخرج فرمانات وقرارات جديدة لمزيد من الإذلال والإخضاع ومع ذلك كان المسلمون ما زالوا يحتفظون بدينهم فيصلون ويصومون سرًا ويسمون أبناءهم بأسماء عربية, وهذا ما أغضب الرهبان والقساوسة بالكنيسة, حيث وجدوا أنفسهم عاجزين عن تحويل المسلمين عن دينهم وأرجعوا ذلك لتمسك المسلمين باللغة العربية, فأقنعوا الملك فيليب الثاني بإصدار قانون يحرم استخدام اللغة العربية وحتمية التكلم باللغة الإسبانية إضافة لتحريم حجاب المسلمات, فوقع هذا القانون على الموريسكيين كالصاعقة فتهامسوا على المقاومة والثورة ضد هذا الطغيان, وقبل أن تنطفئ آخر جذوة من الكرامة والعزة في قلوبهم وكانت منطقة جبل الشارات خير مكان لاندلاع الثورة, ودوت صيحة الحرب القديمة وأعلن الموريسكيون استقلالهم واختاروا لقيادة الثورة محمد بن أمية سليل الخلفاء السابقين للأندلس, وأقسم محمد بن أمية أن يموت فداءً لدينه وأمته, وانقض الثوار المسلمون على الصليبيين في أنحاء غرناطة وما حولها يقتلون من يصلون إليه خاصة القساوسة الذين كانوا أشد الناس حقدًا على المسلمين, وامتدت ثورة الموريسكيين في أنحاء الأندلس كلها, واشتبكت قوات الثوار مع الجيوش الأسبانية عدة مرات كان فيها الأسبان يفتكون بالأسرى ويقتلون النساء والأطفال بأشنع طريقة, وتعرض الثوار لعدة هزائم ولكنها لم تفت في عضدهم خاصة أن الأسبان الصليبيين قد ارتكبوا عدة مجازر في النساء والأسرى مما أدى لإشعال الثورة أكثر من ذي قبل, وزادت أعداد الثوار وانضم الكثير من المجاهدين المغاربة لنصرة إخوانهم ومعهم فرقة من العثمانيين, وهكذا عاد النضال إلى أشده وزادت قوة الثورة, وخافت أسبانيا الصليبية بشدة، وعُزل قائد جيوش الصليبيين لتهاونه في القتال, ووسط تلك الآمال الجديدة المشرقة التي تنبئ بعودة المجد المسلوب والملك المفقود يقتل محمد بن أمية!

    كيف ذلك؟ عن طريق الخيانة والغدر والشهوات عن طريق النساء والفواحش, ذلك أن محمد بن أمية كان بحكم منصبه الخطير شديد الصرامة والحسم, مما أثار الحقد في نفوس بعض ضباطه الذين أعمتهم الشهوات ومن هؤلاء ضابط اسمه 'الوزير' وكان له عشيقة حسناء تصحبه في القتال فلم يعجب هذا الأمر القائد محمد بن أمية, فانتزع تلك الغانية المجرمة من معسكر الجيش وطردها منه, فكيف يجاهد رجل في سبيل الله وله عشيقة وخليلة, مما أثار حقد هذا الضابط الفاسق فسعى لاغتيال ابن أمية بالمكر والخديعة فزور كتابًا على لسان ابن أمية إلى القائد العام 'ابن عبو' يحرضه على التخلص من الجنود العثمانيين وقتلهم جميعًا, فعندما علم العثمانيون بذلك ثارت ثائرة بعضهم وانقضوا على ابن أمية وقتلوه بالرغم أنه قد أعلن لهم براءته من ذلك, ولكنه راح ضحية الغدر والخيانة من فاسق مجرم وغانية عاهرة.

    تولى مكانه ابن عمه 'مولاي عبد الله ابن عبو' وكان مثله في الجهاد والذكاء والشجاعة فأحسن قيادة الثوار وأوقعوا بالأسبان عدة هزائم متتالية, وحاول الأسبان استخدام الحيلة والمكر فأغروا أحد قواد الثورة واسمه 'الحبقي' بقبول الصلح والعفو, فلم يعجب هذا الأمر قائد الثورة الذي شعر بنوع من التخاذل والخيانة من 'الحبقي' فأعدمه وواصل الجهاد ضد الأسبان رغم الهزائم العديدة التي وقعت على الثورة, وأصبح مولاي عبد الله هو كابوس أسبانيا الصليبية المرعب, فعملوا على التخلص منه غدرًا وخيانة وبحثوا عن الخائن المناسب للقيام بهذا الدور الخبيث فوجدوا ضالتهم في ضابط مغربي اسمه 'الشنيش' وكان يحقد على القائد لأنه منعه من الفرار إلى المغرب وأغدق الأسبان له المنح والوعود والأموال إذا استطاع أن يسلمهم إياه حيًا أو ميتًا, وكان الإغراء قويًا مثيرًا فدبر هذا الضابط الخائن خطة لاغتيال القائد, وفي ذات يوم فاجأه مع شرذمة من أصحابه فقاوم مولاي عبد الله قدر استطاعته ولكنه سقط أخيرًا مثخنًا بجراحه فألقى الخونة جثته من فوق الصخور لكي يراها الجميع, ثم حملها الأسبان إلى غرناطة وهناك استقبلوها في حفل ضخم، ورتبوا موكبًا أركبت فيه الجثة مسندة إلى بغل وعليها ثياب كاملة كأنما هي إنسان حي ومن ورائها أفواج كثيرة من أسرى المسلمين ثم حملت الجثة إلى النطع وأجري فيها حكم الإعدام فقطعت الرأس ثم جرت في شوارع غرناطة مبالغة في التمثيل والنكال, ثم مزقت أربعًا وأحرقت بعد ذلك في الميدان الكبير ووضع الرأس في قفص من الحديد رفع فوق سارية في ضاحية المدينة تجاه جبال الشارات حيث اندلعت الثورة.

    السلطان العثماني عبد العزيز:

    تولى عبد العزيز الحكم سنة 1277هـ والدول الأوروبية الصليبية عازمة على الضغط على الحكومة العثمانية للاستمرار في خطوات الإصلاح من وجهة نظرهم الخبيثة يعبر عنها وزير الخارجية البريطانية لورد كلارندون سنة 1281هـ فيقول: 'إن الطريقة الوحيدة لإصلاح أحوال العثمانيين هي بإزالتهم عن على سطح الأرض كلية' مما يوضح مدى حقد الصليبيين على الدولة العثمانية, وكان عبد العزيز ذا همة وذكاء شديدين أراد أن يستفيد من خلاف دول أوروبا مع روسيا على المصالح فعمل على تقريب روسيا فخافت أوروبا فعملت على تحريك عملائها داخل الدولة العثمانية للقضاء على السلطان عبد العزيز وكبير هؤلاء العملاء هو مدحت باشا وكان من يهود الدونمة, روجت له الدعاية الماسونية في كل مكان على أنه أبو الدستور وقام بتأسيس جمعية الاتحاد والترقي التي استطاعت أن تعزل السلطان عبد العزيز عن مكانه ولم يكتفوا بذلك بل قاموا بقتله بعد عزله ولكن لماذا قتلوا السلطان عبد العزيز؟

    إصلاحات وإنجازات عبد العزيز هي التي أثارت أعداء الإسلام ضده فلقد رفض الدساتير الغربية برمتها, وتمكن من إصلاح أحوال الدولة العثمانية إلى درجة كبيرة خاصة في المجال العسكري، وحدَّث الجيش وزوده بأحدث الأسلحة وقوى الأسطول واهتم جيدًا بسلاح المدفعية حتى صارت مدافع العثمانيين يضرب بها المثل في الدقة, وقام بإصلاحات واسعة في الميزانية المالية واقتصاد الدولة وعمل على إحقاق الحق وحاكم كبار الحكام غير المخلصين مثل خسرو باشا وعاكف باشا، واستطاعت الدولة في عهده من سداد ديونها وانتظمت الأحوال المالية, كل ما سبق جعل أعداء الإسلام متمثلين في قناصل وممثلي الدول الصليبية في الدولة العثمانية يخططون ويأتي التنفيذ على يد صنيعتهم 'مدحت باشا' الذي اعترف بالاشتراك في قتل السلطان عبد العزيز.

    السلطان العثماني عبد الحميد:

    ما جرى للسلطان عبد الحميد هو قمة التآمر والاغتيال لأحلام المسلمين المتمثلة في قيادة ربانية تعيد اكتشاف الأمة المسلمة من جديد وكان السلطان عبد الحميد ذا عاطفة إسلامية قوية وإرادة فولاذية في مواجهة أعداء الإسلام ذا همة وذكاء ومكر ودهاء استطاع أن يبقى في الحكم أكثر من ثلاثة وثلاثين سنة كان فيها سدًا منيعًا أمام أطماع المتربصين بالأمة من صليبيين ويهود ومشركين.

    وتتلخص أهم أعمال السلطان عبد الحميد فيما يلي:

    1] فكرة الجامعة الإسلامية: والتي أراد بها عبد الحميد أن يوحد صف المسلمين تحت راية الخلافة ليواجه أعداء الإسلام المتربصين بالخلافة ولإثبات أن المسلمين يمكن أن يكونوا قوة سياسية عالمية يحسب لها حسابها في مواجهة الغزو الفكري الذي اجتاح كثيرًا من أجزاء الدولة المسلمة وتلك الأهداف أدركها أعداء الإسلام جيدًا، فهاهو المؤرخ البريطاني 'أرنولد توينبي' يعلق على مشروع الجامعة الإسلامية بقوله: 'إن السلطان عبد الحميد كان يهدف من سياسته الإسلامية تجميع مسلمي العالم تحت راية واحدة وهذا لا يعني إلا هجمة مضادة يقوم بها المسلمون ضد هجمة العالم الغربي التي استهدفت عالم المسلمين' ولاقت تلك الفكرة ترحيبًا عند المخلصين من العلماء والدعاة.

    2] تعريب الدولة: حاول السلطان عبد الحميد أن يقوم بتعريب الدولة العثمانية لتقوى الروابط مع الشعوب العربية التي ملأ الإنجليز والفرنسيون رؤوس أبنائها بأن العثمانيين غزاة وجهلة مغتصبون ولا يحسنون حتى اللغة العربية.

    3] محاربة الأفكار الدخيلة: قام عبد الحميد بإصلاح نظام التعليم داخل المدارس والذي قد أصبح متأثرًا بالأفكار الغربية الدخيلة ونقى مناهج التعليم من مواد التغريب والقومية والعلمنة وجعل مدارس الدولة تحت رقابته الشخصية ووجهها لخدمة الجامعة الإسلامية, وقام بمحاربة السفور والتبرج وأصدر عدة فرمانات بمنع النساء من السير في الشوارع بدون الحجاب الشرعي, ومنع ارتداء النساء للنقاب المصنوع من القماش الخفيف أو الشفاف الذي يبين خطوط الوجه, ومنع الاختلاط في المدارس وأنشأ دورًا خاصة للمعلمات, وأنشأ مدرسة العشائر والتي هي مدارس إسلامية في المقام الأول تهدف لإخراج جيل مسلم ملتزم مجاهد على أرفع مستوى, ويكفي نظرة واحدة لمناهج وبرامج تلك المدرسة لمعرفة أهدافها النبيلة:

    السنة الأولى: القرآن الكريم ـ اللغة العربية ـ العلوم الدينية ـ القراءة التركية ـ إملاء ـ تدريب عسكري.

    السنة الثانية: القرآن ـ التجويد ـ العلوم الدينية ـ الإملاء ـ الحساب ـ تحسين الخط ـ تدريب عسكري.

    السنة الثالثة: القرآن ـ التجويد ـ العلوم الدينية ـ الصرف ـ الحساب ـ الجغرافيا ـ الفرنسية ـ التدريب.

    4] التصدي لليهود: وذلك الأمر من أعظم أعمال السلطان عبد الحميد والسبب الرئيس في التآمر عليه فقد وقف سدًا منيعًا أمام كل محاولات اليهود لدخول فلسطين والتوطن بها وله المواقف التي تكتب بماء الذهب مع زعيم الصهيونية العالمية 'هرتزل' وكان حسمه لتلك القضية مفخرة لكل مسلم في زماننا هذا الذي بيعت فيه المقدسات بأبخس الأثمان.

    هذه بعض أعمال السلطان عبد الحميد التي قام بها والتي ألَّبت عليه أعداء الإسلام من كل حدب وصوب فتحالف عليه اليهود والصليبيون والعلمانيون والقوميون والحاقدون وأجمعوا كيدهم وأحكموا مخططهم ثم جاء التنفيذ والضربة بيد الجهلاء والسفهاء الأغبياء من أعضاء جمعية الاتحاد والترقي الذين خلعوا السلطان عبد الحميد من الخلافة سنة 1909م, والعجيب أن قادة الاتحاد والترقي اكتشفوا فيما بعد أنهم قد وقعوا تحت تأثير الماسونية والصهيونية, فهذا أنور باشا يقول لجمال باشا وكلاهما من قادة الاتحاد والترقي: 'أتعرف يا جمال ما هو ذنبنا؟ أننا لم نعرف السلطان عبد الحميد فأصبحنا آلة بيد الصهيونية واستثمرتنا الماسونية العالمية' وقال أيوب صبري قائد الاتحاديين العسكريين: 'لقد وقعنا في شَرَك اليهود عندما نفذنا رغبات اليهود عن طريق الماسونيين لقاء صفيحتين من الليرات الذهبية في الوقت الذي عرض فيه اليهود ثلاثين مليون ليرة ذهبية على السلطان عبد الحميد لتنفيذ مطالبهم إلا أنه لم يقبل بذلك'.

    القائد أحمد وبيللو:

    هذا اسم ربما لا يعرفه الغالبية العظمى من المسلمين على الرغم أنه من المعاصرين, إن الزعيم أحمد وبيللو زعيم مسلمي نيجيريا هذا البلد المسكين الذي ابتلي بالعدوان البرتغالي ثم الإنجليزي ثم الكيد الصليبي الداخلي الذي عمل بالتنسيق مع أعداء الإسلام على تمزيق جسد هذا البلد المسلم الكبير إلى شمال وجنوب, ولقد استقلت نيجيريا في 13 جمادى الأولى سنة 1383هـ بعد رحلة كفاح طويلة خاضها المسلمون وحدهم ولكنهم بعد ذلك الكفاح والاستقلال فوجئوا بأن البلاد قد تم تقسيمها إلى شمال وجنوب على أساس عرقي وديني حيث يتركز في الشمال المسلمون ويتجمع الصليبيون والوثنيون في الجنوب, واستطاع المسلمون بالشمال أن ينظموا صفوفهم ويكونوا ما يسمى بهيئة مؤتمر الشمال والذي تولى رئاسته القائد والزعيم أحمد وبيللو وكان الشمال صاحب الثقل الشعبي والسياسي بالبلاد, لذلك فلقد عمل الإنجليز على توحيد صفوف النصارى بنيجيريا لمواجهة تكتل المسلمين ولكنهم اصطدموا بعقبة 'أحمد وبيللو' الذي كان رمزًا لقوة المسلمين بالبلاد وقام بعدة أعمال أثارت أعداء الإسلام عليه بالبلاد وخارجها منها:

    1] أظهر عزة المسلمين عندما رفض الانحناء بصفته مسلمًا أمام الأميرة إلكسندرا مندوبة الملكة إليزابيث ملكة إنجلترا في حفل استقلال البلاد.

    2] رفض رفضًا قطعيًا أي معونة اقتصادية أو ثقافية أو فنية من دولة اليهود الغاصبة بفلسطين ورفض وساطة الإنجليز لديه للسماح 'لجولدا مائير' وزيرة خارجية الصهاينة بزيارة البلاد ومنع دخول اليهود إلى البلاد, وقال: 'إن بلده بلد إسلامي ولا يسمح شعبه المسلم لمن دنس حرمة فلسطين ومناطقها المقدسة أن يدخل بلاده'.

    3] عمل على توطيد علاقاته مع المسلمين فزار كل من مصر والشام والسعودية, وأدى مناسك الحج والعمرة, وصرح أثناء زيارته لمصر بخطورة التغلغل الصهيوني في بعض الدول الأفريقية وأثر ذلك التغلغل في المستقبل, وربط بين الإنجليز واليهود في هذا المخطط الصهيوني.

    4] عمل على إنشاء المدارس الإسلامية التي تخرج أجيالاً من أصحاب الفهم الصحيح للإسلام وتواجه أصحاب الفكر الصليبي الاستعماري وصرَّح في حديث تلفزيوني سنة 1965م أنه سوف يغير تفكيره ومنهجه وذلك بعد آخر عمرة أداها سنة 1965م بعد أن التقى مع العلماء والدعاة ببلاد الحرمين وسوف يواجه الإرساليات الصليبية واليهودية في بلاده ويربي أبناء المسلمين على الفهم الصحيح لعقيدة الإسلام والتوحيد.

    وكان هذا الحديث التلفزيوني هو ناقوس الخطر الأخير الذي يدق فوق رؤوس أعداء الإسلام بالداخل والخارج وقرروا التخلص من هذا الرجل الذي سوف يقضي على الوجود الصهيوني والصليبي بتلك البلاد المسلمة الكبيرة في كل شيء في الحجم والتعداد والخيرات.

    وبالفعل تم لأعداء الإسلام ما أرادوا, ففي فجر يوم 24 رمضان سنة 1385هـ قامت مجموعة من الضباط الصليبيين يقودهم ' تشوكوما تروجو ' بالهجوم على منزل أحمد وبيللو زعيم مسلمي نيجيريا وألقوا قنابلهم على حرَّاس المنزل, وانتزعوا أحمد وبيللو وزوجته من فراشهما وأطلقوا عليهما الرصاص مباشرة ولم يشف غليل حقدهم إلا بعد أن قطعوا الجثتين إربًا إربًا ومثلوا فيهما وأشعلوا النيران في المنزل.

    القائد عبد العزيز بن محمد بن سعود:

    بعد أن دب الضعف والوهن بالدولة العثمانية وترهلت وطمع فيها أعداء الإسلام في كل مكان خاصة صليبي أوروبا ظهر داخل البلاد المسلمة اتجاهان للإصلاح الأول يقوده [محمد علي] ويرى في اتباع وتقليد أوروبا السبيل للتقدم والرقي, والثاني يقوده الشيخ [محمد بن عبد الوهاب] رحمه الله ويرى في اتباع الكتاب والسنة والعودة إلى منابع الدين الصافية ونبذ الشرك والخرافات السبيل لرقي الأمة واستعادة مجدها وتبلور هذا الاتجاه فيما يعرف بالدعوة السلفية المباركة.

    وأخذ الشيخ يدعو للسلفية ببلاد نجد وواجه خصومه بالحجة والبرهان والأدلة الساطعة من القرآن والسنة فزاد أعداؤه في كل مكان وطارده من مكان لآخر وهو صابر محتسب يواصل دعوته حتى وصل إلى منطقة الدرعية سنة 1157هـ حيث استقبله أميرها محمد بن سعود واتفقا سويًا هذا بلسانه وبرهانه وهذا بسيفه وسنانه وأصبحت الدرعية مركزًا دينيًا لنشر السلفية وقويت تلك الإمارة فانتقل بعدها الشيخ لمرحلة الجهاد ونشر الدعوة فتوسعت الدرعية وضمت لها العُيينة وحريملاء وتوفي محمد بن سعود سنة 1179هـ وخلفه ابنه عبد العزيز وكان صاحب مواهب وقدرة قيادية وعسكرية فذة فاستطاع أن يضم لسلطان الدعوة السلفية كل بلاد نجد بما في ذلك الرياض التي استعصت على أبيه وضم القصيم والطائف ومكة ودانت له معظم بلاد الحجاز ونجد, وظل يجاهد لنشر الدعوة قرابة الثلاثين سنة ثم غزا جنوبي العراق ودخل مدينة كربلاء وهدم قبر الحسن رضي الله عنه والذي كان وقتها أكبر مركز من مراكز الوثنية الصوفية والشركيات الغليظة وتفعل عنده من المنكرات ما لم يعلمه إلا الله لذلك صمم عبد العزيز على فتحها وإزالة هذا الوثن 'القبر' الذي صاحبه براء مما يفعل عنده, وهو سيد شباب أهل الجنة, وقام عبد العزيز بمنع المنكرات التي كانت بتلك البقعة الطاهرة وأخذ من الضريح أموالاً طائلة كانت تنذر للقبر وسندته وفرقها على فقراء المسلمين وكانت هذه الفعلة سببًا مباشرًا لإثارة أعداء أهل السنة من الشيعة الروافض فجاء أحدهم متنكرًا إلى الدرعية واستغل فرصة صلاة عبد العزيز للعصر وطعنه وهو ساجد لله عز وجل فقتله سنة 1218هـ وكان ذلك سببًا مباشرًا لسقوط الدولة السعودية الأولى بالبلاد.

    وما زال في الطابور أبطال وقادة نالوا أثمن ما طلبوه وجنوا أغلى ما سعوا إليه أمثال عبد الله عزام وإحسان إلهي وفيصل بن عبد العزيز وجوهر دراييف وضياء الحق لما أراد التوبة والعودة وأبطال الجهاد الفلسطيني أمين الحسيني وكامل عريقات وصلاح شحادة وإسماعيل أبو شنب وشيخ المجاهدين أحمد ياسين وأخيرًا وليس آخرهم الدكتور عبد العزيز الرنتيسي وليرحم الله الجميع والأمة الإسلامية من قبلهم.



    شريــف الــراوي
     

مشاركة هذه الصفحة