علاقة علم الأصول بعلم الفقه

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 573   الردود : 2    ‏2004-04-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-25
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    منهج علم الأصول

    منهج علم الأصول

    هناك منهجان في تصنيف علم الأصول وطريقة تبويبة وترتيبة :
    1 ـ المنهج التقليدي .
    2 ـ المنهج المقترح عندنا .
    المنهج الأول : كان القدماء يقسمون علم الأصول لأربعة أقسام :
    1 ـ المقدمة في الوضع والاستعمال والصحيح والأعم والحقيقة الشرعية والمشتق ونحوها .
    2 ـ مباحث الألفاظ كباب الأوامر والنواهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمفهوم والمنطوق .
    3 ـ مباحث الدليل ، وهو إما سمعي كالكتاب الذي يبحث عن حجية ظواهره والسنة التي يبحث عن كيفية ثبوتها وما يتعلق به من تعارض الجرح والتعديل في الرواة وتحقيق واقعية بعض كتب الحديث كفقه الرضا مثلاً والاجماع وأنواعه من المحصل والمنقول ، وإما عقلي ويبحث فيه عن الحسن والقبح العقليين وقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع واصالة العدم وعدم الدليل دليل العدم ومبحث الاستصحاب والقياس .
    4 ـ الخاتمة في التعادل والتراجيح .
    ولعل السر في هذا المنهج ان موضوع علم الأصول كما ذكر السيد المرتضى في الذريعة هو: الدليل في الفقه ، فلما كان محور علم الأصول هو
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 32 )
    الدليل الفقهي كان مدار أبحاثه حول الدليل نفسه وأقسامه من السمعي والعقلي، وعوارضه الثبوتية كالاطلاق والتقييد والتعادل والتراجيح والتضاد والتلازم والاثباتية كمباحث الأوامر والنواهي والعام والخاص والمنطوق والمفهوم .
    وهناك اعتراضان مهمان على طريقة المنهج القدمائي ، الأول : هو الاعتراض على القسم المدون في أصول القدماء للبحث عن الدليل وأقسامه ، حيث أبدله الشيخ الأنصاري بتصنيف علم الأصول على طبق الحالات الوجدانية للمكلف عند التفاته للحكم الشرعي وهي القطع والظن والشك، فهنا أقسام :
    1 ـ بحث القطع التفصيلي والإجمالي .
    2 ـ بحث الظن المعتبر وغيره بما يشمل سائر الظنون ، ومنها الظواهر المبحوث عنها من حيث الكبرى وهي حجية الظهور ومن حيث الصغرى وهي تنقيح المصاديق كمباحث الألفاظ السابق ذكرها، ويدخل في ذلك بحث التعادل والتراجيح ايضاً فإنه راجع للبحث عن الظنون أيضاً وإن ذكر في الخاتمة، فإن الدليلين إذا تقابلا فإما أن يحصل الظن بأحدهما من حيث الجهة أو الصدور أو المضمون وهذا هو الترجيح ، وإما أن لا يحصل الظن بشيء من ذلك وهو التعادل المرتبط بحثه بباب الظن سواءً قلنا بالتخييرعند التكافؤ، أو قلنا بالتساقط .
    3 ـ بحث الشك الذي يشتمل على الأصول العملية الأربعة لكونها وظيفة الشاك . ولعل النكته التي دفعت بالشيخ الأعظم لاختيار هذا التبوب تتلخص في أمور:
    أ ـ إن علم الأصول مقدمة لعلم الفقه ومن الطبيعي عدم امكان تحديد ملامح المقدمة الا بمعرفة ملامح ذي المقدمة فإن ذلك مقتضى مقدميتها .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 33 )
    ب ـ لما كان علم الفقه يبحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لعلم الأصول البحث عن الطرق الموصلة لتحديد الحكم الشرعي ، ولما كانت الطرق تختلف باختلاف الواقع النفسي للمكلف حين توجهه للحكم ، باعتبار أن قطع المكلف بشيء يمنع من عمله بالامارة او الأصل ، كما ان الظن بالخلاف يمنع من الأخذ بالامارة والأصل على بعض المباني ، وكذلك على القول بالظن الانسدادي لا مجال للعمل بغير الظن ، فحينئذٍ يكون تصنيف علم الأصول مطابقاً للحالة الوجدانية للمكلف .
    ج ـ حيث أن الاتجاه النفسي للمكلف حين التفاته للحكم الشرعي إما القطع بالحكم أو الظن به أو الشك فيه كان المنهج في تبويب علم الأصول منظماً على طبق ذلك .
    وقد اعترض على المنهج المذكور باعتراضين :
    الأول: ان التصنيف الناظر للحالات النفسية قد أغفل كثيراً من المباحث الحيوية ذات الربط المباشر بالجانب العملي لدى الفقيه ، إذ لا مناسبة واضحة بينها وبين هذا التصنيف كبحث الحسن والقبح العقليين ، وبحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ، وبحث طرق ثبوت السنة بالتواتر والأحاد وبحث أقسام التواتر، وبحث شرائط حجية خبر الواحد من صحة المضمون عقلاً وشرعاً ووثاقة الرواة ، وبحث مناشئ الوثاقة كقول الرجالي الذي يبحث عن حجيته وأنها هل هي من باب كونه من أهل الخبرة أو من باب شهادة العدلين أو من باب حجية خبر الثقة ، وبحث تمييز المراسيل المعتمدة من غيرها، فهذه البحوث رغم كونها مهمة وعملية إلا أنها لا تنسجم مع التصنيف المذكور المرتب على حالات القطع والظن والشك ، بينما نجدها منسجمة تماماً مع منهج القدماء المبني على النظر للدليل الفقهي العقلي والسمعي وطرق إثبات هذا الدليل .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 34 )
    الثاني : إن هذه الحالات النفسية الثلاث لا علاقة لها بالحكم الشرعي ولا بالطرق المؤدية له فلا وجه لجعل التصنيف الأصولي دائراً مدارها، أما بالنسبة للقطع فما هو المبرر للبحث عنه وجعله محوراً لعدة من البحوث ؟ فإن كان المبرر للبحث عنه كونه واسطة في جعل الحكم الشرعي فذلك مستحيل لأن ثبوت الحكم الشرعي بسبب القطع به دور باطل كما ذكر في علم الأصول ، وان كان المبرر للبحث كونه واسطة فى فعلية الحكم كموضوعية الزوال لوجوب الصلاة فهذه ليست ميزة خاصة بالقطع توجب البحث عنه بعنوانه بل هي متوفرة في كل موضوع بالنسبة لأي حكم من الأحكام ، وان كان المبرر لذلك كون القطع منشأ للحكم العقلي بالمنجزية والمعذرية كما اشتهر في كتب الأصول بان حجية القطع ذاتية له ، فيلاحظ عليه بان منشأ المنجزية والمعذرية ليس القطع بما هو قطع حتى يكون ذلك مصححاً ومبرراً للبحث عن القطع بعنوانه بل منشأ المعذرية وعدمها هو روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم ، فإن سار المكلف مع المقدمات بروح المحاسبة والمسؤولية فهو معذورعند مخالفة الواقع والا فهو مدان سواءاً في ذلك وجود القطع وعلمه ، فإننا ذكرنا في بحث القطع الفرق بين اليقين الذاتي واليقين الموضوعي فاليقين الموضوعي هو اليقين الناشيء عن تراكم الاحتمالات والقرائن في محور واحد ، وهذا العمل بذاته عمل معذر لأنه مستبطن للمسؤولية والمحاسبة الداخلية سواءاً كان هناك قطع ام لا ، واليقين الذاتي هو الناشيء عن العوامل المزاجية والنفسية كالحلم والاستخارة، وهذا ليس معذراً بنظر العقلاء فإن قائد الجيش لو اعتمد على معلومات ناشئة عن مصادر واهية أوجبت له القطع بأمر معين فرتب عليه آثار الحرب والسلم لا يكون معذوراً أمام القانون والشعب ، وليس السر في ذلك الا أن القطع بما هو قطع ليس هو مدار المعذرية والمنجزية بل المدار على روح المسؤولية وروح التقصير في مقدمات الحكم سواءاً كان هناك قطع أم لا، ولذلك نرى القرآن
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 35 )
    يعبر عن عقائد الجاهلية مع أنها عقائد قطعية عندهم بانها ظنون وجهالات لا يعذرون فيها، وبناءاً على ذلك فلا موضوعية مهمة للقطع بما هو قطع حتى يكون محوراً للبحوث العلمية.
    وأما البحث في الامارات كخبر الواحد والاجماع بقسميه والشهرة وقول اللغوي فهو لا يدور مدار الظن الشخصي كما هو ظاهر تقسيم الشيخ ، بل هو دائر مدار الكشف النوعي وتتميمه من قبل المجتمع العقلائي أو الشرع المقدس .
    كما أن البحث في حجية الظاهر يدور مدار الميثاق العقلائي على الالتزام والالزام بهذا الظاهر وترتيب الآثار عليه سواءاً كان هناك ظن شخصي أم لا .
    وأما البحث في الأصول العملية فهو لا يرتبط بحالة الشك وتساوي الطرفين ، فإن موضوع أصالة البراءة عقلاً وشرعاً هو عدم العلم وعدم تنجز العلم الاجمالي لا الشك ، وموضوع الاستصحاب هو عدم العلم بانتقاض الحالة السابقة لا الشك أيضاً .
    فتبين لنا من خلال هذا العرض عدم مدخلية هذه الحالات النفسية في البحث الأصولي المنصب على تحديد الطريق الموصل للحكم الشرعي .
    ولكننا مع ذلك اعتذرنا عن تقسيم الشيخ الأنصاري لبحوث علم الأصول على طبق حالات نفس المكلف في بحث القطع كما سيأتي ، وقلنا بأن هناك عاملين يساعدان على هذا التقسيم :
    أولاً : إن المحيط الثقافي الذي كان يعيش فيه الشيخ فرض عليه هذا التصنيف ، لوجود مدرستين متطرفتين آنذاك : مدرسة المحدثين المفرطة في الجمود على الحديث دون النظر للأدلة العقلية القطعية ومدرسة بعض الأصوليين المفرطة في الاعتماد على بعض الظنون الشخصية بحجة انسداد باب
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 36 )
    العلم والعلمي ، فاثار الشيخ حركة تنهج الاعتدال والتوسط بين هاتين المدرستين ، وهي المدرسة التي تعتمد على الأدلة القطعية العقلية من جهة وهي المندرجة تحت عنوان القطع والأدلة الظنية السمعية من جهة أخرى وهي المندرجة تحت عنوان الظن ، والرجوع عند فقدهما للأصل العملي المجعول وظيفة عند الشك .
    وثانياً : إن المكلف يشعر في أعماق وجدانه بالحاجة للتأمين من عقوبة ترك التكاليف الواقعية فهدفه المنشود هو حصول الأمن المذكور، وطرق التأمين بحسب التقسيم الوجداني ثلاثة :
    1 ـ ما هو علة تامة لحصول الأمن وهو القطع .
    2 ـ ما هو مقتضى لحصول الأمن النفسي وهو الظن .
    3 ـ ما هو فاقد للعلية التامة والاقتضاء وهو الشك فتحتاج طريقيته للتأمين للرجوع إلى القطع وهو الطريق الأول .
    والخلاصة أن أمثال هذه المبررات ساعدت الشيخ على اختيار التصنيف الثلاثي .
    الاعتراض الثاني على منهج القدماء : ما طرحه المحقق الاصفهاني (قده) حول التوسع الأصولي في مباحث الألفاظ (1)، ونحن نعرضه بنحو أعمق وأشمل ، فنقول : إن ما يرتبط من البحوث بعالم الألفاظ نزر ضئيل جداً ، كقولنا هل أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب ، وهل أن صيغة النهي ظاهرة في الحرمة ، وبعض بحوث المفاهيم والعام والخاص والمطلق والمقيد ، ولكن معظم الأبحاث التي وضعها القدماء في مباحث الألفاظ لا ربط لها بذلك ، فمثلاً بحث انقسام الحكم للتكليفي والوضعي وانقسام الواجب للواجب التوصلي
    ____________
    (1) اصول الفقه للمظفر 1 : 7 ـ 8، بحوث في الأصول للمحقق الاصفهاني : 22 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 37 )
    والتعبدي والتعييني والتخييري والعيني والكفائي والنفسي والغيري والموسع والمضيق والمطلق والمشروط كلها مرتبطة بالواجب بما هو سواءاً كان مدلولاً لفظياً أم لا ، وكذلك بحث عوارض الأحكام كالانحلال الاستقلالي والضمني والاطلاق والتقييد الثبوتيين والتضاد والتلازم ، كما في بحث مقدمة الواجب ومسألة الضد الباحثين عن تلازم الوجوب النفسي والغيري وتلازم الأمر بالشيء مع النهي عن ضده ، وبحث ارتباط الحكم بالقدرة ودرجاتها المختلفة الذي هو بحث التزاحم ، فهذه البحوث لا ربط لها بعالم اللفظ حتى تندرج في مباحث الألفاظ ، ولكننا نستطيع وضع بعض المبررات والتوجيهات لتوسعة مباحث الألفاظ بحيث تشمل هذه البحوث :
    1) لا ريب في دلالة الألفاظ على هذه المعاني الأصولية المذكورة في الاعتراض سواءاً بالدلالة المطابقية أو بالدلالة التضمنية أو بالالتزامية، ومع وجود دلالة الالفاظ عليها فالمصحح لإدراجها في مباحث الألفاظ واضح وهو دلالة اللفظ عليها .
    2) إن الاعتبارات الأدبية والقانونية لها نوع من الخلاقية والفعالية في النفوس والمشاعر، ولا ريب أن مجرد الاعتبار بما هو لا يحقق هذه الخلاقية المطلوبة وانما يحققها إذا كان في ضمن لفظ مناسب ، فاللفظ المناسب للاعتبار الأدبي والقانوني يبرز خلاقية الاعتبار وتاثيره السحري في النفوس والمشاعر الذي هو المطلوب .
    3) إن هناك مسلكين في علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي ، فمسلك السيد الاستاذ الخوئي (قده) مسلك الحكاية والابراز أي أن اللفظ حاك عن المعنى الانشائي ومبرز له ، ومسلك المشهور أن علاقة اللفظ بالمعنى الانشائي علاقة الايجاد فاللفظ موجد للمعنى لا حاك عنه ، وبما أن هذه العلاقة الوثيقة موجودة بين الانشاء واللفظ لذلك كان التعرف على هذه الاعتبارات من خلال ألفاظها
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 38 )
    الموجدة لها تعرفاً دقيقاً، لأنه يعكس المعنى من ثنايا اللفظ الذي وجد به بخلاف ما لو بحث عنه مجرداً عن كل خطاب ولفظ .
    4) لقد قال علماء الاجتماع والتاريخ بان اللغة دليل حضارة المجتمع ، فاللغة المتكاملة تعكس تكامل المجتمع فسعة آفاقها واشتمالها على المفردات القانونية والصناعية والفنية كاشف عن حضارة المجتمع وتطوره ، كما أن اللغة لسان معبر عن نوع التفكير الاجتماعي ، فمثلاً الجملة الاسنادية في اللغة العربية نحو زيد قائم لا تشتمل الا على طرفين موضوع ومحمول مما يدل على كون النسبة الاسنادية بالمفهوم العربي تعني اتحاد الطرفين وجوداً والهوهوية المصداقية بينهما، بينما هذه الجملة في اللغة الفارسية واليونانية تحتاج لرابط وهي كلمة ـ است ـ أو ـ استين ـ مضافاً لوجود الموضوع والمحمول مما يدل على كون مفهومها في الفكر الفارسي عبارة عن ثبوت شيء لشيء ـ أي ثبوت القيام لزيد ـ وهذا المفهوم يحتفظ بالغيرية والاثنينية بين طرفي القضية بخلاف المفهوم العربي الذي يعكس الوحدة والاندماج ، فاللغة إذن دليل على نوع التفكير الاجتماعي ، ومثال آخر على ذلك أيضاً اختلاف الأصوليين في مفهوم صيغة افعل نحو اضرب ، فهل مفهومها النسبة الاغرائية كما يرى المحقق الاصفهاني ، أو النسبة الايقاعية كما يرى النائيني ، أو النسبة التسخيرية أي اعتبار المخاطب أداه لتحقيق هذا الحدث في الخارج كما يراه صاحب الميزان (قده)، فهذه المفاهيم في الواقع تعكس الفكر الاجتماعي الذي ينتسب له كل واحد من هؤلاء الأعاظم ، فكل مجتمع يختلف تحليله لبعض الاعتبارات القانونية نتيجة اختلاف حضارته وثقافته عن المجتمع الأخر، وبناءاً على هذه العلاقة الوثيقة بين اللغة وبين المفهوم الذى تحمله بين ثناياها بحيث لو تغيرت اللغة لزالت بعض خصوصيات أو مقومات المفهوم كما لاحظنا في اختلافي مفهوم الجملة الاسنادية عند العرب وغيرهم ، يصعب التفكيك حينئذٍ بين الاعتبار القانوني
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 39 )
    واللفظ المعبرعنه بحيث نبحث عن الاعتبار مجرداً عن ثوبه اللفظي مع أن هذه الصياغة اللفظية تحافظ على بعض خصوصيات المفهوم وسماته .
    5) إن الاعتبار القانوني متولد عن الاعتبار الأدبي ، وبما أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ فكذلك الاعتبار القانوني المتفرع عنه شديد العلاقة باللفظ بحيث لا يفيد البحث فيه مستقلاً عن لفظه .
    بيان ذلك : إننا عندما نلاحظ مثلا كلمة حاتماً نراها في الأصل تعبرعن شخص معين متصف بالكرم ثم اطلقت على كل شخص يشابه حاتما في صفة الكرم ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق أي تطبيقها على كل كريم اكتسبت الكلمة مفهوماً خلقياً وهو نفس مفهوم الكرم بحيث إذا سمعت لا يتبادر للأذهان سوى معنى الكرم من دون التفات لشخص حاتم الطائي أصلاً، فالاعتبار الأدبي قد يتحول بمرور الوقت لمفهوم معين فكذلك بالنسبة لعلاقته بالاعتبار القانوني ، فكلمة الميتة أساساً تعني ما مات حتف أنفه ثم أطلقت على نحو الاعتبار الأدبي القائم على علاقة التشابه على الحيوان المذبوح على غير الطريقة القانونية ، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال والتطبيق اكتسبت هذه الكلمة اعتباراً قانونياً وهو أن الميتة تعني المذبوح على غير الطريق القانوني من دون نظر لمعناها اللغوي .
    ومثلها لفظ الدينار مثلاً فهو في الأصل يعني مثقالاً من الذهب تقاس به قيمة الأشياء كقولنا هذه الأرض تساوي مائة دينار، ثم صار يطلق على نحو الاعتبار الأدبي على الأوراق النقدية من أجل أن يتعامل معها المجتمع معاملة الدينار الأصلي في كونه وسيطاً في تبادل السلع ومقياساً لتحديد قيمة الأشياء، وبمرور الوقت وكثرة الاستعمال تحول هذا الاعتبار الأدبي للاعتبار القانوني فاصبح الدينار يعني نفس الورقة النقدية التي هي مقياس القيم وواسطة التبادل . وإذا اتضح لنا أن الاعتبار القانوني وليد الاعتبار الأدبي ، والمفروض
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 40 )
    أن الاعتبار الأدبي متقوم باللفظ لأن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في مشاعر المخاطب فلا ينفصل الاعتبار الأدبي عن اللفظ ، وبما أن الاعتبار القانوني متولد منه فلا محالة لا يمكن التفكيك في البحث بين نفس الاعتبار واللفظ المساهم في تحققه وفعاليته .
    فهذه بعض المبررات التي نتصورها في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء وإن كان بعضها موضع المناقشة، ومع ذلك فقد أصر المحقق الاصفهاني (قده) على فصل بحث مقدمة الواجب ومسالة الضد عن مباحث الألفاظ ، باعتبار أن البحث فيهما يرتبط بالملازمة العقلية المدركة بالعقل النظري بين وجوب شيء ووجوب مقدمته ووجوب شيء وحرمة ضده ، ولا ربط لهذه الملازمات بعالم الألفاظ حتى يكون البحثان من مباحث الألفاظ .
    ولكننا نختلف عن المحقق الاصفهاني (قده) في بعض النظرات بالنسبة لمقدمة الواجب ومسألة الضد ، والحديث أولاً في مقدمة الواجب :
    فإن الملازمة المبحوث عنها هناك تتصور على أربعة معاني :
    1 ـ التلازم بين الاعتبارين تكويناً ، بمعنى أن الجاعل إذا حكم بوجوب شيء يرى نفسه مجبوراً على جعل وجوب آخر لمقدمة ذلك الشيء بمقتضى المقدمية ، فهناك جعلان الا أن أحدهما اختياري والاخر قهري ، لكننا لو سلمنا هذا المعنى الفاسد في نفسه حيث أن الجعل الاعتباري اختياري لا قهري فالملازمة حينئذٍ بين الاعتبارين والجعلين لا بين المعتبرين المجعولين ، والمدعى دخول بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام ، بينما على هذا المعنى يدخل بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الاعتبارات نفسها لا بين المعتبرات .
    2 ـ الملازمة بين الوجوب النفسي والغيري على نحو الترشح المعلولي أي أن الوجوب الغيري للمقدمة يترشح من الوجرب النفسي لذي المقدمة على نحو
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 41 )
    ترشح المعلول من علته ، وهذا المعنى لوضوح بطلانه حيث انه لا يعقل الترشح المعلولي في الاعتباريات بل الاعتباري خاضع للجعل والابداع فلا وجه لربط تصنيف علم الأصول به .
    3 ـ الملازمة العرفية : بمعنى أن الجاعل إذا أنشأ الوجوب لشيء فمن المستهجن عند العرف والعقلاء عدم إنشاء الوجوب لمقدمته ، فإن علاقة المقدمية التكوينية بينهما تولد تلازماً في الاعتبار كالمتضايفين ، فإن اعتبار شخص أباً عند العقلاء ملازم لاعتبار الطرف الأخر ابناً له ويستهجن العقلاء التفكيك بينهما في الاعتبار لعلاقة التضايف فكذلك في بحث مقدمة الواجب ، وهذا المعنى على فرض صحته في نفسه لا يدرج بحث مقدمة الواجب في الملازمات العقلية بين الأحكام .
    فإن التلازم بحسب هذا المعنى تلازم عرفي لا عقلي ، مضافا لكونه تلازما بين الاعتبارين لا بين المعتبرين الا ثانياً وبالعرض .
    4 ـ الاندماج الاثباتي : ومعناه أن العرف يرى أن وجوب المقدمة مستبطن ومندمج في وجوب ذيها، فالمولى وإن احتاج ثبوتا للقيام بجعلين ولكنه إذا رأى أن الوجوب النفسي إثباتا مستبطن للوجوب الغيري فيكتفي بالصياغة الواحدة التي تعبر عن هذين الوجوبين على نحو الاندماج والاستبطان ، وسنشير لأسباب الاندماج في بحث مقدمة الواجب ولكن نقول هنا : لعل من أسباب الاندماج تقارن الجعلين في الحمل بمعنى أنه حمل الوجوب الغيري على مورد الوجوب النفسي فترة طويلة ولدت الاندماج بينهما واستبطان أحدهما في الأخر بحيث لا يمكن للجاعل التفكيك بينهما إلا بخلق أسباب أقوى لعدم الاندماج ، ونظير ذلك فكرة الاندماج يين الحكم الوضعي والحكم التكليفي ، فالنجاسة مستبطنة لوجوب الاجتناب باعتبار أن تقارن الجعلين في الحمل فترة طويلة ولدت اندماجهما، وكذلك فكرة الاندماج في عقد البيع وخيار الغبن مثلا،
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 42 )
    حيث ذكر المحقق النائيني (قده) أن منشأ خيار الغبن في عقد البيع هو الشرط الضمني الارتكازي وهو عدم زيادة مالية المنتقل عنه عن المنتقل إليه(1).
    ونحن نقول : لعل من أسباب ارتكازية الشرط المذكور واندماجه في نفس العقد تقارن الاعتبار لهما فترة كافية في ذلك ، ومثله الاندماج بين مفهوم الالزام ومفهوم الوعيد فمعنى الوجوب بنظرنا هو البعث المستبطن للوعيد على الترك ، وذلك لكثرة تقارن الوعيد مع إصدار البعث فحصل الاندماج بينهما، وبناءاً على هذا التصور لوجوب المقدمة لا يوجد أي تلازم عقلي بين الوجولين حتى يدخل بحث المقدمة في بحث الملازمات العقلية بل هو اندماج إثباتي ، إذن على جميع المعاني للملازمة لا نرى وجهاً في ادخال بحث مقدمة الواجب تحت عنوان الملازمات العقلية فإنها بين معنى باطل في نفسه ومعنى لا ينسجم مع الملازمات العقلية .
    هذا هو تعليقنا على ادخال بحث مقدمة الواجب في بحث الملازمات العقلية .
    وأما بحث مسالة الضد، وهي أن الأمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده العام والخاص أم لا ففيها ثلاثة مسالك :
    أ ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء والنهي الشرعي عن ضده ، وعلى هذا المسلك يصح إدخال مسألة الضد في بحث الملازمات العقلية، بمعنى أن العقل النظري يدرك وجود ملازمة بين الأمر بشيء والنهي شرعاً عن ضده .
    ب ـ وجود الملازمة بين الأمر بالشيء شرعاً والنهي عن ضده عقلاً لا شرعاً وكفاية هذا الردع العقلي عن الردع الشرعي ، وعلى هذا المعنى فلا يدخل بحث الضد في الملازمات العقلية بين الأحكام الشرعية إذ لا يوجد حكمان شرعيان .

    ____________
    (1) حاشية النائيني على المكاسب : ص 20.

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 43 )
    ج ـ العينية الاعتبارية بين الوجوب والحرمة هنا، والمقصود بذلك ليس العينية المفهومية فإنه من الواضح الفرق مفهوماً بين قول المولى « صل » وقوله « لا تترك الصلاة » ، بل المقصود أن المجعول الاعتباري واحد والفارق في الصياغة الاثباتية المبرزه فالمجعول هو الالزام مع الوعيد ، الا أن هناك عبارتين مبرزتين لهذا الاعتبار إما على نحو الأصالة أو أن إحداهما هي التعبير الأصيل والأخرى اعتبار أدبي حاك عنه .
    ونفس التحليل قد يذكر في بحث التلازم بين النهي عن شيء والأمر بضده .
    وعلى هذا المعنى فلا يوجد حكمان حتى نبحث عن وجود الملازمة بينهما وعدمها .
    والخلاصة : أن صحة ادخال مسألة الضد في بحث الملازمات بناءاً على مبنى صحيح بنظر القائل بذلك ، لا يعني اندراج المسألة في بحث الملازمات حتى على المباني الأخرى .
    والخلاصة : أن المناقشات العديدة التي عرضناها أوضحت لنا النكتة في توسعة مباحث الألفاظ عند القدماء بلا حاجة لتغيير هذا المنهج الا لمنهج أفضل كما سيأتي بيانه .
    المنهج المقترح : وهو عندنا طريقتان :
    أ ـ البحث حول محور الحجية .
    ب ـ البحث حول محور الاعتبار.
    الطريقة الأولى . بما أن علم الأصول وضع كمقدمة لعلم الفقه فلابد أن يكون تصنيفه ومنهجه منسجماً مع مقدميته ، وحيث أن علم الفقه هو العلم الباحث عن تحديد الحكم الشرعي فالمناسب لتصنيف علم الأصول أن يدور مدار الحجة المثبتة للحكم الشرعي فإن ذلك هو النافع في مقدميته لعلم الفقه ،
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 44 )
    ولذلك اخترنا أن موضوع علم الأصول كما سيأتي بيانه هو الحجة في الفقه فابحاثه تدور حول محور الحجية وعدمها، وبناءاً على هذا يصح تصنيف علم الأصول على ثلاثة أقسام :
    أ ـ قسم الاحتمال .
    ب ـ قسم الكشف .
    ج ـ قسم الميثاق العقلائي .
    الأول : الاحتمال : وهو على خمسة أصناف :
    1 ـ الاحتمال الواصل لدرجة القطع والبحث في حجيته بحث في حجية القطع .
    2 ـ الاحتمال الواصل لدرجة الاطمئنان والبحث عنه هو المتعلق بحجية الاطمئنان .
    3 ـ الاحتمال المعتمد على قوة المحتمل وإن كانت درجة الاحتمال ضعيفة وهو المتحقق في موارد الأعراض والأموال والدماء، والبحث عن حجيته هو البحث المتعلق باصالة الاشتغال .
    4 ـ الاحتمال المعتمد على العلم الاجمالي وهو يكتسب قوة من خلال استمداده من العلم الاجمالي ، الا إذا بلغت الأطراف كثرة تؤدي إلى موهومية الاحتمال في أطراف العلم الاجمالي ، وهذا البحث هو المعبرعنه بمباحث العلم الاجمالي والشبهتين المحصورة وغير المحصورة.
    5 ـ الاحتمال الذي لا يستند لقوة في درجته ولا أهمية في المحتمل وهو على نوعين .
    أ ـ الاحتمال المصطدم باحتمال معاكس له لوجود علم اجمالي بالجامع وهذا مورد أصالة التخيير.
    ب ـ الاحتمال الغير مصطدم باحتمال معاكس وهو مورد أصالة البراءة ،
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 45 )
    وهو على قسمين لأنه إذا ورد من الشارع بيان لعدم أهميته فهذا هو البراءة الشرعية وان لم يرد بيان فهذا هو البراءة العقلية.
    إذاً فعنوان حجية الاحتمال هو العنوان الجامع بين هذه البحوث .
    الثاني : حجية الكشف : والكشف على نوعين إدراكي وإحساسي ، فالكشف الادراكي هو المتوفر في الامارات العقلائية والشرعية التي قام الشرع أو المجتمع العقلائي بتتميم الكشف فيها، وهذا هو بحث حجية الامارات والطرق .
    والكشف الاحساسي هو المتوفر في بحث الاستصحاب ، فإن الانسان إذا أحس بشيء ما ثم غاب الشيء عن وعيه فإنه قد يبقى ذلك الكشف الاحسامي عنده وهو شعوره بان الشيء ما زال موجوداً كما كان ، فهل هذا الكشف الاحساسي حجة أم لا، وهذا بحث الاستصحاب .
    الثالث : حجية الميثاق العقلائي : والمقصود به كل طريق تبانى عليه المجتمع العقلائي كميثاق يؤخذ بلوازمه وآثاره ، سواءاً كان ذلك التباني بسبب الكاشفية النوعية لهذا الطريق عن الواقع كما يدعى ذلك في خبر الثقة، أو للمصلحة الاجتماعية العامة، ولعل الظواهر من هذا الباب فيبحث عنها من حيث الكبرى وهو حجية الظهور ومن حيث الصغرى كالبحث في صيغة الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد ونحوها من مباحث الألفاظ ، كما أن بحث تعارض الأدلة داخل في صورة الترجيح لأحد الخبرين في قسم حجية الكشف أو قسم حجية الميثاق العقلائي ، وكذلك في صورة التكافؤ مع القول بالتخيير، وأما على القول بالتساقط والرجوع للأصل العملي فيدخل البحث فيه في قسم حجية الاحتمال .
    فهذه هي الطريقة الأولى من المنهج المقترح لتصنيف علم الاصول المبنية على محور الحجية للدليل المستخدم عند الفقيه للوصول إلى الحكم الشرعي .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 46 )
    ولكن لبعد هذه الطريقة عن المألوف في التصنيف الحوزوي لعلم الأصول ، ومن شرائط فن التصنيف أن لا يعد طفرة مستنكرة ما دامت خطوات التدريج كافية في تحقيق الهدف ، لذلك نرى أن الطريقة الثانية أقرب للتصنيف المألوف .
    الطريقة الثانية : حيث إن المبادئ التصديقية لكل علم إما أن تكون بديهية فلا تحتاج للبحث وإما أن تكون نظرية فتبحث في علم آخر يكون مقدمة لهذا العلم ، وعلم الفقه لما كان محور بحثه هو الحكم الشرعي والحكم نوع من الاعتبار، احتجنا لعلم آخر يبحث عن المبادئ التصديقية للحكم الشرعي ، وذلك بالحديث عن الاعتبار بصفة عامة والاعتبار الشرعي بصفة خاصة وعوارض هذا الاعتبار وأقسامه ولواحقه ، وذلك العلم هو علم الأصول ، فنقول. بان التصنيف المقترح يدور حول الاعتبار وشؤونه وتفصيلاته في خمسة عشر بحثاً وهي :
    1 ـ تعريف الاعتبار.
    2 ـ تقسيمه للاعتبار الأدبي والقانوني .
    3 ـ العلاقة بين الاعتبارين .
    4 ـ اسلوب الجعل للاعتبار القانوني .
    5 ـ مراحل الاعتبار القانوني .
    6 ـ أقسام الاعتبار القانوني .
    7 ـ العلاقة بين هذه الاقسام .
    8 ـ أقسام القانون التكليفي والقانون الوضعي .
    9 ـ عوارض الأحكام القانونية .
    10ـ وسائل ابراز الحكم القانوني .
    11 ـ وسائل استكشافه .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 47 )
    12 ـ وثاقة هذه الوسائل .
    13 ـ التعارض الاثباتي والثبوتي بين وسائل الاستكشاف .
    14 ـ التنافي بين الاعتبارات القانونية حين التطبيق .
    15 ـ تعيين القانون عند فقد الوسيلة الاعلامية .
    الأول : تعريف الاعتبار: إن الفارق بين الأمر الاعتباري والتكويني يتلخص في كون التكويني حقيقة واقعية لا تختلف باختلاف الانظار والتوجهات وتكون نسبة الذهن البشري لها نسبة العلم الانفعالي لمعلومه ، بينما الأمر الاعتباري عمل ذهني إبداعي يقوم به الفرد أو المجتمع وتكون نسبة العقل البشري له نسبة العلم الفعلي لمعلومه ، فلذلك يختلف باختلاف النظرات والتوجهات والمجتمعات .
    الثاني : اقسامه: ينقسم الأمر الاعتباري للاعتبار الأدبي والاعتبار القانوني، والفارق بينهما أن الاعتبار الأدبي هو اعطاء حد شيء لشيء آخر بهدف التأثير في إحساس المجتمع ومشاعره كإعطاء حد الأسدية للرجل الشجاع بهدف زرع الهيبة والاكبار له في نفوس الأخرين ، وهو اعتبار غير متأصل لعدم كونه ظاهرة اجتماعية بل هو عمل فردي ، مضافاً لعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، فإن المراد الاستعمالي من ذكر الأسد مثلاً هو معناه المعروف بين الناس ولكن المقصود الجدي هو العناية في تطبيق ذلك المعنى على فرد ادعائي وهو الرجل الشجاع .
    أما الاعتبار القانوني فهو صنع القرار المناسب للمصلحة الفردية أو الاجتماعية ، وهو اعتبار متأصل لكونه ظاهرة اجتماعية عامة، مضافاً لتطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، إذن فالاعتبار الأدبي يختلف عن الاعتبار القانوني حقيقة وهدفاً وصفة، أما اختلافهما في الحقيقة مع أنهما من مقولة الاعتبار والعمل الابداعي فهو أن الاعتبار القانوني قرار مرتبط بالجانب العملي
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 48 )
    للفرد والمجتمع باسلوب مباشر كما في القوانين التكليفية، أو باسلوب غير مباشر كما في الأحكام الوضعية، فالقانون هو المحرك العملي والزاجر الفعلي بشكل مباشر أو غير مباشر، بينما الاعتبار الأدبي لا يرتبط بالجانب العملي للانسان وإنما يرتبط بالجوانب الذوقية والنفسية للإنسان . وأما اختلافهما في الهدف فإن الهدف من الاعتبار القانوني قيادة إرادة الانسان لتحقيق المصلحة والبعد عن المفسدة، بينما الهدف من الاعتبار الأدبي هو التاثير على أحاسيس الجمهور ومشاعرهم وميولهم .
    وأما اختلافهما في الصفة فصفة الاعتبار الأدبي عدم تاصله خارجاً وعدم تطابق المراد الاستعمالي فيه مع المراد الجدي ، وصفة الاعتبار القانوني هو التأصل خارجاً مع تطابق المرادين فيه .
    الثالث : العلاقة بين الاعتبارين : إن علاقة الاعتبار الأدبي بالاعتبار القانوني تبرز في تولد الاعتبار القانوني من الاعتبار الأدبي ، فإن الاعتبار القانوني في بداية وجوده يكون اعتباراً أدبياً صرفاً ، فمثلاً اعتبار المال مملوكاً لزيد حقيقته اعطاء حد شيء لشيء آخر، وهو اعطاء لوازم الأمور الشخصية كافعال الانسان الجوارحية والجوانحية للأمور الأجنبية عنه ، فكما أن فعل الانسان تحت ارادته قبضاً وبسطاً واعطاءاً ومنعاً فكذلك المال الاجنبي عنه يكون تحت تصرفه وارادته ، وهذه هي حقيقة الملكية ، فهي اعتبار أدبي في مبدأ وجوده لكنه يتحول بمرور الوقت وبعد اقرار المجتمع العقلائي له وكثرة استعماله الى اعتبار قانوني يرتبط بعمل الفرد والمجتمع ، ويكون أمراً متاصلاً متصفاً بمطابقة المراد الاستعمالي فيه للمراد الجدي .
    الرابع : عناصر القانون وأسلوب جعله : عناصر القانون أربعة :
    1 ـ الملاك وهو المصلحة أو المفسدة الموجودة في المتعلق .
    2 ـ المصحح : حيث ان الحكم نوع من الاعتبار، والاعتبار لا يكون ذا
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 49 )
    فاعلية وتأثير في المجتمع العقلائي حتى يكون له مصحح ، والمصحح للاعتبار القانوني هو صدق عنوان الداعي للخير والزاجر عن الشر عليه ، وهذا المصحح هو ملاك الحكم نفسه التابع للملاك الموجود في متعلقه وهو المصلحة والمفسدة.
    3 ـ الارادة وهي التصميم والعزم على تاسيس القانون .
    4 ـ الصياغة وهي صب القانون باسلوب مؤثر في قيادة إرادة الفرد أو المجتمع نحو فعل متعلق الأمر، وهل يراعى في هذه الصياغة نوع الملاك ، فإذا كان الملاك مثلاً مفسدة فالمناسب كون الصياغة زجرية وإذا كان الملاك مصلحة فالمناسب كون الصياغة بعثية، أم يراعى فيها المستوى النفسي للمكلفين فيختار الصياغة المؤثرة سواءاً تناسبت مع نوع الملاك أم لا؟ والجواب عن ذلك ياتي في بحث الضد.
    وأما أسلوب جعله فإن الاساليب المستخدمة في صياغة الاعتبار الأدبي كالمجاز المرسل والاستعارة والكناية ونحوها مذكورة بالتفصيل في كتب علم البيان ، وأما أساليب صياغة الاعتبار القانوني فهي على نوعين :
    أ ـ اسلوب القضايا الحقيقة الراجعة لقضية شرطية مقدمها وجود الموضوع خارجاً وتاليها ثبوت المحمول له ، كقولنا كل مستطيع يجب عليه الحج الشامل للفرد الموجود بالفعل الواجد للشرائط وغير الواجد لها وللفرد المقدر الوجود.
    ب ـ اسلوب القضايا الخارجية الراجعة لتوجيه خطاب تكليفي أو وضعي للأفراد الموجودين بالفعل الواجدين لشرائط الخطاب فقط ، فالاسلوبان يفترقان من حيث المفهوم والمصحح والأثر، أما افتراقهما مفهوما فإن مفهوم الجعل الحقيقي متقوم بالموضوع الفرضي ومفهوم الجعل الخارجي متقوم بالموضوع الفعلي ، وأما افتراقهما في المصحح فالمصحح للجعل القانوني الكلي هو الداعوية والزاجرية بالامكان بينما المصحح للخطاب الخارجي هو الداعوية
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 50 )
    والزاجرية بالفعل ، وأما افتراقهما في الأثر فإن أثر الخطابات الحقيقية هو الشمول للأفراد المقدرة الوجود باعتبار مرور الحكم بمراحل كمرحلة الانشاء والفعلية والتنجز، بينما أثر الخطاب الخارجي هو انطواء مرحلة الجعل في مرحلة الفعلية ومرحلة الفعلية في مرحلة التنجز وعدم الشمول الا للأفراد الفعلية .
    الخامس : في بيان مراحل القانون : إن الاعتبار القانوني له أربع مراحل في نظر المتأخرين من الأصوليين :
    أ ـ مرحلة الاقتضاء : وهي مرحلة وجود ملاك الحكم ومناطه ويعتبر وجود الملاك خارجاً وجوداً للحكم بالعرض والمجاز باعتبار أن روح الحكم في ملاكه وغاية جعله في مناطه ، ولذلك يقال بان للحكم وجود اقتضائياً في وجود ملاكه .
    ب ـ مرحلة الجعل والانشاء: وهي حقيقة الحكم فإن فيها تتم صياغة الحكم وتحديد معالمه وشؤونه ، فالحكم بالحمل الأولي هو هذه المرحلة الجعلية إذا صدرت ممن له أهلية الجعل والانشاء .
    ج ـ مرحلة الفعلية. وهي في نظر المحقق النائيني عبارة عن تحقق الموضوع وفعليته خارجاً وفعلية الموضوع منشأ لفعلية الحكم فإن نسبة الحكم لموضوعه نسبة المعلول لعلته التامة ، وهذه المرحلة انعكاس لجميع القيود والحدود المأخوذة في مرحلة الانشاء من دون أن تخضع هذه المرحلة لأي تصرف قانوني من قبل المولى . هذا بنظر النائيني (قده) وأما في نظر الاخوند فهي عبارة عن مرحلة الفاعلية أي خروج القانون من مؤسسة الجعل إلى اللوائح الاعلامية التي بها يكون القانون ذا فاعلية وتأثير بحيث لو علم به المكلف لتنجز عليه ، فلا ربط لهذه المرحلة في نظره بتحقق الموضوع خارجاً وإنما هي مرتبطة بوصول الحكم للوسائل المبرزة له .
    د ـ مرحلة التنجز: وهي مرحلة وصول الحكم للمكلف بحيث تصح ادانته به وتتم مسؤوليته عنه .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-04-25
  3. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    علاقة علم الأصول بعلم الفقه

    علم الفقه على نوعين :
    1 - الفقه الخلافي .
    2 - الفقه المذهبي .
    الأول : الفقه الخلافي : وتعريفه أنه تمهيد القواعد لتثبيت المذهب المعتقد ورد المذاهب الأخرى .
    بيان ذلك : أن الفقه الخلافي نشأ عند الفريقين السنة والشيعة منذ القرن الثاني للهجرة، وعوامل وجوده تختلف من مذهب لآخر، فبالنسبة للمسلمين من أهل السنة كان السبب في وجوده تعدد المذاهب الفقهية التي حصرت بسبب عوامل سياسية معروفة في أربعة مذاهب ، فكان الشخص المتفقه إذا اختار مذهباً من هذه المذاهب الأربعة يقوم بتأسيس قواعد وأصول يرتكز عليها في الدفاع عن آراء المذهب المختار عنده ونقض المذاهب الأخرى، وكأن مذهبه صادر عن شخص معصوم لا يقبل الخطأ فلابد من الدفاع عن رأيه وفتواه.
    وهذه الأصول الممهدة للدفاع عن الرأي المختار هي المسماة بعلم الفقه الخلافي ، ومن هنا نتعرف على ارتباط علم الأصول بعلم الفقه ، حيث أن علم الأصول ما وضع الا كوسيلة لعملية الاستنباط والاستدلال على الحكم ، فدور علم الأصول دور تحرير الكبرى ودور علم الفقه دور تطبيق الكبرى على صغرياتها ، لانما الهدف من كبريات علم الأصول مختلف فتارة يكون الهدف
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 73 )
    من وضعها التوسل بها لاستنباط الحكم الشرعي في علم الفقه ، وهذا ما يسمى بالفقه المذهبي أو الفقه الاستدلالي ، وتارة يكون الهدف من تمهيدها وتحريرها الدفاع بها عن المذهب المختار ونقض المذاهب الأخرى، وهو المسمى بالفقه الخلافي .
    إذن فكلا النوعين من الفقه الخلافي والفقه المذهبي يعتمدان على علم الأصول ، الا أن الفقه الخلافي يعتمد على الأصول في تثبيته وتركيزه للمذهب المختار، والفقه المذهبي يعتمد عليها في مقام استنباط الحكم الشرعي .
    قال ابن خلدون في مقدمته (1) : « وأجرى الخلاف بين المتمسكين والآخذين باحكام المذاهب الأربعة مجرى الخلاف في النصوص الشرعية ، وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي تمسك به ، وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم ومواقع اجتهادهم ، وهذا الصنف من العلم يسمى بالخلافيات ، ولابد لصاحبه من معرفة القواعد التى يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بادلته ، وهو لعمري علم جليل الفائدة » .
    وكما كان علم الفقه الخلافي يعتمد على علم الأصول فهو يعتمد أيضاً على علم الجدل والمناظرة كما ذكر ابن خلدون ، قال (2) : « وأما الجدل وهو معرفة آداب المناظرة التي تجري بين المذاهب الفقهية وغيرهم ، فإنه لما كان باب المناظرة في الرد والقبول متسعاً وكل واحد من المتناظرين في الاستدلال والجواب يرسل
    ____________
    (1) مقدمة ابن خلدون : 456 - 457 .
    (2) مقدمة ابن خلدون : 457 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 74 )
    عنانه في الاحتجاج ومنه ما يكون صواباً ومنه ما يكون خطأ ، فاحتاج الأئمة الى أن يضعوا آداباً وأحكاماً يقف المتناظران عند حدودها في الرد والقبول .
    فالحاصل أن علم الفقه الخلافي عند أهل السنة هو عبارة عن القواعد الأصولية والجدلية المستخدمة لتثبيت المذهب المختار ورد المذهب المعارض .
    وأما الفقه الخلافي عند الشيعة فهو عبارة عن مجموعة من الأصول والقواعد للدفاع عن مذهب أهل البيت وإثبات بعد المذاهب الأخرى عن سنة الرسول صلى الله عليه واله وسلم ، وبيان ذلك في ثلاثة أمور:
    أ - منشأ وجود الفقه الخلافي عند الشيعة .
    ب - الاحتجاجات والمناظرات في هذا الميدان .
    ج - الكتب والرسائل التي كتبت في الفقه الخلافي .
    الأمر الأول : إن الشيعة تعتقد أن السنة الحقيقية للرسول صلى الله عليه وآله وسلم هي موروثة عند أهل البيت عليهم السلام ، كما ورد عن الصادق عليه السلام : « لو كنا نفتي الناس برأينا وهوانا لكنا من الهالكين ولكن أصول علم نتوارثها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كابراً عن كابر » (1)، لذلك فإن سائر التشريعات التي حدثت بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعيدة عن سنته ، سواءاً التشريعات التي حدثت في القوانين المالية كإلغاء سهم المؤلفة قلوبهم وسهم ذوي القربى وهو الخمس والقول بالعول والتعصيب في الميراث ، أم في الأمور العبادية كإلغاء متعة الحج وبعض فصول الأذان ووضع صلاة التراويح ، أم في القضايا المعاملية كاشتراط صحة النكاح بحضور شاهدين وعدم اشتراط ذلك في الطلاق لالغاء نكاح المتعة وشبه ذلك ، وحدوث هذه التشريعات البعيدة في نظر الشيعة عن سنة الرسول صلى الله عليه
    ____________
    (1)البحار 2 : 172 /3 . عن ابي جعفر الباقر عليه السلام .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 75 )
    وآله وسلم هو السبب في وجود الفقه الخلافي عند الشيعة، الذي هو عبارة عن مجموعة من المناظرات والمناقشات التي تنقض التشريعات الحادثة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم اعتماداً على أصول وقواعد معينة .
    وهذا العلم امتداد لعلم الكلام ، لأن علم الكلام يبحث عن الخلافات العقائدية بين الفريقين وهذا العلم يبحث عن الخلافات الفقهية الفرعية، ولذلك نلاحظ الارتباط الوثيق بين علم الكلام وعلم الأصول وعلم الفقه في كثيرمن البحوث ، مما دعى أمثال الشيخ المفيد الى كتابة رسالة الاعلام في الفقه الخلافي كتكملة لكتابه أوائل المقالات المدون في العقائد ، كما أن كتاب الانتصار للسيد المرتضى يعد شرحاً لكتاب الاعلام للمفيد لتطابقهما في العناوين وبعض العبارات .
    ومما يدل على الربط بين العلوم الثلاثة ما كتبه العلامة الحلي في نهج الحق ، حيث جعله مشتملاً على ثلاثة أبواب :
    1 - أصول الدين .
    2 - أصول الفقه .
    3 - الفقه المقارن .
    فالفقه الخلافي عند الشيعة هو التعرض للاراء المخالفة لسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بحسب معتقدهم ، وهذا ما يسمى في علم التاريخ بالتشيع الثقافي الذي يختلف عن التشيع السياسي ، فإن التشيع السياسي هو حركة المناهضة للأوضاع الفاسدة ، كما حدث من أبي ذر الغفاري والإمام علي وقت خلافته والإمام الحسين عليهما السلام .
    أما التشيع الثقافي فهو الذي بدأت بذرته بالنمو منذ زمن الإمام الباقر عليه السلام ، ويعني افراز المذهب الشيعي ككيان فكري وعملي له أصوله وقواعده المعينة من بين بقية المذاهب والفرق الأخرى استناداً لكتاب الله والسنة
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 76 )
    النبوية الموروثة عند أهل بيت العصمة عليهم السلام ، وهذا ما أثار حفائظ بعض الكتاب كابن خلدون حيث يقول في مقدمته - بعد تقسيم الفقه للفقه الحجازي الملائم لمذهب مالك والفقه العراقي الملائم لمذهب أبي حنيفة والفقه الظاهري ـ :
    « وشذ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وانفردوا بها ، وبنوها على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح ، وعلى قولهم بعصمة الأئمة ورفع الخلاف عن أقوالهم » ، وقال : « وهي كلها أصول واهية ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الانكار والقدح ، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم ولا أثر لشيء منها الا في مواطنهم ، فكتب الشيعة في بلادهم وحيث كانت دولتهم قائمة في المغرب والمشرق واليمن »(1) .
    الأمر الثاني : في المناظرات التي وقعت لمناقشة الآراء الأخرى، منها ما ذكره الكافي من مناظرة ابن عباس مع الآخرين في مسألة العول (2)، ومنها ما ذكره الكافي من المناظرة الواقعة بين الإمام الصادق والفقيه الشامي الذي ادعى أنه من أهل الفقه والفرائض(3) ، ومنها ما ذكره الكافي ، عن حمدان القلانسي - من رجال أواسط القرن الثالث - يخاطب عمر بن شهاب العبدي : من أين زعم أصحابك أن من طلق ثلاثاً لم يقع الطلاق ؟ فقلت زعموا أن الطلاق بالكتاب والسنة فمن خالفهما رد إليهما، قال فما تقول فيمن طلق على الكتاب والسنة فخرجت امرأته أو أخرجها فاعتدت في غير بيتها ؟» ، إلى أن يقول : « فاجبته بجواب ولم يكن عندي جواب عنه ومضيت ولقيت أيوب بن نوح - وهومن وكلاء الإمام الهادي والعسكري ، والظاهر من ترجمته أنه من الفقهاء المحدثين لا من الفقهاء الأصوليين كيونس بن عبد الرحمن - فاخبرته بقول عمر فقال :
    ____________
    (1) مقدمة ابن خلدون: 446 .
    (2) الكافي 7 : 79 - 0 8 / 3 .
    (3)الكافي 1 : 130 / 4.
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 77 )
    ليس نحن أصحاب قياس إنما نقول بالآثار، فلقيت علي بن راشد - وهو وكيل آخر- وسألته عن ذلك وأخبرته بقول عمر فقال : قد قاس عليك وهو يلزمك ، فسألت معاوية بن حكيم عن ذلك فقال معاوية : ليست العدة مثل الطلاق وبينهما فرق(1) .
    ثم إن الكليني (ره) نقل في الكافي عن الفضل بن شاذان جوابا شبيهاً بذلك (2) ، وواقع المسألة المثارة في الرواية أن هناك آيتين :
    1 ـ قوله تعالى : ( فطلقوهن لعدتهن ) (3).
    2 - وقوله تعالى : ( ولا تخرجوهن من بيوتهن) (4)، والسؤال لماذا قال الشيعة بان من طلق لغير العدة فطلاقه باطل بينما قالوا ان المطلقة لو خرجت من بيت زوجها فطلاقها صحيح ، مع أن مفاد الآيتين واحد وهو تقييد الطلاق بالعدة وتقييده بالبقاء في بيت الزوج ، وقد تصور أيوب بن نوح وعلي بن راشد أن المقارنة بين الآيتين نوع من القياس ونحن لا نقول بالقياس ، وهذا لون من التفكير البدوي ، بينما معاوية بن حكيم والفضل بن شاذان حيث إنهما يملكان التفكير الأصولي فرقا بين اللسانين ، وهو أن لسان الآية الأولى لسان إرشادي للحصة الخاصة فيفيد عدم الامضاء للطلاق في غير تلك الحصة، بينما لسان الآية الثانية هو النهي المولوي الذي لا يلزم من مخالفته الفساد الوضعي .
    إذن فهذه المناظرات مصداق من مصاديق الفقه الخلافي ، ونحن لو تأملنا فيها لرأينا دخالة علم الأصول في الفقه الخلافي ، كما يظهر من الرواية الأخيرة من الفرق بين اللسان الارشادي والمولوي .

    ____________
    (1) الكافي 6 : 2 9 - 93 .
    (2) الكافي 6 : 93 .
    (3) الطلاق 65 : 1
    (4) الطلاق 65 : 1 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 78 )
    الأمر الثالث : فيما كتب في الفقه الخلافي :
    منها : ما ذكره الصدوق في كتاب الاعتقادات من رواية سليم بن قيس الهلالي في باب اختلاف الحديثين ، وهذه الرواية تتضمن عدة أصول وقواعد لرفع اللبس عند اختلاف الفريقين ، كقواعد التمييز بين العام والخاص والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه (1)، ومثلها رواية المسمعي عن الإمام الرضا عليه السلام في نفس الباب (2).
    ومنها: ما كتبه يونس بن عبد الرحمن في المتعة وفي الاختلاف في الحج وفي المواريث (3).
    ومنها . ما ذكره الشيخ المفيد في أوائل المقالات من البحث حول القياس والاجماع وخبر الواحد والنسخ (4)، وما فصله في شرح اعتقادات الصدوق في مبحث الحظر والاباحة والحديثين المختلفين (5)، وقد كانت هذه البحوث تذكر ضمن البحوث الكلامية ثم أفردت بالتدوين والتحرير، هذا تمام الكلام حول الفقه الخلافي وسعته عند المذاهب الاسلامية ومقدار ارتباطه بعلم الأصول .
    الثاني : الفقه المذهبي : والمقصود بالفقه المذهبي عند المدرستين - مدرسة أهل البيت ومدرسة العامة - هو الفقه الاستدلالي ، وهو تطبيق الكبريات الأصولية أو اللغوية أو غيرها لأجل التوصل للحكم الشرعي لا لأجل تثبيت مذهب ونقض مذهب آخر، ولذلك لا تطرح البحوث المتسالم عليها في مذهب معين في مجال الفقه الاستدلالي ، مثلاً مدرسة أهل البيت عندما تتحدث عن
    ____________
    (1) اعتقادات الصدوق : 109 .
    (2) الوساثل 27 : 3 1 1 / 4 3335 .
    (3) رجال النجاشي : 46 4 /8 0 2 1 ، فهرست الشيخ 181 /9 80 .
    (4) اوائل المقالات : 138 ـ 141.
    (5) شرح اعتقادات الصدوق 107 ـ 108.

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 79 )
    الفقه الخلافي تطرح بحوث القياس والاستحسان وما شابه ذلك ، بينما عندما تتحدث عن الفقه الاستدلالي لا تطرح هذه البحوث للتسالم على بطلانها في هذه المدرسة ، ويمتاز الفقه الاستدلالي عند الشيعة عن الفقه الاستدلالي عند غيرهم بأمرين :
    أ - امتداد السنة المعصومية الى زمان أهل البيت عليهم السلام وشمولها لأحاديثهم ، وهذا يشكل ثروة فقهية متعددة الحقول في الفقه الاستدلالي الشيعي أكثر من غيره من المذاهب التي قصرت السنة على أحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم .
    ب - انفتاح باب الاجتهاد عند الشيعة نظرياً وعملياً حتى زماننا هذا، مما أدى لوجود حاجة ماسة لتطور علم الأصول واشتماله على بحوث وقواعد جديدة لم يسبق طرحها في الأزمنة السابقة، وهذه ميزة فاصلة بين الفكر الأصولي عندنا والفكر الأصولي عند بقية المذاهب الاسلامية، فمثلاً بحوث العلم الاجمالي وألوان تنجزه وانحلاله وجريان الأصول في أطرافه وتفاصيل الاشتغال والاستصحاب كلها لا وجود لها في علم الأصول في المذاهب الأخرى، ويهذا العرض تبين لنا ارتباط علم الأصول بعلم الفقه على صعيد الاحتجاج وصيد الاستدلال .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 80 )
    المبحث السابع
    في الاسناد
    الاسناد الاعتباري والمجازي

    إن لهذا البحث آثاراً علمية مهمة على صعيد العلوم الأدبية والعلوم العقلية والعلوم الاعتبارية كالفقه والأصول ، فلذلك نتعرض له عرضاً مفصلاً في ثلاث نقاط :
    أ - أقسام الواسطة .
    ب - ثمرات البحث .
    ج - أقسام الواسطة في العروض .
    النقطة الأولى : أقسام الواسطة : تنقسم لثلاثة أقسام :
    1 - واسطة في الثبوت .
    2 - واسطة في الاثبات .
    3 - واسطة في العروض .
    أما الواسطة في الثبوت فهي منشأ الوجود الشامل للعلة الفاعلية وهي ما منه الأثر، والعلة الغائية وهي الموجبة لفاعلية الفاعل باعتبار تأثير تصورها ذهناً في حدوث الارادة نحو العمل ، فالمراد بها - الواسطة في الثبوت - ما كان منشأ للوجود الواقعي . وأما الواسطة في الاثبات فهي المعبر عنها في علم المنطق بالحد الأوسط ، والمراد بها ما كان موجباً لثبوت المحمول للموضوع ، فإن كانت واسطة في الثبوت أيضاً أي علة للنتيجة فالبرهان لمي ، وإن كانت معلولاً للنتيجة
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 81 )
    فالبرهان إني من القسم الأول ، لان كانا متلازمين فهو إني من القسم الثاني.
    إذن فالنسبة بين الواسطتين عموم من وجه ، لأن ثبوت المحمول للموضوع في باب القضايا إن كان بديهياً لا يحتاج لواسطة إثباتية كثبوت الحرارة للنار فهذا مورد للواسطة في الثبوت دون الواسطة في الاثبات ، باعتبار حاجة كل معلول للعلة في صميم وجوده ، وان كان ثبوت المحمول للموضوع نظرياً محتاجاً لواسطة إثباتية مع كون تلك الواسطة هي العلة الواقعية في الثبوت فهذا مورد اجتماع الواسطتين ، وإن كانت الواسطة الاثباتية معلولاً للنتيجة لا علة لها فهذا مورد للواسطة في الاثبات دون الثبوت .
    وأما الواسطة في العروض فالمراد بها أن تكون الواسطة متصفة بصفة معينة أولا وبالذات ويتصف بها ذو الواسطة ثانياً وبالعرض ، كقولنا جرى النهر، فالواسطة في الجريان هنا هو الماء وهو المتصف بصفة الجريان أولاً وبالذات وإنما يتصف بها النهر ثانياً وبالعرض ، وهذا مقابل الواسطة في الثبوت فان ذا الواسطة فيها يتصف بالصفة حقيقة وبالذات لا ثانياً وبالعرض ، كقولنا الماء يغلي ، فإن غليان الماء بواسطة النار الا أن الماء متصف حقيقة وبالذات بالغليان لا بالعرض ، فبين الواسطة العروضية والثبوتية نسبة التباين كما هو ملاحظ . وكذلك فإن النسبة بين الواسطة العروضية والواسطة الاثباتية هي نسبة التباين أيضاً ، ولتوضيح الفرق بين الواسطة في العروض والواسطة في الثبوت نستعرض أموراً :
    الأول : إن قيام الصفة بالواسطة الثبوتية قيام صدوري وقيام الصفة بالواسطة العروضية قيام حلولي ، والمراد بالقيام الصدوري الأعم من تأثير العلة الفاعلية كتأثير النار في حرارة الماء وتأثير العلة الغائبه كتأثير صورة الجلوس في صنع الكرسي ، ومنه تأثير ملاكات الأحكام الشرعية في جعل الحكم الشرعي ، لأن الملاك غاية للجعل .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 82 )
    الثاني : إن اسناد الصفة للشيء مع الواسطة الثبوتية إسناد حقيقي ومن باب وصف الشيء بحال نفسه بينما إسناد الصفة للشيء مع الواسطة العروضية إسناد مجازي ، ولو تجوزاً عقلياً إن لم يكن تجوزاً أدبياً كما سياتي بيانه ، وهو المعبر عنه في مصطلح علم البيان بانه وصف الشيء بحال متعلقه ، وبحسب الاصطلاح الفلسفي يعبر عنه بالسبق بالحقيقة، حيث أن الواسطة هي المتصفة حقيقة بالصفة المعينة وانما يتصف بها ذو الواسطة بالعرض ، وهذا لون من السبق في الاتصاف يسمى بالسبق بالحقيقة .
    الثالث : إن الصفة العارضة للشيء مع الواسطة في العروض فرد واحد من الصفة عارض أولاً وبالذات للواسطة نحو جرى الميزاب وعارض بالعرض لذي الواسطة ، بينما الصفة العارضة مع الواسطة في الثبوت قد تكون فرداً واحداً عارضاً لذي الواسطة حقيقة كعروض الغليان للماء بواسطة النار، وقد تكون فردين أحدهما عارض للواسطة حقيقة والأخر عارض لذيها حقيقة كالنار الموجبة لاتصاف الماء بالحرارة، حيث أن هنا فردين من الحرارة أحدهما عارض للماء والأخر عارض للنار.
    الرابع : إن الصفة العارضة للشيء مع الواسطة في الثبوت حيث أن الشيء متصف بها حقيقة فيستحيل أن يتصف بنقيضها أو ضدها حقيقة، للزوم محذور اجتماع النقيضين أو الضدين . نعم لا مانع من اتصافه بالنقيض والضد مجازاً، بينما الشيء المتصف بوصف مع واسطة في العروض بما أنه غير متصف بالوصف حقيقة فلا مانع من اتصافه بنقيضه وضده حقيقة، إذ لا يترتب على ذلك محذور اجتماع النقيضين والضدين.
    النقطة الثانية : ثمرة البحث : إن لهذا البحث ثمرات علمية كثيرة على صعيد الأدب والفقه والأصول ، ونحن نستعرض بعض الثمرات:
    أ - من الثمرات الفقهية للبحث ما ذكره الفقهاء من أن صاحب الدار
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 83 )
    لو قال لرجل ادخل الدار فإنك صديقي فالمفهوم عرفاً من هذا الكلام أن الصداقة واسطة في العروض ، أي أن الحكم وهو جواز الدخول مترتب على عنوان الصديق أولاً وبالذات وانما يتوجه للمخاطب باعتبار انطباق موضوع الحكم عليه ، فلو علم المخاطب بانه ليس بصديق لصاحب الدار فلا يجوز له الدخول ، لأن موضوع الحكم هو عنوان الصديق الا أن صاحب الدار أخطأ في التطبيق وليس موضوع الحكم هو المخاطب حتى يجوز له الدخول على كل حال ، ولو قال له « ادخل الدار لأنك صديقي » فالمفهوم عرفاً من ذلك أن الصداقة واسطة في الثبوت ، أي أن موضوع الحكم بجواز الدخول هو ذات المخاطب لا عنوان الصديق وانما الصداقة من دواعي الأذن بالدخول ، فهنا حتى مع علم المخاطب بعدم كونه صديقاً يجوز له الدخول ما دام هو الموضوع للحكم بالجواز.
    ب - من الثمرات الأصولية التي تترتب على هذا البحث تفريق العلماء بين الحيثية التعليلية والحيثية التقييدية، حيث أن الحيثية التعليلية راجعة للواسطة في الثبوت والحيثية التقييدية راجعة للواسطة في العروض (1)، ويرتبط بذلك جملة من البحوث ، منها : ما ذكروه من أن الحيثيات التعليلية في الأحكام العقلية راجعة للحيثيات التقييدية، فمثلاً حكم العقل بوجوب نصب السلم لأنه مقدمة للواجب راجع لحكمه بان المقدمة واجبة ومن باب التطبيق على الفرد المذكور حكم بوجوبه ، لذلك لا مانع من اجتماع الاستحباب الذاتي مع الوجوب الغيري في المقدمة، فالاستحباب الذاتي مثلاً للوضوء بما هو وضوء والوجوب الغيري له بما هو مقدمة، ومع اختلاف الجهة فلا مانع من اجتماعهما .
    ____________
    (1) اجود التقريرات 1 : 498 ـ 499.

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 84 )
    ج - ما ذكره المحقق النائيني (قده ) في باب مفهوم الموافقة من أن المولى لو قال :«لا تشرب الخمر فإنه مسكر » فظاهر الجملة أن الاسكار واسطة في العروض وحيثية تقييدية، فالموضوع للحرمة حقيقة هو المسكر لا عنوان الخمر وانما يتصف الخمر بالحرمة ثانياً وبالعرض باعتبار انطباق الموضوع عليه ، وحينئذٍ فيستفاد من التعليل المذكور عموم مفهوم الموافقة لكل مسكر ما دام الموضوع للحرمة هو عنوان المسكر.
    وأما لو قال المولى : « لا تشرب الخمر لأنه مسكر أو لإسكارها » فالمفهوم من ذلك عرفاً أن الإسكار واسطة في الثبوت وحيثية تعليلية فقط ، وأن الموضوع للحرمة واقعاً هو الخمر وانما من دواعي جعل الحرمة له اسكاره لا أن موضوع الحكم هو عنوان المسكر، والمستفاد حينئذٍ عدم سعة مفهوم الموافقة لغير الخمر من المسكرات (1)، وغير ذلك من الثمرات .
    النقطة الثالثة : في أقسام الواسطة في العروض : للواسطة في العروض ثلاثة تقسيمات :
    أ - باعتبار الوضوح والخفاء .
    ب - باعتبار التغاير الوجودي والمفهومي .
    ج - باعتبار النسبة بين الواسطة وذي الواسطة .
    التقسيم الأول : وهو انقسام الواسطة في العروض الى جلية وخفية وأخفى .
    الواسطة الجلية : وهي ما يعد عند العرف من باب الاسناد لغير ما هو له كقولنا جرى الميزاب ، حيث يرى العرف هنا أن الجريان حقيقة للماء لا للميزاب فالواسطة في المثال جلية، وكقولنا البيوت متحركة مع أن الحركة واقعاً
    ____________
    (1) اجود التقريرات ا : 498 .
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 85 )
    للأرض لا للبيوت . ومن الأمثلة الفقهية للواسطة الجلية متعلقات الأحكام ، فمثلاً إذا قال المولى . يجب الصلاة ، فإن العرف الساذج قد يتصور أن الصلاة الخارجية هي المعروض للوجوب حقيقة بل ربما طرح ذلك في كلمات العلماء الأعلام ، ففي الكفاية في بحث اجتماع الأمر والنهي - بعد دعوى التضاد الحقيقي بين الأحكام الخمسة - ذكر بان المعروض الواقعي للحكم هو العمل الخارجي للمكلف (1) ، مع أن هذا المفهوم لا يقره العرف المتأمل وذلك لعدة أمور:
    أولاً : لأن الوجوب أمر اعتباري ولا يمكن أن يتشخص في وعاء الاعتبار الا بحد معين وهذا الحد هو طبيعي الصلاة الموجود بالوجود الاعتباري ، إذ من المستحيل تشخص ما هو اعتباري بما هو خارجي كما يستحيل العكس أيضاً ، فمن المستحيل كون الصلاة الخارجية حدا للوجوب الاعتباري.
    ثانياً : على فرض عدم حصول الصلاة خارجاً لعصيان أو غيره فيلزم من ذلك تقوم الموجود وهو الوجوب الاعتباري بالمعدوم وهو الصلاة الخارجية، وذلك مستحيل .
    وثالثا : إن العمل الخارجي مسقط للتكليف فكيف يكون معروضاً له ، لذلك فالمتصف حقيقة بالوجوب هو الماهية الموجودة في وعاء الاعتبار واتصاف الفرد الخارجي به من باب الواسطة في العروض ، وهي واسطة التطابق لا الانطباق ، لأن الانطباق إنما يكون بين الكلي وفرده والعمل الخارجي ليس فرداً للماهية الموجودة في وعاء الاعتبار بل هو مطابق ومشابه لها، وهذه الواسطة جلية لمن تامل في المطلب .
    الواسطة الخفية . وهي ما كان الاسناد فيها بحسب النظر العرفي اسناداً حقيقياً وإن كان بحسب النظر العقلي إسناداً مجازياً ، ومثاله الحد الأوسط في
    ____________
    (1) الكفاية : 158 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 86 )
    باب البرهان إذا كان علة للنتيجة وكان البرهان لمياً ، كقولنا : « كل إنسان حيوان وكل حيوان حساس فكل إنسان حساس » ، فهنا الاحساس وصف للحيوان بما هو حيوان ، وعروضه للإنسان وان كان إسناداً حقيقياً بنظر العرف ولكنه بحسب النظرة العقلية إسناد مجازي ، باعتبار كون هذا الثبوت مستنداً لواسطة وهي الحيوانية .
    والمثال الفقهي المرتبط بذلك باب المعقول الثاني باصطلاح الفلاسفة ، بيان ذلك : أن المعقول قد يكون له ارتباط واحد، إما خارجي كارتباط البياض بالجسم وهذا معقول أولي وإما ذهني كالكلي العقلي الذي ليس له ارتباط بالخارج أصلاً وهذا معقول ثانوي باصطلاح المناطقة والفلاسفة ، وقد يكون له ارتباطان ، ارتباط بمعروضه الذهني وارتباط بموصوفه الخارجي ، فهو معقول ثانوي باصطلاح الفلاسفة ، كالامكان فإن المعروض له ذهناً هو الماهية المعلولة والمتصف به خارجاً هو الموجود الخارجي .
    ومثاله من الأحكام الفقهية النجاسة والملكية ، فإن معروضهما الذهني هو العنوان الذهني للدم والمال مثلاً، بينما المتصف بهما خارجاً هو عين الدم وعين المال . ومثاله أيضاً وجوب الحج على المستطيع ، فإن الوجوب له ارتباطان ، ارتباط اعتباري بعنوان المستطيع وهو ارتباط المقيد بقيده في وعاء التقييد وارتباط خارجي بالمعنون نفسه ، فالمستطيع الخارجي ليس هو المعروض للوجوب حقيقة اذ يستحيل تقيد الاعتباري بالأمر الخارجي .
    وإنما المعروض الحقيقي للوجوب هو المستطيع في الوعاء الاعتباري ، لكن علاقة التطابق بين ما في الخارج وما في الاعتبار الذهني أوجبت اسناد الوجوب للمستطيع الخارجي على نحو العروض عليه ، وهوإسناد مجازي بنظر العقل لرجوعه لواسطة التطابق وإن كان هو متصفاً بالتكليف حقيقة، الا أن الاتصاف غير العروض كما هو مذكور في كتب الحكمة .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 87 )
    ويترتب على هذا البحث عدة ثمرات أصولية :
    أ -ما ذكره الأصوليون بان للحكم مرتبتين مرتبة الانشاء ومرتبة الفعلية، مع أن الحكم المجعول واحد وليس له وجودان متعاقبان ، إذن فمقصودهم ما ذكرنا من أن وجوب الحج مثلاً له ارتباطان ، ارتباط بمعروضه وهو المستطيع في وعاء الاعتبار، وهذه هي مرحلة الجعل ، وارتباط بموصوفه وهو المستطيع الخارجي ، وهذه هي مرحلة الفعلية، أي مرحلة اتصاف ما في الخارج بكونه مكلفاً بالحج مثلاً، والا فليس هناك تعدد في وجود الحكم إطلاقاً.
    ب - ما طرحه الاستاذ السيد الخوئي (قده) في الاشكال على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من أن استصحاب عدم الجعل معارض باستصحاب بقاء المجعول (1)، فمثلاً استصحاب بقاء حرمة وطء الحائض بعد نقائها وقبل غسلها معارض باستصحاب عدم سعة الجعل لما بعد فترة الحيض ، وقد يلاحظ عليه - كما هو مذكور في كلمات المحقق النائيني (قده ) - بان استصحاب عدم الجعل في المقام مثبت (2) ، ولعله لأن استصحاب الجعل أو عدمه متقوم بالارتباط الأول وهو ارتباط الحكم بمعروضه بينما استصحاب المجعول متقوم بالارتباط الثاني وهو ارتباط الحكم بموصوفه ، فاحد الاستصحابين لا يعارض الأخر ولا ينفيه ، إذ لا توجد نقطة جامعة بينهما فكل منهما مرتبط بمرحلة معينة.
    ج - مسألة الشرط المتأخر، حيث أورد بعض علماء الأصول بان الشرط المتأخر مستلزم لتقوم المتقدم بالمتأخر الراجع لتقوم الموجود بالمعدوم وهو مستحيل ، لكن صاحب الكفاية قد ذكر بان المتفرقات في وعاء الزمان مجتمعات في وعاء الاعتبار، فالوجوب مقيد حقيقة بالقيد الموجود في وعاء الاعتبار(3) إذ لابد
    ____________
    (1) مصباح الاصول 3 : 36 - 40 .
    (2) اجود التقريرات 2 : 89 1 - 0 9 1 .
    (3) الكفاية 93 - 4 9 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 88 )
    من اجتماع المقيد والقيد في وعاء واحد، لا أنه مقيد بالقيد المتاخر زماناً ، فما هو قيد للوجوب حقيقة هو العنوان الاعتباري وهو مقارن للحكم لا متأخر عنه وما هو المتأخرعنه ليس بقيد له بل هو مطابق للقيد الحقيقي .
    فتبين لنا من خلال هذه البحوث أهمية التعرف على أقسام الواسطة في العروض ، والفرق بين الخفية والجلية منها ، ففي المثال إسناد الشرطية للمتأخر وجوداً وإن كان إسناداً حقيقياً بنظر العرف لكنه مع الواسطة في العروض ، وهي واسطة التطابق بين ما في الخارج وما في وعاء الاعتبار، فهو إسناد مجازي بنظر العقل ، والشرطية للقيد الاعتباري المقارن لا للوجود الخارجي المتأخر.
    الواسطة الأخفى : وهي ما كان الاسناد فيها بنظر العقل إسناداً حقيقياً ولكن بحسب الدقة الفلسفية العقلية يكون إسناداً مجازياً ، فمثلاً قولنا الجسم أبيض يعد إسناداً حقيقياً بنظر العرف والعقل ، ولكن بحسب الدقة الفلسفية المبنية على تعدد الوجود للجوهر والعرض فالأبيض في الواقع هو البياض لا الجسم ، وهذا الاسناد مجازي باعتبار ارتباط الوجودين خارجاً على نحو التركيب الاتحادي أو الانضمامي على الخلاف فيه ، ومثله قولنا زيد موجود فإنه إسناد حقيقي بنظر العرف والعقل لكنه إسناد مجازي بنظر الفيلسوف المتأمل باعتبار القول باصالة الوجود، فالموجود حقيقة هو الوجود وإنما ينسب للماهية ثانياً وبالعرض ، إذن فالواسطة في هذه الأمثلة اخفى من الواسطة في الموردين السابقين لأن التنبه لها يحتاج لدقة فلسفية .
    التقسيم الثاني : لا شك أنه لابد من وجود الارتباط بين الواسطة وذي الواسطة كالحالية والمحلية والعلية والمعلولية وشبه ذلك ، والا لما صح إسناد وصف الواسطة لذي الواسطة ولو مجازاً، ولابد من التغاير بينهما إما بحسب الوجود وإما بحسب المفهوم وإما بلحاظهما معاً، ولولا ذلك لما كانا شيئين أحدهما واسطة والاخر ذو الواسطة فهنا ثلاثة أقسام .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 89 )
    الأول : التغاير الوجودي والمفهومي بين الواسطة وذيها، وهو على قسمين .
    أ - ما يمكن فيه الاشارة الحسية ويسمى بـ (التغاير في الوضع ) كالسفينة والجالس فيها ، فإنهما متغايران وجوداً ومفهوماً مع إمكان التفريق بينهما بالاشارة الحسية ، فإذا قيل راكب السفينة متحرك فهو إسناد مجازي لغيرمن هو له .
    ب - ما لا يمكن فيه الاشارة الحسية كما هو بين العرض وموضوعه ، فمثلاً إذا قيل الجسم منحني أو مستقيم فالاسناد هنا مجازي لوجود الواسطة في العروض ، وذلك لأن الانحناء والاستقامة من الكيفيات العارضة للكميات فالمتصف بالانحناء والاستقامة هو الكم وهو الخط في المثال لا الجسم نفسه لكنه أسند للجسم مجازاً بواسطة أحد أعراضه وهو الكم ، وبين العرض وهو الواسطة والجوهر الموضوع له وهو ذو الواسطة تغاير وجودي بناءاً على المسلك المشهور من تعدد الوجود للجوهر والعرض لا على مسلك آغا علي مدرسي من كونهما وجوداً واحداً متطوراً بعدة أطوار عرضية وهو المختار عندنا، وبينهما تغاير مفهومي أيضاً لكن لا يمكن التفريق بينهما بحسب الاشارة الحسية .
    الثاني : التغاير الوجودي مع الوحدة الماهوية، ونذكر له ثلاثة أمثلة :
    أ - المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض ، فالصورة المرتسمة فى أفق النفس هي المعلوم بالذات ومطابقها الخارجي معلوم بالعرض ، فتسمية ما في الخارج معلوماً لا بنحو الاسناد الحقيقي بل هو مجازي معتمد على واسطة في العروض، وهي مرآتية ما في الذهن لما في الخارج ، والا فيستحيل أن يكون الأمر الخارجي حداً لما هو أمر نفسي وهو العلم ، فهنا يوجد بين الواسطة وهي المعلوم بالذات وذيها وهو المطابق الخارجي تغاير وجودي ، لأن أحدهما وعاؤه الذهن والاخر وعائه الخارج لكنهما متحدان ماهية بناءاً على المسلك المشهور من كون المعلوم نفس الموجود الخارجي .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 90 )
    ب - المراد بالذات والمراد بالعرض ، فإذا اشتاق الانسان مثلا للعب الكرة فالمراد أولاً وبالذات هو العنوان النفسي المحدد للإرادة النفسية في وعائها والمراد ثانياً وبالعرض هو اللعب نفسه ، فالاسناد مجازي مع الواسطة في العروض .
    ج - متعلقات الأحكام كالصلاة الواجبة ، حيث إننا إذا تاملنا هنا نجد أن المعروض للوجوب حقيقة هي الماهية الاعتبارية للصلاة، لأن نسبة متعلق الاعتبار للاعتبار نفسه نسبة الماهية للوجود، وهي كما يقال في الحكمة نسبة الحد للمحدود، ويستحيل أن يكون الأمر الاعتباري محدوداً بحد خارجي فالمعروض الاعتباري المحقق للوجوب الاعتباري يختلف وجوداً عن العمل الخارجي المحقق للامتثال لكنهما يتحدان ماهية ومفهوماً ، وهذه الوحدة المفهومية واسطة في عروض أوصاف كل منهما للآخر ونذكر لذلك مثالين :
    أ) إن الصلاة الخارجية تتصف بالوجوب مجازاً، لأن هذا الوجوب وإن كان عارضاً على الصلاة الاعتبارية حقيقة ولكن لتطابق ما في الاعتبار مع ما في الخارج صح توصيف ما في الخارج بوصف ما في وعاء الاعتبار. وكذلك الصلاة الاعتبارية تتصف بكونها ذات مصلحة وملاك مجازاً، لأن الواجد للملاك حقيقة هو الصلاة الخارجية لا الذهنية لكن لتطابقهما في الماهية صح اتصاف ما في الاعتبار بصفات ما في الخارج .
    ب ) باب النواهي كما لو قال المولى لا تشرب الخمر، فهنا المعروض الحقيقي للنهي الاعتباري هو طبيعي الخمر ولكن الملاك وهو المفسدة في الشرب موجود في الفرد الخارجي للخمر ومتعدد بتعدده ، فلو قصرنا النظر على وعاء الاعتبار لقلنا بعدم انحلال النهي لعدة نواهي بعدد الأفراد، لأن ما هو متكثر في الخارج ليس معروضاً للنهي وما هو معروض له في وعاء الاعتبار واحد لا كثرة فيه وهو طبيعي شرب الخمر، ولكن لو تأملنا وجدنا أن الخمر الاعتباري
    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 91 )
    والخارجي متغايران وجوداً الا أنهما متحدان مفهوماً ، وحينئذٍ تتحقق مرآتية ما في الذهن لما في الخارج ومع هذه المرآتية تسري أوصاف كل منهما للآخر بنحو الواسطة في العروض ، فالكثرة الخارجية للأفراد والمفاسد ملحوظة في طبيعي شرب الخمر حين ورود النهي عليه .
    وهذا ما ندعيه من الانحلال ، وهو أن الجاعل عندما يلاحظ الماهية المنهي عنها لملاك فيها ويرى أن الملاك متعدد بعدد أفراد الماهية خارجاً يصب نهيه على الماهية لا على نحو صرف الوجود بل بما هي مرآة حاكية للأفراد المتعددة الواجدة للمفسدة ، خلافاً لمن ينكر الانحلال كالسيد البروجردي (قده ) .
    الثالث : التغاير المفهومي مع الاتحاد الوجودي ، ولذلك عدة أمثلة منطقية وفقهية :
    1 - ما ذكر في علم المنطق من وجود الماهيات الطولية بوجود واحد، كالإنسان والحيوان فإنهما يوجدان بوجود واحد فيمكن نسبة صفات أحدهما للآخر بواسطة الاتحاد الوجودي بينهما، فيقال الانسان حساس بما هو حيوان والحيوان ناطق بما هو إنسان ، وهذا الاسناد مجازي مستند للواسطة في العروض وهي الوحدة الوجودية .
    2 - الأمور الانتزاعية مع مناشىء انتزاعها، بناءاً على وجودها بوجود منشأ انتزاعها بالعرض لا بالتبع كما حرر في الأسفار(1)، فهنا يتحقق الاتحاد الوجودي بين ماهيتين فيمكن إسناد صفات إحداهما للأخرى بواسطة الاتحاد الوجودي ، فيصح - مثلاً - إسناد صفات عمل السرقة خارجاً لعنوان الغصب المنتزع منه وبالعكس .
    3 - الطبيعي مع فرده فإنهما متغايران مفهوماً متحدان وجوداً ، فهل يصح
    ____________
    (1) الاسفار 1 : 274 ـ 275.

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 92 )
    اسناد صفات أحدهما للآخر بواسطة الاتحاد الوجودي بينهما أم لا؟ ذهب صاحب الكفاية في بحث الأصل المثبت وبحث استصحاب الكلي إلى صحة جريان استصحاب الفرد لإثبات اثار الكلي باعتبار خفاء الواسطة بينهما(1)، لاتحادهما وجوداً بحيث لا يرى العرف ثنائية بينهما بل يرى أن آثار أحدهما آثار للآخر بلا تفكيك ، بينما ذهب الأعلام إلى كون ذلك أصلاً مثبتاً وأن وجود الواسطة في العروض بينهما لا يسوغ إسناد آثار أحدهما للآخر في باب التنزيلات الشرعية كالاستصحاب ، لكونه من الأصول العملية التنزيلية .
    4 - بحث اجتماع الأمر والنهي كالصلاة والغصب ، وتوضيحه : انه ان قلنا في هذا البحث بالاجتماع الموردي فلا شاهد فيه وان قلنا بالاتحاد الوجودي على نحو التركيب الانضمامي فلا شاهد فيه ايضاً وإن قلنا بالاتحاد الوجودي على نحو التركيب الاتحادي بين الماهيتين فهذا موضع الاستشهاد، حيث يتم البحث في أن ملاك أحدهما هل يسري للآخر فيكون المورد من قبيل تزاحم الملاكات وينتج عنه القول بامتناع الاجتماع أم لا . فالقول بالسراية مبني على ما ذكرنا من كون إلاتحاد الوجودي بين الماهيتين واسطة في عروض صفات احداهما للأخرى .
    5 - ما ذكر في بحث مقدمة الواجب ، من أن الجزء كالسجود في الصلاة مع اتصافه بالوجوب الغيري لكونه مقدمة للكل هل يتصف بالوجوب النفسي الضمني ، فيسري الوجوب النفسي من المركب لأجزائه بواسطة اتحادهما وجوداً وان كانا متغايرين مفهوماً أم لا .
    وغير ذلك من ثمرات البحث في الواسطة وأقسامها .
    ____________
    (1) الكفاية : 406 و 414 .

    --------------------------------------------------------------------------------

    ( 93 )
    التقسيم الثالث : في نسبة الواسطة لذيها، تنقسم الواسطة في العروض بلحاظ نسبتها لذيها إلى أربعة أقسام :
    1 - نسبة التباين كما هو بين السفينة والجالس فيها.
    2 ـ نسبة العموم من وجه كالصلاة والغصب في مورد اجتماعهما.
    3 - نسبة التساوي كالأجزاء بالأسر مع الكل فإنهما شيء واحد والاختلاف مفهومي .
    4 - نسبة العموم المطلق حيث تكون الواسطة أعم مطلقاً نحو لا تشرب الخمر فانه مسكر، أو تكون الواسطة أخص مطلقاً كقولنا الحيران ناطق بما هو إنسان .
    وبهذا يتضح لنا الحاجة الماسة لمعرفة الواسطة في العروض وأقسامها حتى لا نقع في المغالطة بجعل ما بالعرض مورد ما بالذات وترتيب الآثار على ذلك .
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-04-26
  5. هادي110

    هادي110 عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-08-21
    المشاركات:
    361
    الإعجاب :
    0
    اللهم صل على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين

    جُزيت خيراً أخي وحبيبي عبدالله الكاف
     

مشاركة هذه الصفحة