نتائج بعثة التنقيب الالمانية عن آثار مأرب

الكاتب : سهيل اليماني   المشاهدات : 861   الردود : 3    ‏2001-09-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-13
  1. سهيل اليماني

    سهيل اليماني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2000-10-12
    المشاركات:
    5,779
    الإعجاب :
    1
    عرش بلقيس - معبد المقة برآن في مأرب


    بوركهارت فوجت ، فيرنر هربرج ، نيكول رورينج

    صنعـــاء 2000م


    ___________________________

    مقدمة:

    كانت مدينة مأرب عاصمة مملكة سباء العظيمة ومركزها الاقتصادي والسياسي والديني لقرون عديدة ، وتعتبر مأرب مهد الحضارة السبئية التي كرمت بالذكر في القرآن الكريم ، وأقترن ذكرها في المصادر والموروث بملكة سباء التي ذاع صيتها وملات أسماع الناس الى اليوم.

    ومعالم مأرب الاثرية هي الاشهر بين آثار اليمن . وفي مقدمة تلك المعالم ياتي ( عرش بلقيس ) الموقع الاثري الذي عرف بعمائده الخمسة وسادسها عمود مكسور لم يتبقى منه سوى النصف ( الصورة رقم 1 ) وتمثل تلك الاعمدة في حقيقة الامر الفن المعماري اليمني القديم وتتصدر اليوم لوائح الاعلانات وتظهر مرسومة في العملات الورقية وطوابع البريد والاعلام ...حتى كأنها رمز وطني هام للبلاد اليمنية.

    ومنذ عام 1888 أضحى معلوماً لدى الباحثين أن عرش بلقيس تسمية شعبية لمعبد سبئي قديم . وكان الرحالة النمساوي والباحث أدورد جلازر أول من دون نقشاً سبئياً حفر على أحد أعمدة المعبد في العهد السبئي الوسيط يتحدث عن المعبود السبئي ( المقة ) رب المعبد ( برآن ) ويحذر كل من يحاول أن ينهب كنوز المعبد الفضية . والمعبود السبئي ( المقة ) كان يرمز الى عبادة القمر أحد الكواكب السماوية أما ( برآن ) فهو الاسم السبئي القديم لقسم من الجنة اليسرى في أرض مأرب .وكان معبد ( برآن ) قديماً يبعد حوالي ثلاثة كيلومترات عن أسوارالمدينة وموقعه كما هي الحال اليوم تقريباً في وسط حقول الجنة اليسرى بعيداً عن أماكن الاستيطان.

    في أيام الرحالة جلازر كان المعبد لايزال في وضع أفضل مما هو عليه الان . فقد أستخدم كمنجم للاحجار في الاربعينات من القرن العشرين وكانت الاحجار المهندمة تنهب من المعبد وتحمل على عربات تجرها الثيران ليبنى بها القصر الجديد لعامل مأرب.

    وفي عامي 1951/1952 أمر الامام أحمد بالبحث عن الكنوز في المعبد ولكن دون جدوى . وعندما بدأ التنقيب في عام 1988 لم يكن قد تبقى منه سوى تل منخفض يرتفع عن الحقول المجاورة بحوالي ثلاثة أمتار ويبرز في أعلاه صفاً من الاعمدة تنتشر حوله أحجار البلق المهندمة وبعض العناصر المعمارية المتكسرة ( الصورة رقم 2 ).

    وخلال أربعة مواسم تلت ( 1997 - 2000 ) جرى تثبيت المعالم وترميمها بكل عناية بفضل العون المالي الذي تلقاه المعهد من الحكومة الالمانية وبعض الشركات الالمانية ، وفي شهر نوفمبر 2000 أصبح المعبد مهيئاً لاستقبال الزوار.

    ***

    تاريخ الموقع:

    أستند في كتابة تاريخ المعبد على نتائج البحث العلمي أثرياً ومعمارياً وكذلك على دراسة التغيرات البيئية في وادي مأرب وأستناداً الى قراءة النصوص النقشية وقياسات الراديو كاربون وتواريخها المتعددة.

    يتألف مجمع برآن من وحدات معمارية مختلفة ( الصور أرقام 4 ، 5 ) وأهم هذه الوحدات هي منصة المعبد والفناء الامامي وملحقاتهما مثل السور الكبير المبني من الطوب والمنشآت التابعة وكذلك قناة الري التي كانت هناك ولم يبق منها شئ . وخلال فترة تمتد 1500 عام تطورت تلك العناصر المعمارية لتشكل في نهاية المطاف متنسكاً كبيراً . كانت النواة هي المعبد التي تمثلت في أربع بنايات تراكمت الواحدة فوق الاخرى . ودفنت الثلاث الاولى تحت المنصة الكبرى لبناية المعبد الرابعة والاخيرة .

    لايعرف تماماً سبب أقامة المعبد هناك ، هل أقتضت ذلك ظاهرة طبيعية : صخرة ما أو نبع أو توافق أبراج فلكية ؟ لاندري : على أن المعبد ربما كان قد شيد لأول مرّة في القرن العاشر قبل الميلاد . أي بما يوافق تقريباً عهد ملكة سباء الشهيرة ، وأن كان البحث لايستبعد تاريخاً أقدم من ذلك .ومبلغ العلم أن معارفنا عن المعبد الاصل قليلة جداً ولايمكن التعرف على مخططه ولا على الطقوس التي كانت تقام فيه بل ولا حتى الاله الذي كان يعبد فيه.
    ويسري القول نفسه على مبنى المعبد الثاني الذي أقيم على أنقاض الاول . كل ما نعرفه أن هذا المبنى كسلفه كان قد بني بحجارة قدت من صخر بركاني بقيت قائمة في حدود ثلاثة أمتار ، وكان المبنى مستطيل الشكل وله ساحة متوسطة محاطة بصفاً من الغرف الصغيرة ، عددها خمس في الطرف الشرقي ورواقين في الشمال والجنوب . وكان في الوسط وتحت أرضية المعبد الحالية بيت الصلاة . وتدل كسر الفخار التي عثر عليها أن المبنى الثاني ينبغي أن يكون قد أنشئ في مطلع الالف الاول قبل الميلاد ، وأنه ظل قائماً حتى الربع الاخير من القرن التاسع قبل الميلاد.

    وفي مرحلة لاحقة ربما خلال القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد جرت على المعلم تغييرات جذرية ، فقد بني جدار المنصة الكبير للمبنى الثالث بحجارة ضخمة من أحجار البلق الموقصة وذلك على أنقاض المعبدين السابقين ( الاول والثاني ) ، كما تم حشو المنصة بتراب رسوبي ناعم وأقيمت في الوسط غرفة للعبادة تحيط بها أرضية مبلطة بحجارة من البلق. ويمكن القول أن المبنى الثالث هذا على قلة معرفتنا به - لابد وأنه كان رائعاً.

    وعندما بلغت مملكة سباء أوج أزدهارها في أواخر القرن السادس أو في القرن الخامس قبل الميلاد شيّد المبنى الرابع ( المعبد رقم 4 ) على أنقاض المباني السابقة وجرى توسيعه بأضافة فناء فسيح فأصبح بذلك مجمعاً فخماً يتيح المساحة الكافية لاقامة الاحتفالات للمعبود السبئي ( المقة ) .
    وهو في هيئته تلك يشبه عمارة القصور التي نعرفها في مدينتي شبوة وتمنع. كان المعبد رقم 4 يرتفع في مجمله أكثر من 15 متراً ويتألف من مساحة معبده وبيت للصلاة في الوسط وأروقة بأعمدتها في الجهات الشمالية والغربية والجنوبية. وأمام الواجهة الغربية للمنصة شيدت البوابة الخارجية لتشكل معلماً بارزاً بأعمدته السته التي نحت كل منها من كتلة صخرية واحدة يبلغ أرتفاعها 8,2 أمتار بالاضافة الى الدرج التي تؤدي الى الداخل . وفي الوقت نفسه تم أضافة ساحة أمامية وحفرت البئر . ولهذه الساحة شكل مربع تقريباً ولها أروقة بأعمدة ارتفاع كل منها حوالي 4 أمتار . وكانت الاروقة مزينة بمنحوتات البلق البديعة والمقاعد التي قدّت من محاجر المخدرة في صرواح على بعد 40 كيلومترا الى الشمال الغربي . ويبدو مجمع المعبد في هذه الفترة وكأنه يشكل وحدة معمارية متناسقة تتقابل فيها المدخل الرئيس والساحة مع الدرج العالي لمنصة المعبد بشكل يوحي بالروعة
    والجمال.

    وفي فترة أنشاء المبنى الرابع للمعبد نجد دلائل نقشية مدونة في الساحة الامامية بخط المسند السبئي . وأقدم تلك النقوش كتبت على طريقة سير المحراث وقدّمت نذوراً للمعبود السبئي ( المقة ) وأن كانت عبارة " رب المعبد برآن " لم ترد الاّ في فترة لاحقة. وعلى سبيل المثال يتحدث أحد النقوش عن مرسوم اداري للمعبد يتعلق بأنتهاك حرمات المعبد مثل تلويث الماعز له وما يترتب على ذلك من واجبات . وتنقش تلك النذور في الغالب على موائد القربان وأحجار البلق المهندمة وغيرها من أحجار البناء الكلسية . والنذور المقدمة للمعبد متعددة كأن تكون قطعاً من الارض أو البساتين ، أو أعتقاد من الناس ينذرون للمعبد بصفة رمزية وغير ذلك ممّا يعكس نفوذ المعبد وأهميته في الحياة الاقتصادية.

    وكان دخول المعبد في هذه الفترة قصراً على أولى المراتب العليا من أهل البلاط ونفر من الطبقة العليا في المجتمع السبئي ، ومن هؤلاء من أسهم بسخاء في تجهيز أروقة الساحة الامامية ، فمثلاً ( القين ) وهو أداري ذكرت النقوش أنه عمل مع حكام سبأ مثل تدع ايل ويثع أمر وكرب أيل . أما العامة فلا يسمح لهم كما يبدو بدخول حرم المعبد . وكانوا يضعون قرابينهم المصنوعة من الفخار على أمتداد واجهة الساحة الامامية.

    وفي حوالي بداية العصر المسيحي تعرض المعبد الى الاهمال وأعرض الناس عن التنسك فيه بالقدر الذي كان عليه ، ورغم أستمرار التنسك فيه بعد ذلك الا أن المعبد لم يتمكن من العودة الى ماكان عليه فقد أثر عليه ذلك الانقطاع الخطير تاثيراً كبيراً . ويبدو أن المعبد تعرض للنهب والتدمير وهدمت أسواره وحطمت منحوتاته ومقاعده وسويت مقدساته على المنصة بالارض . ولم يعرف حدوث أي حملة عسكرية خلال هذه الفترة ذات علاقة بمأرب اللهم الا الحملة الرومانية الشهيرة لاليوس جالوس 26/25 قبل الميلاد وهي الحملة التي أخفقت في فتح مأرب . ويعتقد أن القائد الروماني قد أنتقم لذلك بتخريب المنشأت المائية الرئيسية في مأرب مثل السد العظيم ونميل الى القول أنه ربما خرب أيضاً معبد المقة برآن . وفي بداية العصر الميلادي أي بعد قرابة جيل جرت أصلاحات غير مكتملة لاعادة المعبد الى ماكان عليه على أن ذلك لم يكن بالقدر الكافي الذي يعيد له فخامته وجلاله . ولم يشمل الاصلاح على المنصة الا بيت العبادة وما عدا ذلك بقي خراب . أما الساحة الامامية والبئر وقاعدة البوابة الخارجية فقد أكتفي بترقيعها بمواد البناء المستعملة وكذلك المقاعد والمنحوتات البلقية بالقضاض ( ويعتقد أن صناعة القضاض ربما كان قد أحضرت الى اليمن قبل الفي عام وأستخدمت بالدرجة الاولى في المنشأت المائية ).
    وكان ترسب التربة خارج المجمع قد بدأ يشكل مشكلة للمعبد ( يبلغ التراسب السنوي 10 ملم سنوياً ) قبل أن يتعرض للخراب . ولذلك فأن أثنين من ثلاثة مداخل لساحة المعبد كان قد سدا ولم يترك مفتوحاً سوى المدخل الشمالي . وفي الوقت نفسه بني سور كبير من اللِبن يبلغ أرتفاعه ثلاثة أمتار في الاماكن التي بقيت بموازات الواجهات الغربية الشمالية للساحة الامامية حفاظاً عليها من الرمال الزاحفة وترسبات التربة. كما أنشئت ورشة عمل برونزية ومخازن صغيرة وساحة خارجية في المساحة الواقعة بين السور الطيني والساحة الامامية.

    وتمثل هذه الاصلاحات والتوسيعات محاولة لتكريس المعبد وتغيير طقوسه ويظهر ذلك من خلال أضفاء أسما جديد على المقة وأصبح يدعى بعبارة ( بعل مسكة وبرآن ). بالاضافة الى أن المعبد قد عزز أهميته من خلال أتاحت فرص الدخول اليه لعامة الناس كما يتبين ذلك من خلال عدد من النقوش السبئية التي يعود تاريخها الى الفترة بين القرن الاول والثالث الميلاديين كما تتحدث هذه النقوش عن نذور يقدمها أحدهم حمداً على نجاة معبوده المقة من خلاف نشب بينه وبين رجل من خولان في المعبد. وكان النذور عادة عبارة عن تمثال صغير صنع في أحدى ورشات المعبد المعدنية ثم يثبت التمثال الى النقش المتعلقة به أو الى مائدة القربان المعدنية.

    وبعد القرن الثاني الميلادي تزايد أهمال المعبد رغم أنه عثر على نقوش متكسرة تذكر ملوك سبأ وذي ريدان في منتصف القرن الثالث الميلادي. وفي القرن الرابع الميلادي بدأت تتراكم الترسبات في الساحة الامامية ، وأستخدمت الاروقة كملاجئ بطريقة عشوائية. وهناك دلائل على أستمرار أداء بعض الطقوس الدينية لفترة قصيرة مثل العثور على صف طويل لخمسين تنور من الطين على أمتداد الواجهة الداخلية للسور الطيني . ولعل تلك الافران تمثل مابقي من مطبخ المعبد. وجرى لاحقاً تعزيز السور الطيني في جهته الخارجية بثلاثة أبراج متينة مستطيلة الشكل فبدا حرم المعبد وكأنه قلعة.

    وبنهاية القرن الرابع الميلادي يمكن القول أن المعبد لم يعد متنسكاً يفد اليه الناس . وهذا يوافق الدلائل النقشية التي عثر عليها في أنحاء شتئ من اليمن والتي تشير الى أن حكام بلاد اليمن حوالي 380 للميلاد لم يعودوا يحبذون الوثنية وأنما أتجهوا الى ديانات التوحيد كالمسيحية واليهودية.
    لقد توقفت الطقوس التقليدية وهجرت المعابد الوثنية وربما يتوافق هذا الوضع مع حالة الدمار التي تعرضت لها الساحة الامامية للمعبد برآن حيث تحطمت ماتبقى من منحوتات البلق في المعبد وتبعثرت قطعها في كل مكان . وكان آخر ماشيد في موقع المعبد قناة ري كبيرة عرضها أربعة أمتار وعمقها ثلاثة أمتار ( الصورة رقم 6 ) وذلك جنوب حرم المعبد مباشرة . وكان ذلك في القرن الخامس أو السادس الميلادي ويبدو أن هذه القناة قد توقفت عن العمل في فترة ما قد لاتسبق انهيار سد مأرب العظيم وهو الانهيار الاخير الذي حصل في مابين 570 و 600 للميلاد. اما في القرن السابع للميلاد فقد هجر الموقع تماماً وبدأت تطمره الرمال.

    ***

    زيارة معبد برآن:

    يقع مدخل المعبد في الجانب الغربي على مقربة من موقف السيارات . وتبدأ الرحلة للزائر بدرج توصله الى منصة أعدت على ركيزة حجرية ويمكن رؤية الوحدات المعمارية الرئيسة للموقع من هناك : بقايا البوابة الخارجية والمعبد فوق منصته والساحة الامامية وسور الطين الضخم الذي يحتوي الجدار والركائز الخارجية ، وأول ما يلفت نظر المشاهد الفروق الكبيرة في الارتفاع ، وهو أمر يمكن تفسيره من خلال وجود تراكم متتالي للبقايا الاثرية وترسبات تربة زراعية . وهكذا فأن مايشاهد اليوم هو عبارة عن بقايا متصلبة تبين بالدرجة الأولى تطور المعبد رقم 4 وأعمال الاصلاح المتتالية والتوسعات التي حدثت في مابين القرن 6/5 قبل الميلاد وأواخر القرن الرابع الميلادي ، أما المراحل السابقة للمعبد فيمكن مشاهدتها خلف منصة المعبد كما سيرد لاحقاً.

    ان الركائز الثلاث التي تشبه الابراج هي ما تبقى من العناصر المعمارية المتأخرة. وكانت قد شيّدت الى الواجهة الخارجية للسور الطيني وليس من المؤكد أن تلك الركائز قد شيدت لأغراض دفاعية والا لما كانت أقتصرت على حماية الجانب الغربي فقط من حرم المعبد. ويستفاد من نقش أزيل من البرج الجنوبي الغربي أن تلك الابراج قد أنشئت خلال القرنين الثاني أو الثالث بعد الميلاد وربما بعد ذلك. وقد شيّدت من الطوب ثم كسيت بالحجارة عموما وان كان بعضها احجاراً مسواة من البلق. كما يستفاد من النقوش أيضاً أن الحجارة المهندمة التي طويت بها البئر كانت قد أخذت من مباني معالم قديمة وأعيد أستخدامها ، بل أن النقش المذكور نفسه لم يكن سوى نقش قديم أعد لبيت بني في مدينة الجوبة على بعد 40 كم الى الجنوب الغربي من مأرب.

    وكان السور الطيني الملاصق قد عثر على أساسه في مستوى طبقة عميقة . ويعود تاريخه الى بداية التقويم المسيحي وبعد الخراب الكبير الذي تعرض له المعبد . وكان السور قد شيّد لحماية جدران الساحة الامامية الغربية والشمالية وأجزاء من الشرقية من تراكم ترسبات الري...

    وبياصق الواجهة الداخلية للسور الطيني منشأت مستطيلة الشكل يعود تاريخها الى القرنين الاول والثاني بعد الميلاد. ويقع أكبر تلك المنشأت في الزاوية الجنوبية حيث عثر هناك على كمية من الرماد وقطع معدنية ذائبة ، مما يدل على وجود ورشة معدنية كانت تشتغل في الغالب بأعداد مواد النذور التي كان يتقرب بها في المعبد مثل التماثيل البرونزية.

    وهناك منشأت طينية أخرى تنقسم الى غرف صغيرة ولها وظائف متعددة ، ففي مكانها عثر على الاختام الجصية التي كان يختم بها الجرار المعدة للنقل والخزن . كان يختم عليها في العادة علامة واسم المنتج أو اسم المالك ، ومن خلال هذه الاختام تمكنّا من معرفة وظيفة تلك المنشأت. كان تشييد السور الطيني أمرا طارئاً على سير مناسك العبادة . فقد كان الناس يقتربون من أصنامهم مباشرة حيث يسلكون محورا طوليا من المدخل الغربي للساحة الامامية باتجاه الساحة الامامية والدرج ثم حول أعمدة البوابة الخارجية للمتنسك حيث تقع بيت الصلاة. الا أن هذا التناسق الذي كان يميز مجمع المعبد أمام زواره لم يعد ممكنا بعد أن أغلق المدخل تماما وكذلك الباب الفرعي في الناحية الجنوبية ، وأصبح الطريق الى المعبد سالكا من خلال المدخل الشمالي ( كان مدخلا فرعيا ) مما جعل الوصول الى المتنسك يمر عبر منعطفات عديدة.

    واذا ما أتجه الزائر من المنصة شرقا فأنه سيجد برجا حجريا صغيرا مربع الشكل ينطلق منه عبر زقاق ضيق من خلال السور الطيني. وكان ذلك الزقاق أمتدادا للمدخل الشمالي وللساحة الامامية غير أن الزقاق لايوحي بالمهابة مما يؤيد القول أن أهمية المعبد قد تقلصت في القرن الاول للميلاد. أما بعد ذلك وربما في القرن الثالث للميلاد فقد أغلق الممر كليا من الجانبين ، وأضحى للمعبد بأجمعه مدخلا واحدا فقط وهو الباب الخلفي الضيق الذي يسمح بمرور الزائر الى منصة المعبد. ويجد الزائر الى اليسار مباشرة خلف زقاق المدخل أسس مبنى آخر بعتباته ذات الابواب المزدوجة ودرجات السلّم السفلي التي تؤدي الى طابق أعلى كان موجودا في السابق. وكان المبنى المذكور قد أقيم في زمان لايتعدى القرن الثالث للميلاد وأستخدمت في بنائه حجارة منقولة ومستعملة وأن كان يتعذر تحديد الغرض من أقامته.

    ***

    الساحة الامامية:

    فرضت الساحة الامامية نفسها منذ أن أضيفت اليه في أواخر القرنين السادس والخامس قبل الميلاد. وممّا زاد في أهميتها ذلك السور الذي يحيط بها والذي بني من أحجار كلسية هندمت بعناية وبقي السور في بعض الاماكن قائما الى أرتفاع يصل الى أربعة امتار. ومازال بعض أحجار السور تحمل نقوشا سبئية نذرية او ادارية.

    ويحيط بالساحة الامامية في جهاتها الاربع أروقة تقوم على أعمدة مؤلف كل منها من كتلة حجرية واحدة. ومازالت قواعد تلك الاعمدة بادية للعيان الى اليوم... ومازال أحد الاعمدة قائما في مكانه في الزاوية الجنوبية الشرقية ويبلغ أرتفاعه اربعة امتار ( الصورة رقم 8 )...
    وكان على أمتداد الجدران الخلفية للاروقة مصاطب من البلق. وفي داخلها عثر على عظام للغنم والماعز وهي الماشية التي كان يضحى بها في المعبد ، خلال عملية البناء. وفي الاصل كانت الاروقة مزيّنة وكذلك أسطح الجدران الواقفة خلف المصطبات .. ولم يعثر الا على ثلاث من المنحوتات البلقية المزخرفة في مكانها ، أكبرها يبلغ طولها ثلاثة أمتار غير أن جزءا منها مازال يرزح تحت جدار ضخم في الزاوية الجنوبية الغربية للساحة الامامية ( الصورة رقم 9 ) وتصور المنحوتات الباقية رؤوس المها ووعولا رابضة ونقشا نذري في وسط اللوحة المنحوتة. وهناك بقايا الوان حمراء معدنية أو صفراء وزرقاء ممّا يوحي بأن المعبد كان يكتسي حلة ملونة بهية.وقد تأثرت المنحوتات كثيرا في أواخر القرن الاول قبل الميلاد ولاسيما في أروقة الجهة الشرقية وحلت محلها أحجار غير مهندمة أو قضاض ( الصورة رقم 11 ) وكانت وضيفة الرواق الغربي بالدرجة الاولى أستقبال القرابين مثل الموائد. وفي الزاوية الجنوبية الغربية نقشت بكثافة أسماء المعبودات السبئية مثل هوبس وعثتر ممّا يدل على أنهما كانا يقدسان في المعبد أيضا.

    ويتخلل اروقة الساحة الامامية المدخل الرئيس من الناحية الغربية والبابان الفرعيان من الناحيتين الشمالية والجنوبية. وعندما رمم مجمع المعبد في مطلع القرن الاول الميلادي غطيت عتبات الابواب الثلاثة بالدرج بغرض تلافي أختلاف مستوى الارتفاع بين الساحة وخارجها ( الصورة رقم 10 ) وأستخدم في ذلك منحوتات البلق المهشمة. ولقد كانت أرضية الساحة الامامية معبّدة تعبيدا كاملا ببلاطات كلسية لم يبق منها سوى نماذج قليلة. وقد تبين من خلال بعض المجسمات وجود منصات صغيرة من الطين يرتفع كل منها مترين تحت الارضية المعبّدة. كما عثر على عمق خمسة امتار هناك على مواد ثقافية وعظام حيوانات وفخار وكمية من الرماد. وفي القاع عثر على قطاع من قناة مائية مبلطة. كل هذه الطبقات الاثرية تؤرخ ببداية الالف الاول قبل الميلاد ، وربما لها علاقة بعملية أنشاء المعبد رقم (1) ورقم (2) في الجهة الشرقية.


    ***


    البئر:

    تقع البئر في وسط الساحة تقريبا وأسفل الدرج الكبير للمعبد. ويعود تاريخها الى القرن السادس أو الخامس قبل الميلاد. أعلاها مكعب وفوقه حجر جيري كبير ( الصورة رقم 12 ). وللبئر نقش يتحدث عن تقديم البئر هدية للمعبود المقة كما يذكر أسم البئر ( نبطم ) وعناصرها الانشائية وبعد حفرها تبين أنها مطوية بحجارة كلسية وأن عمقها يزيد على 18 مترا. ويمكن الوصول الى أعلى البئر عن طريق درج يوصل اليه من الناحية الغربية. ويوجد على حجر البئر في أعلاها ثمانية ثقوب مستطيلة الشكل. وكانت وظيفة تلك الثقوب تثبيت جهاز ( المسنى ) لحجر الماء من البئر كما يتضح ذلك من خلال أثار الحبال في الطرف الشمالي من الحجر. كان الماء يصب على الحجر في أعلى البئر ثم يسيل من خلال فتحة برونزية صغيرة الى ميزاب بشكل راس ثور ومن ثم يصب الماء في حوض أسفل منه. وقد عثر على نقش على هذا الحوض وعلى ميزاب آخر بهيئة راس الثور الا أن هذا الميزاب ليس بحالة سليمة وأخيرا يسيل الماء الى حوض آخر مستطيل الشكل.

    وقد جرى ترميم بالقضاض لاعلى البئر في مكان خروج الماء وكان ذلك حوالى بداية التاريخ الميلادي. وحينما بدات الساحة الامامية بالاندثار تحت الانقاض كادت البئر أن تدفن أيضا. وكان عليهم حتى يضمنوا استمرار عمل البئر أن يعلو حجر البئر حوالي نصف متر ، ونتيجة لذلك أنكسر الحجر ولكن بقي مثبتا في زواياه بأحجار مستعملة وبطريقة غير متقنة. وربما بني في الوقت نفسه الذي جرى فيه هذا التغيير مائدة قربان مربعة ( ربما لحرق اللبان ) كما أسست ورشة للمعدن خلفها الى الزاوية الشمالية الشرقية من الساحة الامامية. ويعتقد أن ذلك قد حصل قبل منتصف القرن الثاني الميلادي.


    ***



    الدرج الكبير والبوابة الخارجية:

    تعتبر البوابة الخارجية بأعمدتها الستة والمنكسر أحداها هي الرمز البارز للمعبد والتجسيد الحي للعمارة اليمنية قبل الاسلام ( الصورة رقم 13 ). وقد أقيمت تلك الاعمدة بهندستها العجيبة على مصطبتين متدرجتين.

    ويبدو أن النصف الشمالي للمصطبة قد رمم في فترة بداية التقويم المسيحي كما تدل الحجارة التي أعيد أستخدامها والعناصر المعمارية الاخرى.

    وكان يتم الوصول الى مصطبة البوابة الخارجية عن طريق الدرج الكبير في الجانب الغربي. وكان للدرج حاجز في كل جانب أقيم عليها ثلاثة تماثيل برونزية بأقل من الحجم العادي ولم يتبق من تلك التماثيل سوى بصمات الاقدام. ويمكن القول أستنادا الى أماكن التماثيل أن ماعلا منها كان ذا صبغة يونانية - رومانية أما السفلى فكانت من نمط التماثيل اليمنية القديمة.

    أما الاعمدة الضخمة بتيجانها المزخرفة فيبلغ ارتفاعها 8,2 مترا وهي بذلك أعلى أعمدة عثر عليها من اليمن القديم ، غير أن أفاريزها مفقودة. وتستدق هذه الاعمدة من أعلى الى أسفل وتميل قليلا بأتجاه المعبد وهي بذلك تعزز الطابع التذكاري للمبنى كله ، كما تضيق المسافات بين صفوف الاعمدة ولهذا فأن على المتنسكين أن يطوفوا حول صفوف الاعمدة حتى يتمكنوا من الدخول الى بيت العبادة. أن هذا العمل الانشائي الدقيق قد صمد ولم ينهار حتى خلال الهزات الكبيرة في زلزال 1982. ويبلغ وزن كل عمود منها حوالي 13 طنا وهي قائمة الى ماشاء الله بحكم ثقلها.....


    ***



    منصة المعبد وما سبقها من منشآت:

    وحينما يغادر الزائر الساحة الامامية عن طريق الباب الشمالي فأنه يقترب حينذاك من المتنسك من خلال الباب الخلفي للسور الطيني الكبير من الناحية الشرقية ثم يصعد بعد ذلك درجا مستحدثا يمتد بمحاذاة جدار المنصة الشمالي. ويمكن للزائر من هناك رؤية كل العناصر المعمارية للمعبد.

    وفي العصور القديمة كان الوصول الى منصة المعبد رقم 4 يتم من خلال البوابة الخارجية في الناحية الغربية حيث يقع الباب الرئيسي خلفها تماما. كما يمكن الدخول الى ساحة معبدة للمعبد من هناك أيضا. وكان بهو الاعمدة مصفوفا بالاروقة في جوانبه الشمالية والغربية والجنوبية. وما زالت آثار بعض الاعمدة باقية الى اليوم ( الصورة رقم 15 ).

    تقع آثار بيت العبادة ذات الشكل المستطيل وسط الفناء ( الصورة رقم 14 ). وكان الجانب الغربي في الاصل مغلقا بباب خشبي ذات عضادتين وربّما كان له حواف خشبية وعلى أمتداد جوانب بيت العبادة كانت هناك صفوف من مقاعد البلق لم يبق منها الا أساساتها. وفي الوسط هناك بلاطتان كبيرتان في البلاطة الشرقية منها ثقوب دائرية بقطر 20 سم بالاضافة الى آثار باهتة للبرونز.ان نمط هذه الثقوب وشكلها ومكانها تشير الى الموقع الاصلي لتمثال ( صنم ) ذي أربعة أرجل وحجمه فوق الحجم العادي وهو في الغالب حيوان ذي حوافر كالوعل أو الثور.
    وأمام ذلك التمثال بصمتان مستطيلتان تدلان على وجود موائد قربان كلسية وهو أمر يتكرر وجوده كثيرا في الساحة الامامية للمعبد. وبين موائد القربان هذه والباب الغربي لبيت العبادة عثر على ثقبين آخرين ربما يتعلقان بتمثال برونزي بالحجم العادي لاحد المكربين أو الكهنة أو لصاحبه الذي تقرب به وعادة ما يكون هذا التمثال في وضع تعبدي. كما ينبغي أن يكون تنفيذه على النمط اليمني القديم كما تشير الى ذلك البصمات الباقية.

    بقيت كلمة لم تقال الى الان حول الجزء الشرقي من منصة المعبد رقم 4 تلك هي المساحة التي نبشت بكثافة عام 1940 وفي ذلك المكان كشف عن أساسات المعبد رقم (2) والمعبد رقم (3) ( الصورة رقم 16 ). أمّا ذلك الجزء من المعبد رقم (1) وهو عبارة عن متر مربع بأرتفاع نصف متر فقد كان محلّه في مكان ما تحت المنصة وتم دفنه ولم يعد هناك سبيل للوصول اليه.

    وفي الطرف الشرقي من منصة المعبد رقم (4) عثر على صف من الغرف الصغيرة وعددها خمس وتمثل الجدران الصخرية للمعبد رقم (2) التي كانت قائمة في القرن التاسع قبل الميلاد وربما قبل ذلك. وهي تختلف قليلا في أتجاهها عن المعبد رقم (3) الذي قام على أنقاضها.وكانت أحدى تلك الغرف مملطة بالطين ويلمح آثار رسم هندسي ملون باللونين الاصفر والاحمر. ويبدو أن المعبد رقم (2) قد تشكل من زخارف هندسية معمارية نحتت من أحجار كلسية أعيد استخدامها بما في ذلك الافريزات. وفوق هذا تقع بقايا المعبد رقم (3) وهي منشأة ضخمة متعددة الغرف ربما أستطاعت يوما ما أن تحمل عليها أعمدة حجرية ثقيلة أرصف من الغرف بطوابق عديدة.

    _________

    نقله الى العربية وهذبه أ.د يوسف محمد عبدالله
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-09-13
  3. راعي السمراء

    راعي السمراء مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-02-24
    المشاركات:
    1,700
    الإعجاب :
    0
    اخي الكريم سهيل اليماني موضوعك ممتاز وفي غاية الاهمية والحقيقة نتمنى الاهتمام بالمعالم الاثرية والتعريف بها
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-09-16
  5. ذي يزن

    ذي يزن «« الملك اليماني »» مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-26
    المشاركات:
    34,433
    الإعجاب :
    55
    اخي سهيل اليماني
    عملا رائع ما قمت بة
    لتعريف عن الحضارات والكنوز الاثرية التي تتمتع بها محافظة مأرب الغالية
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-09-16
  7. سهيل اليماني

    سهيل اليماني قلم ذهبي

    التسجيل :
    ‏2000-10-12
    المشاركات:
    5,779
    الإعجاب :
    1
    راعى السمراء وابوسيف

    هذا أقل ما يمكن أن نعمله تجاه تاريخ بلادنا الذي لا يلقاء الاهتمام الكافي الذي يستحقه الى اللحظة ، ولكن ما نقص هو أضافة الصور للموقع وقد طلبت من الاخ يافع توضيح عن تقليل حجم الملفات المرفقة كان ذلك في ساحة الشكاوي واليوم فاتت اربع ايام ولم أحصل على رد الظاهر أن مشاغله كثيرة ، شكرا لكم.
     

مشاركة هذه الصفحة