كيف أصبح رجلاً حقًّا؟

الكاتب : لمياء   المشاهدات : 498   الردود : 1    ‏2004-04-17
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-17
  1. لمياء

    لمياء مشرفة سابقة مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-10-08
    المشاركات:
    2,738
    الإعجاب :
    0
    كيف أصبح رجلاً حقًّا؟
    إخوان أون لاين - 28/09/2003





    تأملت في يوم قادم يقف فيه شاب أمامي ويلح في السؤال: كيف أصبح رجلاً حقًّا؟

    واحترت في الجواب من الآن!

    واسترجعت الذاكرة بعد مشاورة، واستهديت بالآية والحديث، واستوعبت السؤال كاملاً.. فإذا الإجابة طويلة ومتشعبة، وكل صاحب معرفة يسير في وادٍ، ولكن حسبك من القلادة ما أحاط بالعنق!

    أيها الشاب، ستمر بك الأيام عَجلى، وتتوالى عليك الليالي سريعة، فإذا بك تقف ممتلئًا صحةً ونشاطًا، تُطاول أباك طولاً، وقد منحك الله بسطةً في الجسم.

    وإن مرت بك الأيام، وسَلِمت من عاديات الزمن وطوارق الأيام، فسوف تمر بمراحل العمر كلها- بإذن الله- قال الله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ (الحج: من الآية 5)، وإن قدَّر الله لك أمرًا آخر فأنت ممن قال الله فيهم: ﴿وَمِنْكُم مَّن يُتَوَفَّى﴾ (الحج: من الآية5).

    ولا أخالك- أيها الشاب- وهذه المراحل السريعة تمر أمامك إلا مسارعًا للإمساك بها، والتزود من مراحلها، وها هي قدمك بدأت تخطو الخطوات الأولى في مرحلة الشباب والنضج؛ وهي مرحلة مهمة، خصها الرسول – صلى الله عليه وسلم- بالحديث المشهور: عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزولُ قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمُره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وماذا عمل فيما علم"؟ (أخرجه السيوطي في الجامع الصغير)، وخصَّ النبي- صلى الله عليه وسلم- مرحلة الشباب هذه لكثرة الإنتاج والعطاء والبذل والإبداع فيها.

    أيها الشاب، مقاييس الرجولة تختلف حسب نظرة المجتمع والأسرة والشاب نفسه، فرجولة المهازيل تتمثل في إضاعة الوقت، وإزجاء الزمن دون فائدة، ورجولة المَرضَى والسفهاء تعني السعي وراء الشهوات المحرمة.

    أما رجولة أهل الهمم والمعالي فهي السعي الحثيث إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ومن متطلبات هذا السعي أن تكتسب من العلم أوفره، وأن تنال من الأدب أكثره، ومن معالي الأمور وجميلها ما يزين رجولتك، ويجعلك محط الآمال ومعقد الأماني، بعيدًا عن عثرات الطريق ومزالق المسير.

    تصبح رجلاً- أيها الشاب- إذا اكتملَت فيك مقومات الرجولة الظاهرة، من ارتواء الجسم ونضارته، وقوة الشباب وحيويته، وظهور الشوارب واللِّحَى! وهذه كلها تشترك فيها أمة مثلك من الشباب، صالحهم وطالحهم، مسلمهم وكافرهم، بَرُّهم وفاجرهم، وبعض الحيونات تشترك مع الإنسان في هذه الصفات من عضلات وقوة تحمُّل.

    لكنك رجل مميز، وشاب متفرد، نريدك رجلاً مسلمًا، لا رجلاً مجردًا؛ ولكي تكون كذلك فالآفاق أمامك مفتوحة، ودروب الخير سهلة ميسورة، وحصاد العلم قد دان وقَرُب، وغراس الخُلق ينتظر الجاني، فهيَّا لتنال نصيبًا وافيًا من ذلك، فتكون رجلاً كما يريد الله- عز وجل- ذلك، ثم كما نريد وتريد أنت ذلك.

    فالأسرة والمجتمع والأمة بحاجة إلى شباب صالحين مصلحين، فهذا الدين يحتاج إلى رجل، ولكن ليس رجل فحولة فحسب، بل رجل بطولة وصبر، يحمل هَمَّ الدعوة، ويقوم بها، ويصبر على ما يلاقيه، ويسعَى جادًا لنَيل العلم والارتقاء في درجاته، عفيف اللسان، نزيْه الجوارح، تسارع قدمه إذا سمع الأذان، وتتردد بين جنباته آيات القرآن.

    وبعيدًا عن التنظير والكلمات الإنشائية أذكِّرك بأمور إن تمسَّكت بها وأخذت بأطرافها فْزت وربِّ الكعبة.

    أولاً: خُلقت لأمر عظيم، فاحذر أن يغيب ذلك عن بالك طرفة عين، فالله- عز وجل- يقول في محكم التنزيل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56).

    ثانيًا: الصلاة الصلاة! فإنها عماد الدين، والركن الثاني العظيم، ولا حظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فلا تتهاون ولا تتكاسل ولا تتشاغل عن أدائها في وقتها مع جماعة المسلمين.

    يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وأراك تغتم وتهتم لفقد أمر من أمور الدنيا من ضياع قلم أو فقد محفظة، ولا تهتم بأن تفوتك تكبيرة الإحرام أو الصلاة مع الجماعة.

    ثالثًا: ما أضاع ساعات الزمن وأيام العمر مثل حياة الفارغين، وأصحاب الهوايات الضائعة والأوقات المسلوبة، ممن همَّه إضاعة الساعات والأوقات في لهو وعبث، فاحرص على وقتك فإنه أغلى من المال، وإن كان مالك تستطيع أن تُحافظ عليه وتنميه وتستثمره، فإن الوقت قاتل وقاطع، والأنفاس لا تعود.

    رابعًا: العلم طريق الوصول إلى خشية الله- عز وجل- فسارع إليه وابدأ بالعلم الشرعي الذي تقيم به أمور دينك، وما نِلت من علم دنيوي تحتاج إليه الأمة فاجعل نيتك فيه خدمة الإسلام والمسلمين حتى تُؤجَر عليه.

    خامسًا: حُسن الخلق كلمة لطيفة طريَّة على اللسان، ولكن عند التطبيق تتباين الشخصيات، ويفترق الرجال إلى أصول وفروع! ولا يغيب عن بالك أن حُسن الخلق من صلب هذا الدين، فبرَّ والديك، وارفق بأخيك، وأحسن إلى صديقك وتعاهد جارك.

    سادسًا: مع تنوع المعارف والعلوم لابد أن يكون لك سهم في تلك الطروحات التي تجعلك قوي الفكر، ثابت المعلومة، على اطلاع واسع لتنمّي ثقافتك، ومثلك يحذر الطروحات الفكرية التي يدعيها بعض الموتورين والمرجوفين ممن لا يذكرون الله إلا قليلاً.

    سابعًا: القوة عَلَم تسير خلفه وتستظل بآرائه، وتستلهم طريقه، فمَن قدوتك يا تُرى؟ ولا أعرف لابن الاسلام قدوة سوى "محمد" وصحبه الكرام وسلفه الصالح.

    ثامنًا: أنت- ولا ريب- تتطلع إلى غد مشرق وسعادة دائمة وظل وارف، فعليك بتقوى الله في السر والعلن، فإنها وصية الله للأولين والآخرين وطريق النجاة يوم الدين: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (النحل:79).

    تاسعًا: لتكن قوي الإرادة، ماضي العزيمة، وولتُلقِ ما تقع عليه عينك من المحرمات، وتبتعد عن الرزائل ومواطن الشُّبه والريب، ولتكن لك قوة داخلية تسخرها لتزكية نفسك وصفاء سريرتك، وذلك بمراقبة الله- عز وجل- على كل حين ومداومة العمل الصالح.

    عاشرًا: الدعاء هو العبادة، وكم أنت فقير إلى ربك ومولاك، فبالدعاء يكون انشراح النفس وطمأنينتها وطلب العون من الله- عز وجل- فلا تغفُل عنه، واحرص على البعد عن موانع الإجابة، وكلما غفلت تذكر كثرة دعاء الأنبياء لأنفسهم وحرصهم على ذلك.

    أيها الشاب، لا تستوحش من إقبال الزمن ودورته، فابنك سيقف أمامك بعد زمن ليسألك: كيف أصبح رجلاً يا أبي؟ أعتقد- وأنت معي في ذلك- أن نقطة البداية لهذا الجواب هي ما تسير عليه اليوم وترسمه غدًا، فالقدوة مَثل أعلى لمن هم حولك، فابدأ واستعن بالله، وأراك قد أصبحت رجلاً ينطلق في مضمار الحياة لا تُرهبه هبوب الرياح، ولا تثنيه مسالك الطريق الوعرة.

    وختامًا:
    قد يطرق قلبَك قول مفاجئ، تصوِّبه نحو قلمي: كلُّ ما ذكرت كلمات وعظية مكررة نسمعها بين حين وآخر! وجوابي لصوتك الحبيب: أيها الرجل الشاب! يا من استقبلت الدنيا بوجهك.. إنها كلمات- وإن كانت مكررة- فأبشر إن وقعت في نفسك موقعًا، فعندها تكون رجلاً ليس كباقي الرجال، بل رجلاً أثنى الله- عز وجل- عليه في مواضع عدة من كتابه الكريم، وحسبك هذا الثناء لتكون رجلاً؛ من ذلك قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (الأحزاب:23).
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-04-18
  3. العربي الصغير

    العربي الصغير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-01-14
    المشاركات:
    1,175
    الإعجاب :
    1
    جزاك الله خيراً.
    فقد بينتي معنى الرجولة الحقة.
    شكرا على هذا الموضوع الجميل .
     

مشاركة هذه الصفحة