فلسطين.. أدب القيد لتوثيق الألم!

الكاتب : الحزن المهجور   المشاهدات : 406   الردود : 0    ‏2004-04-15
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-15
  1. الحزن المهجور

    الحزن المهجور عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-04-05
    المشاركات:
    390
    الإعجاب :
    0
    عندما تصبح رؤية الشمس أمنية، تهمس بها أفواه مقيَّدة بكلمات مكبلة، تبدو المعاني مشتتة بين الحنين لتنسم عبق الحرية، والرغبة في الانعتاق من ظلمة السجن المطبقة؛ فالأسرى الفلسطينيون داخل السجون الإسرائيلية طالما تغنوا بالشعر، راسمين عبره ملامح الحرية، ومعالم طريق النصر، موثقين آهاتهم ومعاناتهم داخل أقبية التحقيق، ووحشة الزنازين الانفرادية.

    شبكة "إسلام أون لاين.نت" تطرق باب السجن؛ لتكشف عن بطون الشعر الذي كتب بأنامل أسرى ذاقوا مرارة الظلم، محاولة التعرف على تراث الأسرى الشعري، مسلطة الأضواء على الجهود المبذولة لتوثيقه.

    شعر القضبان يلهب الانتفاضة

    في البداية يؤكد فايز أبو شمالة صاحب كتاب "السجن في الشعر الفلسطيني" على مواكبة الحركة الأدبية في السجون لتطور الحياة الثقافية في المجتمع الفلسطيني، فيقول: "مثّل الشعر حالة راقية من الإبداع الفني وراء القضبان، ولا سيما في مرحلة الانتفاضة الأولى؛ حيث أسهم شعر الأسرى في تعزيز الروح الوطنية وبث الغضب والثورة في عروق الشعب بما حمله من تطور وتحدٍّ وانتماء خالص للشعب والقضية"، ويضيف "تميز شعر السجناء بالاتزان والمسئولية، وعمق التفكير، وصدق المشاعر، وقوة الألفاظ، وبساطتها في محاكاة الواقع، وحياة المجتمع الفلسطيني، بعيدا عن الإسفاف، وبعيدا عن الضعف الفني العام الذي ميز بعض شعر الانتفاضة الأولى".

    ويرى الأديب الفلسطيني الذي ذاق مرارة الاعتقال أن قصائد التفعيلة سادت على الإنتاج الشعري للأسرى فيما غابت قصيدة النثر؛ الأمر الذي يعكس ثقافة الأسرى العالية فضلا عن اغتناء تجربتهم.

    إبداع المعتقلات

    ويرى أبو شمالة "أن بعض الشعراء الذين دخلوا السجون مثل: المتوكل طه، وعبد الناصر صالح.. هؤلاء طوروا قدراتهم داخل السجن، وكذلك الشاعر كمال غنيم الذي أضاف له السجن قدرات خاصة أدت إلى تعزيز إبداعاته، وخرج بمزيد من الإمكانيات والطاقة".

    ويرى أن "هناك من أبدع داخل السجن فقط، مثل: محمود الغرباوي، وجبر وشاح، وحتى وزير الأسرى هشام عبد الرازق وغيرهم؛ حتى إننا لا نجد لهم أشعارا بعد خروجهم من السجن".

    وعبر صفحات مجلة "إبداع نفحة" نقرأ هذه الأبيات لهشام عبد الرازق:

    آهٍ يا جرح المخيم

    لم أقاوم فيك حبي

    لم أجافِ فيك عشقي

    كم حمتني جفونك

    واحتواني ذراعاك

    وضمتني شجونك

    آهٍ يا جرح المخيم

    هذه الأشجار منك ترتوي

    هذه الأزهار فيك تحتوي

    أريجا وعبيرا

    وعن مدى توفر الوسائل المناسبة لتدوين الشعر أجاب الشاعر الفلسطيني "في الفترة الأخيرة توفر الورق والأقلام للأسرى، فضلا عن الوقت المنظم الذي يسمح لهم بالكتابة؛ وبذا تكون كل مقومات الإبداع متوفرة، ولا سيما في سجن نفحة الصحراوي الذي تسوده حالة من الهدوء".

    السجن في عيون الشعراء

    ويؤكد أبو شمالة تفوق شعراء القيد في وصف معاناتهم وحالتهم الوجدانية تجاه السجن عن الشعراء الذين كتبوا عن السجون دون أن يدخلوها؛ لأن "الأسير الذي كتب الشعر كان وجدانا ينثر على الورق؛ لذا كان أكثر دقة وقدرة على التعبير عن السجن من الشاعر الذي كتب عن السجن دون أن يعتقل"؛ إذ إن "من كتب من خارج السجن حاول القيام بتصوير خارجي للسجن كعذاب؛ فكان يلحظ الأنين والشكوى والتوجع كثيرا في شعرهم، بينما من كتب من داخل السجن لم يظهر عليه التوجع والفجع، وإنما ظهر عليه الثورة والغضب؛ حيث عبر بوجدان طافح بالحنين والشوق والرغبة بالحرية دون انكسار بخلاف من كتب من خارج السجن الذي كان يستدر الشفقة".

    الأيدي المقيدة

    وفي ركن خاص بوزارة شئون الأسرى والمحررين أطلق عليه "دائرة تراث الأسرى" ضم بين جنباته أصنافا وألوانا من الإبداعات التي أنتجتها أيدي الأسرى المكبلة بالأغلال؛ حيث تناثرت المجسمات التي تجسد المسجد الأقصى في أرجاء المكان، بينما كانت اللوحات الفنية تحاكي صمود الأسرى، وقد بدت الشمس مشرقة في اللوحات.. دلالة على الأمل والنصر القريب الذي ينتظره أصحاب الأيدي المقيدة، وبين هذه وتلك برزت وريقات جمعت في ملفات وكتيبات.. هي جزء بسيط من إنتاج الأسرى الأدبي والعلمي.

    يقول سعيد عفانة رئيس دائرة التراث: "نحرص في وزارة شئون الأسرى والمحررين على الاحتفاظ بتراث الأسرى؛ بدءا من المجسمات الخشبية واللوحات الفنية، وانتهاءً بإنتاج الأسرى الأدبي والعلمي، مثل: الشعر، والدراسات، والأبحاث التي تنقل خبرة الأسير للآخرين سعيا لنشر الوعي بين صفوف المعتقلين".

    صعوبات في الجمع

    ويشير رئيس دائرة التراث إلى صعوبة الحصول على شعر الأسرى، ومضى يقول: "يتم الحصول على كتابات الأسرى الشعرية من خلال المحامين وأهالي الأسرى الذين يتمكنون من زيارة المعتقلين داخل السجون الإسرائيلية".

    وقال: "كان الأسرى يقومون بنسخ كتاباتهم الشعرية ضمن مجموعات لتوزيعها على باقي أقسام السجن، وكثيرا ما كانت كتابات الأسرى مهددة بالتلف والحرق مع أول حملة تفتيش تقوم بها إدارة السجن التي دأبت على تفتيش المعتقلات".

    وذكر سعيد عفانة الذي أمضى جزءا من حياته معتقلا في سجون الاحتلال الإسرائيلي أنه كان أحد المشاركين في مجلة "إبداع نفحة" التي صدرت في سجن نفحة، وشملت كافة أعمال شعراء القيد دون تمييز.

    "إبداع نفحة"

    وجاء في افتتاحية مجلة "إبداع نفحة" -التي تمكن مراسلنا من الوصول إليها- "ها هي نفحة تمسك بالقلم، وفاءً للدين، وإدراكا للواجب، تكتب عن الحجر لراشقي الحجارة، تكتب عن الحرية لرافعي لواء الحرية.. ومدادنا شوق ينتظر ساعة الخلاص وحنين لقهر العتمة.. فانتثرت الكلمات تناجي أبا وأما وأخا وابنة، تناجي شعبا قدس حريته واختار الصباح".

    وتبدو معالم التحدي جلية في الكلمات؛ فرغم أننا ما زلنا على شواطئ الافتتاحية لمجلة "إبداع نفحة" فإننا نلمس فيها إصرارا على الحياة عندما تقول: "فسيري بنا يا سفينة العودة؛ فلا القيود تمنع عناق الشمس للأزهار، ولا الحقد يمنع عن الأرض تساقط الأمطار.. وكم يعشق الأسير الحرية، وقد مال إلى رفيقه في النضال قبل النوم هامسا: تصبح على انتفاضة أكثر اشتعالا".

    الرنتيسي والمعتقل والشعر

    من الذين تفتقت ينابيع الشعر عندهم في المعتقلات الإسرائيلية الدكتور عبد العزيز الرنتيسي القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس الذي خرج منها شاعرا متمكنا، بعدما تعلم عروض الشعر وأصوله على يد أحد أساتذة اللغة العربية الذي تصادف وجوده معه في المعتقل، فضلا عن حفظه للقرآن الكريم كاملا؛ الأمر الذي ساعده في ذلك كثيرا، حسبما يقول: "في العزل في معتقل بئر السبع كان لقائي الأول مع الحفيدة الأولى (أسماء)، لقد غمرتني سعادة لم أذق مثل حلاوتها من قبل، وكان قدر الله أن أزوج ثلاثا من كريماتي الأربع والقيد يكبل معصمي، وهاهي الحفيدة الأولى تزورني، وأعود من الزيارة إلى زنزانتي خلف الأبواب الموصدة أحمل أشواقا تكاد تكون قد تحورت إلى أشواك، أتوق لرؤيتها ثانية، واهتبلت الفرصة، وامتشقت القلم، وصورت مشاعري في أبيات من الشعر، كان ذلك عام 1996".

    والقصيدة تقول:

    رأيتُ النورَ يضحك في ضُحاها
    ويسطع في دجـى الدنيا سناها

    وطيبٌ من أريج المسك تزكو
    به النسمات بـعضٌ من شذاها

    وتبسُطُ زهرة الحنون خــدًّا
    عسـى تُـقْرِيه تقْبيلا شِفاهـا


    ويظل يسرد في صفاتها إلى أن يتوجع من قيد السجن فيقول:

    ولولا ثِقْـلَةُ القيــد امتطينا
    لأسما كلَّ صعبٍ كي نـراها


    ونجده يخاطب ذاته في قصيدة أخرى أبدعها في معتقل النقب عندما كان الأرق يغطي وجوه وعيون الشباب الذين كان يلفحهم سَموم الصيف، ويعضهم زمهرير الشتاء، ولأول مرة يجدون أنفسهم بعيدين عن الأحبة، هممهم عالية، ولكن النفس أحيانا يداعبها الحنين والشوق؛ فتحدث صاحبها، وتعاتبه أن ترك النعيم من أجل الوطن، ولكنه يثور فيقرعها ثم يعالجها فتعود راضية مطمئنة، من هنا بدأت قصيدة "حديث النفس"، وفيها تتحدث النفس لصاحبها ويرد عليها حتى يغلبها فيقول:

    يا هذه يهديك ربك فارجعــي

    القدس تصرخ تستغيثك فاسمعي

    والجنب مني بات يجفو مضجعي

    فالموت خير من حياة الخنــع

    ولذا فشــدي همتي وتشجعـي

    نادي الأسير الفلسطيني

    ومن جهته يشير عيسى قراقع رئيس نادي الأسير الفلسطيني بمدينة بيت لحم في الضفة الغربية إلى إصدار النادي لعدد من الأعمال الأدبية والثقافية للأسرى داخل السجون الإسرائيلية.

    فيقول: "لقد بدأنا في مشروع قبل عدة سنوات لتوثيق الأعمال الأدبية والإنتاج الثقافي للمعتقلين الفلسطينيين، وتمكنا من جمع العديد من المواد"، وأضاف "قمنا بطباعة مجموعة أعمال لعدد من الأسرى سواء في مجال القصة أو الرواية أو الخاطرة؛ تشجيعا للإنتاج الأدبي للأسرى، هذا بالإضافة إلى مجموعة من المعارض ركزنا خلالها على الأعمال اليدوية للأسرى، وعرضت على أرضية هذه المعارض مجموعة من الإصدارات الأدبية للمحررين والأسرى الذين ما زالوا داخل السجون، وقبل سنوات كان هناك معرض في قطر لقي إقبالا كبيرا".

    مطلوب.. متحف ثقافي!!

    ودعا نادي الأسير الفلسطيني إلى ضرورة إقامة مركز أو متحف ثقافي ليتولى مهمة توثيق تراث الأسرى، يعمل بشكل جدي وفاعل على الاحتفاظ بكل ما كُتب داخل السجون ونشره وتوثيقه حفاظا على التراث النضالي الكبير.

    وحول الصعوبات التي تعترض طريقهم للوصول إلى المواد الأدبية قال عيسى قراقع: "هناك مواد ثقافية كثيرة ما زالت داخل السجون وعن طريق بعض الذين أفرج عنهم أحضروا لنا عددا لا بأس به، لكن إدارة السجون تصادر الكثير من المواد، وتمنع الأسير من إخراجها".

    وعن مدى تفاعل المؤسسات التعليمية مع الإنتاج الثقافي للأسرى أجاب رئيس نادي الأسير الفلسطيني "قبل بدء الانتفاضة تم الاتفاق مع وزارة التربية والتعليم على تضمين المناهج الدراسية جزءا من التجربة النضالية للأسرى، وقمنا بتزويد الوزارة بمجموعة كبيرة من الأعمال؛ لكن الجامعات لم تتجاوب معنا بعد، وإنما هناك اجتهادات من قبل بعض المحاضرين بالجامعات عبر توجيه الطلبة لإجراء بحوث حول تراث الأسرى".

    ويضيف قراقع "هناك الكثير من المحاولات لإدخال بعض الإصدارات إلى داخل السجون؛ حيث يتم فحصها أمنيا من قبل إدارة السجن، ولا يسمح بدخولها، ولكننا نقوم بنشرها في المكتبات".

    ولا يزال نحو ستة آلاف فلسطيني يقبعون في غياهب السجون الإسرائيلية تتوق أرواحهم إلى الحرية والعزة والثورة والشعر والإبداع كذلك.
     

مشاركة هذه الصفحة