الحداثة الشعرية

الكاتب : علي العيسائي   المشاهدات : 1,191   الردود : 1    ‏2000-12-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2000-12-09
  1. علي العيسائي

    علي العيسائي مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-07-06
    المشاركات:
    1,469
    الإعجاب :
    7
    د· عبدالعزيز المقالح:

    انتهى القرن العشرون· وكان كثير من العقلاء العرب يعتقدون، بل يراهنون على أنه لن ينتهي إلاّ وقد انتهت معه خلافات العرب وصراعاتهم الداخلية الحادة حول البديهيات المتعلقة بالحداثة، وان بعض ما شهده القرن من تحولات ومتغيرات واختراعات كاف ليؤكد لكل من يمتلك منهم ولو بقية من عقل وفكر ان سنة الله - في الحياة وفي البشر - تقضي بالتطور وتقاوم الجمود وتجعل كل جيل - بالضرورة - مختلفاً عن سابقه في سلسلة لا تنتهي من الحداثات التي سرعان ما يدركها القدم وتشكل في حينها نقلات نوعية مشروعة في تجربة الانسان والحياة·

    كان ذلك الاعتقاد أمل العقلاء ومصدر يقينهم إلاَّ ان القرن العشرين طوى أشرعته وغادر الساحة قبل أن يحقق للعرب ما تمناه لهم عقلاؤهم فقد ظهروا في بداية القرن الجديد وكأنهم على أبواب القرن الراحل بل أسوأ حالاً لا سيما بعد أن تضاعفت عدد البديهيات المختلف عليها وزادت مجموعة العقد المثيرة للحساسيات وأثبتت الحصيلة التعيسة للعرب من القرن العشرين وحداثاته أنهم كانوا يعيشون خارج الزمن بعيداً عن مؤثراته الفكرية والثقافية والاجتماعية، وان الأشياء التي كانوا يختلفون عليها في نهاية القرن التاسع عشر هي بعينها ما يختلفون عليه عشية الخروج من القرن العشرين·

    لن أشغل القارىء بإيراد قائمة البديهيات المختلف عليها - وهي طويلة - ولكنني سأكتفي باختيار بديهية واحدة منها، وهي تلك المرتبطة بالشعر وما تقتضيه سنة الله في الخلق وما يمارسونه من أعمال مادية وفكرية من خضوع هذا الفن لقانون التطور ومقاومة الجمود، فالانسان محكوم بالحركة، وآدابه وفنونه محكومة بأن تتحرك معه ايضاً وأن تكون كظله إذا توقف الظل وإذا تحرك شاركه الظل حركته، ومن هنا، فلا وجود - في العالم كله - لشعر يشبه ما كان عليه قبل قرن أو قرنين من الزمن وهذا ما يؤكده تاريخ الشعر العربي في عصور ازدهاره وحيوية شعرائه وما يؤكده تاريخ الشعر في كل اللغات وعبر كل العصور·

    ان روح العصر الذي يكتب فيه الشاعر قصيدته يفرض شيئاً ما في الشكل وشيئاً ما في طريقة استعمال اللغة· والشاعر والعصر والظروف المحيطة والثقافة السائدة كلها تكتب القصيدة· ولا تشكل قراءة الشعر القديم والنسج على منواله ثقافة شعرية معاصرة، صحيح ان الشعر القديم جزء من الموروث وجزء من الذاكرة اللغوية والفنية لكن الاصرار على تقليده يجعل من الشاعر نسخة من الزمن القديم وهو يكتبه من وحي قراءته لا من وحي موهبته ومعايشته لثقافة زمانه وهذه من البديهيات التي لا يجوز الاختلاف حولها أو الجدل في شأنها، وقد جمعتني الظروف بشعراء موهوبين كل بضاعتهم الثقافية من قراءة الشعر القديم، وقال لي أحدهم أنه لم يقرأ أحمد شوقي ولم يسمع بالشاعرين سليمان العيسى ومحمد مهدي الجواهري إلا بعد ان جاوز الخامسة والعشرين من عمره ولذلك فإن قصائده المنشورة - على جودتها وجزالتها واتقان أوزانها - تذكرنا بشعراء ما قبل الاسلام وعلى أحسن الأحوال بشعراء العصر الأموي أمثال ذو الرمة ومن عاصره أو جاء بعده من البديعين الموهوبين الذين يجهدون في صياغة الصورة وتشكيل اللغة على نحو غير مسبوق·

    وشاعر كهذا لابد أن يكون متشبعاً بفكرة مغلقة مؤداها ان الشعر هو هذا الذي ألفه وارتسم في ذاكرته، وان الخروج على عموده الموروث جريمة لا تغتفر، والأمر يختلف كثيراً مع شعراء آخرين ارتبطوا بعصرهم وعاشوا ثقافته المتنوعة وارتبطوا بتراثهم ارتباط من يريد ان يحميه، ويضيف إليه لا ارتباط من يسعى الى تكراره وتقليده وتشويه معالمه البارزة والمستأثرة بالعواطف لفراتدها وقدرتها على تمثل صورة زمانها، والمشكلة أننا قوم متهمون بالولاء للماضي، وهي تهمة باطلة لا أساس لها من الصحة ولا أثر لها في الواقع فالماضي لم يكن بهذا القدر من السوء، ولم يكن الاختلاف بين الشعراء أو النقاد والقراء على هذه الدرجة من الفوضى وغياب الاحترام، بالرغم من اتساع رقعة التعليم وانتشار وسائل التوصيل والاتصال والإكثار من الحديث عن أهمية الحوار والرغبة في التحديث·

    وكم تمنيت في تلك الليلة الظلماء التي لم يطلع فيها قمر الشعر وغاب خجلاً من بعض اجزاء الحوار المعاكس أو المشاكس الذي خصصته قناة الجزيرة للشعر، كم تمنيت لو أن النوم قد طوى الأجفان والآذان فلا يرى الناس ولا يسمعون تلك الأصوات الغريبة والمناقضة لطبيعة الحياة والقادمة من وراء القرون والتي تتحدث عن الشعر كما لو كان نصباً تذكارياً نحتته أيدي الأجداد في لحظة فذة من الدهر ثم الزمتنا بالرقص حوله واستعراض الفحولة اللغوية عند قدميه من قبل الأجيال المتعاقبة والاقتناع بأن الشعر الموزون المقفى هو ما يثبت ذكورة العرب وما سواه من أشكال وابداعات أدبية يثبت العكس؟!·

    ان الاغراق في الحوار حول البديهيات وعدم الانتقال من موقف اجترار التنظير والتنظير المضاد إلى الابداع ذاته والبدء في تقييم هذا الابداع ومدى اقترابه وابتعاده من روح عصره ومن أشواق معاصريه ما هو إلاّ التعبير الصارخ عن الإفلاس وضرب من التحريض على سجن الطاقات الابداعية العربية في قوالب الفحولة الجامدة ورفض لكل المحاولات الجادة التي تمت خلال قرن ويزيد فضلاً عن كونها محاولة آثمة لا تكاد كل الحداثات الجادة والجريئة التي شهدها تاريخ الشعر العربي ابتداء من المبيتات والمخمسات والرباعيات والبند والموحشات والمحاولات التي ارتقت بالنثر إلى أفق الشعر وكادت في وقت مبكر جداً تختصر الزمن لتصل إلى الرؤية الشعرية التي تبناها وكشف عن مكوناتها الجوهرية في الغرب الحديث الشعراء الرومانتيكيون والسرياليون الذين كانوا ومايزالون حديث العالم بما أضافوه إلى ا لشعرية من مساحات واسعة في فضاءات الحلم وألق المخيلة·

    ان الاشكال الأدبية - في فترات النهوض والصحة العقلية والوجدانية للشعوب - لا تعرف الثبات ولا تتوقف عن ممارسة نوع من الولادة الجديدة خلال وقت يطول أو يقصر، وهي - أي الاشكال الأدبية - تغاير نفسها وتتجاوز نسيجها المألوف والسائد إلى ما ليس سائلاً ولا مألوفاً، والمهم ان تكون في مغايرتها وفي تجاوزها مكتوبة بلغة الأمة محافظة على قواعد هذه اللغة·

    وهذا ما أثبتته الولادات المتتابعة للقصيدة العربية فلا الموشح - في جانبه المشرق - تخلى عن اللغة العربية وقواعدها، ولا قصيدة التفعيلة خرجت عن ذلك السياق اللغوي المتين، كما ان قصيدة النثر وهي أحدث الولادات الشعرية وأجدها لا تستطيع التخلي عن النسق اللغوي للعربية ولقواعدها وتراكيبها·

    ولا أذكر كما ليس في وسع أي ناقد أو قارىء مهتم بالشر أن يذكر ان هناك آلاف النصوص المكتوبة في اطار هذا الشكل أو ذاك ولا علاقة لها بالشعر لا من قريب ولا من بعيد، وان هذه النصوص الكثيرة التافهة تزاحم نصوصاً قليلة وتكاد تطردها من ساحة الابداع شأن العملة الرديئة التي نجحت في طرد العملة الجيدة إلاّ ان ذلك لا يدفعنا إلى انكار التجديد وإلى رفض الحداثة الشعرية وادانتها في حين أنها جزء لا يتجزأ من متغيرات الواقع وتحولاته·
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2000-12-09
  3. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    لن ولم نقبل الجمود .

    تحياتي للسيد يافع على نقل هذه المقاله الأكثر من رائعه .

    طبعا لا تعليق خلف ما قاله الدكتور ، لأن الواقع والتطور الحالي لكل شىء ومن كل ناحية يجبر المجتمع على التجاوب معه ، ومن ضمن هذه التطورات كانت اللغة ،و المتتبع للغة العربية وتغيرها يلاحظ الفرق بين المفردات والتعابير ما بين العصر الجاهلي مثلا والأموي ، وعصرنا الحالي لا خلاف عليه أن الحداثة هي من ستنتصر ، والشعر القديم الموزون ليس قرأن أو فرض حتى يتم المحافظة عليه ، نعم يعتبرمن التراث العربي الكبير ومن الجميل ان يظل تراث ، لأنه الآن لا يصلح لغير ذلك .

    استاذي يافع فعلا أستمتعت بالمقاله .
     

مشاركة هذه الصفحة