سيرة الشهيد البطل / المهندس يحيى عياش

الكاتب : العربي الصغير   المشاهدات : 580   الردود : 6    ‏2004-04-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-13
  1. العربي الصغير

    العربي الصغير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-01-14
    المشاركات:
    1,175
    الإعجاب :
    1
    [color=CC0000]مسيرة التاريخ ورحلة الحياة:[/color]
    بين أزقة قرية رافات وفي السادس من آذار/مارس، سنة 1966م ولد يحيى عبد اللطيف ساطي عياش، وفي كنف بيت متدين عاش طفولة هادئة إذ كان مثالا للطفل المؤدب الهادئ حتى أن أحد أعمامه يقول: "كان هادئا أكثر من اللزوم ولا يحب الاختلاط كثيرا بغيره من الأطفال حتى أنني كنت أعده انطوائيا بعض الشيء"
    كبر الطفل يحيى ودخل المدرسة الابتدائية في قريته عند بلوغه السادسة من عمره وبرز بذكائه الذي لفت إليه أنظار معلميه إذ أنه لم يكن يكتفي بحفظ الدروس المقررة للصف الأول بل كان يحفظ دروس الصف الثاني أيضا.
    حصل يحيى على شهادة الدراسة الثانوية من مدرسة بديا الثانوية عام 1984م وكان معدله 92,8% والتحق بجامعة بيرزيت لدراسة الهندسة الكهربائية وكان من أنشط الشباب في كلية الهندسة ضمن إطار الكتلة الإسلامية وشارك إخوانه في كافة المواقع ومراحل الصراع والاحتكاكات المباشرة سواء مع سلطات الاحتلال أومع الكتل الطلابية المنافسة.
    تخرج من الجامعة عام 1991م بتفوق وتزوج من ابنة خالته بتاريخ 9 أيلول/سبتمبر، 1992م ورزق منها طفله الأول براء في 1 كانون الثاني (يناير) 1993م وكان حينها مطاردا، وقبل استشهاده بيومين فقط رزق بابنه الثاني عبد اللطيف تيمنا باسم والده غير أن العائلة أعدت يحيى إلى البيت حين أطلقت على الطفل عبد اللطيف اسم يحيى.

    [color=CC0000]شيخ الإخوان في رافات:[/color]
    لبى يحيى عياش دعوة الإخوان المسلمين وبايع الجماعة في بداية العام 1985م وأصبح جنديا مطيعا وعضوا عاديا بإحدى أسر الإخوان المسلمين في مدينة رام الله وعمل بجد ونشاط وقام بكافة التكاليف وأعباء الدعوة الإسلامية سواء داخل الجامعة أو في مدينة رام الله أو قريته رافات ووظف المهندس سيارة والده التي اشتراها في خدمة الحركة الإسلامية حين دأب على السفر إلى رافات وقام بإرساء الأساسات وشكل أنوية لمجموعات من الشباب المسلم الملتزم. وحينما انفتح الأفق على حركة المقاومة الإسلامية حماس كانت هذه المجموعات في طليعة السواعد الرامية خلال سنوات الانتفاضة المباركة الأولى ونظرا للدور الريادي الذي قام به وحكمته وأدبه وأخلاقه فقد اعتبرته الفصائل الفلسطينية (شيخ الإخوان في رافات) ترجع إليه في كافة الأمور التي تتعلق بالفعاليات أو الإشكاليات خلال الأعوام (1988-1992).

    [color=CC0000]ابن كتائب الشهيد عز الدين القسام:[/color]
    ترجع بدايات المهندس مع العمل العسكري إلى أيام الانتفاضة الأولى وعلى وجه التحديد عامي 1990-1991م إذ توصل إلى مخرج لمشكلة شح الإمكانات المتوفرة وندرة المواد المتفجرة وذلك بتصنيع هذه المواد من المواد الكيماوية الأولية التي تتوفر بكثرة في الصيدليات ومحلات بيع الأدوية والمستحضرات الطبية فكانت العملية الأولى بتجهيز السيارة المفخخة في رامات إفعال وبدأت إثر ذلك المطاردة المتبادلة بين يحيى عياش والاحتلال الصهيوني وأجهزته الأمنية والعسكرية.
    إذ قدر الله سبحانه وتعالى أن يكتشف العدو السيارة المفخخة في رامات إفعال بطريق الصدفة، وبعد تحقيق شديد وقاس مع المجاهدين الذين اعتقلا إثر العثور على السيارة المفخخة طبعت الشاباك اسم يحيى عبد اللطيف عياش في قائمة المطلوبين لديها للمرة الأولى.
    يعتبر يوم الأحد 25 نيسان أبريل 1993م بداية المطاردة الرسمية ليحيى عياش ففي ذلك التاريخ غادر المهندس منزله ملتحقا برفاق الجهاد والمقاومة وفي مساء ذلك اليوم داهمت قوات كبيرة من الجيش والمخابرات المنزل وقامت بتفتيشه والعبث بالأثاث وتحطيم بعض الممتلكات الشخصية للمهندس، وبعد أن أخذ ضباط الشاباك صورة الشهيد جواد أبو سلمية التي كان المهندس يحتفظ بها توجه أحدهم إلى والده مهددا "يجب على يحيى أن يسلم نفسه وإلا فإنه سيموت وسوف نهدم المنزل على رؤوسكم" وتواصلت المداهمات والاستفزازات من قبل جيش الاحتلال وأجهزته بهدف إشاعة جو الخوف والرعب بين العائلة القروية اعتقادا بأن ذلك يؤثر في معنوياتهم ويثني المهندس عن مسيرته المباركة ولكن هيهات لهم ذلك فقد واصل المهندس طباعة عناوين المجد والحرية وأعاد للحياة الفلسطينية طعمها. وخلال ثلاث سنوات كان الشهد لفلسطين والعلقم لبني صهيون وخاب ظن سلطات الاحتلال وأجهزتها القمعية التي حصدت الفشل في مخططاتها وتخبطت في رحلة البحث عن المهندس بينما وقفت أم يحيى في فخر واعتزاز تواجه محققي الشاباك وجنود الاحتلال حيث نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية والتي رافقت قوات الجيش التي داهمت منزل العائلة بعد عملية البطل صالح صوي في تل أبيب عن أم المهندس "لقد تركنا جميعا دون أن نشبع منه ومنذ أن أصبح يحيى مطلوبا فإنه لم يعد ابنا لي إنه ابن كتائب عز الدين القسام"

    [color=FF0000]معالم وعبر:[/color]
    [color=3300CC]أولا: قاعدة عقائدية وإيمانية[/color]
    البيئة العقائدية والإيمان الراسخ في أعماق النفس البشرية هي التي تبدع وتفرز ظاهرة الرجال المستعدين للموت في سبيل الله ومن خلال تجذر هذه الأصول وصلابة حاملها تنفجر مدخرات الطاقة في خلايا الجسم، ويتألق كل ما أودعه الخالق سبحانه وتعالى في هذه النفس من خلق وتجرد وإخلاص وصدق وتوكل وغيرها من خصائص الشهادة ومعاني البقاء والاقتداء.
    ولئن غادرنا المهندس بعد نجاحه في الوصول إلى قمة هرم الصاعدين وانتصاره في مسيرته الحياتية نحو الخلود فإننا ما زلنا نمتلك التمسك بمبادئه وثوابته وتجربته التاريخية الزاخرة بمدلولات تبشر بدروس من السهل الاقتداء بها وتقليد العملاق الخالد على أرض فلسطين وتكرار مسيرته والتبشير بقدرات الأمة على إنجاب العظماء وصنع المستقبل المشرق ونستطيع في أن نورد إضاءات من القاعدة العقائدية والإيمانية التي حملت أعمدة العملاق الخالد لتكون ألوية رشد وهداية يقتدي بها السائرون.
    1[color=3300CC]- امتزاج الورع والتقوى بصفاء الروح وبساطة النفس [/color]إذ أن يحيى كان ملتزما ومطيعا لله فيما أمر به أو نهى عنه وهذا المفهوم لمعنى التدين ظهر عند المهندس من خلال إكثاره من قراءة القرآن الكريم وتلاوته وحفظه ومن هنا يظهر لنا سبب إصراره بعناد وإقدامه الذي لم يعرف التردد في مسيرة الجهاد رغم تفوق العدو وقسوته.
    [color=3300CC]2- الجدية في الحياة وصلة الرحم وحب الناس وأداء الواجب [/color]وهذا لا يعنى أن الشهيد لم يكن صاحب مزاح أو مرح نظيف وإنما كان يتجنب الصخب ويبتعد عن الأجواء الملوثة.
    3[color=0000CC]- توجيه وتكريس الحياة الدنيا لعمل الخير [/color]واعتبار ذلك وسيلة لبلوغ رضوان الله، ومن هنا كان عطوفا على الناس يقدم المساعدة التي يقدر عليها لكل من يلجأ إليه.
    4[color=000099]- التسامح سمة من سمات المهندس في علاقاته [/color]سواء في البيت أو القرية أو الجامعة إذا كان يسامح من يسيء له ولم يحمل حقدا على أحد حتى لو أساء إليه.
    [color=0000CC]5- الهدوء والاتزان وعمق التفكير [/color]وكأنه كان يحلق في آفاق البحث عن رضوان الله مما ساقه إلى مبتغاه مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
    6- [color=0000CC] لم يكن للذاته نصيب من الدنيا ومتاعها [/color]إذ عرف عنه عفة اليد والزهد لا يبتغي سوى مرضاة الله وعندما قامت الحركة بإرسال مبلغ من المال لإعانته على شئون عائلته أرسل إلى قيادته معاتبا: "بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه فهل هو أجر لما أقوم به؟ إن أجري إلى على الله أسأله أن يتقبل منا فإن هدفي ليس ماديا ولو كان كذلك لما اخترت هذا الطريق فلا تهتموا بي كثيرا واهتموا بأسر الشهداء والمعتقلين فهم أولى مني ومن أهلي"
    ولأنه لا يريد سوى مرضاة ا لله وجنته فقد عمل الشهيد البطل بصمت في الخفاء مستعليا على شهوات النفس والأضواء ووسائل الإعلام مما زاد في قدرته على المواجهة وإفشال عمليات الاستفزاز والاستدراج. وكل ذلك يفصح عن وعي عميق بطبيعة المعركة ومتطلباتها وعن التجرد والإخلاص للهدف والقضية، ولئن أحب يحيى العمل الجهادي بطريقة عاصفة ملكت عليه كل جوارحه مؤثرا أن تتحدث عنه أعماله لا أقواله باعتبار أنه يمثل حركة وتاريخ وليس نفسه فقط إلا أنه لم يكن يحب تضحيم الأمور ودوره ويرجع الفضل دائما إلى رب العزه سبحانه مرددا وبشكل دائم الآية الكريمة: "وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"

    [color=CC0000]ثانيا: السرية والكتمان[/color]
    يعد هذا الأمر من الأمور البدهية في حياة المهندس وأبجدية مهمة من أبجديات العمل استهداء بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان" فقد عمل المهندس وكتائب الشهيد عز الدين القسام بطريقة سرية منظمة جعلت من مخططات أجهزة الأمن والاستخبارات الصهيونية لاختراق بنية الجهاز العسكري ومحاولات رصد عملياته قبل وقوعها أمرا في غاية الصعوبة. فالجهاد مرصود وإجهاضه استراتيجية صهيونية وعالمية خاصة بعد أن أصبح الإسلام هو العدو الأول لمعسكر النظام العالمي الجديد أو "الأجد" وأدواته وفي حالة الشهيد القائد تتجاوز طبيعة السرية والكتمان الحدث الطارئ او الحاجة الآنية لتصبح خلقا راسخا وعادة متمكنة.

    [color=CC0000]ثالثا: التخلص من أعين الأعداء[/color]:
    إن براعة المهندس الفائقة "بفضل الله ورعايته" في مواجهة مطارديه وعبقريته في التخفي والمراوغة والإفلات من الكمائن التي كانت تنصب له من قبل عدة آلاف من جنود الوحدات الخاصة المختارة من الجيش الصهيوني وقوات حرس الحدود والشرطة بالإضافة إلى عدة مئات من أفراد جهاز المخابرات العامة الشاباك ووحدات استخبارية عسكرية خاصة كلفت بالمشاركة في أوسع حملة مطاردة تنظمها الدولة العبرية في تاريخها جعلت ملاحقيه يطلقون عليه لقب "العبقري" و"كارلوس الثعلب" و"الرجل ذو ألف وجه" وينسبون إليه صفات الرجل المقدس والإنسان الذي يمتلك سبعة أرواح ومن يرى ولا يُرى وهي أمور حاولت أجهزة الأمن والاستخبارات الصهيونية إخفاء عجزها وراءها فقد بحثت سلطات الاحتلال عن المهندس طوال أربع سنوات وخلال تلك المدة استمر القائد في عملياته بدون توقف أو هدوء فجند الخلية تلو الأخرى وبعث فيها روح المبادرة والنشاط بعد كل ضربة كان الصهاينة يوجهونها للمجموعات الجهادية وبعد كل عملية تعترف سلطات الاحتلال بأن -حتى أخباره- تختفي اختفاء متقنا مما أصاب قيادة الشاباك في حيرة إزاء لغز المهندس.
    وإن نجاح المهندس في الوصول إلى قطاع غزة يعتبر في حد ذاته ضربة قاسية للكيان الصهيوني جعلت اسحق رابين في اجتماع القيادة المشتركة للأجهزة الأمنية الصهيونية يضرب الطاولة بغضب شديد مطالبا بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الصهاينة الذين كانوا يطاردونه وتضليل أجهزة الأمن الصهيونية.

    [color=FF0000]رابعا: جهاد، نصر أو استشهاد[/color]
    البعد الآخر في شخصية يحيى عياش أو المهندس يتمثل في إصراره على مواصلة العمل والنشاط واستعداده الدائم للاستشهاد والموت في سبيل الله ورفض الخروج أو الهرب خارج فلسطين المحتلة على الرغم من إمكانية ذلك فالرجل الذي أرعب قيادات الاحتلال وجنوده ومستوطنيه وجعلهم يحفظون صورته عن ظهر قلب ويعلقونها في مكاتبهم، كان يدرك أن لكل أجل كتاب وكان هذا الإدراك بمثابة زاد لهذا المؤمن المجاهد على مواصلة الجهاد وتوريث خبرته وعلمه لإخوانه ولهذا كان وجه يحيى يحمر غضبا حين يحدثه إخوانه عن مغادرة الوطن لفترة ويرد عليهم "مستحيل فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر أو استشهاد، إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين."

    وطوال أربع سنوات المطاردة التي عاشها (المهندس) بكل ما تحمل من تحدي وخطورة لم تقف أجهزة الدولة الإسرائيلية عن البحث عنه في كل مكان ، فقاموا بتوزيع البيانات في شهر يوليو 1993 على أهالي نابلس يحذرونهم مساعدة (المهندس) ، إضافة إلى توزيع صوره ومواصفاته على جميع عناصر الجيش الإسرائيلي ، بينما صورة بوستر كبيرة بالألوان معلقة للمهندس في المكتب الرئيسي للشاباك ، عدا عن نشاط الوحدات المستعربة وأجهزة الرصد والمعلومات إضافة إلى تضيق الخناق على (المهندس) باعتقال كل من كانت له معهم علاقة ، وساعدوه حتى غدا وحيداً . وكانت أبرز محاولات اغتيال (المهندس) تلك التى وقعت في (دير بلوط) في 6 أغسطس 1993م حيث اصطدمت سيارته بحاجز عسكري أسفر عن استشهاد رفيقه (عزيز مرعي) واعتقال (محمد ريان) بينما تمكن (المهندس) من الفرار .
    وفي حي القصبة بنابلس في 11 تموز 1994م تعرض منزل كان يأوي (المهندس) وإخوانه للقصف ، وبعد ساعات من الاشتباك استشهد (علي عاصي وبشار العامودي) اللذين غطيا انسحاب المهندس .
    ولم يكن (المهندس) هو الحالة الوحيدة التي استهدفها رصاص الشاباك والموساد الإسرائيلي فقائمة الاغتيالات واسعة ، فقد ثم اغتيال ثلاثة عشر كادراً لمنظمة (أيلول الأسود) ، واغتيال ثلاثة من كبار قادة المقاومة في منظمة التحرير وهم (كمال ناصر ، وكمال عدوان ، وأبو يوسف النجار) ، وذلك في نيسان 1973 ، وفي حزيران 1978 تم اغتيال (علي ياسين) مدير مكتب المنظمة في الكويت ، وفي آب 1978 ثم اغتيال (عز الدين القاق) ممثل المنظمة في باريس ، وفي تموز 1979 ثم اغتيال (زهير محسن) زعيم منظمة الصاعقة الفلسطينية ، وفي حزيران 1981 تم اغتيال (نعيم خضر) ممثل المنظمة في بلجيكا ، في أيلول 1982 تم اغتيال (سعد صايل) قائد القوات العسكرية في منظمة التحرير ، وفي تشرين 1986 تم اغتيال (منذر أبو غزالة) قائد القوات البحرية في المنظمة ، وذلك في العاصمة اليونانية ، وفي شباط 1988 تم اغتيال ثلاثة من قادة القطاع الغربي في مدينة ليماسول في قبرص .
    وفي تشرين أول 1981 اغتيال (ماجد أبو شرار) عضو اللجنة التنفيذية ، وفي نيسان 1988 اغتيال (خليل الوزير) في تونس ، وفي شباط 1992م اغتيال (عباس موسوي) زعيم حزب الله، وفي ظل السلطة الفلسطينية ثم اغتيال (ناصر صلوحة) في يوليو 1994 ، و(هاني عابد) في نوفمبر 1994م ، و(إبراهيم ياغي) في ديسمبر 1994م ، وفي ابريل 1995م ثم اغتيال (كمال كحيل وحاتم حسان وسعيد الدعس) ، وفي يونيو 1995 ثم اغتيال (محمود الخواجة) ، وفي سبتمبر 1995م ثم اغتيال (إبراهيم النفار) ، وفي أكتوبر 1995 ثم اغتيال (د. فتحي الشقاقي) زعيم حركة الجهاد الإسلامي . وكان آخرها اغتيال (المهندس) الذي كان المستهدف الأول للرصاص الإسرائيلي حيث استخدمت إسرائيل أرقى مستويات التكنولوجيا والعمل الأمني للوصول إلى صيدها الثمين .
    حيث تمكن الشاباك من الوصول إلى معلومات بموقع المهندس والتسلل إلى قطاع غزة إلى دائرة الأشخاص الأقرب إلى (أبي البراء) ، وكما يروي (أسامة حماد) صديق (المهندس) والشاهد الوحيد على عملية الاغتيال حيث قال أن (يحيى) إلتجأ إليه قبل خمسة شهور من استشهاده حيث آواه في منزله دون أن يعلم أحد ، وكان (كمال حماد) وهو خال (أسامة) ويعمل مقاول بناء ، على صلة وثيقة بالمخابرات الإسرائيلية يلمّح (لأسامة) بإمكانية زيارة يحيى له في شركة المقاولات وأعطاه جهاز بيلفون لاستخدامه ، وكان (كمال) يأخذ جهاز البيلفون ليوم أو يومين ثم يعيده ، وقد اعتاد والد المهندس الاتصال مع (يحيى) عبر البيلفون ، وقد طلب منه (يحيى) مراراً الاتصال على الهاتف البيتي ، وقد اتفق (يحيى) مع والده على الاتصال به صباح الجمعة القادم على الهاتف البيتي ، وفي صباح الجمعة الخامس من يناير 1996م اتصل (كمال حماد) بـ (أسامة) وطلب منه فتح الهاتف المتنقل لأنه يريد الاتصال من إسرائيل ، واتضح أن خط هاتف البيت مقطوع ، وفي الساعة التاسعة صباحاً اتصل والد يحيى على الهاتف المتنقل الذي أبلغ أسامة أنه لم يستطع الاتصال على الهاتف البيتي ، واستلم المهندس الهاتف وقال لوالده : " يا أبي لا تظل تتصل على البيلفون " حين دوى انفجار ويسقط المهندس واللحم يتناثر والزجاح يتحطم وبقع الدم تتناثر ويتضح أن عبوة ناسفة تزن 50 غرام انفجرت في (الهاتف النقّال) ، يهوي الجسد المتعب ليستريح من وعثاء السفر ، يستريح المقاتل الصلب بعد سنوات الجهاد ، ويصعــــــد إلى العلا والمجد يلتقي هناك بالنبيين والصديقين والشهداء بإذن الله ، هكذا يفوز المهندس في الدنيا والآخرة .

    لم تنم غزة ذلك المساء فقد كان بانتظارها ليل آخر تسرب في خيوطه الأولى دمٌ ترامى فوق يديها كالشظايا ... (دم يحيى عياش) ، في البرهة التي يتكاثر فيها الزبد ويصبح المقاتلون فئة قليلة ، في الوقت الذميم الذي تتربص فيه الحواجز والأسلاك الشائكة بالعيون المقاتلة الشاخصة إلى كل بقاع فلسطين ، غاب (يحيى عياش) واحترق نجم فلسطين هوى على (جباليا) كعباءة منسوجة بورق الزيتون ووجهه مقبل على الصلاة كحدود الشهادة ، (يحيى عياش) الرجل المعنى في زمن تساقطت فيه المعانـي عن كثير من الرجال ، الطيف العصي الذي لا يُرى بسهولة .
    (يحيى عياش) اليدان اللتان تتقنان صنع الحرائق لتشرق الشمس بلا كآبة ، على الذرى الفلسطينية العينان اللتان تصادقان الليل في البحث عن ممر إلى ثغور الغزاة ، الكوفية التي تتشابه خيوطها مع ندوب الأرض المقدسة ، كان يدرك كلما وصل غزة أن عليه أن يخفي ملامحه والخفق الفلسطيني في قلبه وبيارات البرتقال في عينيه كي لا يكتشف أحد موقع الانفجار القادم فيما الغدر يتربص به ويكمن في الزوايا والأزقة وتحت أصغر الظلال .
    الليلة وبعد أن تسرب دم (يحيى عياش) في هدوء الأمسية ، سيصعد صوته من غموض الأشياء القاتمة في فلسطين مثل برج حجري لصوته الشهيد ، أنا (يحيى عياش) المولود في حقل فلسطين على أزهاره دم لم أستطع تفسيره طفلاً ، ولم أستطع احتماله رجلاً ، فبحثت عن أسرار الانفجار ، تعلمت كيف أمسح الدم عن الحرم الإبراهيمي بالحرائق . ليس في فلسطين حجر أو زاوية أو جدار لا يستطيع أن يتهجأ اسمه ليس هناك جدولاً ولا سنبلة أو شجرة لا تتشابه به مع ملامحه ، تتشابه مع الرجل الذي أخفى ملامحه لتتضح معالم البلاد .
    دم (يحيى عياش) في غزة كان يركض في شوارعها كنهر بلا مستقر ، كان يرفع صوته ذبيحاً، يحكي قصة المجاهد الأسطوري الذي صوب قلبه إلى الشمس في (قلب) غزة هاشم ، ولم يتسع له الوقت ليطرق أبوابها واحداً واحداً كي يضع أمانة الدم في الدم ، فكان أن ترك وصيته على الأرصفة حتى تصافح في الصباح وجوه تلاميذ المدارس وهم يذهبون إلى درس القراءة عن الوطن المحاصر بين الوثائق وسلاح الغزاة ، استشهد (عياش) تاركاً أمانة الدم لنا وإشارة صريحة إلى جهة الخرق الإسرائيلي القادم .
    وعلى حافتي الطريق يبقى المهرولون أصحاب الدنيا يبحثون عن مكان فوق الطين فيما يستقبل المهندس الشهادة وهو يرفع الراية في زمن الصعود الصهيوني الأمريكي يبرز الخيار ناصع البياض ، فعندما يسقط رأس (يحيى عياش) حينها (يحيى) غير قابل للرثاء ويستعصي على الكلمات ، (يحيى) كان قابلاً للانفجار ، قابلاً للاشتعال وقلبه وسع كل فلسطين من بحرها إلى نهرها ، فأي لغة يمكن أن تسعه .
    إن دم (يحيى عياش) قد وضعنا على طرف الخيار ، إما أن نُغيب أو نُعلب أو نموت على مزاج الأوصياء ، وذلك منطق الجنون ، جنون السقوط طالما أننا نستطيع الموت على مزاجنا، وبينما يختار المهندس الشهادة والآخرة ، يختار قاتله حفنة من الدولارات ، ويلقيه الشاباك بعد ذلك جيفـة تتسكع في ممرات (تل أبيب) .
    إنتشار خبر الإستشهاد
    وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة والعالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار ، وخرجت الآلآف في شوارع قطاع غزة وفلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي ، وأعلنت إسرائيل حالة الطوارىء ، وأغلقت الضفة وغزة ونشرت قوات معززة ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح (يعقوب بيري) رئيس المخابرات السابق بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم " . فيما صرح (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي بالقول : " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".

    فيما سيطر على إسرائيل شبح العمليات الاستشهادية ، وفي قرية (رافات) مسقط رأس الشهيد الأسطورة توجه الآلآف إلى بيت (عياش) ، فيما انهمرت الدموع من عيني والديه وأخويه ، ويصرح والد المهندس أن استشهاد المهندس ليس النهاية ، فيما عبر شقيقه عن مزيج من الفرحة والحزن ، وأكد قائلاً أن : " أخي كان بطلاً " .
    وقد نعت (حماس) شهيدها العملاق عبر البيانات ومكبرات الصوت ، وأعلنت الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ، وعقدت مؤتمراً صحفياً قرب المنزل الذي صعدت فيه روح (يحيى) ، بينما خرج الملثمون التابعون لحركة (حماس) في مختلف أنحاء الضفة الغربية وغزة ينعون المهندس الشهيد ، وانطلق مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أرجاء فلسطين حيث انطلقت مسيرات جماهيرية حاشدة شاركت فيها كل القوى نعت الشهيد في رام الله وطولكرم وجنين ونابلس وأريحا وقلقيلية وفي الخليل وبيت لحم ، وعم الإضراب مدينة القدس .

    وقد أدانت (السلطة الوطنية) اغتيال (المهندس) ، وصدرت الأوامر من الرئيس (عرفات) بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة ، وتوجه لتقديم واجب العزاء لحركة حماس في موقع العزاء للمهندس ، وقد أدانت كافة الشخصيات الفلسطينية في الضفة والقطاع ومناطق الـ (48) جريمة الاغتيال خاصــة أنها وقعت في ظل التحضيرات الكبيرة لإجراء أول انتخابات للسلطة الفلسطينية . فيما نقلت وكالات الأنباء تنديدات مختلفة من شتى بقاع العالم بحادث الاغتيال الذي أثّر بشكل ملموس على الجو الهادئ في مناطق السلطة الفلسطينية خاصة بوجود توافق بين السلطة والمعارضة .
    وفي اليوم التالي للرحيل كان الوداع الأخير لنجم فلسطين الأول ، فكان يوم السبت السادس من يناير 1996 لا مثيل له في تاريخ غزة ، حيث احتشد ما يزيد عن الربع مليون من شباب قطاع غزة وبحضور والد ووالدة الشهيد وزوجه وولديه البراء ويحيى وأقيمت الصلاة على جثمان الشهيد في مسجد فلسطين ، وانطلقت باتجاه مقبرة الشهداء ، وسار الموكب أربع ساعات متواصلة ، الجماهير التي انطلقت بحشودها المتراصة تؤكد أن عياش حس الجماهير وخيارها الأوحد ، فانتخبته في استفتاء قاطع لكل الأوهام ، ووقف علماء النفس يلوون شفاههم ما هذا ؟ من أين جاء كل هؤلاء لتشييع المهندس ، ويوم عرسه الرائع ، الأعناق تدوس الأعناق ، والرجال تحلق زاحفة مسافات ومسافات لا تدري من يحملها فوق الأرض ، والكل يبغي التمسح بالجسد ولا تواتيه الفرصة ليخضب أصابعه بقطرة من دم الشهيد يضعها على شفتيه فتقوح منها ريح المسك .
    القتلة الذين ظنوا خطأ أن عبوة صغيرة في جهاز هاتف متنقل قد أنهت حالة (المهندس) في الشعب الفلسطيني ، ولو قدر لصاحب الموساد أن يقف يوم السبت أثناء عرس الشهيد لأدرك أنه فرغ على التو من إعداد ما يزيد عن الربع مليون (مهندس) .
    ترى كم كان وسع خطوة (يحيى عياش) وهو يغدو بين جنبات الوطن ليتوارى عن أعين الغزاة خطوته حين غادرنا كانت بالكيلومترات ... خطوة يحيى عياش صارت بيتاً وسع الشعب كله حين سار في جنازة يحيى .
    وفي المقبرة اصطفت الآلآف لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان المسجى ويطبع آل الشهيـد القبلة الأخيرة على جبينه الطاهر ، فيما أطلقت كتائب القسام وقوى الأمن الفلسطيني واحد وعشرين طلقة تحية للشهيد ، فيما أطلق ولده (البراء) رصاصات التواصل من مسدس في يده .

    وتحدث والد الشهيد شاكراً الجماهير المحتشدة قائلاً (كلكم يحيى عياش) ، وإثر مواراة جثمان (أبو البراء) الثرى أقامت (حركة المقاومة الإسلامية) مهرجان تأبين استهل بتلاوة القرآن الكريم وألقت كافة القوى السياسية بيانات نعى وتنديد ومواساة .
    وأقيم إثر ذلك سرادق عزاء ضخم للشهيد أمام (مسجد فلسطين) حيث أمه الآلاف من جماهير القطاع والقوى السياسية المختلفة ، وأذاعت كتائب القسام بيانات النعي وأكدت تهديداتها بالثأر لدماء المهندس الغاليـــــــة .
    وفي يوم الجمعة الثاني عشر من يناير 1996 أقيم حفل تأبين ضخم على أرض ملعب اليرموك في وسط مدينة غزة ودعت فيه حماس وكتائبها شهيدها العزيز وهتفت الجماهير للراحل الكبير. ولم يكن بوسع كتائب القسام أن ترك هذا الامتهان الإسرائيلي دون رد خاصة ودماء جوهرتها الثمينة تنزف على أرض غزة ، فبعد خمسين يوماً بالضبط من استشهاد (المهندس) ، وفي الخامس والعشرين من فبراير 1996 بدأت سلسلة هجمات استشهادية في (القدس والمجدل) ، وبعد أسبوع في (القدس وتل أبيب) ليسقط في هذا الأسبوع الدامي ما يقرب من ستين قتيلاً إسرائيلياً ، عدا عشرات الجرحى " عمليات الثأر بقيادة القسامي المعتقل حسن سلامة "وبادرت إثرها قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى هدم منزل المهندس وتشريد أهله من بيتهم في (رافات) . وهكذا استراح (أبو البراء) في ثرى غزة الثائر بعد أن نفد تلاميذه الدروس التي تلقوها على يديه بمهارة واتقان فائقين .
    (يحيى عياش) في لحظة الولادة كان السنديان يشتد ، وفي لحظة الشهادة كانت الولادة سنابل تتسلق عتبة الدار لتحاكي ذكرى طفل ترك وراءه حمام البيت ودفتراً فيه أمنيات تنام بهدوء ولا يجزعها المنام ليلاً يجيىء يحيى يفتح باب الدار فيهب النعناع وقلب أمه المطرز بالاقحوان .. لطفل كانت تهدهد له حمام الدار كي ينام .. يدخل وحقيبته الملونة . يسندها إلى حائط حجري وينام في حضن أمه ، فتعدد الهجرات في جبينه ، لقد كبرت يا يحيى .. أي لقد عددت الهجرات في كاهلي فوجدتها جنازات يهرع يحيى إلى المخيم ، يركض إلى بحر غزة .. يلقى مركبه الورقي الصغير .. وينام على شاطئه ويتقلب على رماله ، فتكبر الجروح في عينيه كأنها ألف عام .. ييكبر (يحيى) ويكبر معه المخيم .. من طفل مشاكس إلى رجل قادم عبر الذكريات والطلقات التي اخترقت صدر المخيم لكنه لم ينحنِ .

    تستفيق فلسطين على انفجار وتخرج البلاد من جرحك النازف قرى وجداول ماءً ونعناعاً ، يستفيق الشهداء يخرجون من جرحك قطرات دمٍ سالت على الجبين الصلب المتغصن والشهداء يضمدون جرحك النازف ، ويدعون طيور الصباح المهاجرة لتتوسد الجسد المسجى بهدوء ملائكي كأنه يخبىء بين ضلوعه انفجاراً قادماً .
    وتخرج غزة لتودع (يحيى) .. تخرج كل فلسطين لترى الشهيد الذي لم يمت .. تكبر البلاد بولادة (يحيى) ... تزغرد أم لطفل قادم في وجهه ابتسامة ، وفي يديه دفتر صغير ومركب ورقي ، ويركض إلى بحر غزة يفتش عن حدوده ويتقلب على رماله ويكتب يحيى لم يمت ولكن شبه لهم . هكذا يموت الأبطال .. أشجاراً أصلها ثابت وفرعها في السماء .. حبالاً تمر عليها ضربات السنين ، لا يموتون ، ينتقلون من حياة إلى حياة ، ومن دار إلى دار ... كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له. هكذا خرج (يحيى) من الحياة ، حياة العنف والكد ، خرج بعد أن أدار لها ظهره ، وبعد أن نظر إليها نظرة الاستخفاف والسخرية ، ما أهونك على من خلقك .
    هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن أودع فيها بدلة الكاكي وقطعة السلاح ورغيف الخبز اليابس والبساط الملوث بالوحل والطين ، والملجأ المظلم يحوى فرشة ولحافاً وموقداً للنار ، لم يعد (يحيى) بحاجة إليها فقد استنفذ وقته ورحل ... هكذا خرج (يحيى) من الحياة .. بعد أن حفر بكلتا يديه طريقاً للرصاص الممتد من رفح حتى الجليل ورسم ممراً للقنابل تعبر فوق الجسور وتحت الأنفاق ، وبعد أن شق جدولاً للدماء يخترق سواحل غزة وجبال القدس وروابي الخليل وسهول يافا ، حتى إذا بلغ المرج تدفق شلالات تتراقص على لحن بيوت اللاجئين وخيام الفقراء والأطفال الذين انتظروه على قمم الجبال لأنه وعدهم أن يمر ويسلم عليهم . هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن علم الأطفال الذين لم يجيدوا نطق الحروف الأبجدية بعد أن روضة الاستشهاديين ستكون فيها أرجوحتهم ولعبهم ولهوهم .
    وهكذا علمهم نطق الألف والباء في حرية الدم وحلاوة المراغمة ، ورسم على وجوههم صورة لا تكاد تمحى ، إنكم يا صغاري الأبطال وحدكم ، وغيركم الجبناء ، أنتم الفرسان تمتطون صهوات المرحلة وغيركم تأبطوا ملفات السياسة المارقة المليئة بأخطاء اللغويات .
    هكذا خرج بطلاً في وقت عزّ فيه الأبطال وفارساً في وقت تنادى فيه المتساقطون على وليمة الوطن ، ورمزاً في وقت سقطت فيه الشعارات الممجوجة (المقرفة) .
    لم لا تبكيك البواكي ؟ لم لا تمطر السماء ؟ لم لا يثور البحر وينشق الفجر ؟ وأنت الذي أعطيت الحياة معناها ، والسماء زرقتها والبحر شهامته وغضبه .
    أهي الحقيقة يا (يحيى) ، لن نراك بعد الآن ؟ وأهاً يا أمة العرب ؟ ألن ترقص النساء في مخيم رافات على صوت أقدامك وأنت تهدر في أرضك (المسلوبة) في العفولة والخضيرة وتل الربيع، ألن تلقى أباك صاحب العقال لتهمس في أذنيه خلي بالك من براء .
    (يحيى) .. يا أبا البراء لم تمل من المطاردة ولا حفيت أقدامك من الشوك ولا ارتجفت مفاصلك من لذع البرد وحرقة الشمس ، كنت أعلم أنك تطارد وتطارد ، تجري وراء جيش بأكمله تحاربه وحدك ، ويجري وراءك جيوش من السفلة وشذاذ الآفاق ، من يهود البقرة ، وعرب النفاق الذين ربوا على النفاق . أخيراً اصطادوك ، أغبياء هم وما أتعسهم ، لقد اغتالوا فيك الجسد ، لكننا - وقت السقوط - كنا عند رأسك ننتظر روحك نلفها بالحرير والطيب والحناء ، وقت السقوط رحلت إلى عليين بإذن الله ، لم تشأ إرادة الله أن تطال الأيدي الآثمة والأرجل النجسة منك ، يا طهر البحر وطيب السماء .
    (يحيى) ... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر وقد اصطفت ملائكة السماء ، صفوفاً صفوفاً تنثر عليك الرياحين وتغمرك بالطيب ، ثم ها هو (عماد عقل) يقف من بعيد ينتظر إلى أن يصل إليه الدور ليطوقك بكلتا يديه الصغيرتين ، لم يتغير فيه شيئ .
    يقبلك من جبينك ووجنتيك ، ثم صف الشهداء من الكتائب ، يدعونك الآن حتى تستريح من عناء المطاردة ، يدعونك تستريح من وعثاء السفر . كانت رحلتك طويلة ، آن لهذا الفارس أن يمد قدميه ويلصق ظهره بالأرض ويغمض عينيه وينام
    وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة والعالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار ، وخرجت الآلآف في شوارع قطاع غزة وفلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي ، وأعلنت إسرائيل حالة الطوارىء ، وأغلقت الضفة وغزة ونشرت قوات معززة ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح (يعقوب بيري) رئيس المخابرات السابق بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم " . فيما صرح (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي بالقول : " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".



    فيما سيطر على إسرائيل شبح العمليات الاستشهادية ، وفي قرية (رافات) مسقط رأس الشهيد الأسطورة توجه الآلآف إلى بيت (عياش) ، فيما انهمرت الدموع من عيني والديه وأخويه ، ويصرح والد المهندس أن استشهاد المهندس ليس النهاية ، فيما عبر شقيقه عن مزيج من الفرحة والحزن ، وأكد قائلاً أن : " أخي كان بطلاً " .

    وقد نعت (حماس) شهيدها العملاق عبر البيانات ومكبرات الصوت ، وأعلنت الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ، وعقدت مؤتمراً صحفياً قرب المنزل الذي صعدت فيه روح (يحيى) ، بينما خرج الملثمون التابعون لحركة (حماس) في مختلف أنحاء الضفة الغربية وغزة ينعون المهندس الشهيد ، وانطلق مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أرجاء فلسطين حيث انطلقت مسيرات جماهيرية حاشدة شاركت فيها كل القوى نعت الشهيد في رام الله وطولكرم وجنين ونابلس وأريحا وقلقيلية وفي الخليل وبيت لحم ، وعم الإضراب مدينة القدس .



    وقد أدانت (السلطة الوطنية) اغتيال (المهندس) ، وصدرت الأوامر من الرئيس (عرفات) بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة ، وتوجه لتقديم واجب العزاء لحركة حماس في موقع العزاء للمهندس ، وقد أدانت كافة الشخصيات الفلسطينية في الضفة والقطاع ومناطق الـ (48) جريمة الاغتيال خاصــة أنها وقعت في ظل التحضيرات الكبيرة لإجراء أول انتخابات للسلطة الفلسطينية . فيما نقلت وكالات الأنباء تنديدات مختلفة من شتى بقاع العالم بحادث الاغتيال الذي أثّر بشكل ملموس على الجو الهادئ في مناطق السلطة الفلسطينية خاصة بوجود توافق بين السلطة والمعارضة .

    وفي اليوم التالي للرحيل كان الوداع الأخير لنجم فلسطين الأول ، فكان يوم السبت السادس من يناير 1996 لا مثيل له في تاريخ غزة ، حيث احتشد ما يزيد عن الربع مليون من شباب قطاع غزة وبحضور والد ووالدة الشهيد وزوجه وولديه البراء ويحيى وأقيمت الصلاة على جثمان الشهيد في مسجد فلسطين ، وانطلقت باتجاه مقبرة الشهداء ، وسار الموكب أربع ساعات متواصلة ، الجماهير التي انطلقت بحشودها المتراصة تؤكد أن عياش حس الجماهير وخيارها الأوحد ، فانتخبته في استفتاء قاطع لكل الأوهام ، ووقف علماء النفس يلوون شفاههم ما هذا ؟ من أين جاء كل هؤلاء لتشييع المهندس ، ويوم عرسه الرائع ، الأعناق تدوس الأعناق ، والرجال تحلق زاحفة مسافات ومسافات لا تدري من يحملها فوق الأرض ، والكل يبغي التمسح بالجسد ولا تواتيه الفرصة ليخضب أصابعه بقطرة من دم الشهيد يضعها على شفتيه فتقوح منها ريح المسك .

    القتلة الذين ظنوا خطأ أن عبوة صغيرة في جهاز هاتف متنقل قد أنهت حالة (المهندس) في الشعب الفلسطيني ، ولو قدر لصاحب الموساد أن يقف يوم السبت أثناء عرس الشهيد لأدرك أنه فرغ على التو من إعداد ما يزيد عن الربع مليون (مهندس) .

    ترى كم كان وسع خطوة (يحيى عياش) وهو يغدو بين جنبات الوطن ليتوارى عن أعين الغزاة خطوته حين غادرنا كانت بالكيلومترات ... خطوة يحيى عياش صارت بيتاً وسع الشعب كله حين سار في جنازة يحيى .

    وفي المقبرة اصطفت الآلآف لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان المسجى ويطبع آل الشهيـد القبلة الأخيرة على جبينه الطاهر ، فيما أطلقت كتائب القسام وقوى الأمن الفلسطيني واحد وعشرين طلقة تحية للشهيد ، فيما أطلق ولده (البراء) رصاصات التواصل من مسدس في يده .



    وتحدث والد الشهيد شاكراً الجماهير المحتشدة قائلاً (كلكم يحيى عياش) ، وإثر مواراة جثمان (أبو البراء) الثرى أقامت (حركة المقاومة الإسلامية) مهرجان تأبين استهل بتلاوة القرآن الكريم وألقت كافة القوى السياسية بيانات نعى وتنديد ومواساة .

    وأقيم إثر ذلك سرادق عزاء ضخم للشهيد أمام (مسجد فلسطين) حيث أمه الآلاف من جماهير القطاع والقوى السياسية المختلفة ، وأذاعت كتائب القسام بيانات النعي وأكدت تهديداتها بالثأر لدماء المهندس الغاليـــــــة .

    وفي يوم الجمعة الثاني عشر من يناير 1996 أقيم حفل تأبين ضخم على أرض ملعب اليرموك في وسط مدينة غزة ودعت فيه حماس وكتائبها شهيدها العزيز وهتفت الجماهير للراحل الكبير. ولم يكن بوسع كتائب القسام أن ترك هذا الامتهان الإسرائيلي دون رد خاصة ودماء جوهرتها الثمينة تنزف على أرض غزة ، فبعد خمسين يوماً بالضبط من استشهاد (المهندس) ، وفي الخامس والعشرين من فبراير 1996 بدأت سلسلة هجمات استشهادية في (القدس والمجدل) ، وبعد أسبوع في (القدس وتل أبيب) ليسقط في هذا الأسبوع الدامي ما يقرب من ستين قتيلاً إسرائيلياً ، عدا عشرات الجرحى " عمليات الثأر بقيادة القسامي المعتقل حسن سلامة "وبادرت إثرها قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى هدم منزل المهندس وتشريد أهله من بيتهم في (رافات) . وهكذا استراح (أبو البراء) في ثرى غزة الثائر بعد أن نفد تلاميذه الدروس التي تلقوها على يديه بمهارة واتقان فائقين .

    (يحيى عياش) في لحظة الولادة كان السنديان يشتد ، وفي لحظة الشهادة كانت الولادة سنابل تتسلق عتبة الدار لتحاكي ذكرى طفل ترك وراءه حمام البيت ودفتراً فيه أمنيات تنام بهدوء ولا يجزعها المنام ليلاً يجيىء يحيى يفتح باب الدار فيهب النعناع وقلب أمه المطرز بالاقحوان .. لطفل كانت تهدهد له حمام الدار كي ينام .. يدخل وحقيبته الملونة . يسندها إلى حائط حجري وينام في حضن أمه ، فتعدد الهجرات في جبينه ، لقد كبرت يا يحيى .. أي لقد عددت الهجرات في كاهلي فوجدتها جنازات يهرع يحيى إلى المخيم ، يركض إلى بحر غزة .. يلقى مركبه الورقي الصغير .. وينام على شاطئه ويتقلب على رماله ، فتكبر الجروح في عينيه كأنها ألف عام .. ييكبر (يحيى) ويكبر معه المخيم .. من طفل مشاكس إلى رجل قادم عبر الذكريات والطلقات التي اخترقت صدر المخيم لكنه لم ينحنِ .



    تستفيق فلسطين على انفجار وتخرج البلاد من جرحك النازف قرى وجداول ماءً ونعناعاً ، يستفيق الشهداء يخرجون من جرحك قطرات دمٍ سالت على الجبين الصلب المتغصن والشهداء يضمدون جرحك النازف ، ويدعون طيور الصباح المهاجرة لتتوسد الجسد المسجى بهدوء ملائكي كأنه يخبىء بين ضلوعه انفجاراً قادماً .

    وتخرج غزة لتودع (يحيى) .. تخرج كل فلسطين لترى الشهيد الذي لم يمت .. تكبر البلاد بولادة (يحيى) ... تزغرد أم لطفل قادم في وجهه ابتسامة ، وفي يديه دفتر صغير ومركب ورقي ، ويركض إلى بحر غزة يفتش عن حدوده ويتقلب على رماله ويكتب يحيى لم يمت ولكن شبه لهم . هكذا يموت الأبطال .. أشجاراً أصلها ثابت وفرعها في السماء .. حبالاً تمر عليها ضربات السنين ، لا يموتون ، ينتقلون من حياة إلى حياة ، ومن دار إلى دار ... كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له. هكذا خرج (يحيى) من الحياة ، حياة العنف والكد ، خرج بعد أن أدار لها ظهره ، وبعد أن نظر إليها نظرة الاستخفاف والسخرية ، ما أهونك على من خلقك .

    هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن أودع فيها بدلة الكاكي وقطعة السلاح ورغيف الخبز اليابس والبساط الملوث بالوحل والطين ، والملجأ المظلم يحوى فرشة ولحافاً وموقداً للنار ، لم يعد (يحيى) بحاجة إليها فقد استنفذ وقته ورحل ... هكذا خرج (يحيى) من الحياة .. بعد أن حفر بكلتا يديه طريقاً للرصاص الممتد من رفح حتى الجليل ورسم ممراً للقنابل تعبر فوق الجسور وتحت الأنفاق ، وبعد أن شق جدولاً للدماء يخترق سواحل غزة وجبال القدس وروابي الخليل وسهول يافا ، حتى إذا بلغ المرج تدفق شلالات تتراقص على لحن بيوت اللاجئين وخيام الفقراء والأطفال الذين انتظروه على قمم الجبال لأنه وعدهم أن يمر ويسلم عليهم . هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن علم الأطفال الذين لم يجيدوا نطق الحروف الأبجدية بعد أن روضة الاستشهاديين ستكون فيها أرجوحتهم ولعبهم ولهوهم .

    وهكذا علمهم نطق الألف والباء في حرية الدم وحلاوة المراغمة ، ورسم على وجوههم صورة لا تكاد تمحى ، إنكم يا صغاري الأبطال وحدكم ، وغيركم الجبناء ، أنتم الفرسان تمتطون صهوات المرحلة وغيركم تأبطوا ملفات السياسة المارقة المليئة بأخطاء اللغويات .

    هكذا خرج بطلاً في وقت عزّ فيه الأبطال وفارساً في وقت تنادى فيه المتساقطون على وليمة الوطن ، ورمزاً في وقت سقطت فيه الشعارات الممجوجة (المقرفة) .

    لم لا تبكيك البواكي ؟ لم لا تمطر السماء ؟ لم لا يثور البحر وينشق الفجر ؟ وأنت الذي أعطيت الحياة معناها ، والسماء زرقتها والبحر شهامته وغضبه .

    أهي الحقيقة يا (يحيى) ، لن نراك بعد الآن ؟ وأهاً يا أمة العرب ؟ ألن ترقص النساء في مخيم رافات على صوت أقدامك وأنت تهدر في أرضك (المسلوبة) في العفولة والخضيرة وتل الربيع، ألن تلقى أباك صاحب العقال لتهمس في أذنيه خلي بالك من براء .

    (يحيى) .. يا أبا البراء لم تمل من المطاردة ولا حفيت أقدامك من الشوك ولا ارتجفت مفاصلك من لذع البرد وحرقة الشمس ، كنت أعلم أنك تطارد وتطارد ، تجري وراء جيش بأكمله تحاربه وحدك ، ويجري وراءك جيوش من السفلة وشذاذ الآفاق ، من يهود البقرة ، وعرب النفاق الذين ربوا على النفاق . أخيراً اصطادوك ، أغبياء هم وما أتعسهم ، لقد اغتالوا فيك الجسد ، لكننا - وقت السقوط - كنا عند رأسك ننتظر روحك نلفها بالحرير والطيب والحناء ، وقت السقوط رحلت إلى عليين بإذن الله ، لم تشأ إرادة الله أن تطال الأيدي الآثمة والأرجل النجسة منك ، يا طهر البحر وطيب السماء .

    (يحيى) ... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر وقد اصطفت ملائكة السماء ، صفوفاً صفوفاً تنثر عليك الرياحين وتغمرك بالطيب ، ثم ها هو (عماد عقل) يقف من بعيد ينتظر إلى أن يصل إليه الدور ليطوقك بكلتا يديه الصغيرتين ، لم يتغير فيه شيئ .

    يقبلك من جبينك ووجنتيك ، ثم صف الشهداء من الكتائب ، يدعونك الآن حتى تستريح من عناء المطاردة ، يدعونك تستريح من وعثاء السفر . كانت رحلتك طويلة ، آن لهذا الفارس أن يمد قدميه ويلصق ظهره بالأرض ويغمض عينيه وينام
    وما أن انتشر خبر استشهاد المهندس حتى ساد في أنحاء فلسطين خاصة والعالم الإسلامي عامة حالة من عدم الاستقرار ، وخرجت الآلآف في شوارع قطاع غزة وفلسطين يهيمون على وجوههم بغير وعي ، وأعلنت إسرائيل حالة الطوارىء ، وأغلقت الضفة وغزة ونشرت قوات معززة ، ولم تخف فرحتها العظمى بهذا الخبر ، حيث صرح (يعقوب بيري) رئيس المخابرات السابق بالقول : " موت عياش وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم " . فيما صرح (موشيه شاحل) وزير الأمن الداخلي بالقول : " بتنا نتنفـس بشكل أفضل بعد إعلان موته ".



    فيما سيطر على إسرائيل شبح العمليات الاستشهادية ، وفي قرية (رافات) مسقط رأس الشهيد الأسطورة توجه الآلآف إلى بيت (عياش) ، فيما انهمرت الدموع من عيني والديه وأخويه ، ويصرح والد المهندس أن استشهاد المهندس ليس النهاية ، فيما عبر شقيقه عن مزيج من الفرحة والحزن ، وأكد قائلاً أن : " أخي كان بطلاً " .

    وقد نعت (حماس) شهيدها العملاق عبر البيانات ومكبرات الصوت ، وأعلنت الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام ، وعقدت مؤتمراً صحفياً قرب المنزل الذي صعدت فيه روح (يحيى) ، بينما خرج الملثمون التابعون لحركة (حماس) في مختلف أنحاء الضفة الغربية وغزة ينعون المهندس الشهيد ، وانطلق مسيرات جماهيرية حاشدة في مختلف أرجاء فلسطين حيث انطلقت مسيرات جماهيرية حاشدة شاركت فيها كل القوى نعت الشهيد في رام الله وطولكرم وجنين ونابلس وأريحا وقلقيلية وفي الخليل وبيت لحم ، وعم الإضراب مدينة القدس .



    وقد أدانت (السلطة الوطنية) اغتيال (المهندس) ، وصدرت الأوامر من الرئيس (عرفات) بتشكيل لجنة تحقيق مشتركة ، وتوجه لتقديم واجب العزاء لحركة حماس في موقع العزاء للمهندس ، وقد أدانت كافة الشخصيات الفلسطينية في الضفة والقطاع ومناطق الـ (48) جريمة الاغتيال خاصــة أنها وقعت في ظل التحضيرات الكبيرة لإجراء أول انتخابات للسلطة الفلسطينية . فيما نقلت وكالات الأنباء تنديدات مختلفة من شتى بقاع العالم بحادث الاغتيال الذي أثّر بشكل ملموس على الجو الهادئ في مناطق السلطة الفلسطينية خاصة بوجود توافق بين السلطة والمعارضة .

    وفي اليوم التالي للرحيل كان الوداع الأخير لنجم فلسطين الأول ، فكان يوم السبت السادس من يناير 1996 لا مثيل له في تاريخ غزة ، حيث احتشد ما يزيد عن الربع مليون من شباب قطاع غزة وبحضور والد ووالدة الشهيد وزوجه وولديه البراء ويحيى وأقيمت الصلاة على جثمان الشهيد في مسجد فلسطين ، وانطلقت باتجاه مقبرة الشهداء ، وسار الموكب أربع ساعات متواصلة ، الجماهير التي انطلقت بحشودها المتراصة تؤكد أن عياش حس الجماهير وخيارها الأوحد ، فانتخبته في استفتاء قاطع لكل الأوهام ، ووقف علماء النفس يلوون شفاههم ما هذا ؟ من أين جاء كل هؤلاء لتشييع المهندس ، ويوم عرسه الرائع ، الأعناق تدوس الأعناق ، والرجال تحلق زاحفة مسافات ومسافات لا تدري من يحملها فوق الأرض ، والكل يبغي التمسح بالجسد ولا تواتيه الفرصة ليخضب أصابعه بقطرة من دم الشهيد يضعها على شفتيه فتقوح منها ريح المسك .

    القتلة الذين ظنوا خطأ أن عبوة صغيرة في جهاز هاتف متنقل قد أنهت حالة (المهندس) في الشعب الفلسطيني ، ولو قدر لصاحب الموساد أن يقف يوم السبت أثناء عرس الشهيد لأدرك أنه فرغ على التو من إعداد ما يزيد عن الربع مليون (مهندس) .

    ترى كم كان وسع خطوة (يحيى عياش) وهو يغدو بين جنبات الوطن ليتوارى عن أعين الغزاة خطوته حين غادرنا كانت بالكيلومترات ... خطوة يحيى عياش صارت بيتاً وسع الشعب كله حين سار في جنازة يحيى .

    وفي المقبرة اصطفت الآلآف لإلقاء النظرة الأخيرة على الجثمان المسجى ويطبع آل الشهيـد القبلة الأخيرة على جبينه الطاهر ، فيما أطلقت كتائب القسام وقوى الأمن الفلسطيني واحد وعشرين طلقة تحية للشهيد ، فيما أطلق ولده (البراء) رصاصات التواصل من مسدس في يده .



    وتحدث والد الشهيد شاكراً الجماهير المحتشدة قائلاً (كلكم يحيى عياش) ، وإثر مواراة جثمان (أبو البراء) الثرى أقامت (حركة المقاومة الإسلامية) مهرجان تأبين استهل بتلاوة القرآن الكريم وألقت كافة القوى السياسية بيانات نعى وتنديد ومواساة .

    وأقيم إثر ذلك سرادق عزاء ضخم للشهيد أمام (مسجد فلسطين) حيث أمه الآلاف من جماهير القطاع والقوى السياسية المختلفة ، وأذاعت كتائب القسام بيانات النعي وأكدت تهديداتها بالثأر لدماء المهندس الغاليـــــــة .

    وفي يوم الجمعة الثاني عشر من يناير 1996 أقيم حفل تأبين ضخم على أرض ملعب اليرموك في وسط مدينة غزة ودعت فيه حماس وكتائبها شهيدها العزيز وهتفت الجماهير للراحل الكبير. ولم يكن بوسع كتائب القسام أن ترك هذا الامتهان الإسرائيلي دون رد خاصة ودماء جوهرتها الثمينة تنزف على أرض غزة ، فبعد خمسين يوماً بالضبط من استشهاد (المهندس) ، وفي الخامس والعشرين من فبراير 1996 بدأت سلسلة هجمات استشهادية في (القدس والمجدل) ، وبعد أسبوع في (القدس وتل أبيب) ليسقط في هذا الأسبوع الدامي ما يقرب من ستين قتيلاً إسرائيلياً ، عدا عشرات الجرحى " عمليات الثأر بقيادة القسامي المعتقل حسن سلامة "وبادرت إثرها قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى هدم منزل المهندس وتشريد أهله من بيتهم في (رافات) . وهكذا استراح (أبو البراء) في ثرى غزة الثائر بعد أن نفد تلاميذه الدروس التي تلقوها على يديه بمهارة واتقان فائقين .

    (يحيى عياش) في لحظة الولادة كان السنديان يشتد ، وفي لحظة الشهادة كانت الولادة سنابل تتسلق عتبة الدار لتحاكي ذكرى طفل ترك وراءه حمام البيت ودفتراً فيه أمنيات تنام بهدوء ولا يجزعها المنام ليلاً يجيىء يحيى يفتح باب الدار فيهب النعناع وقلب أمه المطرز بالاقحوان .. لطفل كانت تهدهد له حمام الدار كي ينام .. يدخل وحقيبته الملونة . يسندها إلى حائط حجري وينام في حضن أمه ، فتعدد الهجرات في جبينه ، لقد كبرت يا يحيى .. أي لقد عددت الهجرات في كاهلي فوجدتها جنازات يهرع يحيى إلى المخيم ، يركض إلى بحر غزة .. يلقى مركبه الورقي الصغير .. وينام على شاطئه ويتقلب على رماله ، فتكبر الجروح في عينيه كأنها ألف عام .. ييكبر (يحيى) ويكبر معه المخيم .. من طفل مشاكس إلى رجل قادم عبر الذكريات والطلقات التي اخترقت صدر المخيم لكنه لم ينحنِ .



    تستفيق فلسطين على انفجار وتخرج البلاد من جرحك النازف قرى وجداول ماءً ونعناعاً ، يستفيق الشهداء يخرجون من جرحك قطرات دمٍ سالت على الجبين الصلب المتغصن والشهداء يضمدون جرحك النازف ، ويدعون طيور الصباح المهاجرة لتتوسد الجسد المسجى بهدوء ملائكي كأنه يخبىء بين ضلوعه انفجاراً قادماً .

    وتخرج غزة لتودع (يحيى) .. تخرج كل فلسطين لترى الشهيد الذي لم يمت .. تكبر البلاد بولادة (يحيى) ... تزغرد أم لطفل قادم في وجهه ابتسامة ، وفي يديه دفتر صغير ومركب ورقي ، ويركض إلى بحر غزة يفتش عن حدوده ويتقلب على رماله ويكتب يحيى لم يمت ولكن شبه لهم . هكذا يموت الأبطال .. أشجاراً أصلها ثابت وفرعها في السماء .. حبالاً تمر عليها ضربات السنين ، لا يموتون ، ينتقلون من حياة إلى حياة ، ومن دار إلى دار ... كما الطير يسرح في فضاء لا حدود له. هكذا خرج (يحيى) من الحياة ، حياة العنف والكد ، خرج بعد أن أدار لها ظهره ، وبعد أن نظر إليها نظرة الاستخفاف والسخرية ، ما أهونك على من خلقك .

    هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن أودع فيها بدلة الكاكي وقطعة السلاح ورغيف الخبز اليابس والبساط الملوث بالوحل والطين ، والملجأ المظلم يحوى فرشة ولحافاً وموقداً للنار ، لم يعد (يحيى) بحاجة إليها فقد استنفذ وقته ورحل ... هكذا خرج (يحيى) من الحياة .. بعد أن حفر بكلتا يديه طريقاً للرصاص الممتد من رفح حتى الجليل ورسم ممراً للقنابل تعبر فوق الجسور وتحت الأنفاق ، وبعد أن شق جدولاً للدماء يخترق سواحل غزة وجبال القدس وروابي الخليل وسهول يافا ، حتى إذا بلغ المرج تدفق شلالات تتراقص على لحن بيوت اللاجئين وخيام الفقراء والأطفال الذين انتظروه على قمم الجبال لأنه وعدهم أن يمر ويسلم عليهم . هكذا خرج يحيى من الحياة ، بعد أن علم الأطفال الذين لم يجيدوا نطق الحروف الأبجدية بعد أن روضة الاستشهاديين ستكون فيها أرجوحتهم ولعبهم ولهوهم .

    وهكذا علمهم نطق الألف والباء في حرية الدم وحلاوة المراغمة ، ورسم على وجوههم صورة لا تكاد تمحى ، إنكم يا صغاري الأبطال وحدكم ، وغيركم الجبناء ، أنتم الفرسان تمتطون صهوات المرحلة وغيركم تأبطوا ملفات السياسة المارقة المليئة بأخطاء اللغويات .

    هكذا خرج بطلاً في وقت عزّ فيه الأبطال وفارساً في وقت تنادى فيه المتساقطون على وليمة الوطن ، ورمزاً في وقت سقطت فيه الشعارات الممجوجة (المقرفة) .

    لم لا تبكيك البواكي ؟ لم لا تمطر السماء ؟ لم لا يثور البحر وينشق الفجر ؟ وأنت الذي أعطيت الحياة معناها ، والسماء زرقتها والبحر شهامته وغضبه .

    أهي الحقيقة يا (يحيى) ، لن نراك بعد الآن ؟ وأهاً يا أمة العرب ؟ ألن ترقص النساء في مخيم رافات على صوت أقدامك وأنت تهدر في أرضك (المسلوبة) في العفولة والخضيرة وتل الربيع، ألن تلقى أباك صاحب العقال لتهمس في أذنيه خلي بالك من براء .

    (يحيى) .. يا أبا البراء لم تمل من المطاردة ولا حفيت أقدامك من الشوك ولا ارتجفت مفاصلك من لذع البرد وحرقة الشمس ، كنت أعلم أنك تطارد وتطارد ، تجري وراء جيش بأكمله تحاربه وحدك ، ويجري وراءك جيوش من السفلة وشذاذ الآفاق ، من يهود البقرة ، وعرب النفاق الذين ربوا على النفاق . أخيراً اصطادوك ، أغبياء هم وما أتعسهم ، لقد اغتالوا فيك الجسد ، لكننا - وقت السقوط - كنا عند رأسك ننتظر روحك نلفها بالحرير والطيب والحناء ، وقت السقوط رحلت إلى عليين بإذن الله ، لم تشأ إرادة الله أن تطال الأيدي الآثمة والأرجل النجسة منك ، يا طهر البحر وطيب السماء .

    (يحيى) ... ما أجملك وأنت تدخل بوابة القبر وقد اصطفت ملائكة السماء ، صفوفاً صفوفاً تنثر عليك الرياحين وتغمرك بالطيب ، ثم ها هو (عماد عقل) يقف من بعيد ينتظر إلى أن يصل إليه الدور ليطوقك بكلتا يديه الصغيرتين ، لم يتغير فيه شيئ .

    يقبلك من جبينك ووجنتيك ، ثم صف الشهداء من الكتائب ، يدعونك الآن حتى تستريح من عناء المطاردة ، يدعونك تستريح من وعثاء السفر . كانت رحلتك طويلة ، آن لهذا الفارس أن يمد قدميه ويلصق ظهره بالأرض ويغمض عينيه وينام
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-04-13
  3. الحُسام اليماني

    الحُسام اليماني مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-06-07
    المشاركات:
    3,541
    الإعجاب :
    0
    سيرة جميلة لهذا الشهيد المقدام يحي عياش الذي سخر جهدة و علمة لنصرة الإسلام و مقارعة العدو و تعليم شباب فلسطين كيف يكونوا رجال أقوياء رجال في زمن الأقزام ...

    اخي الحبيب العربي الصغير الموضوع طويل جداً و قليلاً جدا من سيقراء الموضوع بسبب طولة لو كنت جعلته على حلقات و جزاك الله خير
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2004-04-13
  5. العربي الصغير

    العربي الصغير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-01-14
    المشاركات:
    1,175
    الإعجاب :
    1
    أخي العزيز مشرف المجلس الإسلامي أنا أفوضك في إختصار ما ترى أو حذف بعضة وترك الجزء وسأتابعه في حلقات ولك خالص التقدير
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2004-04-24
  7. أبورعد قصيله

    أبورعد قصيله شاعر شعبي

    التسجيل :
    ‏2003-06-02
    المشاركات:
    953
    الإعجاب :
    2
    بحر يا عربي بحر
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2004-04-24
  9. العربي الصغير

    العربي الصغير عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-01-14
    المشاركات:
    1,175
    الإعجاب :
    1
    الله يخليك أخي أبو رعد.
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2004-04-24
  11. ابوعياش

    ابوعياش عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-24
    المشاركات:
    9
    الإعجاب :
    0
    جزاك الله خيرا أخي العربي الصغير
    على تفاعلك الكبير مع أبناء الانتفاضة
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2009-02-01
  13. بن عياش

    بن عياش عضو

    التسجيل :
    ‏2008-09-08
    المشاركات:
    15
    الإعجاب :
    0
    يعطيك العافيه يالغالي

    مـــشكـــور مـــشكـــور
    مــــشكــــور مــــشكــــور
    مـــــشكـــــور مـــــشكـــــور
    مــــــشكــــــور مــــــشكــــــور
    مـــــــشكـــــــور مـــــــشكـــــــور
    مــــــــشكــــــــور مــــــــشكــــــــور
    مـــــــــشكـــــــــور مـــــــــشكـــــــــور
    مــــــــــشكــــــــــور مــــــــــشكــــــــــور
    مـــــــــــشكـــــــــــور مـــــــــــشكـــــــــــور
    مــــــــــــشكــــــــــــور مــــــــــــشكــــــــــــور
    مـــــــــــــشكـــــــــــــور مـــــــــــــشكـــــــــــــور
    مــــــــــــــشكــــــــــــــور مــــــــــــــشكــــــــــــــور
    مـــــــــــــــشكـــــــــــــــور مـــــــــــــــشكـــــــــــــــور
    مــــــــــــــــشكــــــــــــــــ ور مــــــــــــــــشكــــــــــــــــ ور
    مـــــــــــــــــشكـــــــــــــــ ــور مـــــــــــــــــشكـــــــــــــــ ــور
    مـــــــــــــــــشكـــــــــــــــ ــور مـــــــــــــــــشكـــــــــــــــ ــور
    مــــــــــــــــشكــــــــــــــــ ور مــــــــــــــــشكــــــــــــــــ ور
    مـــــــــــــــشكـــــــــــــــور مـــــــــــــــشكـــــــــــــــور
    مــــــــــــــشكــــــــــــــور مــــــــــــــشكــــــــــــــور
    مـــــــــــــشكـــــــــــــور مـــــــــــــشكـــــــــــــور
    مــــــــــــشكــــــــــــور مــــــــــــشكــــــــــــور
    مـــــــــــشكـــــــــــور مـــــــــــشكـــــــــــور
    مــــــــــشكــــــــــور مــــــــــشكــــــــــور
    مـــــــــشكـــــــــور مـــــــــشكـــــــــور
    مــــــــشكــــــــور مــــــــشكــــــــور
    مـــــــشكـــــــور مـــــــشكـــــــور
    مــــــشكــــــور مــــــشكــــــور
    مـــــشكـــــور مـــــشكـــــور
    مــــشكــــور مــــشكــــور
    مـــشكـــور مـــشكـــور
    مــشكــور مــشكــور
    مــشكــو ر​
     

مشاركة هذه الصفحة