الخشوع في الصلاة

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 757   الردود : 2    ‏2004-04-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-25
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    " اللهم إني أعوذ بك من علم
    لا ينفع وقلب لا يخشع "











    بِِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم
    ِ


    إن الحمد لله ، نحمده ، و نستعينه ، ونستهديه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .



    ( آل عمران : 102 )








    وبعد ..
    هذا بحث متواضع بعنوان : " الخشوع في الصلاة حقيقته وأسبابه " ولقد انتقيت هذا الموضوع لأنه من أعمال القلوب ، والقلب إذا صلح صلح الجسد كله ، كما قال النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - : " ألا إن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدة فسد الجسد كله ألا وهي القلب " .
    اخترته وأمام عيني ما نحن فيه – خاصة في هذه الديار – من طغيان المادة ، وانجراف المسلمين – إلا من رحم الله – في الملهيات من الملذات والشهوات ، حتى أصبحت الصلاة حركات رتيبة ، حركات ميتة لا روح فيها ، حتى كاد يصدق فينا قول عبادة بن الصامت :
    "يوشك أن تدخل المسجد فلا ترى فيه رجلاً خاشعاً" .
    سائل الله – سبحانه وتعالى – أن يحي موات قلوبنا ، إنه على كل شيء قدير.
    هذا 00 وقد حاولت في هذا البحث الإطلاع على أكبر عدد تيسر لي من تفاسير القرآن العظيم ، بواسطة الحاسب الآلي (الكمبيوتر) و الكتب الأخرى المتعلقة بموضوع البحث .
    وقد جعلت هذا البحث في مقدمة ، وبابين ، وخاتمه . أما المقدمة فهي التي بي يديك بينتُ فيها الباعث على اختيار هذا الموضوع . وفي الفصل الأول من الباب الأول : بدأت بفضل الخشوع . ثم خصصت الفصل الثاني للمعاني اللغوي والشرعية. وفي الفصل الثالث أثبت أقول علماء التفسير _ رحمهم الله - حول الآيتين الكريمتين الأولى و الثانية من سورة المؤمنون التي يقوم البحث عليها.
    وخصصت في الباب الثاني فصلا للمسائل المتعلقة بالخشوع . وختمت الباب يفصل آخر ضمنته الأسباب المعينة على للخشوع ، ثم ذكرت موانع الخشوع في أخره. وتماما للفائدة أودعت بحثي خاتمة ، ثم جعلت له فهارسا علمية : للآيات ، والأحاديث ، والآثار ، والمصادر والمراجع ، و الموضوعات .
    ولضيق الوقت – إذ وصلتني الكتب الدراسية في نهاية شهر ذي القعدة – خرج هذا البحث على عجالة فلم استطع عرضه على أستاذي المشرف للاستفادة من توجيهاته . ولكن الله أسأل أن يكتب له النفع والقبول 0
    {سبحنك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم }

    أبو عبد الله الخطيب


    الباب الأول

    ويشمل :
    الفصل الأول:
    فضل الخشوع .

    الفصل الثاني :
    ا - معنى الخشوع لغةً و شرعاً.
    ب - معنى الصلاة لغةً و شرعاً.

    الفصل الثالث :
    تأويل قوله- تعالى- :









    الفصل الأول
    فضل الخشوع

    إن الله – جل وعلا – قد امتدح الخاشعين في مواضع كثيرة في محكم التنزيل ، فقال:

    وقال – جل وعلا – مخبراً عن نبيه زكريا وزوجه :


    وقال – جل وعلا – مادحاً عباده المؤمنين بالخشوع ضمن عشر صفات :

    وامتدح – جل وعلا – أولو العلم الذين إذا سمعوا القرآن خروا سجداً خاشعين فقال :







    واستبطأ - سبحانه وتعالى - الخشوع من المؤمنين فعاتبهم قائلاً :

    قال ابن مسعود - رضي الله عنه - :
    " ما كان بين إسلامنا وأن عوتبنا بهذه الآية إلا أربع سنين " .

    أما القلوب التي لا تعرف الخشوع .. أما القلوب القاسية فقد حذرها - جل وعلا- وزجرها ، ولم يسوي بينها وبين القلوب العامرة بذكره فقال :

    وبين – صلى الله عليه وآله وسلم – فضل الخشوع والبكاء من خشية الله ، فقال:
    " عينان لا تمسهما النار ، عين باتت تحرس في سبيل الله ، وعين بكت من خشية الله" .

    وقال – صلى الله عليه وآله وسلم – :
    "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع ، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم " 0

    وقال – صلى الله عليه وآله وسلم – :
    " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله000 ثم ذكر منهم "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" .













    الفصل الثاني

    • معنى الخشوع
    • معنى الصلاة














    معنى الخشوع
    أ - الخشوع لغة :
    1- قال ابن منظور في لسان العرب :
    " خَشَعَ يَخْشَعُ خُشُوعاً و اخْتَشَعَ و تَـخَشَّعَ رمى ببصره نـحو الأَرض وغَضَّه وخَفَضَ صَوته. وقوم خُشَّع: مُتَـخَشِّعُون. و خَشَع بصرُه: انكسر، ولا يقال اخْتَشَع؛ قال ذو الرمة ::
    تَـجَلَّـى السُّرى عن كلِّ خِرْقٍ كأَنه *** صَفِـيحةُ سَيْفٍ، طَرْفُه غيرُ خاشِع
    و اخْتَشَعَ إِذا طأْطأْ صَدْرَه وتواضع، وقـيل: الـخُشوع قريب من الـخُضوع إِلا أَنَّ الـخُضوع فـي البدن، وهو الإِقْرار بالاستِـخْذاء، و الـخُشوعَ فـي البَدَن والصوْت والبصر كقوله تعالـى: { خاشعةً أَبصارهُم}؛ {و خَشَعَتِ الأَصواتُ للرحمن}، .. "ـ
    2- وقال صاحب القاموس :
    الخُشوعُ: الخُضوعُ، كالاِخْتِشَاعِ، والفعْلُ: كمنَع، أوـ : قَريبٌ من الخُضوعِ، أو هو في البَدَنِ، والخُشُوعُ في الصوتِ والبَصَرِ، وـ : السُّكونُ والتَّذَلُّلُ، وـ في الكَوْكَبِ: دُنُوُّه من الغُروبِ. والخاشِعُ: المكانُ المُغْبَرُّ لا مَنْزِلَ به، والمكانُ لا يُهْتَدَى له، والمُسْتَكِينُ، والراكِعُ .
    3- وقال في الصحاح :
    الـخُشُوعُ: الـخُضوعُ، يقال: خَشَعَ واخْتَشَعَ ؛ وخَشَعَ ببصره، أي غَضّهُ.
    وبلدةٌ خَاشِعَةٌ، أي مُغْبَرَّةٌ لا منزِل بها، ومكانٌ خَاشِعٌ.
    والـخُشْعَةُ، مثال الصُبْرَةِ: أكَمةٌ متواضِعةٌ، وفـي الـحديث:
    « كانت الأرض خُشْعَةً علـى الـماء ثم دُحِيَتْ ».
    والتَـخَشُّعُ: تكلُّفُ الـخُشوع . (C D)


    4- المفردات في غريب القرآن :
    الخُشوعُ الضّرَاعَةُ وأكْثَرُ ما يُسْتَعْملُ الْخُشوعُ فيما يُوجَدُ عَلَى الجَوَارِحِ. والضّرَاعَةُ أكثرُ مَا تُسْتَعْمَلُ فيما يُوجَدُ في القَلْبِ ولذلك قيلَ فِيما رُوِيَ: إذا ضَرَعَ الْقَلْبُ خَشَعَتِ الجَوَارِحُ، قَال تعالى: {ويزيدهم..خشوعا} وقال: {الذين..خاشعون} { وكانوا..خاشعين ــــ وخشعت الأصوات ــــ خاشعة..أبصارهم ــــ أبصارها..خاشعة} كِنايَةٌ عَنها وَتنبيهاً عَلَى تَزَعْزُعِهَا كقولِه: {إذا..رجاً ــــ و ــــ إذا..زلزالها ــــ يوم..سيرا}.( C D )
    5- التفاسير :
    1. القرطبي: الخاشعون جمع خاشع وهو المتواضع ، والخشوع هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع وقال قتادة :" الخشوع في القلب ، وهو الخوف وغض البصر في الصلاة . قال الزجاج: الخاشع الذي يرى أثر الذل والخشوع عليه كخشوع الدار بعد الإقواء هذا هو الأصل . قال النابغة : رماد ككحل العين لأيا أبينه *** ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع .
    ومكان خاشع: لا يهتدى له. {وخشعت الأصوات } أي : سكنت . وخشعت خراشي صدره إذا ألقى بصاقا لزجا. وخشع ببصره إذا غضه . والخشعة قطعة من الأرض رخوة ، وفي الحديث (كانت خشعة على الماء ثم دحيت بعد) وبلدة خاشعة مغبرة لا منزل بها.
    قال سفيان الثوري:" سألت الأعمش عن الخشوع" . فقال : "يا ثوري ، أنت تريد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع" ، سألت إبراهيم النخعي عن الخشوع. فقال : أعيمش ، تربد أن تكون إماما للناس ولا تعرف الخشوع ، ليس الخشوع بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطأ الرأس لكن الخشوع أن ترى الشريف والدنيء في الحق سواء وتخشع لله في كل فرض أفترض عليك. "
    وقال الطبري : " الذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته وإذا تذلل لله فيها العبد رؤية ذلة خضوعه في سكون أطرافه وشغله بفرضه وتركه ما أمر بتركه فيها " .
    أضواء البيان :"الخشوع : السكون والطمأنينة والانخفاض .
    و فسره أبو السعود في تفسيره : " الخوف والتذلل "
    وفي البحر المحيط بـ : " الخضوع والتذلل" . ( C D )
    • وعرفه شيخ الإسلام ابن تيمية :
    فقال :" و الخشوع يتضمن معنيين . أحدهما: التواضع والذل . والثاني : السكون والطمأنينة. وذلك مستلزم للين القلب المنافي للقسوة ، فخشوع القلب يتضمن عبوديته لله وطمأنينته أيضا، ولهذا كان الخشوع في الصلاة يتضمن هذا وهذا التواضع والسكون.
    وعن ابن عباس في قوله- تعالى- : { الذين هم في صلاتهم خاشعون}. قال : "مخبتون أذلاء". وعن الحسن وقتادة : "خائفون ".وعن مقاتل : " متواضعون" . وعن على :" الخشوع في القلب وان تلين للمرء المسلم كنفك ولا تلتفت يمينا ولا شمالاً.وقال مجاهد:"غض البصر وخفض الجناح"

    خشوع الجسد تبع لخشوع القلب

    " و خشوع الجسد تبع لخشوع القلب إذا لم يكن الرجل مرائيا يظهر ما ليس في قلبه كما روى تعوذوا بالله من خشوع النفاق ، وهو أن يرى الجسد خاشعا، والقلب خاليا لاهيا. فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله:{ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق } فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره وما نزل من كتابه . ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا. وكذلك قال في الآية الأخرى {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم ألي ذكر الله} والذين يخشون ربهم ، هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم "
    ب - تعريف الخشوع في الشرع :-
    * خشية من الله تكون في القلب فتظهر على الجوارح .
    * السكون والطمأنينة والتؤدة والوقار والتواضع ، والحامل عليه الخوف من الله ومراقبته .
    • هو قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل .

    وأجمع هذه التعاريف وأمنعها القول الأول .











    تعريف الصلاة لغةً

    تعريف الصلاة شرعاً












    تعريف الصلاة لغةً
    1- قال ابن منظور في لسان العرب :
    " الصلاة : الركوع والسجود . والصلاة : الدعاء و الاستغفار . والصلاة من الله تعالى : الرحمة ، وصلاة الله على رسوله : رحمته له وحسن الثناء عليه . والصلوات : معناها الترحم . والأصل في الصلاة اللزوم ، والصلاة لزوم ما فرض الله تعالى ،والصلاة من أعظم الفَرض الذي أُمر بلزومه . "
    2- وفي القاموس :
    والصَّلاةُ: الدُّعاءُ، والرَّحْمَةُ، والاسْتِغْفارُ، وحُسْنُ الثَّناءِ من اللّهِ، عَزَّ وجَلَّ، على رَسُولِه، صلى الله عليه وسلم، وعِبَادَةٌ فيها رُكوعٌ وسُجودٌ، اسمٌ يُوضَعُ مَوْضِعَ المَصْدَرِ. وصَلَّى صَلاةً، لا تَصْلِيَةً: دعا، وـ الفَرَسُ: تَلا السابِقَ، وـ الحِمارُ أُتُنَهُ : طَرَدَها، وقَحَّمَها الطَّريقَ. والصَّلَواتُ: كَنَائِسُ اليَهُودِ، وأصْلُه بالعِبْرانِيَّةِ: صَلُوتَا " .

    3- المفردات في غريب القرآن :

    و الصَّلاةُ؛ قال كَثيرٌ مِنْ أهْلِ اللُّغَةِ: هي الدُّعاءُ وَالتَّبْرِيكُ وَالتَّمْجِيدُ، يقالُ صَلَّيْتُ عليه أي دَعَوْتُ لهُ وزَكَّيْتُ، وقال عليه السلام: «إذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ إلى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، وَإنْ كَانَ صَائِماً فَلْيُصَلِّ» أي لِيَدْعُ لأَهْلِهِ: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ــــ يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه}، وصَلَوَاتِ الرَّسُولِ وَصلاَةُ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ هو في التَّحْقِيقِ تَزْكِيَتُهُ إيَّاهُمْ. وقال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} ومِنَ الملاَئِكَةِ هي الدُّعَاءُ والاسْتِغْفَارُ كما هي منَ النّاسِ. قال: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} والصلاةُ التي هي العِبَادَةُ المَخْصُوصَةُ أصْلُهَا الدُّعَاءُ وَسُمِّيَتْ هذه العِبَادَةُ بها كَتَسْمَيَةِ الشيءِ باسْمِ بَعْضِ مَا يَتَضَّمَنُهُ، وَالصّلاَةُ مِنَ العِبَادَاتِ التي لم تَنْفَكُّ شَرِيعَةٌ منها وَإنْ اخْتَلَفَتْ صُوَرُهَا بحَسَبِ شَرْعٍ فَشَرْعٍ. ولذلك قال: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتا} وقال بَعْضُهُمْ: أصْلُ الصلاةِ مِنَ الصِّلاءِ، قال ومَعْنَى صَلّى الرَّجُلُ أي أنه أزالَ عَنْ نَفْسِهِ بهذه العِبَادَةِ الصِّلاءَ الذي هو نَارُ اللَّهِ المُوقَدَةُ.، وَبِنَاءُ صَلّى كَبِنَاءِ مَرّضَ لإزَالةِ المَرَضِ، وَيُسَمَّى مَوْضعُ العِبَادَةِ الصلاةَ، ولذلك سُمِّيَتِ الكَنَائِسُ صَلَوَاتٍ كقوْلهِ:
    {لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد} وكلُّ مَوْضِعٍ مَدَحَ اللَّهُ تعالى بِفِعْلِ الصَّلاَةِ أَوْ حَثَّ عليه ذُكِرَ بِلَفْظِ الإقَامَةِ نحوُ: {والمقيمين الصلاة ــــ وأقيموا الصلاة ــــ وأقاموا الصلاة} ولم يَقُلِ المُصَلِّينَ إلاّ في المُنَافِقِينَ نحوُ قولهِ: {فويل للمصلين ــــ الذين هم عن صلاتهم ساهون ــــ ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى} وَإنمَا خُصَّ لَفْظُ الإقَامَةِ تَنْبِيهاً أنَّ المَقْصُودَ مِنْ فِعْلِهَا تَوْفِيَةُ حُقُوقِها وَشَرَائِطهَا، لاَ الإتْيَانُ بهَيْئَتِها فقَطْ، ولهذا رُوِيَ أنَّ المُصَلِّينَ كَثِيرٌ وَالمُقِيمِينَ لهَا قَلِيلٌ وقولُهُ: {لم نك من المصلين} أيْ مِنْ أَتْبَاعِ النَّبِيِّينَ، وَقولُهُ: {فلا صدق و لا صلى} تنبيهاً أنهُ لم يكُنْ مِمَّنْ يُصَلَّى أي يَأْتِي بِهَيْئَتِها فضْلاً عَمَّنْ يُقيمُهَا. وقولُهُ: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء و تصدية} فتَسْمِيةُ صلاتِهِمْ مُكَاءً وَتَصْدِيةً تنْبيهٌ عَلَى إبْطالِ صلاتِهمْ وَأنَّ فِعْلُهُمْ ذلك لا اعْتِدَادَ به بلْ هُم في ذلك كطُيُورٍ تَمْكُو وَتَصْدِي. "
    4- ابن كثير :
    " وأصل الصلاة في كلام العرب الدعاء. قال الأعشى:
    لها حارس لا يبرح الدهر بيتها وإن ذبحت صلى عليها وزمزما
    وقال أيضا: وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم
    أنشدهما ابن جرير مستشهدا على ذاك ...."
    5- القرطبي :
    الصلاة أصلها في اللغة الدعاء, مأخوذة من صلى يصلي إذا دعا; ومنه قوله عليه السلام: (إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما فليصل) أي فليدع. وقال بعض العلماء: إن المراد الصلاة المعروفة, فيصلي ركعتين وينصرف; والأول أشهر وعليه من العلماء الأكثر. ولما ولدت أسماء عبدالله بن الزبير أرسلته إلى النبي صلى الله عليه وسلم; قالت أسماء:" ثم مسحه وصلى عليه", أي دعا له. وقال تعالى: "وصل عليهم" [التوبة: 103] أي ادع لهم.
    وقال الأعشى:
    تقول بنتي وقد قربت مرتحلا يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا
    عليك مثل الذي صليت فاغتمضي نوما فإن لجنب المرء مضطجعا
    وقال الأعشى أيضا:
    وقابلها الريح في دنها وصلى على دنها وارتسم "
    ارتسم الرجل: كبر ودعا. وقيل: هي مأخوذة من اللزوم; ومنه صلي بالنار إذا لزمها;
    ومنه {تصلى نارا حامية} [الغاشية: 4. وقال الحارث بن عباد:
    لم أكن من جناتها علم الله وإني بحرها اليوم صال
    أي ملازم لحرها; وكأن المعنى على هذا ملازمة العبادة على الحد الذي أمر الله تعالى به. وقيل: هي مأخوذة من صليت العود بالنار إذا قومته ولينته بالصلاة. والصلاء: صلاء النار بكسر الصاد ممدود; فإن فتحت الصاد قصرت, فقلت صلا النار, فكأن المصلي يقوم نفسه بالمعاناة فيها ويلين ويخشع والصلاة: الدعاء والصلاة: الرحمة; ومنه: (اللهم صل على محمد) الحديث. والصلاة: العبادة; ومنه قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت} [الأنفال: 35] الآية; أي عبادتهم. والصلاة: النافلة; ومنه قوله تعالى: {وأمر أهلك بالصلاة} [طه: 132]. والصلاة التسبيح; ومنه قوله تعالى: {فلولا أنه كان من المسبحين} [الصافات: 143] أي من المصلين. ومنه سبحة الضحى. وقد قيل في تأويل {نسبح بحمدك} [البقرة: 30] نصلي. والصلاة: القراءة; ومنه قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك} [الإسراء: 110] فهي لفظ مشترك. والصلاة: بيت يصلي فيه; قال ابن فارس. وقد قيل: إن الصلاة اسم عَلَمٌ وضع لهذه العبادة; فإن الله تعالى لم يخل زمانا من شرع; ولم يخل شرع من صلاة; حكاه أبو نصر القشيري.
    قلت: فعلى هذا القول لا اشتقاق لها; وعلى قول الجمهور وهي: - اختلف الأصوليون هل هي مبقاة على أصلها اللغوي الوضعي الابتدائي, وكذلك الإيمان والزكاة والصيام والحج, والشرع إنما تصرف بالشروط والأحكام, أو هل تلك الزيادة من الشرع تصيرها موضوعة كالوضع الابتدائي من قبل الشرع. هنا اختلافهم والأول أصح; لأن الشريعة ثبتت بالعربية, والقرآن نزل بها بلسان عربي مبين; ولكن للعرب تحكم في الأسماء, كالدابة وضعت لكل ما يدب; ثم خصصها العرف بالبهائم فكذلك لعرف الشرع تحكم في الأسماء, والله أعلم " .
    تعريف الصلاة شرعاً

    هي شرعا : » أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم « .
    فهي عماد الدين و ركنه الثاني أفعالها مفتتحة بتكبيرة الإحرام مختتمة بالتسليم .
    قال رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – :
    "مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم" د. ت .

    الفصل الثالث

    تأويل قوله تعالى :



    أولاً :
    فضائل الآيات التي ذكرت فيهن هاتين الآيتين
    أسباب النزول
    علاقة الآيات بما قبلها
    أوجه القراءات

    ثانياً :
    تأويل قوله تعالى :


    ثالثاً :
    تأويل قوله تعالى :





    أولاً :
    1. فضائل الآيات التي ذكرت فيهن هاتين الآيتين:
    « أخرج عبد الرزاق ، وأحمد ، وعبد بن حميد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن المنذر، والعقيلي ، والحاكم وصححه ، والبيهقي في الدلائل ، والضياء في المختارة : عن عمر بن الخطاب قال : " كان إذا أنزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل. فأنزل عليه يوما فمكثنا ساعة، فسري عنه فاستقبل القبلة فرفع يديه فقال:" اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرض عنا وأرضنا، ثم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة . ثم قرأ {قد أفلح المؤمنون}" حتى ختم العشر.
    وأخرج البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة، كيف كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالت : " كان خلقه القرآن. ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنون {قد أفلح المؤمنون} فقرأ حتى بلغ العشر فقالت: هكذا كان خلق رسول الله" – صلي الله عليه وسلم ٍ. وأخرج ابن عدي والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات : عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -خلق الله جنة عدن، وغرس أشجارها بيده وقال لها: تكلمي. فقالت{قد أفلح المؤمنون}.وأخرج الطبراني في السنة وابن مردويه من حديث ابن عباس مثله.وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله {قد أفلح المؤمنون} قال: قال كعب: "لم يخلق الله بيده إلا ثلاثة. خلق آدم بيده، والتوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده ، ثم قال: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون}، لما علمت فيها من الكرامة.وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: لما غرس الله الجنة نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون}.
    وأخرج ابن جرير عن أبي العالية:" لما خلق الله الجنة قال:{قد أفلح المؤمنون}وأنزل الله به قرآنا" .

    « ...عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عيد القارئ، عن عمر ــــ رضي الله عنه ــــ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة ثم قرأ:
    { قد أفلح المؤمنون} » . إلى عشر آيات ،
    ب - أسباب النزول:
    » أَخرج الحاكم عن أَبي هريرة: أَنَّ رسول الله- صلى الله عليه وسلم - كان إذا صلَّى رفع بصره إلى السَّماء، فنزلت: {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهمْ خَاشِعُونَ} فطأْطأَ رأْسه.
    وأَخرجه سعيد بن منصور، عن ابن سيرين مرسلاً بلفظ: كان يقلب بصره، فنزلت.
    وأَخرج ابن أبي حاتم عن ابن سيرين مرسلاً: كان الصحابة يرفعون أَبصارهم إلى السَّماء في الصَّلاة،
    وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ربما ينظر إلى الشيء في الصلاة فرفع بصره حتى نزلت آية، إن لم تكن هذه فلا أدري ما هي {الذين هم في صلاتهم خاشعون} فوضع رأسه " .
    » وقد روي عن كعب الأحبار، ومجاهد ، وأبي العالية ، وغيرهم: "لما خلق الله جنة عدن وغرسها بيده نظر إليها وقال لها: " تكلمي " . فقالت { قد أفلح المؤمنون }. قال كعب الأحبار: "لما أعد لهم من الكرامة فيها" وقال أبو العالية : " فأنزل الله ذلك في كتابه".
    وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا " .
    جـ - علاقة الآيات بما قبلها
    " اختتم الله – جل وعلا – سورة الحج بخطابه للمؤمنين :

    خاطبهم على سبيل الترجي فناسب ذلك قوله – جل وعلا – :- {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ } إخباراً بحصول ما كانوا رجوه من الفلاح ".

    أوجه القراءات :
    أَفْلَحَ : قراءة الجمهور
    أُفْلِح : ( بضم الألف وكسر اللام قراءة طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد ).
    أَفْلَحُ : (بفتح الهمزة واللام وضم الحاء قراءة طلحة أيضاً ).
    أَفْلَحوا: ( قراءة طلحة بن مصرف ، وهي قراءة مردودة ).
    قد افلح : (وبهمزة الوصل ورش عن نافع ).

    بيان ذلك :
    « قرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد {قد أفلح المؤمنون} بضم الهمزة وكسر اللام مبنياً للمفعول، ومعناه ادخلوا في الفلاح فاحتمل أن يكون من فلح لازماً أو يكون أفلح يأتي متعدياً ولازماً. وقرأ طلحة أيضاً بفتح الهمزة واللام وضم الحاء. قال عيسى بن عمر: " سمعت طلحة بن مصرف يقرأ: {قد أفلحوا المؤمنون}، فقلت له: أتلحن؟ قال: نعم، كما لحن أصحابي انتهى. يعني أن مرجوعه في القراءة إلى ما روي وليس بلحن ، لأنه على لغة أكلوني البراغيث. وقال الزمخشري: أو على الإبهام والتفسير. وقال ابن عطية: وهي قراءة مردودة، وفي كتاب ابن خالويه مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي اللوامح وحذفت واو الجمع بعد الحاء لالتقائهما في الدرج، وكانت الكتابة عليها محمولة على الوصل نحو {ويمح الله الباطل}. وقال الزمخشري: وعنه أي عن طلحة {أُفلحُ} بضمة بغير واو اجتزاء بها عنها كقوله: فلو أن الأطباء كان حولي انتهى. وليس بجيد لأن الواو في {أفلح} حذفت لالتقاء الساكنين وهنا حذفت للضرورة فليست مثلها » .
    « وقرأ ورش عن نافع {قد افلح} بإلقاء حركة الهمزة على الدال ، وحذفها لفظاً لالتقاء الساكنين . كما قال أبو البقاء. وهما الهمزة الساكنة بعد نقل حركتها والدال الساكنة بحسب الأصل لأنه لا يعتد بحركتها العارضة» .


    ثانياً :
    تأويل قوله تعالى :

    1. قال الإمام الطبري:

    " سورة المؤمنون مكية وآياتها ثماني عشرة ومائة {بسم الله الرحمن الرحيم} القول في تأويل- قوله تعالى- {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون .. }قال أبو جعفر: "يعني : - جل ثناؤه - بقوله :{قد أفلح المؤمنون }قد أدرك الذين صدقوا الله ورسوله محمدا- صلى الله عليه وسلم- وأقروا بما جاءهم به من عند الله، وعملوا بما دعاهم إليه مما سمي في هذه الآيات الخلود في جنات ربهم .."

    2. روى ابن كثير :
    " عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خلق الله جنة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ولبنة من ياقوتة حمراء ولبنة من زبرجدة خضراء ملاطها المسك وحصباؤها اللؤلؤ وحشيشها الزعفران ثم قال لها انطقي قالت { قد أفلح المؤمنون } فقال الله وعزتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل . " ثم تلا رسول الله_- صلى الله عليه وسلم -_:
    {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} " .

    3. قال البيضاوي :
    « قد فازوا بأمانيهم وقد تثبت المتوقع كما أن لما تنفيه وتدل على ثباته إذا دخلت على الماضي،
    ولذلك تقربه من الحال . ولما كان المؤمنون متوقعين ذلك من فضل الله صدرت بها بشارتهم " CD

    4. الثعالبي :
    " أخبر اللّه سبحانه عن فلاح المؤمنين، وأنهم نالوا البُغْيَةَ، وأحرزوا البقاءَ الدائم " .
    5. الكشاف :
    " {قَدْ} نقيضه «لما» هي تثبت المتوقع و«لما» تنفيه،ولا شكّ أن المؤمنين كانوا متوقعين لمثل هذه
    البشارة وهي الإخبار بثبات الفلاح لهم، فخوطبوا بما دلّ على ثبات ما توقعوه. والفلاح : الظفر
    الفلاح "
    6. الدر المنثور :
    " و أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله {قد أفلح المؤمنون} يعني: سعد المصدقون بتوحيد الله " ( C D )
    7. زاد المسير :
    " روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى حاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرس غرسها بيده فقال لها: تكلمي، فقالت: {قد أفلح المؤمنون}، فقال لها: طوبى لك منزل الملوك. قال الفراء: قد هاهنا يجوز أن تكون تأكيدا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبا للماضي من الحال، لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة، قبل حال قيامها؛ فيكون معنى الآية: إن الفلاح قد حصل لهم وإنهم عليه في الحال... قال الزجاج: ومعنى الآية: قد نال المؤمنون البقاء الدائم في الخير. ومن قرأ قد أفلح بضم الألف، كان معناه: قد أصيروا إلى الفلاح " .
    8. أضواء البيان :
    " واعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:
    الأول : الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد:
    فاعقلي إن كنت لما تعقلي ولقد أفلح من كان عقل
    أي فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.
    والثاني : هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضاً في رجز له:
    لو أن حياً مدرك الفلاح لناله ملاعب الرماح
    يعني مدرك البقاء، ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط بن قريع:
    لكل هم من الهموم سعه والمسي والصبح لا فلاح معه
    أي لا بقاء معه، ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح به في الآيات المذكورة، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين ".

    9. النسفي :
    {قد أفلح المؤمنون} «... والفلاح الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب أي فازوا بما طلبوا
    ونجوا مما هربوا، والإيمان في اللغة التصديق، والمؤمن المصدق لغة. وفي الشرع كل من نطق بالشهادتين
    مواطئاً قلبه لسانه فهو مؤمن " .
    [ تنبيه : والإيمان عند أهل السنة قول وعمل ، يزيد وينقص ـ يزيد بالطاعات ، وينقص بالمعاصي . والطاعات المذكورة في أول سورة المؤمنون وعلى رأسها الصلاة - مع اقترانها بالخشوع والمحافظة عليها – من شعب الإيمان . قال ابن القيم – رحمه الله - : « حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل . والقول قسمان : قول القلب وهو الاعتقاد ، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام . والعمل قسمان : عمل القلب وهو نيته و إخلاصه ، وعمل الجوارح ...] .

    10. تفسير السعدي :
    « هذا تنويه من الله، يذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فَلْيَزِنِ العبد نفسه، وغيره، على هذه الآيات، يعرف بذلك، ما معه، وما مع غيره، من الإيمان، زيادة ونقصاً، كثرة وقلة. فقوله: {قد أفلح المؤمنون} أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يروم المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة أنهم {في صلاتهم خاشعون }. ».

    ثالثاً:
    تأويل قوله تعالى :

    1. الطبري :
    { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }
    " الذين هم في صلاتهم متذللون لله بإدامة ما ألزمهم من فرضه وعبادته وإذا تذلل لله فيها العبد رؤية ذلة خضوعه في سكون أطرافه ، وشغله بفرضه ، وتركه ما أمر بتركه فيها " .
    " واختلف أهل التأويل في الذي عني به في هذا الموضع من الخشوع . فقال بعضهم : عني به سكون الأطراف في الصلاة . ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن قال ثنا سفيان عن منصور عن مجاهد:{ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } قال : " السكون فيها" حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور عن معمر عن الزهري {الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال: "سكون المرء في صلاته" . .... وقال آخرون عني به الخوف في هذا الموضع ذكر من قال ذلك حدثنا ابن عبد الأعلى قال ثنا ابن ثور عن معمر عن الحسن{ الذين هم في صلاتهم خاشعون} قال : "خائفون " حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر في قوله{ الذين هم في صلاتهم خاشعون } قال الحسن: "خائفون" . وقال قتادة : " الخشوع في القلب ". حدثني علي قال ثنا عبد الله قال ثني معاوية عن علي عن ابن عباس في قوله : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} يقول : "خائفون ساكنون" "
    2. تفسير الموردي :
    قال أبو الحسن الموردي في النُكَتُ والعيون :
    " قوله تعالى : {الذين هم في صلاتهم خاشعون} فيه خمسة أوجه :
    أحدها : خائفون ، وهو قول الحسن و قتادة .
    والثاني : خاضعون ، وهو قول ابن عيسى .
    والثالث : تائبون ، وهو قول إبراهيم .
    والرابع : أنه غض البصر ، وخفض الجناح ، قاله مجاهد .
    الخامس : هو أن ينظر إلى موضع سجوده من الأرض ، ولا يجوز بصره مصلاه ..."
    فصار في محل الخشوع على هذه الأوجه قولان :
    أحدهما : في القلب خاصة ، وهو قول الحسن و قتادة . ٍ
    والثاني : في القلب والبصر ، وهو مقتضى قول مجاهد وإبراهيم ".
    3. تفسير السعدي :
    { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ }
    " والخشوع في الصلاة هو: حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضراً لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته ويقل التفاته، متأدباً بين يدي ربه، مستحضراً جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك، الوساوس ، و الأفكار الرديئة. وهذا روح الصلاة، والمقصود منها. وهو الذي يكتب للعبد. فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزية مثاباً عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها" . ( C D )
    4. النسفي :
    { خَاشِعُونَ } " خائفون بالقلب ساكنون بالجوارح. وقيل: الخشوع في الصلاة جمع الهمة لها و الإعراض عما سواها. وأن لا يجاوز بصره مصلاه. وأن لا يلتفت ولا يعبث . ولا يسدل ولا يفرقع أصابعه ولا يقلب الحصى ونحو ذلك. وعن أبي الدرداء: "هو إخلاص المقال وإعظام المقام واليقين التام وجمع الاهتمام. وأضيفت الصلاة إلى المصلين لا إلى المصلى له لانتفاع المصلي بها وحده وهي عدته وذخيرته، وأما المصلى له فغني عنها " . ( C D )
    5. البحر المحيط:
    » قال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة. وقال مجاهد: غض البصر وخفض الجناح. وقال مسلم بن يسار و قتادة : تنكيس الرأس. وقال الحسن: الخوف. وقال الضحاك: وضع اليمين على الشمال. وعن عليّ: ترك الالتفات في الصلاة « . ( C D )
    6. الكشاف :
    ".. وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة هاب الرحمن أن يشدّ بصره إلى شيء، أو يحدث نفسه بشأن من شأن الدنيا. وقيل: هو جمع الهمة لها، والإعراض عما سواها. ومن الخشوع: أن يستعمل الآداب، فيتوقى كفّ الثوب، والعبث بجسده وثيابه والالتفات، و التمطي ، والتثاؤب، والتغميض، وتغطية الفم ، و السدل ، و الفرقعة ، و التشبيك ، و الاختصار ، و تقليب الحصى ...... ونظر الحسن إلى رجل يعبث بالحصا ، وهو يقول: اللَّهم زوّجني الحور العين، فقال: بئس الخاطب أنت! تخطب وأنت تعبث ؟
    7. وفي ظلال القرآن :
    " {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ}: " .. تستشعر قلوبهم رهبة في الصلاة بين يدي الله ، فتسكن وتخشع ، فيسري الخشوع منه إلى الجوارح والملامح والحركات . ويغشى أرواحها جلال الله في حضرته ، فتختفي في أذهانهم جميع المشاغل ، ولا تشتغل بسواه وهم مستغرقون في الشعور به مشغلون بنجواه . ويتواري عن حسهم في تلك الحضرة القدسية كل ما حولهم وكل ما بهم ، فلا يشهدون إلا الله ، ولا يحسون إلا إياه ، ولا يتذوقون إلا معناه . ويتطهر وجدانهم من كل دنس ، وينفضون عنهم كل شائبة ، فما يضمون جوانحهم على شئ من هذا مع جلال الله .. عندئذ تتصل الذرة التائهة بمصدرها ، وتجد الروح الحائرة طريقها ، ويعرف القلب الموحش مثواه . وعندئذ تتضاءل القيم والأشياء والأشخاص إلا ما يتصل منها بالله " . .
    وبين الله – جل وعلا - أن عباده المؤمنون الفائزون بالفلاح لا يخشعون في الصلاة فحسب ، بل موصوفون أيضا بالمحافظة على هذه الصلاة فيؤدونها في أوقاتها {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} وذلك لبيان مكانة هذه الفريضة .
    يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – : " ولقد بدأت صفات المؤمنين بالصلاة وختمت بالصلاة للدلالة على عظيم مكانتها في بناء الإيمان " .
    وبين هاتين الصفتين ذكر - تبارك وتعالى- إعراضهم عن اللغو ، وإيتاؤهم الزكاة ، وحفظهم لفروجهم ، وأداؤهم للأمانة ، و وفاؤهم للعهد . فبتخلقهم بهذه الصفات نالوا عظيم الدرجات في جنات الخلد ، نالوا الفردوس ، وما أدراك ما لفردوس ؟! إنها الجنة التي خلقها الله بيديه ، وجعلها تحت عرشه في عليين .
    فتح القدير : قال الأمام الشوكاني : " وفي الصحيح : جنات الفردوس أربع : اثنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما، واثنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما. وفي حديث عبادة {الفردوس} أعلاها يعني أعلا الجنة. قال قتادة: " وربوتها ومنها تفجر أنهار الجنة" " .

    فما أعظمه من أجر ! .. فهل من مشمر ؟















    الباب الثاني




    الفصل الأول :
    مسائل تتعلق بالخشوع


    الفصل الثاني :
    بعض الأسباب المعينة على الخشوع







    الفصل الأول :





    مسائل تتعلق بالخشوع :

    • حكم الخشوع .
    • حكم صلاة من عُدِم الخشوع .
    • هل من الخشوع إغماض العينين ؟.
    • أقل ما يجب في الخشوع .
    • درجات الخشوع .
    • خشوع النفاق .













    حكم الخشوع

    • هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها ومكملاته ؟
    هناك من العلماء من قال بوجوب الخشوع في الصلاة . ومنهم من قال : بل هو من فضائل الصلاة ومكملاتها.
    فممن قال بوجوبه : الإمام الغزالي في الإحياء وتابعه فريق من العلماء ، و قال بوجوبه ابن حامد من أصحاب الإمام أحمد،وروي عن الإمام أحمد روايتين ، وقال بوجوبه ابن تيمية .
    وقال الإمام النووي وابن حجر أنه من سنن الصلاة
    وجعله الرازي شرط صحة لا شرط قبول . وفصل القول الإمام ابن القيم في مدارج السالكين .
    وفي هذا الفصل سوف نتعرض لأدلة كل منهم ، والرأي الراجح من هذه الأقوال .

    أ- أدلة القائلين بوجوب الخشوع :

    1. {أفلا يتدبرون القرآن} (النساء: 82). والتدبر لا يتصوّر بدون الوقوف على المعنى.
    2. {أقم الصلاة لذكري} (طه: 14). والغفلة تضادّ الذكر، ولهذا قال: {ولا تكن من الغافلين} (الأعراف: 205).
    3. إنَّ حركة اللسان غيرُ مقصودة؛ بل المقصود معانيها .
    4. ما روي عن النبي ( صلي الله عليه وآله وسلم ) مسندا :«إن العبد ليصلي الصلاة لا يكتب له سدسها ولا عشرها، وإنما يكتب للعبد من صلاته ما عقل منها».
    5. عن معاذ بن جبل: من عرف من على يمينه وشماله متعمداً وهو في الصلاة فلا صلاة له".
    6. عن الحسن رحمه الله: " كل صلاة لا يحضر فيها القلب فهي إلى العقوبة أسرع ".
    7. وقال عبد الواحد بن زيد: " أجمعت العلماء على أنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل " .
    ( انظر تفسير الرازي أول المؤمنون المسألة السابعة )هذه غالب أدلتهم ولمزيد من الإيضاح أنقل:

    قول ابن تيمية في الفتاوى : قال – رحمه الله - :
    " فقد قال الله تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } وهذا يقتضي ذم غير الخاشعين . كقوله- تعالى-: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله }وقوله –تعالى- :{كبر على المشركين ما تدعوهم إليه } . فقد دل كتاب الله _عز وجل _ على من كبر عليه ما يحبه الله أنه مذموم بذلك في الدين ، مسخوط منه ذلك . والذم أو السخط لا يكون إلا لترك واجب أو فعل محرم . وإذا كان غير الخاشعين مذمومين ، دل ذلك على وجوب الخشوع . فمن المعلوم أن الخشوع المذكور في قوله – تعالى – { وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين } لابد أن يتضمن الخشوع في الصلاة . فإنه لو كان المراد الخشوع خارج الصلاة لفسد المعنى. إذ لو قيل : إن الصلاة لكبيرة إلا على من خشع خارجها ولم يخشع فيها. كان اقتضى أنها : لا تكبر على من لم يخشع فيها ، وتكبر على من خشع فيها وقد، انتفى مدلول الآية. فثبت أن الخشوع واجب في الصلاة . ويدل على وجوب الخشوع فيها أيضا قوله – تعالى - : {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون} أخبر- سبحانه وتعالى- : أن هؤلاء هم الذين يرثون فردوس الجنة . وذلك يقتضي أنه لا يرثها غيرهم . وقد دل هذا على وجوب هذه الخصال . إذ لو كان فيها ما هو مستحب ، لكانت جنة الفردوس تورث بدونها ، لأن الجنة تنال بفعل الواجبات دون المستحبات ، ولهذا لم يذكر في هذه الخصال إلا ما هو واجب . وإذا كان الخشوع في الصلاة واجباً . فالخشوع يتضمن السكينة والتواضع جميعا . ومنه حديث عمر - رضى الله عنه - حيث رأى رجلا يعبث في صلاته . فقال : " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" أي : لسكنت وخضعت ".
    وقال – رحمه الله – مفصلا نصيب الخاشعين :
    " فان قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب قيل نعم لكن الناس فيه على قسمين مقتصد وسابق فالسابقون يختصون بالمستحبات والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة ومن لم يكن من هؤلاء ولا هؤلاء فهو ظالم لنفسه وفى الحديث الصحيح عن النبي اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع ودعاء لا يسمع " م .

    ب‌- أدلة القائلين أن الخشوع سنة وليس بواجب :

    1. أمر رسول الله ص من سها في صلاته بسجود السهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله :
    " إن العبد لينصرف من الصلاة ولم يكتب له إلا نصفها ، ثلثها ، ربعها ، حتى بلغ عشرها ".
    2. إجماع الفقهاء على أنه ليس بشرط .
    3. ما ثبت عن النبي ص في الصحيح أنه قال : " إذا أذن المؤذن بالصلاة أدبر الشيطان وله
    ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل ، حتى يخطر بين المرء ونفسه ، يقول : " أذكر كذا .. أذكر كذا" ، ما لم يكن يذكر ، حتى يظل لا يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك فليسجد سجدتين وهو جالس " .
    قالوا: فأمره النبي في هذه الصلاة التي قد أغفله الشيطان فيها ، حتى لم يَدر كم صلى بأن يسجد سجدتين السهو ، ولم يأمره بإعادتها ، ولو كانت باطلة - كما زعمتم – لأمره بإعادتها . "
    4. " وقد حكى النووي الإجماع على أن الخشوع ليس بواجب "
    ولذلك قالوا بأن الخشوع سنة كما جاء في المنهاج وشرحه لابن حجر : " ويسن الخشوع في كل صلاته بقلبه بأن لا يحضر فيه غير ما هو فيه .... والظاهر أن هذا مراد النووي من الخشوع لأنه سيذكر الأول بقوله: ويسن دخول الصلاة بنشاط وفراغ قلب إلا أن يجعل ذلك سبباً له ولذا خصه بحالة الدخول ."
    وفي شرح أصول الفقه الشافعي :
    "ومن سنن الصلاة الخشوع وترتيل القراءة وتدبرها وتدبر الذكر والدخول فيها بنشاط وفراغ القلب "
    وقال : في المجموع المسألة الثالثة : يستحب . الخشوع في الصلاة ، والخضوع، وتدبر قراءتها، وأذكارها، وما يتعلق بها، والإعراض عن الفكر فيما لا يتعلق بها، فإن فكر في غيرها ، وأكثر من الفكر، لم تبطل صلاته لكن يكره، سواء كان فكره في مباح ، أو حرام كشرب الخمر ... أن الفكر في حديث النفس
    إذا كثر بطلت الصلاة وهو شاذ مردود، وقد نقل الإجماع على أنها لا تبطل . وأما الكراهة فمتفق عليها ".
    ومن الواضح أن القائلين بهذا القول من الفقهاء يبحثون عن حكم الإجزاء لا حكم الثواب والقبول كما أشار الرازي في تفنيد قولهم . قال الرازي :
    " ... أن الحضور عندنا ليس شرطاً للأجزاء، بل شرط للقبول، والمراد من الإجزاء أن لا يجب القضاء، والمراد من القبول حكم الثواب. والفقهاء إنما يبحثون عن حكم الإجزاء لا عن حكم الثواب، وغرضنا في هذا المقام هذا "( أي حكم الثواب ).
    ثم وضح ذلك بمثال فقال : " ومثاله في الشاهد: من استعار منك ثوباً ثم رده على الوجه الأحسن، فقد خرج عن العهدة ، واستحق المدح . ومن رماه إليك على وجه الاستخفاف ، خرج عن العهدة، ولكنه استحق الذم . كذا من عظم الله- تعالى - حال أدائه العبادة ، صار مقيماً للفرض ، مستحقاً للثواب، ومن استهان بها، صار مقيماً للفرض ظاهراً ، لكنه استحق الذم ".

    غير أن هناك رأي هو أقرب إلى الصواب ذكره الألوسي :
    " لنا وجهاً اختاره جمع أنه شرط للصحة لكن في البعض "
    فعلى هذا القول يجب الخشوع والحضور ولو في جزء من الصلاة و إلا بطلت الصلاة ، وهذا حق خاصة وأن الخشوع روح الصلاة ، وإلا كانت ميتة لا روح فيها ، مردودة مذموم صاحبها .

    وهذا هو أرجح الأقوال ، والله أعلم .







    حكم صلاة من عُدِم الخشوع

    و يترتب على قول من أوجب الخشوع وحضور القلب وجوب إعادة الصلاة - كما قرر ابن حامد من الحنابلة – وجمهور الفقهاء على خلاف ذلك .
    قال ابن القيم في مدارج السالكين :
    " فإن قيل : ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع ، هل يعتدبها أم لا ؟
    قيل : أما الاعتداد بها في الثواب : فلا يعتد بها ، إلا بما عقل فيه منها ، وخشع فيه لربه .
    قال ابن عباس : " ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها ".
    وفي المسند مرفوعاً : " إن العبد ليصلي الصلاة ، ولم يكتب له إلا نصفها ،أو ثلثها ، أو ربعها حتى بلغ عشرها ". فقد علق الله فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم ، فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح ، ولو أعتدَّ له بها ثوابا لكان من المفلحين ، وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا ، وسقوط القضاء فإن غلب عليها الخشوع وتعقلها اعتد بها إجماعاً ، وكانت من السنن والأذكار عُقيبها جوابر ومكملات لنقصها .
    وإن غلب عليها عدم الخشوع فيها وعدم تعقلها ، فقد اختلف الفقهاء في وحوب إعادتها . "
    ثم رجح – رحمه الله – عدم إعادتها فقال :
    " فإن أردتم وجوب الإعادة لتحصل هذه الثمرات والفوائد فذك كله إليه إن شاء أن يحصلها وإن شاء أن يفوتها على نفسه ، وإن أردتم بوجوبها أنا نلزمه بها ونعاقبه على تركها ونرتب عليه أحكام تارك الصلاة فلا. وهذا القول الثاني أرجح القولين (أي عدم وجوب الإعادة ) والله أعلم ."








    هل من الخشوع إغماض العينين ؟

    لم يكن رسول الله - صلى الله عليه وآله و سلم – يغمض عينيه في الصلاة .قال ابن القيم - رحمه الله - :
    " و قد يدل على ذلك ، مد يده في صلاة الكسوف ليتناول العنقود لما رأى الجنة ، وكذلك رؤيته النار، وصاحبة الهرة فيها ، وصاحب المحجن . وكذلك حديث مدافعته للبهيمة التي أرادت أن تمر بين يديه ، ورده الغلام والجارية ، وحجزه بين الجاريتين . وكذلك أحاديث رد السلام بالإشارة على من سلم عليه وهو في الصلاة ، فإنه إنما كان يشير إلى من يراه .وكذلك حديث تعرض الشيطان له فأخذه فخنقه، وكان ذلك رؤية عين . فهذه الأحاديث وغيرها يستفاد من مجموعها العلم بأنه لم يكن يغمض عينيه في الصلاة .
    وقد اختلف الفقهاء في كراهته . فكرهه الإمام أحمد وغيره وقالوا : "هو فعل اليهود" . وأباحه جماعة ولم يكرهوه . وقالوا : " قد يكون أقرب إلى تحصيل الخشوع الذي هو روح الصلاة وسرها ومقصودها "
    والصواب أن يقال :إن كان تفتيح العين لا يخل بالخشوع ، فهو أفضل . وإن كان يحول بينه وبين الخشوع _ لما في قبلته من الزخرفة و التزويق أو غيره مما يشوش عليه قلبه _ فهنالك لا يكره التغميض قطعا ، والقول باستحبابه في هذا الحال أقرب إلى أصول الشرع ومقاصده من القول بالكراهة والله أعلم " .

    أقل ما يجب فيه الخشوع
    قال الأستاذ سعيد حوى :
    " .. وحاصل الكلام : أن حضور القلب هو روح الصلاة ، وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند التكبير . فالنقصان منه هلاك ، وبقدر الزيادة عليه تنبسط الروح في أجزاء الصلاة . وكم من حي لا حرك به قريب من ميت . فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كمثل حي لا حراك به . نسأل الله حسن العون " آمين .




    درجات الخشوع

    قال ابن القيم في مدارج السالكين :
    " قال صاحب المنازل : الخشوع : خمود النفس وهمود الطباع لمتعاظم أو مفزع يعنى : انقباض النفس والطبع وهو خمود قوى النفس عن الانبساط لمن له في القلوب عظمة ومهابة أو لما يفزع منه القلب.
    والحق : أن الخشوع معنى يلتئم من التعظيم والمحبة والذل والانكسار قال : وهو على ثلاث درجات:
    الدرجة الأولى :
    "التذلل للأمر والاستسلام للحكم والاتضاع لنظر الحق ".
    التذلل للأمر : تلقيه بذلة القبول والانقياد والامتثال ،و موطأة الظاهر الباطن ،مع إظهار الضعف والافتقار إلى الهداية للأمر قبل الفعل والإعانة عليه حال الفعل وقبوله بعد الفعل .
    وأما الاستسلام للحكم : فيجوز أن يريد به : الحكم الديني الشرعي فيكون معناه : عدم معارضته برأي أو شهوة ويجوز أن يريد به :الاستسلام للحكم القدري وهو عدم تلقيه بالتسخط و الكراهة والاعتراض.
    والحق : أن الخشوع هو الاستسلام للحكمين . وهو الانقياد بالمسكنة ، والذل لأمر الله وقضائه. وأما الاتضاع لنظر الحق : فهو اتضاع القلب والجوارح ، وانكسارها لنظر الرب إليها واطلاعه على تفاصيل ما في القلب والجوارح ، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى : {ولمن خاف مقام ربه جنتان } ( الرحمن : 46 ) وقوله :{ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى ... }
    الدرجة الثانية :
    " ترقب آفات النفس والعمل، ورؤية فضل كل ذي فضل عليك وتنسم نسيم الفناء" .
    يريد : انتظار ظهور نقائص نفسك وعملك وعيوبهما فإن [ ذلك] يجعل القلب خاشعا لا محالة لمطالعة عيوب نفسه وأعماله ونقائصهما ، من الكبر.. والعجب .. والرياء .. وضعف الصدق.. وقلة اليقين .. وتشتت النية .. وعدم تجرد الباعث من هوى نفساني .. وعدم إيقاع العمل على الوجه الذي ترضاه لربك .. وغير ذلك من عيوب النفس ومفسدات الأعمال .... "
    الدرجة الثالثة :
    " حفظ الحرمة عند المكاشفة ، وتصفية الوقت من مراءاة الخلق ، وتجريد رؤية الفضل ".
    أما حفظ الحرمة عند المكاشفة : فهو ضبط النفس بالذل والانكسار عن البسط والإدلال الذي تقتضيه المكاشفة . فإن المكاشفة توجب بسطا ويخاف منه شطحا إن لم يصحبه خشوع يحفظ الحرمة .
    وأما تصفية الوقت من مراءاة الخلق : فلا يريد به أنه يصفي وقته عن الرياء فإن أصحاب هذه الدرجة أجل قدرا وأعلى من ذلك وإنما المراد : أنه يخفي أحواله عن الخلق جهده، كخشوعه وذله وانكساره ، لئلا يراها الناس ، فيعجبه اطلاعهم عليها، ورؤيتهم لها، فيفسد عليه وقته وقلبه وحاله مع الله .
    وكم قد انقطع في هذه المفازة من سالك . والمعصوم من عصمه الله . فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل ، وأنه لا شيء ، وأنه ممن لم يصح له بعد الإسلام حتى يدعي الشرف فيه. ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه - من ذلك أمراً لم أشاهده من غيره ، وكان يقول كثيرا : " ما لي شيء ولا مني شيء ولا في شيء" .
    وكان كثيرا ما يتمثل بهذا البيت :
    أنا المكدي وابن المكدي وهكذا كان أبي وجدي
    وكان إذا أُثنى عليه في وجهه يقول : "والله إني إلى الآن أجدد إسلامي كل وقت ، وما أسلمت بعد إسلاما جيدا " . وبعث إلي في آخر عمره قاعدة في التفسير بخطه وعلى ظهرها أبيات بخطه من نظمه :

    أنا الفقير إلى رب البريات
    أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي
    لا أستطيع لنفسي جلب منفعة
    إلى أن يقول :
    ولست أملك شيئا دونه أبدا
    والفقر لي وصف ذات لازم أبدا
    وهذه الحال حال الخلق أجمعهم
    فمن بغى مطلبا من غير خالقه
    والحمد لله ملء الكون أجمعه أنا المسيكين في مجموع حالاتى
    والخير إن يأتنا من عنده ياتى
    ولا عن النفس لى دفع المضرات

    ولا شريك أنا في بعض ذرات
    كما الغنى أبدا وصف له ذاتي
    وكلهم عنده عبد له آتى
    فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي
    ما كان منه وما من بعد قد ياتي"





    خشوع النفاق

    "أخرج الحكيم الترمذي والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي بكر الصديق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تعوذوا بالله من خشوع النفاق. قالوا يا رسول الله وما خشوع النفاق؟ قال: خشوع البدن، ونفاق القلب " .
    وأخرج ابن المبارك وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي الدرداء قال: " استعيذوا بالله من خشوع النفاق. قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع ".
    فمن أظهر للناس خشوعاً فوق ما في قلبه فإنما أظهر نفاقاً على نفاق . قال ابن القيم :
    "وكان بعض الصحابة رضى الله عنهم وهو حذيفة يقول : " إياكم وخشوع النفاق فقيل له : وما خشوع النفاق قال : أن ترى الجسد خاشعا والقلب ليس بخاشع " . ورأى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه - رجلا طأطأ رقبته في الصلاة فقال: " يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب" . ورأت عائشة - رضى الله عنها- شبابا يمشون ويتماوتون في مشيتهم . فقالت لأصحابها : " من هؤلاء " . فقالوا : " نسِِّاك" . فقالت : " كان عمر بن الخطاب إذا مشى أسرع. وإذا قال : أسمع. وإذا ضرب : أوجع. وإذا أطعم : أشبع . وكان هو الناسك حقا" . وقال الفضيل بن عياض : " كان يُكره أن يرى الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه ". وقال حذيفة - رضي الله عنه – " أول ما تفقدون من دينكم الخشوع ، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ، ورب مصل لا خير فيه. ويوشك أن تدخل مسجد الجماعة فلا ترى فيهم خاشعاً " . وقال سهل : " من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان "."
    هذا .. وليس من خشوع النفاق التمسكن ، وتباكى من فقد الخشوع على نفسه ، إذا توارى واستتر، بغية أن يحصل الخشوع . فإن من طرق الباب وألح يوشك أن يلج.
    وإن لقول عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – " أول علم يرفع من الناس الخشوع " وقول النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - : " .. ومن يستعفف يعفه الله ، ومن يستغن يغنه الله ، ومن يتصبر يصبره الله .." في الأول دليل على أن الخشوع علم . وفي الثاني دليل على أن هذه الصفات وأمثالها – كالخشوع هنا - يمكن أن تكتسب بالتدريب وبالمثابرة عليها. كما أنه ليس من خشوع النفاق أن يرى أثر الخشوع على العبد – كما سيأتي - ما لم يكن مرائيا وعليه أن يجتهد في إخفائه خوفا من الرياء .


    الخشوع المحمود


    قال القرطبي :

    " قال سهل بن عبد الله:
    " لا يكون خاشعا حتى تخشع كل شعرة على جسده لقول الله - تبارك وتعالى- : {تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ". [الزمر: 23]

    قلت (القرطبي ) : هذا هو الخشوع المحمود . لأن الخوف إذا سكن القلب أوجب خشوع الظاهر فما يملك صاحبه دفعه ، فتراه مطرقا متأدبا متذللا ، وقد كان السلف يجتهدون في ستر ما يظهر من ذلك ، وأما المذموم : فتكلفه والتباكي ، ومطأطئة الرأس كما يفعله الجهال ليروا بعين البر والإجلال وذلك خدع من الشيطان ، وتسويل من نفس الإنسان . روى الحسن أن رجلا تنفس عند عمر بن الخطاب كأنه يتحازن فلكزه عمر - أو قال لكمه - وكان عمر رضي الله عنه إذا تكلم أسمع . وإذا مشى أسرع .وإذا ضرب أوجع ، وكان ناسكا صدقا وخاشعا حقا " .



    الفصل الثاني



    بعض الأسباب المعينة على الخشوع:

    أولا : ما يجلب الخشوع ويقويه .
    ثانيا : موانع الخشوع .




























    ما يجلب الخشوع ويقويه


    يجلب الخشوع في الصلاة أشياء كثيرة ذكرها العلماء. أذكر منها على سبيل الاختصار :

    1. حضور القلب والإقبال عليها بنشاط :

    لأن الله – تعالى - ذم المنافقين فقال {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى }.
    وقال : { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } .

    2. الاستعداد للصلاة والتهيؤ لها :
    وذلك بترديد الأذان ، والدعاء بالأدعية المأثورة بعده ، وإسباغ الوضوء ، والمشي إلى المسجد بسكينة ووقار ، وصلاة تحية المسجد ، وانتظار الصلاة ، و الانشغال بالدعاء بين الأذان والإقامة ، وتعديل الصفوف ، واستحضار هيبة الموقف بين يدي ملك الملوك .

    3. وضع اليمين على الشمال فوق الصدر :

    أما وضع اليمين على الشمال لما في ذلك من الأدب مع الله – عز وعلا – .
    و أما فوق الصدر فهو السنة ، وخير الهدي هدي محمد - صلى الله عليه وسلم - و قال ابن رجب الحنبلي : " سُئل الإمام أحمد عن المراد بذلك [ أي وضع اليمين على الشمال] فقال : " ذل بين يدي عزيز " .

    4. ترتيل القراءة وتدبرها :
    ويحصل الخشوع بأن تكون القراءة سليمة – أي بقواعد الترتيل - خالية من اللحن ، و بالاجتهاد في تحسين الصوت في التلاوة ، و بتفهم تلاوة الصلاة إذ ذلك أساسيا في حصول الخشوع .
    قال النووي :
    " قال القاضي [ عياض ] : " أجمع العلماء على استحباب تحسين الصوت بالقراءة وترتيلها "

    5. إتمام الركوع والسجود :
    فذلك أدعى للخشوع. والإخلال به يبطل الصلاة. وسيأتي مزيد تفصيل بعد في موانع الخشوع.
    روى الإمام المنذري : عن أبي مسعود البدري - رضي الله عنه _ قال:
    قال : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود " . رواه أحمد وأبو داود واللفظ له والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ورواه الطبراني والبيهقي وقالا:" إسناده صحيح ثابت " وقال الترمذي : "حديث حسن صحيح"
    6. إطالة الركوع والسجود وتدبر التسبيح فيهما :
    فقد كان يُعدّ لرسول الله ص إحدى عشر تسبيحة في ركوعه ومثلها في سجوده وكان يقول :
    " أقرب ما يكون العبد لربه وهو ساجد فأكثروا فيه من الدعاء " .

    7. صلاة النفل في بيت
    أن صلاة النفل في بيت الإنسان أفضل منها في المسجد مع شرف المسجد لأن فعلها في البيت فضيلة تتعلق بها؛ فإنه سبب لتمام الخشوع والإخلاص وأبعد من الرياء والإعجاب



    8. الإعراض عن الدنيا والرغبة في الآخرة :

    فإن من أعرض عن الدنيا وزينتها ، هانت عليه ، وجعلها خلف ظهره . فلا يفرح بإقبالها ، ولا يحزنه على إدبارها . ومن رغب في الآخرة سعى لها سعيها ، واحتمل تكاليف الدين من أجلها . بل شعر بلذة العبودية فأورثه ذلك خشوعا في قلبه لا محالة .

    قال أبو نعيم في الحلية :
    " سُئل حمدون ، من العلماء ؟ قال المستعملون لعلمهم ، والمتهمون آراءهم ، والمقتدون بسير السلف ، والمتبعون لكتاب الله وسنة نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لباسهم الخشوع ، وزينتهم الورع ، وحليتهم الخشية ، وكلامهم ذكر الله أو أمر بمعروف أو نهي عن منكر، وصمتهم تفكر في آلاء الله ونعمه. نصيحتهم للخلق مبذولة ، وعيوبهم عندهم مستورة . يزهدون الخلق في الدنيا بالإعراض عنها، ويرغبونهم في الآخرة بالحرص على طلبها " .

    9- جملة أسباب تجلب الخشوع :

    ومما يزيد الخشوع : " تذكر الموت في الصلاة .. الصلاة إلى سترة والدنو منها ..النظر إلى موضع السجود .. تحريك السبابة .. التنويع في السور والآبات والأذكار ..سجود التلاوة إذا مر بموضعه .. الأذكار الواردة بعد الصلاة .. ألا يُصلى خلف المتحدثين حتى لا يشغله حديثهم .

    10 - التأمل في أحوال السلف الصالح :
    فهم الرجال الذين يُقتدى بهم . خاصة من اصطفاهم الله لصحبة نبيه – رضوان الله عليهم أجمعين – فأدبهم الله بالقرآن ، ورباهم الرسول على عينيه فكانوا كما وصفهم الحسن البصري رحمه الله :
    " إن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله ، صدَّقوا بها [وأفضى يقينها إلى قلوبهم خشعت* ] لذلك قلوبهُم وأبدانُهم وأبصارُهم . ُكنتَ والله إذا رأيتَهم رأيتَ قوما كأنهم رأيُ عين ، فو الله ما كانوا بأهل جدل و[ لا ] باطل ، [ ولا اطمأنوَّا إلا إلى الله ، ولا أظهروا ما ليس في قلوبهم ] ، ولكن جاءهم من الله أمر ، فصدقوا به . فنعتهم الله [ تعالى ] في القرآن أحسن نعت فقال :
    { وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا}
    قال الحسن : والهون في كلام العرب اللين والسكينة والوقار .
    { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما } [ الفرقان : 63 ]
    قال : حلماء لا يجهلون ، وإن جُهل عليهم حَلموا ، يُصاحبون عبادَ الله نهارَهم بما تسمعون .
    ثم ذكر ليلهم خيرَ ليلٍ فقال : { والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما } [ الفرقان : 64]
    ينتصبون لله على أقدامهم ، ويفترشون وجوههم سجدا لربهم ،تجري دموعهم على خدودهم ، خوفا من ربهم. قال الحسن : لأمرٍ ما [ أسهروا له ليلهم ، ولأمر ما خشعوا له نهارهم ] ثم قال :
    { والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما } [ الفرقان : 65 ]
    قال :" وكل شيء يصيب ابن آدم [ ثم يزول ]** فليس بغرام، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض" قال : "صدق القومُ ، والله الذي لا إله إلا هو، فعملوا ولم يتمنوا ، فإياكم وهذه الأماني -يرحمكم الله - فإن الله لم يُعط عبداً بالأمنية خيراً في الدنيا والآخرة قطُّ ، وكان يقول – أي إذا حدث بهذا الحديث – :
    " يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة "

    اللهم احي موات قلوبنا ..لقد علموا فعملوا .. فدانت لهم الدنيا فاحتقروها وزهدوا فيها .. كانت قرة عينهم في الصلاة . فكانوا يستريحون بها وفيها .. لسان حالهم يقول أرحنا بها يا بلال .. أما لسان مقالنا نحن : لقد استرحنا من الصلاة . فلا خلاص لنا مما نحن فيه إلا أن نعود لسيرتهم . ونجمع همومنا في هم واحد ، ألا وهو مرضات الله .
    وخير معين لنا في طريق العودة إلى سيرتهم ، أن نصاحب الأخيار الذين وصفهم لنا رسولنا – صلى الله عليه وآله وسلم فقال :
    " أيها الناس ألا أنبئكم بخياركم ؟. قالوا: بلى . قال : " الذين إذا رءوا ذُكر الله .و إذا تكلموا كان كلامهم لعز الإسلام ،ونجاة النفوس وصلاحها ، لا لعز النفوس وطلب الدنيا وقبول الخلق . وكانوا لعلمهم متهمين ، ولسبيل أسلافهم متبعين ، وبكتاب الله وسنة نبيهم متمسكين . الخشوع لباسهم ، والورع زينتهم ، والخشية حليتهم. كلامهم الذكر ، وصمتهم الفكر. نصيحتهم للناس مبذولة، وشرورهم عنهم مخزونة، وعيوب الناس عندهم مدفونة . ورثوا جلّاسهم الزهد في الدنيا لإعراضهم وإدبارهم عنها . ورغبوهم في الآخرة لإقبالهم وحرصهم عليها " .


    موانع الخشوع

    موانع الخشوع التي ذكرها العلماء كثيرة . أذكر منها على سبيل الاختصار :

    1. رفع البصر في الصلاة عن موضع السجود :
    " ... وقال محمد بن سيرين : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفع بصره في الصلاة فلما نزلت هذه الآية قد {أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون } لم يكن يجاوز بصره موضع سجوده" . رواه الإمام أحمد في كتاب الناسخ والمنسوخ
    فلما كان رفع البصر إلى السماء ينافى الخشوع حرمه النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوعد عليه
    وقد ثبت في الصحيحي*ن أنه قال :
    " لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم في الصلاة أو لا ترجع إليهم أبصارهم ."
    واتفق العلماء على أن رفع المصلى بصره إلى السماء منهي عنه . وروى أحمد عن محمد بن سيرين : » أن النبي كان يرفع بصره في الصلاة إلى السماء حتى أنزل الله - تعالى - : {أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون }. فكان بصره لا يجاوز موضع سجوده « فهذا مما جاءت به الشريعة تكميلا للفطرة لأن الداعي السائل الذي يؤمر بالخشوع - وهو الذل والسكون - لا يناسب حاله أن ينظر إلى ناحية من يدعوه ويسأله. بل يناسب حاله الإطراق وغض بصره أمامه ".

    2. القراءة باللحن بالزيادة أو النقصان :
    " قال الشافعي في موضع : " أكره القراءة بالألحان " وقال في موضع: " لا أكرهها" قال أصحابنا: " ليس له فيها خلاف . وإنما هو اختلاف حالين ، فحيث كرهها أراد : إذا مطط وأخرج الكلام عن موضعه بزيادة أو نقص ، أو مد غير ممدود وإدغام ما لا يجوز إدغامه ، ونحو ذلك. وحيث أباحها أراد: إذا لم يكن فيها تغير لموضوع الكلام. والله أعلم . ".



    3. الإخلال بالركوع والسجود
    " ... وإذا كان الخشوع في الصلاة واجبا، وهو متضمن للسكون والخشوع . فمن نقر نقر الغراب لم يخشع في سجوده ، وكذلك من لم يرفع رأسه من الركوع ويستقر قبل أن ينخفض لم يسكن لأن السكون هو الطمأنينة بعينها، فمن لم يطمئن لم يسكن ، ومن لم يسكن لم يخشع في ركوعه ولا في سجوده ، ومن لم يخشع كان آثما عاصيا « .

    4. تكلف الدعاء يذهب الخشوع

    قال بعض السلف » : إذا جاء الأعراب ذهب الخشوع « . هذا كما يكره تكلف السجع في الدعاء، فإذا وقع بغير تكلف فلا بأس به . فإن أصل الدعاء من القلب واللسان تابع للقلب . ومن جعل همته في الدعاء تقويم لسانه أضعف توجه قلبه ، ولهذا يدعو المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك . وهذا أمر يجده كل مؤمن في قلبه . والدعاء يجوز بالعربية وبغير العربية ، والله سبحانه يعلم قصد الداعي ومراده ، وإن لم يقوم لسانه ، فإنه يعلم ضجيج الأصوات باختلاف اللغات على تنوع الحاجات ".

    5. الصلاة في قارعة الطريق :

    ومما يشعل المصلي وينافي الخشوع الصلاة في طريق المارة ، ولذلك قال فقهاء الشافعية : ٍ
    » فصل . ولا يصلى في قارعة الطريق . " لحديث [ ابن* ] عمر - رضي الله عنهما - : "سبعة مواطن لا تجوز فيها الصلاة .. " وذكر قارعة الطريق ، ولأنه يمنع الناس من الممر، وينقطع خشوعه بممر الناس. فإن صلى فيه صحت صلاته لأن : المنع لترك الخشوع ، أو لمنع الناس من الطريق . وذلك لا يوجب بطلان الصلاة . فقالوا إنه مكروه لأن يفقد الخشوع .

    6. أن يكون في ثوبه أو مصلاه صوراً أو نقوشاً :

    لأن ذلك يشغل بصره فيلهيه عن الذكر والتلاوة - وهو ينافي الأدب مع الله وبين يديه - فيفقد الخشوع وقد قال الله – جل وعلا – { وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه }.
    وقال صاحب المهذب :
    » ويكره أن ينظر إلى ما يلهيه لما روت عائشة - رضي الله عنها - قالت : " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يصلي وعليه خميصة ذات أعلام . فلما فرغ قال : " ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي الجهم وأتوني بأنبجانيته " خ .م . .

    7. الصلاة حاقناً أو حاقباً أو حازقاً :
    والصلاة حاقناً: بالنون أي بالبول . أو حاقباً : بالموحدة أي بالغائط . أو حازقا: أي بالريح .
    وذلك لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك في الحديث .
    بل يستحب تجديد الوضوء لاغتنام الأجر وتحصيل الخشوع .

    8. الصلاة بحضرة طعام :
    وللفقهاء في ذلك تفصيل متى يكره ومتى لا :
    " .. توقان الطعام الحاضر أو القريب الحضور أي : اشتهائه بحيث يختل الخشوع لو قدم الصلاة عليه . و لأمره - صلى الله عليه وسلم - : بتقديم العشاء على العشاء . ويأكل ما يتوفر معه خشوعه . فإن لم يتوفر إلا بالشبع شبع . ومحل ذلك إن وسع الوقت أيضا وإلا صلى فورا وجوباً ".

    9. تجنب العبث ببدنه أو ثوبه أو غيره :
    ".. عبث بلحيته ، أو فكر بقلبه فكرا فاسدا ، أو أصلح ثوبا أو حمل صبيا أو ثقلا فهو على صلاته ، ولا سجود للسهو عليه. ولو تجنب ذلك كله كان أخشع " .


    10. القيام على هيئة غير مشروعة :
    فيحرم الاختصار – أي وضع الدين في الوسط - بل التزام السنة أدعى للخشوع لذلك قالوا :
    " ويكره ... والقيام على رجل واحدة وتقديمها على الأخرى ولصقها بالأخرى حيث لا عذر لأنه تكلف ينافي الخشوع ولا بأس بالاستراحة على إحداهما لطول القيام أو نحوه " .

    11. ترك الورع والاشتغال بعلم الكلام :

    كان سهل بن عبد الله يقول:
    " غفل في الناس أشياء، فنُزع منهم الخشوع بتركهم الورع ، ويذهب منهم العلم بإظهار الكلام ، ويضيعون الفرائض باجتهادهم في النوافل ، ويصير نقض العهود وتضييع الأمانة وارتفاعها من بينهم علما، ويرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان علم الخشية وعلم الورع وعلم المراقبة، فيكون بدل علم الخشية وساوس الدنيا. وبدل علم الورع وساوس العدو. وبدل علم المراقبة حديث النفس ووساوسها. قيل : ولم ذلك يا أبا محمد ؟ قال: يغفل في القراء دعوى التوكل والحب والمقامات ، ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة ، وهو يأكل الربا، ولا يحفظ لسانه من الغيبة ولا عينه وجوارحه مما نهى الله عنه "

    12. الجدل

    وكما يُحرَم الخشوع من كثر كلامه ، كذلك يحرمه من كثر جدله . ( نسـأل الله العفو والعافية )
    روى أبو نعيم في الحلية عن الأوزاعي أنه كتب إلى الحكم بن غيلان القيسي :
    " ودع من الجدال ما يفتن القلب , وينبت الضغينة ، ويجفي القلب ، ويرق الورع في المنطق والفعل ...وليعنِك ما عَنى الصالحين قبلك فإنه قد أعظمهم ثقل الساعة ، فجرت على خدودهم من الخشوع دموعهم ، وطووا من خوف على ظمأ مناهلهم ، ... نسأل الله أن يرزقنا وإياك علما نافعا ، وخشوعا يؤمننا به من الفزع الأكبر.. إنه أرحم الراحمين .. والسلام عليك " .
    انتهى.
    الخاتمة

    في خاتمة هذا البحث أود أن أسجل أنني لم أقدم جديداً- أو شيء لم أسبق إليه – ولكني جمّعتُ أقوال العلماء المتفرقة في أمهات الكتب ، فكان عملي تجميعا للمتفرق في موضوع الخشوع . وتماما للفائدة أسجل هنا ملخصاً لأهم ما وقفت عليه :
    في فضل الخشوع
    فضل الخشوع ومكانته عظيمة لأنه :
    1. مترتب عليه فلاح المؤمنين.
    2. به يستجيب الله الدعاء.
    3. ولأن الخاشعين ينالون ثناء الله ومدحه.
    4. ولأن الخاشعين الباكين لا تمس أعينهم النار.
    5. ولأن الخاشعين الباكين لا يلجون النار . ( إلا تحلة القسم ) .
    6. ولأن الخاشعين فيمن يظلهم الرحمن يوم القيامة .
    وقد وقفت على أن الخشوع يراد به :
    • الخضوع ، والضراعة ، والتواضع ، والذل ، والإقرار بالاستخذاء ، والسكون والطمأنينة . كما أن الخشوع لا يكون بأكل الخشن ولبس الخشن وتطأطأ الرأس ، . وإنما بمعرفة الله والخوف منه وحبه وتعظيمه .
    • وانتهيت إلى أن بعض العلماء عرف الخشوع بمعناه في اللغة وعرفه البعض الآخر بإحدى ثمراته ولذلك تنوعت تعريفاتهم .
    • وأن الخشوع في الشرع أجمع ما جاء فيه أنه :
    "خشية من الله تكون في القلب فتظهر على الجوارح " .

    أما في بحث الصلاة :
    فمعنى الصلاة في اللغة :
    1. الصلاة هي الدعاء لاشتمالها عليه وهذا قول جمهور أهل اللغة والتفسير.
    2. وقيل هي صلاة لأنها ثانية لشهادة التوحيد كقولهم أبي بكر صلى الرسول أي تلاه.
    3. كما أن الصلاة في اللغة تعني : الدعاء ، والرحمة ، والاستغفار، والعبادة المعروفة ، والنافلة وغيره .. فهي لفظ مشترك وإن دل ما سبق على معنى لها .
    وأضيفُ هنا : سمها الله إيماناً في قوله –تعالى –
    { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي : صلاتكم . وغيره ..
    4. الصلاة اسم علم وضع لهذه العبادة; فإن الله – تعالى - لم يخل زمانا من شرع.
    ولم يخل شرعا من صلاة .

    وخلاصة تفسير { قد أفلح المؤمنون } أن :
    1. الآية إخبارا من الله - تعالى - عن فلاح المؤمنين ، وأنهم نالوا ما توقعوه .
    2. الفلاح تأكد للمؤمنين وثبت لهم ، وأنهم قد فازوا بما طلبوا ونجوا مما هربوا.
    3. الفلاح قد حصل للمؤمنين وهم عليه في الحال .
    4. المؤمنين لهم البقاء الدائم في الجنة ( وهو في معنى الفلاح لغة ) .

    وخلاصة الخشوع في تفسير الآية :
    والخشوع في الصلاة هو: حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضراً لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته ويقل التفاته، متأدباً بين يدي ربه، مستحضراً جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك، الوساوس ، و الأفكار الرديئة. وهذا روح الصلاة، والمقصود منها. وهو الذي يكتب للعبد.

    وفي الباب الثاني وقفت على أشياء أهمها :
    في حكم وجوب الخشوع فالأقرب إلى الصواب أنه واجب في جزء من الصلاة ولو يسير .
    وعليه فيجب الخشوع والحضور - ولو في جزء من الصلاة - و إلا بطلت الصلاة .
    أما من عدم الخشوع فلا يأمر بالإعادة ولكن يستحب له ذلك .
    وأن الخشوع درجات يتفاوت فيه الناس ، كل على قدر خشوعه . فمنهم المقتصد ، ومنهم السابق بالخيرات ، ومنهم الظالم لنفسه . نسأل الله العافية .
    كما انتهيت إلى أن أسباب الخشوع تنقسم إلى قسمين .القسم الأول العمل به يجلب الخشوع . والقسم الثاني اجتنابه يعين على للخشوع . وسجلت أهم ما وقفت عليه من هذه الأسباب .

    وفي الختام إن أصبت فمن الله , وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان . و لا يفوتني أن أشكر كل من أعانني على إخراج هذا البحث . سواء كان العون مادة علمية في كتاب ، أو على قرص كمبيوتر . أو معنويا كنصح و إرشاد .
    والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-04-26
  3. alragawi

    alragawi عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-01-20
    المشاركات:
    1,314
    الإعجاب :
    0
    بارك الله فيك اخي الكريم وجعلها في ميزان حسانتك
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-04-26
  5. سامي العريقي

    سامي العريقي عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-25
    المشاركات:
    5
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خير الجزاء وجعل هذا العمل في ميزان حسناتك.
     

مشاركة هذه الصفحة