رسائل تنديد وصواعق تهديد

الكاتب : محسن اليماني   المشاهدات : 390   الردود : 0    ‏2004-04-18
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-18
  1. محسن اليماني

    محسن اليماني عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-12-06
    المشاركات:
    463
    الإعجاب :
    0
    رسائل تنديد وصواعق تهديد
    خطبة جمعة - لفضيلة الشيخ الدكتور/ علي بادحدح

    الخطبة الأولى
    أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
    رسائل تنديد وصواعق تهديد عزمت أن أرسلها منذ الجمعة الماضية إلى كل من يصد عن دين الله ، ويحارب دين الله ، ويؤذي عباد الله ، وينتهك حرمات الله ، ويعتدي على محارم الله ؛ فإنه - لا شك - معرّضٌ نفسه في دنياه قبل أخراه لأوخم النتائج ، وأعظم المصائب ، وشر ما ينتظر المرء في دنيا أو في أخرى .

    ذلك أن أوضاع أمتنا اليوم قد صار فيها كثيرٌ من أبناء جلدتنا وممن لهم الأمر في أمتنا يقومون تحت حجة محاربة الإرهاب بمحاربة الإسلام ، وزاد الطين بلة تلك الجرائم المتزايدة ، والفظائع المتعاظمة ، والإرهاب المتواصل الذي تجددت أحداثه في أرض العراق على أيدي المحتلين الأمريكين المجرمين حتى أصبح المرء لا يدري عن أي شيءٍ يتحدث !!

    هل سمعتم غضبةً عمرية أو صيحةً مضرية ؟ إنني لم أسمع من الدول الإسلامية والعربية حتى التنديد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع ! والأمم المتحدة والعصب المفترقة لم يكن لها حتى مجرد وقفةٍ لتقول إن هذا لا يتفق مع ما تقول به من حقوق الإنسان أو الحيوان !

    وإن الإنسان لو يعجب وهو يرى هذه الأحوال في ظل هذا الإجرام المتعاظم ، والقصف المتواصل للناس في بيوتهم وفي أرضهم وديارهم ، والنساء تقتل ، وأرواح الأطفال تزهق ، والأمم المتحدة غضبى لما يجري على أرض السودان ، من تطهيرٍ عرقيٍ كما تزعم ! حَوَلٌ في البصر ، أو عماً في البصيرة ، أو هو كما قال القائل :
    ويقضى الأمر حين تغيب تيمٌ *** ولا يستأذنون وهم شهود

    إن الأحوال التي تمر بأمتنا اليوم في أوضح صور شدتها وقسوتها وفظاعتها ، وهي اليوم في الوقت نفسه تعري كل متسترٍ بستارٍ يستر به نفسه زوراً وبهتاناً ، فلم يعد اليوم أحدٌ يشك فيمن يحارب دين الله عز وجل ، ولم تعد تنطلي على أحدٍ - حتى الحمقى والأغبياء - حيلٌ من تلك الأقاويل والأراجيف التي نسمعها صباح مساء ، تروجها وسائل الإعلام ، وتصمّ بها آذاننا أقوال الساسة والمسؤولين في شرق الأرض وغربها من أبناء ملتنا ومن غيرهم .

    ومن ذا الذي يستطيع أن يندد بهذا ، وماذا نملك حتى نهدد بتلك القوى العظمى والأمم المجتمعة على الباطل الراضية بشريعة الغاب " البقاء للأقوى " ؟ هل أملك أنا أو أنتم أن يندد بذلك ؟ وماذا في أيدينا حتى نهدد ؟ وبأي شيءٍ نستطيع أن نواجه مرةً أخرى وثانيةً وثالثة ؟

    ينبغي أن نوقن أننا على أرضٍ صلبةٍ قوية ، وأننا على يقينٍ وإيمانٍ راسخٍ ثابت ، وأننا على وعدٍ وأملٍ صادقٍ لا يتخلف متى كنا مؤمنين بالله ، مسلمين حقاً ، ملتزمين أمر الله ، متبعين لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم .

    نعم ! سنندد ونهدد بآيات الله ، وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن على يقينٍ من أمرنا ، وعلى بينةٍ من نهجنا ، وعلى ثقةٍ من وعد ربنا .. نرى حقائق الأمور ببصيرة الإيمان ، ونبصر في ظلمات الشبهات أنوار القرآن .

    ينبغي أن نرجع إلى تلك المنهجية التي ما زلنا نكرر أهميتها ، واليوم عندما نقول هذا التهديد والوعيد ؛ فإننا وإن كنا نخص به أعداء الله أولاً ، والمرجفين والظالمين والطغاة والبغاة من أبناء ملتنا ثانياً ؛ فإننا لا نستثني منه أنفسنا ، فقد جاءنا من آيات الله ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يواجه تقصيرنا وتفريطنا ، وغض أبصارنا عن الظلم ، ورضا قلوبنا ونفوسنا بالانحراف ، ووقوع المنكرات .. فكلنا ذاك المفرط والمتخلف عن أمر الله والذي لا يقوم بالواجب في حقه إزاء دين الله عز وجل ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهُدَى لَن يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ * فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } .

    وإن حشد الكفار القوات والطائرات ، والجيوش المتحالفة ، والقوى المتعاظمة لن يضر الله شيئا وسيحبط أعمالهم ، ستدور الدائرة عليهم يقيناً لا شك فيه ، وسيحيق المكر السيئ بأهله صدقاً لا كذب ولا مراء فيه ، وسيحبط أعمالهم ، ونحن نؤمن بما يقول الله - جل وعلا - ولا نؤمن بما يقوله الكذبة من الساسة والمنافقين من غير المسلمين ومن المستسلمين .

    ثم يلتفت النداء القرآني إليكم معاشر المؤمنين كيف تواجهون ذلك قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .

    لا قدرة لكم على المواجهة ، ولا أمل لكم في القدرة على المغالبة إلا بالاستمداد من الله .. إلا باتباع هدي رسول الله .. إلا بالعمل على سنة الله .. إلا بالتحقق والتحقيق لوعد الله ؛ وإلا فإن أعمالكم هباء ، وإن جهودكم ليس فيها غناء ، وإن أقوالكم حججٌ عليكم وليست لكم !
    كم سمعنا من الأقوال ؟ كم سمعنا من البيانات ؟ كم رأينا من المؤتمرات تأتلف أو لا تأتلف تجتمع أو لا تجتمع كلها لا قيمة لها ؛ لأنها ليست على منهج الله .

    ثم يخبرنا الحق جل وعلا : { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } .

    ومرةً أخرى يلتفت الحق - جلّ وعلا - في آياته إلينا : { فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }

    استمعوا إلى هذه النداءات القرآنية ، والتوجيهات الربانية .. { سيحبط أعمالهم } ، قال السعدي : " أي مساعيهم التي بذلوها في نصر الباطل ، بأن لا تثمر لهم إلا الخيبة والخسران " ، ألم يقولوا في كثيرٍ من مواجهاتهم إنها أوقاتٌ قصيرة ، وإنها معارك هزيلة ، ما زال الحر من نارها ، والشرر من رجالها يحرقهم ، يقذف الرعب في قلوبهم ، يفرق صفوفهم ، وسيحبط الله - جل وعلا - أعمالهم فلا تهنوا .

    قال ابن كثيرٍ : " أي لا تضعفوا عن الأعداء { وتدعوا إلى السلم } أي المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عددكم وعدتكم " .
    قال السعدي : " أي لا تضعفوا عن قتال عدوكم، ويستولي عليكم الخوف، بل اصبروا واثبتوا، ووطنوا أنفسكم على القتال والجلاد، طلبا لمرضاة ربكم، ونصحا للإسلام، وإغضابا للشيطان‏.‏
    ولا تدعوا إلى المسالمة والمتاركة بينكم وبين أعدائكم، طلبا للراحة، والحال أنكم الأعلون " .‏

    ثم ذكر الله عز وجل أموراً ثلاثة من تحقق بها لا يخشى قوى الأرض مجتمعة ، ولا يتراجع قيد أنملةٍ إلى الوراء ، ولا يستطيع أحدٌ أن يوصل إلى قلبه خوف ، أو إلى نفسه يأس .
    { وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } بالاستعلاء بالإيمان ومنهج الإسلام ، وأنتم الأعلون بما توفرون من أسباب القوة والقدرة على مواجهة أعدائكم ، والله معكم { إن ينصركم الله فلا غالب لكم } ، { إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } ، { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } .

    ألم يقع ذلك في بدر ؟ ألم يحصل مثله في الأحزاب ؟ ألم نره عبر تاريخ أمة الإسلام في كل المواقع والمعارك والمواجهات ؟ هل صار المسلمين اليوم في شكٍ من دينهم ، وفي ضعف إيمانٍ بآيات ربهم ، والآيات كثيرة في كل من يصد عن دين الله ، ويحارب دين الله .

    {والله معكم ولن يتركم أعمالكم }لن ينقص أجوركم وثوابكم ، حتى وإن لم تتحقق النتائج على أيديكم ، { ولن يتركم أعمالكم } أي لن يجعلها حابطةً كغيرها ، بل ستثمر اليوم أو غداً أو بعد غدٍ ؛ لأن الله - عز وجل - وعد كل عاملٍ بالخير ومحققٍ لوعده أن ينجز له سبحانه وتعالى ما وعده .

    { الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ *‏ أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ * أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ }
    ما كان لأولئك من قوةٍ إلا بسبب ضعفنا ، أولئك لا يعجزون الله وقدرته وقوته سبحانه وتعالى ، وهو الذي أمره بين الكاف والنون ،إذا قال للشيء كن فيكون .

    ونحن نعلم كذلك أن هذه الوعود الربانية لا تخلف أبداً { ما كان لهم من دون الله من أولياء } مهما جاءوا بقوى من هنا أو هناك ، وحلفاءٍ من شرقٍ أو غرب ، فلن يثبت ولن يقف أمام قوة الله ولا أمام قوة المؤمنين بوعد الله قوةٌ مهما عظمت ، فثقوا بدين الله ، واعلموا أن كل ما يواجهوننا به إنما يتحقق فيما أثره لما أخللنا به من منهج الله عز وجل ، وتخلينا به من الاستمساك بدينه سبحانه وتعالى .

    {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ }

    آياتٌ قاطعة ، كلماتٌ بالحق ناطقة ،ولكنها لا تكون إلا بأسبابنا وإلا بتخلينا عن نهج ربنا ، قال تعالى : { إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ }
    والآيات تخبرنا بصيغة المضارع المتحقق الوقوع ، قال ابن عطية في معنى [ الكبت والمكبوت ] :" يكون حزنان ؛ لأنه يرى ما يكره ولا يقدر على رده ، سيأتيهم اليوم الذي يذوقون فيه مثلما يفعلون من هذه الجرائم ، وهم لا يملكون دفعاً ولا نصراً بإذنه سبحانه وتعالى " .


    ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

    تلك هي الوعود الربانية ، والتهديدات الإلهية ، ونحن عندما نوقن بذلك نعلم أننا لا نحتاج إلى تنديد أهل الأرض ، وإلى تهديد القوى الفارضة التي لا تقوم ولا تنطلق من قاعدة الإيمان بالله ، ولا ترتبط بمنهج الإسلام ، ولئن كان ذلك غيضٌ من فيض آياتٍ كثيرة ، ومواقف وقصصٍ عظيمة ذكرت في كتاب الله ؛ فإن لنا كذلك من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وتنديده وتهديده لصورٍ كثيرة ليست في أعداء الله ، بل هي فينا معاشر المسلمين ، من الذين لهم الصدارة في أمتنا - ولاةً وحكاماً وقادةً - إلى من دونهم من كل من له ولاية ، ومن في يده سلطة وغير ذلك من وجوهٍ لا يكاد يخرج عنها أحدٌ منا بحالٍ من الأحوال ، وحينئذٍ نقولها ونحن بقلوب ثابتة ، وبصوتٍ عالٍ ؛ لأن الناطق بها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم ، وهل يستطيع أحدٌ مهما علا وعظم أن يرد قوله عليه الصلاة والسلام ، أو أن يستهين بتهديده ووعيده وهو صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى { إن هو إلا وحيٌ يوحى } ؟

    هذا حديث أنس رضي الله عنه يخبر في أوله عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم أن الأئمة من قريش ، وأن له عليه الصلاة والسلام حق ، وأن لهم حقاً كذلك ، ثم يقول عليه الصلاة والسلام في شأنهم - أي شأن الأئمة - : (ما حكموا فعدلوا،وما عاهدوا فوفوا،وما استرحموا فرحموا،فمن لم يفعل ذلك منهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين‏ ) .
    رواه أحمد في مسنده بسندٍ جيدٍ ورجاله ثقات ورواه أبو يعلى في مسنده والطبراني في معجمه .

    وفي حديث أبي هريرة يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ( ما من أمير عشرةٍ إلا يؤتى به مغلول يوم القيامة حتى يفكه العدل أو يبقيه الجور ) رواه البزار في مسنده ورجاله رجال الصحيح .

    ( ما من أمير عشرةٍ ) فكيف بأمير الملايين المتولي أمرهم باسم الله ، وبا ادعاء القيام بأمر الله ، والذبّ عن شريعة الله ، والحفظ لحقوق ؟!

    عباد الله :
    أفلا يرعوي كل من يسمع ذلك ! أفليس في هذا أعظم تهديد تنخلع قلوب من في قلوبهم ذرة إيمانٍ أو بقية أثرٍ من إسلام ! إن الأمر أعظم مما نتخيله ونتصوره .

    وهذا دعاءٌ من رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ودعاءه مجاب ، تروي هذا الدعاء عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فاشقق عليه ، ومن ولي من أمر أمتي شيء فرفق بهم فارفق به ) رواه مسلمٌ في صحيحه .

    إلى الذين يشقون عن عباد الله ، ويتعنتون معهم ، ويسرفون في تعذيبهم وإيذائهم ، وإلحاق الضر والشر بهم على كل مستوياتهم المختلفة وفي كل مسؤولياتهم المتنوعة ، فليعلموا أن الله عز وجل يجازيهم من جنس عملهم ، وأنه يلحق بهم عاجلاً أو آجلاً مثلما فعلوا بغيرهم ، ومن لم يجد شيئاً في الدنيا من مثل هذا ؛ فإنما ذلك والعياذ بالله دليلٌ على عظمة سخط الله عليه ، وأنه ادخر له العذاب فلم يعجله له في الدنيا فجعله له وسيجعله له مضاعفاً في الآخرة .

    ومعقل بن يسارٍ رضي الله عنه يروي الحديث الذي يسمعه ولا يحفظه كثيرٌ من الناس : ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً يموت يوم يموت وهو غاشٌ رعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) .
    وفي الرواية الأخرى : ( ما من عبدٍ يسترعيه الله رعيةً فلم يحطها بنصحه ، إلا لم يرح رائحة الجنة ) متفقٌ عليه .

    أفلا يستمع إلى ذلك قادة الأمة وحكامها ؟ وأحوال أمتنا في أكثر بلادها تستحق أن ينطبق عليها مثل هذه الأحاديث التي قالها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، أفيخشون من أمريكا أو غير أمريكا ولا يخشون من الله عز وجل ؟ أفيرضون أن يعملوا قوتهم وقدرتهم في سخط الله عز وجل ، ويخشون أن يفعلوا أقلّ القليل مما يظن أنه يسخط أعداء الله ؟ أفلم يسمع الناس جميعاً حديث أم المؤمنين عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من ابتغى رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ، ومن ابتغى سخط الله برضى الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس ) ؟

    إن الأحوال لا تقتصر على من بيده الأمر أو الحكم أو السلطان ! بل تعمّ كل أحدٍ في مسئوليته حتى تعمّ الفرد الذي ليس له مسؤوليةٍ عن غيره ؛ لأن له مسؤوليةً عن نفسه .

    ولذلك استمعوا إلى هذا أيضاً الحديث وما فيه من التهديد والوعيد : ( صنفان من أمتي لن تنالهما شفاعتي : إمامٌ ظلومٌ غاشمٌ وكل غالٍ مارق ) رواه الطبراني في المعجم الكبير ورجاله ثقات .
    ( كل ضالٍ مارق ) كم فينا نحن معاشر المسلمين من يصدق فيه ذلك !

    وهكذا كلنا يعلم أن الظلم منه ما هو يسيرٌ ومنه ما هو ، ومنه ما هو حدود الدائرة ، ومنه ما هو واسع ، والنصوص كلها تتناول ذلك قليلاً كان أو كثيراً .

    عن أبي موسى رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن الله يمهل للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ، ثم قرأ : {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليمٌ شديد } ) .

    من يستطيع أن يفلت من قبضة وغبضة الله - جل وعلا - إذا ظلم ، وقد حرم الله الظلم وإذا بغى ، وقد وعد الله عز وجل أن ينتصر لمن بُغيَ عليه ، كل من يظلم حتى من يظلموا زوجته أو من يظلم الموظف الذي تحته فضلاً عمن يظلم رعيته ..

    وهكذا نرى الصور المختلفة التي تمضي بنا إلى تفصيلٍ وتحديد ، وتصور لنا الواقع كأنما هذه الأحاديث - وهي التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم - تخترق حجب الغيب ، وتتجاوز آفاق الزمان ؛ لتكون في كل وقتٍ وآنٍ ، تكشفٌ للناس ولعموم المسلمين خصوصاً كيف يعرفون واقعهم ؟ وكيف يعرفون أين يضعون موطئ أقدامهم قبل أن تزل الأقدام ، وقبل أن يحصل لهم ما لا يرجونه من السخط والغضب الرباني .

    عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدقٍ ، إن نسي ذكره ، وإن ذكر أعانه ، وإذا أراد الله به غير ذلك ، جعل له وزير سوءٍ ، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه ) ، وهذا واقع حال كثيرٍ من أوضاع أمتنا .

    وهذا هشام بن حكيم يروي أنه مرّ في بلاد الشام ، ورأى بعض الأنباط من غير المسلمين وهم في حرّ الشمس ، ويوضع عليهم شيء من الزيت عقاباً لهم ؛ لأنهم لم يؤدوا الجزية -، وربما كان ذلك عن غير إمكان - فقال : أشهد الله أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ) رواه مسلمٌ في صحيحه .

    فليخشى الذين يعذبون عباد الله ، والدعاة إلى دين الله ، والعلماء الناطقين بالحق ، المبينين لشرع الله وليخشى كل من يظلم أحداً دونه في القوة ؛ فإنه ما من شيءٍ إلا وله عقوبته دنيا أو أخرى ، نسأل الله عز وجل السلامة من ذلك .

    بل قد روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من ضرب بسوط ظلما ، اقتص منه يوم القيامة ) ، ولو في سوطٍ واحدٍ فكيف بما هو أعظم من ذلك ؟!

    أيها الأخوة المؤمنون :
    إن الأحوال التي تجري ينبغي أن تزيدنا يقيناً بوعد الله عز وجل ، وبصيرةً في سنن الله سبحانه وتعالى ، وينبغي أن تردنا بقوةٍ أكثر إلى دين الله وشرعه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، وينبغي أن تدعونا إلى التشبث والاعتزاز والاستعلاء بدين الله ، وينبغي في آخر الأمر أن تكشف لنا حقائق أعداء الله ، وأن تبين قوتهم الدنيوية على حقيقتها شيئاً لا يعبئ به ولا يخشى منه من كان مع الله { والله معكم ولن يتركم أعمالكم } .

    أسأل الله عز وجل أن يكشف الغمة ، وأن يرفع البلاء عن الأمة ، وأن يعيدنا ويردنا إلى دينه رداً جميلا ، أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنبٍ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

    الخطبة الثانية :
    أما بعد أيها الأخوة المؤمنون :
    أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله فهي أعظم زادٍ يقدم به العبد على مولاه ، وإن من تقوى الله بغض أعداء الله وعدم الذلة لهم ، وفي الوقت نفسه الانتصار لعباد الله والموالاة لهم ، وبذل ما في الوسع لنصرتهم - ولو بما يستطاع من أقل القليل - فإن التهديد والوعيد قد تناول ذلك أيضاً ، كما جاء في حديث جابرٍ وأبي طلحه رضي الله عنهما ن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مسلمٍ يخذل مسلماً في موضعٍ تنتهك فيه حرمته ، وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطنٍ يحب فيه نصرته ، وما من امرءٍ ينصر مسلماً في موضعٍ ينتقص فيه من عرضه ، وينتهك فيه من حرمته ، إلا نصره الله في موطنٍ يحب فيه نصرته ) رواه أبو داود في سننه والطبراني بإسنادٍ حسن .

    وقد رأينا الأحداث كثيرةً مستمرةً في أرض فلسطين وفي العراق ، ورأينا الأحداث الأخيرة التي فيها أعظم بغيٍ وظلم ، فأين الذين عندهم الأموال والقوات والجيوش والمؤتمرات ؟ أين هم من نصرةٍ ولو بكلمة ! من نصرة ولو بإعانة ! من نصرةٍ ولو بإدانة ! وأين بقية المسلمين من حزنٍ يعتصر قلوبهم وكثيرٌ منهم يضحك ملء شدقيه ، ويأكل ملْ مضغيه ، وينام ملء جفنيه ، وكأن شيئاً لم يكن ؟! وكأن حزناً لم يخالط قلبه ؟! وكأن كرباً لم يقع له ؟!

    إنها نصوصٌ عظيمة ، وتهديداتٌ خطيرة ، وليس لأولئك إلا الله نسأل الله عز وجل أن يثبتهم ، وأن يفرّج عنهم ، وأن يعينهم .




    محسن اليماني
     

مشاركة هذه الصفحة