القـرار السياسى الأمـريـكـي محمـد حسـنين هـيـكل

الكاتب : fas   المشاهدات : 454   الردود : 0    ‏2004-04-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-11
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    جيوش تبحث عن غطاء!
    حقوق السلاح على السياسة!
    الشكوك تتكاثف على كل المواقع!
    قطار وقضبان ومحطة!
    منحنى على الطريق التركى!
    ثم ماذا بعد الآن؟

    أولا: جيوش تبحث عن غطاء!
    تبدو الإشارات المتكررة ـ فى هذه الأحاديث ـ إلى دور متزايد للقوات المسلحة فى صنع القرار السياسى الأمريكى أمرا مستغربا ـ لكن سبب الإشارات المتكررة مما يمكن شرحه (وذلك موضوع هذا الحديث) ـ كما أن دواعى الاستغراب مما يمكن فهمه، لأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ ليست واحدة من ((جمهوريات الموز)) التى عرفتها دول أمريكا الوسطى فى عصر من العصور ـ أو ((نظم قشر الموز)) التى تزحلقت عليها أوطان عربيـة كثيرة ـ (ملكية أو جمهـورية ـ فردية أو عائلية) ـ إلى حيث لا تعـرف ولا تريد!

    ومع ذلك ـ وبرغم كل شيء ـ فأى مراقب جـاد للحـياة السياسية الأمريكيـة يستطيع أن يلمح (حتى خلال زيارة عابرة) ـ إشارات تومئ إلى أن القوات المسلحة الأمريكية تتجاذبها عوامل تدفعها أكثر وأكثر إلى جدل مع القـرار السياسى لم يكن مألوفا من قبل!
    وكما يظهر ـ فإن إدارة الرئيس ((چورچ بوش)) وهى تشق طريقها لغزو العراق ـ خاضت معركتين فى نفس الوقت:
    * معركة محدودة التكاليف ـ حتى الآن ـ بداعى إسقاط نظام الرئيس ((صدام حسين)).
    * ومعركة مجهولة التكاليف ـ مازالت مستمرة ـ بداعى خلافها مع رئاسة القوات المسلحة الأمريكية حول ((مشروعية)) و((معقولية)) المطالب الإمبراطورية الملهوفة التى طرحتها ومكنت لها مجموعة قليلة العدد (بضع مئات) من الرجال والنساء ـ سيطروا على البيت الأبيض وعلى الإدارة وعلى الحزب الجمهورى، أى على القرار الأمريكى، ثم قاموا بتوظيفه ـ بمنطق ((الاستيلاء)) ـ على طريقة بارونات شركات النفط، والسلاح، والصناعات الإلكترونية والاستهلاكية، واحتكارات الإعلام والإعلان، وبورصة الأوراق المالية وغيرها ـ وتوصلوا لاستدراج السلاح الأمريكى نحو منحدر يتنازل بفكرة ((القوة)) ـ حتى تصبح ((ظاهرة عنف))، ويهبط بإستراتيچيات الحرب لتصبح ((ممارسة قتل))، وتلك هى النتيجة المحققة إذا تخلت السلطة عن القانون، وتلاعب أصحاب القرار بالمشروعية، وسخروا قيمة العمل العام ستارا للمصالح، متسببين بذلك فى أزمة ضمير تستهلك كرامة الدول، وتهين وعيها، وتقسم المجتمعات على نفسها، وتبدد الثقة الضرورية فى الضـمـانات الدسـتورية والأخـلاقية التى تمنح السلطة هيبتها وتفرض طاعتها!

    ذلك أن الجيوش تحارب وتضحى راضية تحت رايات أوطانها حفاظا على مصالح وأمن شعوبها، لكنه عندما يطلب من الجيوش أن تقاتل ـ ثم تنكشف وتنجلى دوافع الحرب، ويبين أنها جاءت خديعة للمواطنين وكذبا عليهم ـ إذن فهناك مراجعات، وهناك حسابات، وهناك عواقب، وذلك بالضبط ما يجرى اليوم فى الولايات المتحدة الأمريكية ـ (وفى بريطانيا).
    ......................
    ......................
    [وكانت فضيحة ووترجيت التى أطاحت برئاسة ((ريتشارد نيكسون)) فى السبعينيات من القرن الماضى هى الخديعة والكذب على الشعب الأمريكى ـ ولم تكن مجرد أمر ((نيكسون)) بوضع أجهزة تنصت فى مقر الحزب الديمقراطى لكى يعرف الخطط الانتخابية لخصومه السياسيين ـ مسبقا ويفسدها عليهم!
    كذلك لم تكن فضيحة ((مونيكا لوينسكى)) التى كادت تطيح بالرئيس ((بيل كلينتون)) ـ علاقته بمندوبة شابة فى البيت الأبيض مارس معها نوعا من الجنس فى مكتبه (والحقيقة أنها هى التى اعتدت عليه ولم يكن هو الذى بدأ) ـ وإنما كانت خطيئة ((كلينتون)) أنه عندما سُئل خادع وكذب ـ وأمعن فى الإنكار طويلا، مسيئا بذلك إلى منصبه، ومستهترا بأصوات الناخبين التى وضعته فى مكتبه].

    [وبالطبع فإنه يصعب حتى هذه اللحظة تصور أن تؤثر خديعة الشعب الأمريكى والكذب عليه فى موضوع العراق بمثل ما أثرت فضيحة ووترجيت وفضيحـة ((مونيكا لوينسـكى)) ـ لأن قضايا الداخل مباشرة وحساسة، فى حين أن قضايا الخارج تخالطها اعتبارات كثيرة ـ لكنه الحساب العسير فى أقل القليل ـ وقد تنعكس آثاره على انتخابات الرئاسة نهاية العام القادم ـ (خصوصا إذا تفاعلت مع أزمة الاقتصاد الأمريكى)].
    .....................
    .....................
    ومن الطبيعى أن أى مشروع إمبراطورى يطرح نفسه على الأزمنة الحديثة ـ يتعين عليه أن يتقدم إلى مقصـده على مراحـل ـ واحدة بعد الأخرى.
    ثم إن أى مشروع إمبراطورى عليه أن يعرض نفسه فى كل مرحلة بما يتوافق معها، فقد انقضى الزمن الذى كان فيه الغزاة (من الإسكندر الأكبر ـ إلى چنكيز خان) يظهرون بجيوشهم فجأة على حافة الأفق، حاجبين عين الشمس بجحافلهم، تاركين الأعنة لجيادهم، شاهرين السيوف على أعدائهم ـ عواصف من النار والدم.

    وعليه فإن المشروع الإمبراطوري الأمريكى ـ الحديث ـ طرح نفسه على زمانه خلال مراحل ـ لكل واحدة منها لبوسها:
    - فى مرحلة أولى كان الأسلوب هو ((الغواية)) (نموذج الحياة الأمريكية وحرية كل فرد فى السعى وراء الفرصة و((السعادة))!).
    - وفى مرحلة ثانية كان الأسلوب هو الاستعداد ((لمشاركة)) العالم مقاديره (كما حدث فى الحرب العالمية الأولى حين جاءت الجيوش الأمريكية من وراء البحار طرفا فى معركة الإمبراطوريات العجوزة أو الطامعة).
    - وفى مرحلة ثالثة كان الطرح الأمريكى استجابة لنداء ((المبدأ)) (كما حدث فى حالة النقاط الأربعة عشرة التى أعلنها الرئيس ((وودرو ويلسون)) بعد الحرب العالمية الأولى (حقا لكل شعوب الأرض فى تقرير مصائرها).
    - وفى مرحلة رابعة كان الأسلوب هو تحمل العبء الأكبر من ضريبة الحرية (فى الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية والنازية).
    - وفى مرحلة خامسة كان الأسلوب بلوغ مرحلة قيادة العالم فى المواجهة ضد الشـيوعية، وكانت لأمريكا فيها وسيلتان: المساعدات الاقتصادية من ناحية، وأعمال المخابرات الخفية من ناحية أخرى.
    - وأخيرا حلت المرحلة السادسة، ولم يعد للمشروع الأمريكى أن يتخفى أو يدارى، لأن ((تفـوق القوة)) وتفردها أدى إلى اعتبار السلاح أداة للمشروع تسبق غيرهـا مـن الأدوات وتتقـدمها دون تردد!

    ومن حسن حظ الإمبراطورية الأمريكية أن قواتها المسلحة كانت جاهزة لمشروعها ـ عندما علا شأنه وحان أوانه فى نظر الحالمين به والملهوفين عليه، فقد كانت مؤسسات التفكير الإستراتيچى قائمة ـ وقوة السلاح حاضرة ـ وخطط الحرب جاهزة ـ والتواجد العسكرى الأمريكى مبسوط على قارات الأرض ومحيطاتها وسمائها وفضائها أيضا ـ وأكثر من ذلك فإن الهدف الافتتاحى كان هناك مكشوفا ـ معزولا ـ مهيأ لأن يتحول إلى ميدان لضرب النار، بالتحديد فى العراق.

    لكن العُقدة أن ما كان جاهزا لم يكن كافيا، لأن الجيوش (خلافا لغيرها من أدوات الفرض والإجبار) تحتاج إلى شيء آخر مع السلاح، هو مشروعية الأخلاق والقانون ـ ولو كغطاء مقنع على نحو ما ـ وإلا سقط الفارق بين الراية الوطنية وألوانها ـ وبين المنديل الأسود الذى يضعه أى قرصان فوق رأسه!
    وكان ذلك بالضبط ما دفع ((كولين باول)) وزير الخارجية الأمريكية ـ للذهاب (بشعور ومسئولية محارب قديم) كى يقول للرئيس ((چورچ بوش)) ـ مع تصاعد أزمة العراق (خريف سنة 2002) ـ إن الولايات المتحدة تقدر بالتأكيد أن تستولى غزوا على العراق، لكن قواتها المسلحة تحتاج بشدة إلى غطاء أخلاقى وقانونى تمارس تحته عملها هناك، لأن ذلك هو الضمان الأساسى لثقة القوات فى مهمتها، إلى جانب إحساسها بتأييد شعبها ومساندته!


    وزير الدفاع الأمريكي «دونالد رامسفيلد»:«إن الناس يصنعون التطورات ولا يضعون أيديهم علي خدودهم في انتظار حدوثها!»

    ويمكن القول إن معظم ما جرى فى واشنطن ونيويورك ما بين خريف سنة 2002 إلى ربيع سنة 2003 ـ كان حوارا بين السياسة والسلاح فى طلب مشروعية الأخلاق والقانون اللازمين للقوات المسلحة الأمريكية حتى يتوفر الاحترام الواجب لدورها فى غزو العراق. وبكل الشواهد فإن القوات المسلحة الأمريكيـة لم تكـن راضيـة عن التحضير محليا ودوليا لذرائع ذلك الغزو، وكان إلحاحها شديدا على إضافة أخلاقية وقانونية تكون غطاءً لكل الأجواء.
    وفى المقابل فإن السياسة المؤثرة فى الإدارة ـ (كما عبر عنها نائب الرئيس ((ريتشارد تشينى))، ووزير الدفاع ((دونالد رامسفيلد))، ورئيس مجلس سياسات الدفاع ((ريتشارد بيرل))) ـ واصلت الإصرار (بصلف!) على حتمية التقدم (((بجسارة))!) إلى العمل المطلوب دون النظر إلى ((الشكليات)) ـ باعتبار أن النتائج فى حد ذاتها تعطى القتال ذرائعه، كما أن النصر يمحو من ذاكرة الشعب الأمريكى أى اعتبار غيره، وبالتالى يضيع مع النسيان قصور الحجج إذا عراها الالتباس ـ قبل نشوب القتال!

    وكان ملخص رأى هؤلاء المؤثرين فى الإدارة أنه حين تصحو أمريكا والعالم ذات صباح ليكتشفوا أن نظام ((صدام حسين)) اختفى، وأن العلم الأمريكى يرفرف فوق أعلى الذرى فى ((بغداد)) ـ فإن صفحة ما سبق ـ سوف تُطوى، لتظهر بدلها صفحة جديدة ملؤها صور مضيئة:
    ـ أمريكا ـ مأخوذة باستعراض نصر وزهو (إمبراطورية تسيطر على المستقبل وتحكمه).
    ـ والعالم ـ مشغول بأمر واقع له سطوته (إزاء قطب واحد يملك سلطة القرار الدولى).
    ـ والدول التى ترددت وتقاعست ـ معزولة، مكسورة الخاطر (ليس أمامها غـير أن تعود ذليلة إلى الملكوت الأمريكى).
    ولم تكن الأمور بهذه البساطة ـ وكان صعبا أن تكون.

    ثانيـا: حقوق السلاح على السياسة!
    عندما تكلف القوات المسلحة فى بلد متحضر بمهمة يصعب تحقيقها بغير العمل العسكرى ـ فإن السلاح يتوقع أن يحصل على تأكيدات وتوجيهات هى بكل المعايير حقه على السياسة:
    1 ـ هدف واضح يلزم بلوغه لتحقيق مصلحة حقيقية أو أمن وطنى مؤكد.
    2 ـ مشـروعية تكفل التوافق (على نحو يمكن التراضى عليه) بين المصلحة والأمن من ناحية ـ وبين الأخلاق والقانون من ناحية أخرى، لأن ذلك حق القوات وسلام عقلها وروحها عندما يُطلب منها أن تواجه الموت (وكان الچنرال ((تومى فرانكس)) قائد غزو ((العراق)) هو الذى قال: ((لا يمانع أحد من جنودى أن يذهب إلى قبره فى كفن من الصدق، لكنه يستشعر الجحيم إذا ذهب فى كفن من الكذب!))).
    3 ـ ضمـان أوسـع تأييد شـعبى للعمل العـسكرى، بحيث يرضى المواطـنون بالتكاليف طـواعية، ويرضـون بالصبر على مصاعب الظروف وتقلباتها!
    4 ـ توفير حجم الإمكانيات المادية اللازمة لأداء المهمة بأكبر قدر من الاقتدار والكفاءة.
    5 ـ تحضير المسرح السياسى إقليميا ودوليا لقرار الحرب وتبعاته.
    6 ـ البحث عن حلفاء فى المصلحة والأمن لتحقيق أفضلية أن تكون الحرب عملا مشتركا مع آخرين حتى لا يوحى ظاهرها بأنها عمل تعسفى من طرف واحد.
    7 ـ بيان النقطة التى يكون بلوغها ـ إشارة متفقا عليها بأن العمل العسكرى أوفى بعهده وأكمل مهمته.

    وطوال صيف سنة 2002 ـ وبينما الرئيس ((چورچ بوش)) يجتمع بقادة القوات المسلحة ـ وبينما خطط الحرب على العراق يجرى وضعها وتمويلها ـ وبينما الكونجرس بمجلسيه يسأل ويستفسر ـ وبينما الرأى العام على طول البلاد وعرضها تتنازعه الآراء ـ لم تكن القوات المسلحة الأمريكية قد تلقت أيا من التأكيدات والتوجيهات التى يتحتم على السياسة أن تقدمها للسلاح.
    وكان البند الأول أى ((تحديد الهدف الواضح الذى يلزم بلوغه للصالح والأمن الوطنى)) ـ عقدة العقد جميعها.
    والواقع أن الرئيس ((چورچ بوش)) وأقطاب إدارته طرحوا عددا من الأهداف مختلطة ببعضها إلى درجة غيبت عنها اليقين:

    كان أول ما جرى طرحه ((أن إسقاط النظام فى العراق جزء أساسى من الحرب ضد الإرهاب)) ـ على أساس معلومات ذكرت أن أحد ((المتهمين)) بالضلوع فى أحداث 11 سبتمبر (2001) على نيويورك وواشنطن، وهو ((محمد عطا)) كان على صلة بالمخابرات العراقية ـ التقى مسئولا فى السفارة العراقية بالعاصمة التشيكية ((براج)) فى مارس سنة 2001 ـ ولم يقم دليل على صحة أى تفصيل فى هذه ((المعلومات)) (وتكشف فيما بعد أن المخابرات الإسرائيلية هى التى روجت لها بقصد ربط العراق بحوادث 11 سبتمبر).
    وجاء الطرح الثانى بأن النظام فى العراق لابد من عقابه على تهديد جيرانه ـ والدليل غزو الكويت (1990)، ولكن هذا الطرح كان مردودا، لأن ذلك ذنب عوقب عليه العراق فعلا (بحملة عاصفة الصحراء)، ومن الصعب أن يعاقب متهم مرتين على نفس الذنب: مرة فى أوانه (1991)، ومرة ثانية بعد انقضاء اثنى عشر عاما (أى سنة 2003).
    وتلاه الطرح الثالث بأن النظام فى العراق لم يقم بغزو الكويت فقط (حيث وقع عقابه فعلا)، لكنه قبل الكويت غزا إيران، ولم يقم أحد بحسابه، وكان هناك من قاموا بتذكير وزير الدفاع (مهندس عموم خطط الغزو) بأن هذه الحجة قد يكون لها رد فعل عكسى، لأن غزو إيران تم بتحريض ومساعدات أمريكية ـ ومن أصدقاء لأمريكا ـ أشرف عليها وأدار مجهودها فى ذلك الوقت ((دونالد رامسفيلد)) شخصيا، بوصفه وزير الدفاع (أيضا) فى إدارة ((رونالد ريجان)) (معظم الثمانينيات من القرن الماضى) ـ وعليه فإن إعادة فتح ملف إيران طردا ملغوما ينفجر فى وجه من يفتحه.

    وجرى دفع طرح رابع بأن النظام فى العراق طغى واستبد بشعبه ولذلك وجب إسقاطه ((باسم الشعب العراقى ولصالحه))، وكان المنطق الطبيعى أن مثل هذا الادعاء يعطى الولايات المتحدة حقا وسلطة ليس لهما سند فى القانون الدولى، ثم إن إعلان مثل هذا الهدف يثير هواجس نظم صديقة للولايات المتحدة يأخذها الشك إلى أن استهداف النظام فى العراق بداية لها ما بعدها ـ واصـلة إلى نظـم موالية بعد نظـم مارقة!
    وكان الطرح الأخير أن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ومعها وسائل صاروخية تنقلها إلى بعيد ـ هو الخطر الداهم على الإقليم وجواره، إلى جانب أن مثل هذه الأسلحة قد تنتقل من العراق إلى جماعات إرهابية متعاونة مع نظامه.

    وفى مرحلة الحيرة بين العِلل والذرائع، وبالتوازى مع ذريعة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ـ حاول وزير الدفاع ((دونالد رامسفيلد)) أن يجرب طرح المشروع الإمبراطورى ظاهرا وصريحا ـ لعله يغرى!
    وطبقا لشهادة الچنرال ((دافيد ماكيرنان)) (قائد القوات البرية الأمريكية فيما بعد فى العراق) ـ فقد حدث فى اجتماع بين ((دونالد رامسفيلد)) وبين هيئة أركان الحرب المشتركة، وبحضور قائد المنطقة المركزية الچنرال ((تومى فرانكس)) وعدد من معاونيه ـ أن وزير الدفاع أشار إلى خريطة تملأ جدارا كاملا لقاعة الاجتماعات السرية، عارضا ما مؤداه: ((إن نظرة على الخريطة تؤكد أن الولايات المتحدة محيطة من كل ناحية بالعراق، فهى تملك قواعد على تواصل دائرة كاملة تبدأ من الخليج ـ إلى باكستان ـ إلى أفغانستان ـ إلى أوزبكستان ـ إلى قيرجستان ـ إلى تركيا ـ إلى إسرائيل ـ إلى الأردن ـ إلى مصر ـ إلى السعودية، وبجانب ذلك فإنها تملك محطات وتسهيلات مفتوحة لها دون قيود فى مياه الخليج والبحر الأبيض والبحـر الأحمـر، ومعنى ذلك أن العـراق بالضبـط نقطـة فى مركز دائرة واسـعة، وهـذه فرصة تاريخية:

    أولا ـ للسيطرة على مركز الدائرة (فى ((بغداد))) ليكون النقطة الثابتة فى الدائرة الأوسع المحيطة به.
    ثانيا ـ لتصفية ما تبقى من مواقع المقاومة أى إيران وسوريا ـ دون حاجة لاستعمال السلاح ـ لأن وجود قوات أمريكية فى العراق يعنى حصار إيران من ناحيتين: ناحية أفغانستان التى تحتلها بالفعل قوات أمريكية، وناحية العراق إذا وقع احتلاله بقوات أمريكية ـ كما أن سوريا فى وضع أصعب، لأنها بعد احتلال ((العراق))، ((مفتوحة)) من الشرق بوجود أمريكى فى الجوار المتصل بها إلى درجة الالتحام، ومُحاصرة من الشمال بتركيا والوجود الأمريكى القائم فعلا على أرضها، وبمناطق الأكراد شمال العراق والولايات المتحدة هناك معهم ـ إلى جانب إسرائيل من الجنوب ـ إلى جانب أن النظام فى الأردن ليس صديقا مغرما بالنظام فى دمشق ـ إلى جانب أن هناك عناصر فى لبنان لا يرضيها تحكم سوريا فى القرار اللبنانى.

    ((وإذن فهذه وبضربة واحدة خريطة جـديدة ((مثالية)) تمامـا للشـرق الأوسط، تقوم الولايات المتحدة بـ((تشكيلها)) و((رسمها)) وأيضا ((تنظيفها)) من جيوب كارهة لأمريكا مازالت تجادل وتعاند)).
    وطبقا لشهادة الچنرال ((ماكيرنان)) فإن الخريطة كانت ملء الحائط، وقد شرح ((رامسفيلد)) تصوراته بالإشارة إليها، وكان شرحه منطقا إستراتيچيا محكما تصعب مناقضته، وخصوصا أن محيط الدائرة الواسعة مطبق على كل مواقع إنتاج البترول ((العربى والإيرانى وبحر قزوين))، وذلك أكثر من نصف موارد العالم من الطاقة، وعليه فإن الجائزة الإستراتيچية والاقتصادية تستحيل مقاومتها)).


    أحد رؤساء أجهزة المخابرات للصحفي البارز «نيكولاس كريستوف»: «أن وزير الدفاع تحول إلي غوريلا متوحشة تخيف المؤسسـات

    ومع ذلك فإن محاولة إغراء هيئة أركان الحرب المشتركة الأمريكية بحلم إمبراطورى صريح لم تؤد غرضها، لأنه ((حلم يستحيل إعلانه صراحة على الملأ))، لا فى مجلس الأمن ولا فى أوروبا ولا فى العالم العربى ـ ولا حتى للشعب الأمريكى نفسه، فليس معقولا أن تعلن الولايات المتحدة للجميع أن هدفها إمبراطورى فج ومستهتر، لا يعنيه أن يدارى نيته للسيطرة على قلب العالم وعلى موارده الاقتصادية ـ بل إن مثل هذا الإعلان كفيل فى حد ذاته بخلق مقاومة شديدة خصوصا فى مجلس الأمن، وعندها فإن الولايات المتحدة تكون قد حرمت نفسها من أى غطاء أخلاقى وقانونى لابد منه.

    وزاد أن بعض حضور الاجتماع من هيئة أركان الحرب المشتركة ـ كان تقديرهم أن الهدف الإمبراطورى الأمريكى يزحف بهدوء ويحقق طلبه بحركته الذاتية، ولا يحتاج إلى صدمة استعمال السلاح بالجيوش ـ لأن النظام العراقى يختنق بالحصار الاقتصادى والسياسى ـ والدولى ـ والعربى ـ يوما بعد يوم دون حاجة إلى إزعـاج المنطقـة والعالم بدوى الصواريخ والقنابل ـ لأنها بالكاد سنة أو سنتين وتسقط ((بغداد)) فى هدوء!
    لكن ذلك لم يكن مقنعا لوزير الدفاع الذى كرر قوله ((إن الناس يصنعون التطورات ولا يضعون أيديهم على خدودهم فى انتظار حدوثها!)).

    وفى نهاية طواف طويل حول الأسباب والذرائع والحجج والأسانيد ـ تبدى خطر امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ـ طرحا يحوز القبول ويستوفى المطلوب، شريطة أن تقوم عليه أدلة تقنع الكونجرس والرأى العام الأمريكى، وكذلك حلفاء وأصدقاء الولايات المتحدة فى أوروبا (بالذات باريس وبرلين وموسكو).
    وكان المهم أن تكون الأدلة مختومة بقرار من مجلس الأمن يفوض أمريكا باستعمال القوة العسكرية لتغيير النظام فى العراق، وتدمير ما يملكه من أسلحة الدمار الشامل (نووية وكيماوية وبيولوچية)، بما فى ذلك نظم الصواريخ القادرة على حمل هذه الأسلحة إلى مداها حتى لا يعيش العالم تحت رحمة ((ديكتاتور صغير)) ((منحته موارد العراق قـوة تدمـيـر أكبر من تفكيره)) (وذلك تعبـير ((ريتشـارد تشـينى)) نـائب الرئيس).
    وقبل بداية موسم سياسى نشيط معبأ بالاحتمالات (أوائل أكتوبر 2002) كانت الروافد المتعددة فى واشنطن تصب ما عندها فى مجرى واحد (أو كذلك بدا للمراقبين):
    ـ استقر القرار نهائيا على اعتماد ذريعة ((امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل)) يستعملها بنفسه عند لحظة يأس أو تنتقل منه إلى منظمات إرهابية برغبة فى الكيد والانتقام ـ فهى نقطة التوافق القادرة على جمع كل الأطراف الدولية والمحلية، كما أنها الأقوى أخلاقيا وقانونيا ـ فى شدة التأثير.
    ـ وتمكن ((كولين باول)) من إقناع الرئيس ((چورچ بوش)) (فى لقاء خاص بينهما) ـ أن يعطيه الفرصة ليحصل من مجلس الأمن ـ وبالإجماع ـ على قرار يقضى بضرورة نزع أسلحة الدمار الشامل من العراق، والبداية عودة المفتشين إليه أولا، والتدخل العسكرى إذا وقع اعتراض مهمتهم من جانب نظام ((صدام حسين))، (وكذلك صدر القرار 1441).
    ـ ثم إن أوروبا تبدو مستعدة لمقابلة إدارة ((چورچ بوش)) على منتصف الطريق، لأنها لا تريد صداما علنيا معها يقسم وحدة الأطلسى (وربما أنها لا تريد لأمريكا أن تنفرد وحدها بغنيمة العراق).
    وبقيت النقطة المحورية فى ذلك كله أن يتم العثور على دليل يثبت وجود أسلحة دمار شامل فى العراق، ويكشف مخابئها ويعرضها أمام الدنيا ـ وعندها تقوم القيامة.

    كانت البؤرة الحرجة فى أروقة القوة الأمريكية أن رئاسة الأركان المشتركة لديها وسائل جمع المعلومات المستقلة لتعرف دون انتظار غيرها، وأجهزة التحليل لتقدر ولا تسلم فكرها لغيرها ـ ومع ذلك فإن وزير الدفاع فى تلك الفترة (أكتوبر 2002) أصدر أمرين فى نَفَسْ واحد:
    ـ أمر إلى جهاز مخابرات الأمن القومى N.S.A وهو تابع لوزارة الدفاع ومكلف بمتابعة الاتصالات والرسائل والإشارات (فى كل ما يخص الحكومات والجيوش فى العالم، والمؤسسات الدولية وأولها الأمم المتحدة) ـ بأن يرسل تقاريره فى الشأن العراقى إلى مكتبه (مكتب رامسفيلد) ولا يوزع منها شيئا إلا وفق ((توجيهات)) يصدرها إليه.
    ـ والأمر الثانى تشكيل جهاز مخابرات خاص ملحق بمكتبه مباشرة ـ يكون جزءا من سكرتاريته يقدم له مباشرة كل ما عنده (إضافة إلى عشرات أجهزة المخابرات الأمريكية غيره).
    وبدت تلك حسب تعبير منسوب إلى ((ريتشارد أرميتاج)) (مساعد وزير الخارجية) تصرفات ((تفعلها)) ((أجهزة الحـكم فى العالم الثالث، وليس مؤسسات الإدارة فى الولايات المتحدة الأمريكية)).

    وطبقا لتقارير متداولة فى ذلك الوقت (أكتوبر 2002) فى رئاسة أركان الحرب المشتركة (نُشر بعضها فيما بعد) ـ فقد كان اهتمام العسكريين موزعا على شواغل تداخلت وتشابكت، ذلك أن رئاسة الأركان ظل لديها شك فى شأن ما يُحتَمَل أن يكون لدى العراق مما ينطبق عليه وصف أسلحة الدمار الشامل، فقد كان معروفا على نحو مؤكد (سواء بتحقيقات وكالة الطاقة النووية الدولية ـ أو معلومات أجهزة المخابرات الأمريكية نفسها) ـ أن العراق لا يملك إمكانية نووية، ثم إنه ليس هناك دليل مقنع على أن العراق لديه (الآن) أسلحة كيماوية أو بيولوچية لها قيمة، فما كان لديه جرى تدميره سواء بقرار من النظام العراقى نفسه أو بجهد من بعثة التفتيش الأولى (التى قادها ((ريتشارد بتلر))) ـ ثم إن أى شيء يحتمل أن النظام فى العراق قصد إلى إخفائه، فقد صلاحيته ـ بالتأكيد ـ (بعد انقضاء أجل مفعوله وهو من سنتين إلى ثلاثة)، مع غيبة دليل على أن العراق استطاع الحصول على المصانع اللازمة لإعادة تصنيع ((المواد)) أو ((التجهيز)) لاستعمالها.
    وبرغم ذلك فإن وزير الدفاع ((دونالد رامسفيلد)) راح يؤكد لرئاسة الأركان المشتركة ـ أن جهاز المخابرات الجديد الذى أنشئ فى وزارته لديه معلومات أكيدة تشير إلى النقيض تماما.
    وهنا فإن رئاسة الأركان راحت تتابع فريق ((هانز بليكس)) عندما توجه إلى ((بغداد)) بحثا عن الحقيقة القاطعة والدامـغة، وكان موقفها ((أن هذه المهمة هى القول الفصل فى أخلاقية ومشروعية أى عمل أمريكى))، والاحتمالات هنا ثلاثة:
    ـ إذا لم يتعاون العراق ((بإخلاص وشفافية)) مع فريق المفتشين، فلن تكون هناك مشكلة، لأن عدم التعاون فى حد ذاته يصبح غطاءً للحرب (مع ثقة الولايات المتحدة لحظتها فى رئيس فرق التفتيش الدكتور ((هانز بليكس))).
    ـ وإذا تعاون العراق وظهر لديه ما حاول ـ أو يحاول ـ إخفاءه، فإن الذرائع الأخلاقية اللازمة لشن الحرب تستوفى نفسها بنفسها.
    ـ وإذا ظهرت براءة العراق فإن الحرب لا تعود ضرورية ولا مبررة، بسبب نقص مشروعيتها القانونية والأخلاقية (مع استمرار تساقط النظام وانتظار نهايته طبيعيا).

    ثالثـا: الشكوك تتكاثف على كل المواقع!
    فى هذه الأجواء بدا مستغربا من الجميع ـ وفيهم رئاسة أركان الحرب المشتركة الأمريكية ـ صدور إعلان الرئيس ((بوش)) يوم 10 نوفمبر (2002) ـ (أى بعد يومين اثنين من صدور قرار مجلس الأمن 1441) ـ بأن ((الولايات المتحدة لن تنتظر حتى يوافق مجلس الأمن على تفويضها بالعمل العسكرى ضد العراق ((لأن الخطر الذى تمثله أسلحته داهم، ومهمة التفتيش لا ينبغى لها أن تتسبب فى تعطيل إجراء تراه الولايات المتحدة واقيا من هجوم مفاجئ لأنها تعلمت الدرس من بيرل هاربور ولا تزال تذكره)) ـ (وكان التصريح استباقا للحوادث لا لزوم له، كما أنه كان استثارة غير ضرورية لأغلبية واضحة فى مجلس الأمن تتشكك من الأصل فى النوايا الأمريكية ـ إلى جانب أن المقارنة بين ما استطاعت اليابان أن تفاجئ به أمريكا فى بيرل هاربور سنة 1941 ـ لا تجوز مع أى شيء يستطيعه العراق الآن ـ أو كان يستطيعه من قبل).

    ولم تكن رئاسة الأركان حريصة على العراق والنظام فيه، وإنما كان شاغلها أن تجاهل مجلس الأمن على هذا النحو يحرم الولايات المتحدة من فرصة إقامة ((تحالف واسع))، والنتيجة أن قواتها سوف تخوض الحرب وحدها (ومعها بريطانيا وحدها، وهو ما يصعب وصفه بتحالف دولى).
    وكانت أهمية خوض الحرب بتحالف دولى واسع من وجهة نظر هيئة الأركان المشتركة عائدة إلى اعتبارين:
    ـ اعتبار عملي: وهو أن رئاسة الأركان لاتزال مُصِرَّة على أن حجم القوات المرصودة للعملية غير كافٍ ـ لكنه إذا قام حلف دولى واسع، فإن وجود وحدات أوروبية (مثلما وقع سنة 1991) يضيف إلى جيوش الغزو مددا يسد الفجوة بين اللازم من وجهة نظرها، وبين المطلوب من وجهة نظر وزير الدفاع.
    ـ واعتبار معنوي: إن العراق هو على وجه اليقين (وبنسبة 95% على الأقل) ـ لم تعد لديه أسلحة دمار شامل، ومعنى ذلك أن الغزو سوف يؤكد للجميع أن تغيير النظام هو الهدف الحقيقى للسلاح، وذلك يثبت أمام الدنيا أنها حرب على غير أساس شرعى (غير مشروعة)، وأما إذا تواجدت فى الميدان قوات أخرى غير القوات الأمريكية (والبريطانية) ـ ثم اكتشف الرأى العام الأمريكى والعالمى أن الهدف كان تغيير النظام ـ فإن شَراكَة جمع من الدول تكون ـ فى حد ذاتها ـ إعلانا جماعيا بأن فكر هذه الدول تلاقى على اعتبار النظام العراقى تهديدا عاما للسِّلْم رآه كثيرون، وتوافقوا لدفع خطره بعمل مشترك بينهم، وهذه الإرادة الدولية الواسعة لها مشروعية كافية ومقنعة.

    وفى الوقت الذى بدأ فيه مفتشو الأمم المتحدة يتوجهون إلى بغداد (27 نوفمبر 2002) ـ لأول مرة بعد غياب أربع سنوات ـ رفعت الولايات المتحدة وتيرة استفزازها إلى سقف جديد أعلى!
    كان ((هانز بليكس)) (طبقا لأقواله) قد رجا السكرتير العام للأمم المتحدة ـ أن يبذل نفوذه لدى الإدارة حتى توقف الغارات على مناطق الحظر الجوى فى العراق أثناء عمل فِرَق التفتيش هناك، وحجته ((الحرص على سلامة المفتشين بالدرجة الأولى، إذا كان مطلوبا منهم أن يدخلوا فجأة دون إخطار، إلى أى موقع على طول العراق وعرضه، فى أى وقت من الليل والنهار)) ـ ومع أن ((كوفى عنان)) وعده، فإن ((بليكس)) رأى أن يتوجه بنفسه إلى واشنطن، بعد أن تلقى دعوة لمقابلة مستشارة الأمن القومى للرئيس السيدة ((كونداليزا رايس)) ـ وفى البيت الأبيض وجد ((بليكس)) أن الأجواء ((محمومة ونافدة الصبر))، وحاول التهدئة بكل جهده ولم ينجح، بل إنهم أبلغوه بأن كثافة الغارات سوف تزيد، وتلك خدمة لمهام التفتيش تساعد فى الضغط على النظام فى ((بغداد)). وأما فيما يتعلق بسلامة المفتشين، فقد تلقى ((بليكس)) تأكيدا بأنه سوف يكون هناك تنسيق من ((مستوى خاص)) بين فريقه وبين ((القيادة المتقدمة فى الكويت))، بحيث يمكن المحافظة على سلامة المفتشين فى أى مكان يتوجهون إليه، وفى أى وقت!

    وانتهز ((بليكس)) الفرصة (حسب روايته) فطلب من مستشارة الأمن القومى ـ مساعدة الولايات المتحدة لفريقه ((بما تستطيع تزويدهم به من معلومات))، (وكرر الطلب مع ((كولين باول)) (وزير الخارجية) )، وطبقا لبليكس فإنه تلقى وعدا أكيدا بأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تضع تحت تصرفه معلومات كافية تقود الفريق الدولى إلى مخابئ أسلحة الدمار الشامل. وقالت ((كونداليزا رايس)) لبليكس صراحة: ((لك أن تثق أن لديهم أسلحة دمار شامل، وأنهم تمكنوا من تحويل ما لديهم من مواد كيماوية وبيولوچية إلى أسلحة جاهزة (Weaponized)، بل إننا نعرف ونملك الدليل على أن لديهم برنامجا لتطوير سلاح نووى))، ثم قامت مستشارة الأمن القومى بتسليم كبير المفتشين تقريرا سريا وضعته إدارة مخابرات وزارة الدفاع D.I.A، عنوانه ((المنشآت الهامة لمواقع الأسلحة العراقية!)) ـ وفى نهاية لقائها مع ((هانز بليكس)) طرحت ((كونداليزا رايس)) أهمية أن يقوم فريقه (على نحو عاجل) بحصر العلماء العراقيين واستجوابهم خارج العراق، مع استعداد الولايات المتحدة لقبولهم ـ وعائلاتهم ـ فى الولايات المتحدة، ومنحهم الجنسية الأمريكية، إذا هم ((اعترفوا)) بما لديهم من أسرار، وكان ((بليكس)) مستعدا للتجاوب وإن رأى الاقتراح ((مستفزا)) للنظام العراقى فى اللحظة الراهنة، وفضل أن يُرجئ طرحه علنا إلى مرحلة لاحقة حتى لا تتعقد الأمور مبكرا جدا!)).

    وحدث (يوم 12 ديسمبر 2002) ـ أن النظام العراقى رغم محدودية الفترة المتاحة له، وانصياعا لطلب أمريكى أضيف إلى قرار مجلس الأمن 1441 ـ سارع بتقديم تقرير تفصيلى عن كل ما كان لديه من أسلحة الدمار الشامل، وكان التقرير من أحد عشر ألف صفحة بينها مئات من صور الوثائق والمستندات وفيها قوائم وحسابات فواتير الشركات الدولية التى باعت للعراق ما حصل عليه من المواد والمعدات.
    وحمل الوفد العراقى الدائم لدى مجلس الأمن ثلاث نسخ من التقرير الضخم إلى مبنى الأمم المتحدة، وجرى تسليمها إلى رئيس مجلس الأمن لذلك الشهر، لكنه لم تكد تنقضى دقائق حتى جرى اقتحام مكتب رئيس مجلس الأمن بواسطة مجموعة من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، يصحبها ضابط اتصال من وزارة الخارجية الأمريكية، وطلبهم ـ بإصرار ـ أن تُسَلَّم إليهم النسخ الثلاث التى قدمها الوفد العراقى من ((تقرير الأسلحة الذى ورد ((الآن)) من بغداد))، وحاول رئيس مجلس الأمن أن يناقش، لكنه أبلغ بأن الموضوع لا يحتمل حلا وسطا، وأن عليه تسليم النسخ الثلاث، وحاول رئيس المجلس أن يتصل بالأمين العام للأمم المتحدة (وليس معروفا إذا كان تمكن من ذلك أو أنه تعذر عليه الوصول إلى ((كوفى عنان))) ـ وفى كل الأحوال فقد خرجت مجموعة ((الإغارة)) على مجلس الأمن من مبنى الأمم المتحدة، ومعها النسخ الثلاث من تقرير ((بغداد)).

    وكانت تلك صدمة لكل الوفود (خصوصا وفود فرنسا وألمانيا وروسيا والصين)، وحين اتصل سفراء هذه الدول بمكتب المندوب الأمريكى الدائم السفير ((نجروبونتى))، كان رده: ((أن ((ما وقع)) كان إجراءً مؤقتا وضروريا للمراجعة، وما هى إلا ساعات قليلة حتى تصل إليهم نسخ من التقرير ـ كافية لكل أعضاء مجلس الأمن، وهم خمسة عشر، لأن العراقيين لم يقدموا غير ثلاث)). (ولم تكن هناك جدوى من الرد بأن طبع نسخ كافية من التقرير يمكن أن يتم بواسطة جهاز الأمانة العامة، وهو المختص ـ لأن الجميع أدركوا أن هناك سببا خفيا وراء هذه التصرفات ((المستفزة)) لمجلس الأمن نفسه!).

    على أن الوفود تلقت صباح اليوم التالى ((نسخا من التقرير ملعوبا فيها)) ـ فقد خضعت لرقابة حذفت أجزاء كبيرة منها، وكان التفسير الذى قدمه الوفد الأمريكى أن ((النظام العراقى فى إحساسه ((بالحقد والغِل)) إزاء ما فرضه عليه مجلس الأمن، قصد إلى تضمين ((تقريره)) تفاصيل دقيقة عن الوسائل التى جرى بها تصنيع أسلحته الكيماوية والبيولوچية (وكذلك عن محاولاته النووية فى مرحلة سابقة) ـ وكان النظام العراقى (طبقا للتفسير الأمريكى) ـ خبيثا فى مقاصده بكثرة ما أورده من التفاصيل، فقد أراد فى الظاهر أن يثبت صدق استجابته، لكنه فى الباطن يضمر نية أخرى ـ هى العمل على توزيع ونشر تكنولوچيا تصنيع ((أسلحة الدمار الشامل))، بحيث تستفيد منها ((دول مارقة غيره)) أو ((جماعات إرهابية))، تجد الأسرار كلها مكشوفة أمامها وتحت تصرفها، وذلك كان ينبغى الحيلولة دونه (بأى ثمن)!
    ولكن الملحقين العسكريين لهذه الوفود فى واشنطن ما لبثوا أن أخطروا سفراء بلادهم لدى مجلس الأمن بأن ذلك لم يكن القصد الحقيقى من ((التلاعب بالتقرير)) العراقى، وإنما كان القصد إخفاء دور الشركات الأمريكية (وأهمها خمسة وعشرون شركة عملاقة) ـ هى التى باعت للعراق ما ساعده على بناء إمكانياته العسكرية، وضمنها ((أسلحة الدمار الشامل)) (أيام حربه على إيران)، والغريب أن عددا من مجالس إدارات هذه الشركات ضم رجالا من صُنَّاع السياسات الراهنة (أمثال ((ريتشارد تشينى))، و((دونالد رامسفيلد))، و((چيمس بيكر))، و((ريتشارد بيرل)) وعشرات من أعضاء مجلس سياسات الدفاع وغيرهم!).

    وكان هدف الرقابة الأمريكية على التقرير طمس هذه الحقيقة وإلا أضعفت موقف ((الإدارة)) فى مجلس الأمن، إذ يسهل على وفود الدول ـ حينئذ ـ أن تقف فى وجه الوفد الأمريكى، وتذكره بأن ما لدى النظام العراقى جاءه بالدرجة الأولى من شركات أمريكية، وهذه الشركات هى التى قامت على توريد المواد والمعدات وعلى تركيبها وتجهيزها، وبالتالى فإن واشنطن لابد أن تعرف كل الحقائق والتفاصيل بما فى ذلك: مواقع السلاح العراقى ومخابئه، وتستطيع أن تدل عليها فريق المفتشين دون عناء وبغير انتظار.
    وبالفعل فإن أجواء الشك فى مجلس الأمن تكاثفت.

    ومن منظور رئاسة هيئة الأركان المشتركة للقوات الأمريكية فإن ذلك من أوله إلى آخره ـ لم يكن تمهيدا كفؤا يساعد على إقامة تحالف دولى واسع يخوض الحرب على العراق.
    وزادت الهواجس عندما تلقت رئاسة الأركان المشتركة توجيها بتوقيع الرئيس ((بوش)) (يوم 21 ديسمبر) ((يطلب فيه تمركز خمسين ألف جندى أمريكى فى منطقة الخليج الفارسى)).
    وتلا ذلك (يوم 2 يناير 2003) قرار من وزير الدفاع ((دونالد رامسفيلد)) بالبدء فى تحريك مجموعات من هذه القوات (35 ألف جندى) فعلا إلى مناطق الحشد فى الكويت (وفى الوقت نفسه أعلنت الحكومة البريطانية رسميا ((استدعاء 1500 جندى من الاحتياط إلى الخدمة، وتحريك مجموعة عمل عسكرية تقودها حاملة الطائرات ((أرك رويال))، تصحبها المجموعة التابعة لها والمكونة من سبع عشرة قطعة بحرية ـ وأن تتوجه القوة ـ برية وبحرية ـ إلى منطقة الخليج حاملة ثلاثة آلاف من جنود البحرية)).

    وفى اليوم ذاته وقف ((هانز بليكس)) ومعه ((محمد البرادعى)) (رئيس هيئة الطاقة النووية) ـ يقدمان تقريرهما إلى مجلس الأمن، وكان ختام ما قاله كبير المفتشين:
    ((لقد مضـت علينا الآن فى العراق عـدة أسـابيع، وقد مسـحنا مناطق شاسعة فى ذلك البلد، لكننا حتى هذه اللحظة لم نعثر على سلاح الجريمة ((Smoking Gun))، وتقديرنا أن فرق التفتيش تحتاج إلى وقت إضافى لإنجاز مهمتها))، ثم قام الدكتور ((البرادعى)) بعد ((بليكس)) يقول: ((إننا نحتاج إلى ستة شهور حتى نتأكد من الحقائق فى شأن المهمة التى كلفنا بها بعين الأمر)).

    وفى تلك اللحظة دخل على الخط فى واشنطن طرف آخر لا يُستهان بنفوذه، لأنه من عناصر أجهزة المخابرات (وكالة المخابرات المركزية ـ ووكالة الأمن القومى) ـ وراحت هذه العناصر تهمس فى لجان الكونجرس، وفى بعض مؤسسات الإعلام بما مؤداه ((أن وزير الدفاع يتلاعب فى المعلومات التى تقدمها له الأجهزة المعنية، وهدفه إيجاد مبررات الحرب على العراق)).
    ومرة أخرى فإن هذه العناصر من أجهزة المخابرات لم تكن معنية بأمر العراق أو شعبه، وإنما كانت خشيتها على سمعتها المهنية، وهى ترى التشويه يتعمد تزييف تقاريرها بما يسيء إليها إذا انكشفت الحقائق، وهو ما كانت هذه العناصر تراه قادما دون أدنى شك بسبب ((هشاشة)) التفكير والتدبير، (ولعل هذه العناصر كانت مهمومة كذلك بما تراه من تجاهل دورها فى القرار الأمريكى الجارى، وتحسبه خطرا على مستقبل منطقة حساسة كانت من قبل حكرا على أجهزة العمل السرى، ثم استولى عليها وزير الدفاع وضمها إلى اختصاصه!))).

    ووصل الأمر إلى حد أن واحدا من رؤساء أجهزة المخابرات قال للصحفى البارز ((نيكولاس كريستوف)) الذى نقل عنه (فى نيويورك تيمس) ((أن وزير الدفاع تحول إلى غوريلا متوحشة تخيف المؤسسات المؤهلة لجمع المعلومات وتدقيقها سياسيا وعسكريا، وأن تفاقم نفوذ مكتب الوزير (رامسفيلد) زاد عن اللازم ـ حتى أصبح خطرا على عملية صنع القرار الأمريكى بأسرها)).
    ومن الظاهر أن عددا من أجهزة المخابرات ضاق صدرها بالسيادة التى وضعها وزير الدفاع على مجال المعلومات ـ كبساط مفروش من الحائط للحائط! ـ وذلك (فى تقديرها) وضع خطير.

    والمُلاحظ أن عددا من عناصر هذه الأجهزة راحت تلوم ((چورچ تنيت)) (مدير وكالة المخابرات المركزية)، وتصفه بأنه ((رجل باع روحه للإدارة حتى يحتفظ بمنصبه))، مع أنه كان يملك فرصة استعادة نفوذه كاملا بعد صدمة 11 سبتمبر (2001)، التى كشفت غفلة وكالته.
    ثم يشير هؤلاء اللائمون إلى توصيات قدمتها لجنة خاصة رأسها ((برنت سكوكروفت)) (مستشار الأمن القومى فى إدارة ((چورچ بوش)) الأب)، وهذه اللجنة كُلِّفَت بالبحث فى ضرورات التنسيق بين هيئات المخابرات المختلفة، وجاءت توصياتها مشددة على أهمية ((تركيز وتسييل)) تدفق المعلومات عن طريق وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكان ذلك منطقيا، وكذلك كان فى صالح ((چورچ تنيت)) شخصيا، لكن الرجل لم يبذل أى جهد فى إقناع أحد باعتماد توصيات لجنة ((سكوكروفت))، وبدلا من ذلك فإنه ((ألقى نفسه عاريا فى أحضان ((دونالد رامسفيلد))))!

    وكان شاهد ارتماء ((تنيت)) فى أحضان ((رامسفيلد)) ملابسات تحقيق له حساسية خاصة قام به السفير ((چوزيف ويلسون)) بطلب من وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكانت وراء التحقيق قصة مثيرة، فقد حدث مبكرا (سنة 2001) أن معلومات وردت من مصادر متعددة (بريطانية ـ إيطالية ـ عربية ـ إسرائيلية!!) عن مسـعى يقـوم به العـراق فى جمهورية النيجر الأفريقية لشراء صفقة (ثلاثمائة طن) من اليورانيوم 235، وهو ((الكعكة الصفراء)) ((Yellow Cake)) التى تُصنع منها الأسلحة النووية، وزاد أن بعضهم أبرز صورة خطاب رسمى من أحد وزراء حكومة النيجر يتحدث عن صفقة اليورانيوم بغير لَبْس، واهتمت الإدارة الأمريكية بالمعلومات، واختار ((چورچ تنيت)) واحدا من أكثر خبرائه اتصالا بالشئون الأفريقية (وسبق له العمل سفيرا فى عدد من بلدانها)، وأمره أن يذهب بنفسه إلى ((النيجر)) (2002) ويعود بالخبر اليقين.

    كان الرجل المكلف بالمهمة هو ((چوزيف ويلسون)) الذى شغل إلى وقت قريب منصب السفير الأمريكى فى الجابون، وبالفعل فإن ((ويلسون)) ذهب إلى النيجر وراح يتقصى ويبحث وخرج بعد شهرين بأن القصة كلها ملفقة، وأن الخطاب المُشار إليه بتوقيع أحد الوزراء مزور، بل إن ذلك الوزير المنسوب إليه توقيع الخطاب الرسمى لم يكن يشغل أى منصب فى التاريخ الذى ورد أعلى الخطاب!
    ....................
    ....................
    [وفى الغالب فإن الخطاب كان من صُنْع عصابات ((من الهواة)) احترفوا تزييف الوثائق بطرق بدائية فى بعض الأحيان، وهم يجدون زبائن مستعدين لدفع الثمن، وبعضهم يجهل ـ وبعضهم يعلم! ـ أن ما يشتريه ((مطبوخ))!].
    ....................
    ....................
    وقد كشف السفير ((ويلسون)) هذا الخطاب من أول أسبوع قضاه فى ((نيامى)) (عاصمة النيجر)، ولكنه مع ذلك مضى يستوثق ويستوفى، وأكثر من ذلك فإنه عندما كتب إلى رئيس المخابرات المركزية عن نتائج مهمته، أضاف: ((إنه بحث ((المسألة)) مع سفيرة الولايات المتحدة الحالية فى ((نيامى))، وأنها قالت له (بنص ما نقل عنها) ((إننا سمعنا كلاما كثيرا عن مساعٍ بذلها العراق للحصول على يورانيوم 235، وقد تابع خبراء السفارة هذا الموضوع، وهم يتابعونه بتكليف دائم لأن اليورانيوم فى النيجر ليس مسألة هينة، لكنهم جميعا لم يعثروا على أى دليل، بل إن ما عثروا عليه ينفى نفيا قاطعا محاولة العراق من الأصل شراء يورانيوم من هنا)).

    وقالت السفيرة ـ أيضا ـ وفق ما نقل عنها المبعوث الخاص للمخابرات المركزية، ((إن هذه السفارة كتبت إلى واشنطن عشرات المرات عن هذا الموضوع، لكنه يبدو أنهم فى واشنطن لا يصدقون إلا ما يريدون تصديقه ـ وهذا أمر غريب!)).
    وبرغم ذلك فإن حكاية ((يورانيوم النيجر)) ظلت حجة مستعملة فى واشنطن إلى درجة أن الرئيس ((بوش)) خصص لها فقرة خاصة ومستقلة فى خطابه عن حالة الاتحاد الذى ألقاه أمام الكونجرس فى أواخر شهر يناير 2003، وفى اليوم التالى لإلقاء هذا الخطاب أصيب السفير ((چوزيف ويلسون)) بنوع من ((الصدمة)) (وفق تعبيره)، واتصل بچورچ تنيت مدير المخابرات المركزية يلفت نظره إلى ((أنه لا يليق أن تظهر فى خطاب حالة الاتحاد وعلى لسان الرئيس وأمام الكونجرس وعلى مسمع من الشعب الأمريكى والعالم ـ معلومات أثبت خبراء الولايات المتحدة نفسها أنها غير صحيحة)). وكان رد ((تنيت)) عليه ((بأن لا يشغل نفسه لأن الإدارة تعرف ما تفعل!)).

    ولم يكن صحيحا أن الإدارة تعرف ما تفعل، وإذا كانت تعرفه فإنها أخطأت فى تقديراتها، فقد حدث فى هذه الفترة أن وكالة الطاقة النووية الدولية سمعت عن حكاية ((يورانيوم النيجر))، وظنت الوكالة أن ((الحكاية)) تدخل فى اختصاصها، وقد يكون وراءها تلميح مقصود إلى تقصير وقعت فيه وهى المسئولة عن ((الانتشار النووى))، وهكذا استطاعت الحصول على صورة من خطاب وزير ((النيجر)) الذى يشير إلى ((الكعكة الصفراء)) المرعبة ومحاولة ((العراق)) شراءها، ولم يمض أسبوع واحد حتى كان الدكتور ((محمد البرادعى)) يكتب إلى السكرتير العام للأمم المتحدة يبلغه ((أن ذلك الخطاب على وجه التأكيد مزور))، ثم يرص قائمة الأسباب فى بيان التزوير.
    ومع ذلك فإن الإدارة الأمريكية (((دونالد رامسفيلد)) ـ مؤيدا بنائب الرئيس ((ديك تشينى))) صممت على أن الخطاب مازال يمكن اعتباره دليلا دامغا يبرر غزو العراق، لأن الحكومة البريطانية أبلغتها أن لديها ما يعززه!

    والأغرب من ذلك أن مكتب ((ريتشارد تشينى)) تلقى من مكتب مدير المخابرات المركزية الأمريكية ((چورچ تنيت)) نسخة من نتائج مهمة ((ويلسون))، وهى قاطعة على أن الموضوع من أوله إلى آخره ملفَّق، ومع ذلك فإن ((تشينى)) أصر على اعتماد الخطاب، بل وأصر أكثر على أن تقبل المخابرات المركزية بعدم مناقضة استعماله علنا، خصوصا ((عندما يستعمله الرئيس فى أى من أحاديثه العامة)).
    ومارس ((تشينى)) فى ذلك ضغطا على وكالة المخابرات المركزية إلى درجة أنه قام بزيارة مقرها فى ((لانجلى)) (ضاحية واشنطن) لبحث الموضوع مع مديرها ـ ثلاث مرات فى ظرف عشرة أيام.

    وفيما بعد وحين انكشف الموضوع بكافة تفاصيله، واضطرت الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف بالخطأ ـ فإن الرئيس ((بوش)) لم يجد مهربا غير أن يعلن ((أن رئيس المخابرات المركزية اطلع على نص خطابه عن حالة الاتحاد وفيه الفقرة الخاصة بالكعكة الصفراء ـ وأقره)).
    ورضى ((چورچ تنيت)) أن يقوم بدور كبش الفداء بعدما أخطره ((تشينى)) أن أركان الإدارة ارتأوا ـ حفاظا على مصداقية الرئيس ـ ((أن يضعوا المسئولية عليه (((تنيت)))، وقَبِلَ الرجل على نفسه وعلى وكالته أن يصبح كبش فداء للبيت الأبيض، ناسيا أن القضية أكبر من ذلك لأنها قضية ثقة ومصداقية (ووقع تجديد مدة خدمته رغم أنه من بقايا تعيينات إدارة ((كلينتون))).
    ......................
    ......................
    وكانت رئاسة أركان الحرب المشتركة تتابع ذلك، وقد تحولت هواجسها إلى مخاوف لها دواعيها!
    ......................
    ......................
    [وفيما بعد وحينما صدرت عن البيت الأبيض اعتذارات تعددت مستوياتها عن استعمال معلومات ((غير مؤكدة)) فى خطاب الرئيس عن حالة الاتحاد، فإن ذلك لم يكن مطمئنا، لأن من يعتذر مرة ـ يستطيع أن يعتذر مرة ثانية، لكنه حين يُقْتَل جندى أو ضابط، فإن حياته لن تعود مرة أخرى بكلمة أو كلمات!].

    رابعـا: قطار وقضبان ومحطة!
    بعد أن ألقى الرئيس ((چورچ بوش)) خطابه عن حالة الاتحاد (29 يناير 2003) ـ لم يبق لأحد فى رئاسة أركان الحرب المشتركة سببا يدعوه للشك فى أن الحرب على ((العراق)) قادمة دون تأخير، فقد كان الخطاب فى صُلبه ـ درجة من الأمر الإنذارى إلى القوات المسلحة الأمريكية بأنه الضوء البرتقـالى، وأنه سـوف يتغير إلى الأحمر فى أى لحظة ـ أمرا فوريا ببدء التنفيذ!

    وكان ملفتا ـ أن الرئيس فى خطابه قرر أن المعلومات المتاحة لدى الأجهزة المختصة فى الولايات المتحدة تبين أن أسلحة الدمار الشامل العراقية على اختلاف أنواعها ((جاهزة للتشغيل فى ظرف 45 دقيقة بأمر يصدر من ((صدام حسين))، الذى هو ((أخطر رجل فى العالم)) لأنه يهدد الجميع، وبالتالى فإن مثول الخطر على هذا النحو يعطى الآخرين حق المبادرة دفاعا عن النفس بالردع قبل أن يداهمهم عدوهم!)).
    ومع أن الرئيس (فيما يظهر) حاول توقى اعتراض من يعرفون الحقيقة، ونسب المعلومات إلى الحكومة البريطانية ـ فإن تلك لم تكن رغبة فى التزام الصدق وإنما فى التشويش عليه.

    وترافق مع ذلك شعور من التبرم والشكوى من أن هناك تلاعبا فى معلومات المخابرات، بمعنى أن ((معلومات المخابرات)) عندما يجرى تداولها بين أجهزة صنع القرار، أو إعلانها رسميا ـ كليا أو جزئيا ـ يتحتم أن تكون صادقة، بصرف النظر عن طريقة استغلالها السياسى أو العسكرى، لكن الذى يحدث الآن هو أن التقارير نفسها يجرى التلاعب بها وتغيير طبيعتها، وهو الأمر الذى لا يجوز السماح به.

    وكان جوهر المشكلة أن رئاسة الأركان المشتركة حتى هذه الساعة لم تكن مقتنعة بالهدف المطلوب منها تحقيقه، وحدث فى ذلك الوقت أن وزير الدفاع ((رامسفيلد)) قال فى برنامج إخبارى ظهر فيه على شاشة وكالة الأخبار الأهلية ((N.B.C)) إن قطار الحرب بدأ رحلته على القضبان فعلا ولم يعد ممكنا إيقافه))، وسأله الصحفى الذى يحاوره وهو ((تيم راذرز)) ((ولكن هل نحن واثقون أن ذلك القطار الذى يمشى على القضبان هو بالضبط ذلك القطار الذى يصل بنا إلى المحطة التى نريد الوصول إليها؟)). ـ ورد ((رامسفيلد)) باقتضاب: ((أظن ذلك!)).

    والشاهد أن رئاسة الأركان المشتركة (وكذلك قيادة المنطقة المركزية المكلفة بالعمليات المقبلة فى العراق) ـ ساورها قلق شديد تعددت أسبابه:
    بينها مظاهر الفوضى السائدة فى مجلس الأمن، والتى تبدى من خلالها أن حـلف الأطلنطى نفسـه لم يعد توافقا سياسيا بين أطرافه، وإنما أصبح فجأة خلافا علنيا أمام العالم صورة وصوتا.

    وكان افتراق الطرق فى مجلس الأمن أن غالبية أعضائه رأت إفساح مدة ـ أو مدد إضافية ـ لفريق التفتيش يؤدى مهمته فى العراق ـ لكن الولايات المتحدة قطعت بالرفض، وفى حين أن غالبية من المجلس أبدت اقتناعها بضرورة أن لا تتحرك القوة المسلحة قبل قرار من المجلس يعطيها إشارة الحرب ـ إلا أن الرئيس ((بوش)) بنفسه ((بادر وأعلن أن الولايات المتحدة لن تنتظر ولن تقيد نفسها بقرار جديد من المجلس يبيح لها حرية العمل العسكرى)).
    وكان أن حكومة المستشار ((جيرهارد شرودر)) أعلنت رسميا ((أنه حتى إذا صدر من مجلس الأمن قرار يبيح للولايات المتحدة حرية استخدام السلاح، فإن ((ألمانيا)) لن تشارك فى أى عمل عسكرى فى العراق)).

    وبينها ـ أسباب القلق ـ أن المظاهرات الشعبية التى جرت فى واشنطن ونيويورك وعواصـم غربية عديدة ـ اشـتدت إلى درجـة دعت الچـنرال ((ريتشارد مايرز)) إلى القول فى اجتماع رسمى فى ((البنتاجون)) ((إن رسم الحرف ((V)) يتراءى له فى الظلام عندما يغمض عينيـه، و((V)) هو الحـرف الأول من ((فيتنام))!
    وبينها أن كل ما يدور فى مجالس الحرب لا يدل بوضوح على وجود خطوط إستراتيچية عُليا، وإنما يدل على ((أحوال طوارئ تتحول إلى خطط حرب لها بداية ولا يظهر لها سياق يؤدى خطوة بعد خطوة إلى نتائج واضحة تمثل مطلبا متكاملا للقوة الأمريكية!)).


    «كارلوتشي»: «لابد من تغيير النظام في العراق بالسلاح، وبعده في «إيران»، و«سوريا» ـ وبعدهما في «السعودية» و«مصـر»

    وبينها أن اجتماعات مجلس سياسات الدفاع راحت تسمع أقوالا مرسلة يصعب اعتبارها إستراتيچية عُليا، ومن ذلك ما ذكره ((فرانك كارلوتشى)) وهو من أبرز أعضاء المجلس ومن المقربين بشدة إلى وزير الدفاع ((رامسفيلد)) ((أن الذين يسألون عما إذا كانت لدينا إستراتيچية عُليا يصح لهم أن يعرفوا أن لدينا إستراتيچية عُليا، وأن هذه الحرب القادمة خطوة على طريقها)). ثم يستطرد ((كارلوتشى)) (وفقا لتقرير صدر فيما بعد عن مجلس العلاقات الخارجية فى نيويورك) ((لدينا إستراتيچية عُليا غاية فى البساطة، نحن نريد فى المنطقة نظما موالية لنا، لا تقاوم إرادتنا، ثم إننا نريد ثروات هذه المنطقة بغير منازع، ونريد ضمانا نهائيا لأمن إسرائيل لأنها الصديق الوحيد الذى يمكننا الاعتماد عليه فى هذه المنطقة!)).
    ثم يستطرد ((كارلوتشى)) قائلا: ((لابد من تغيير النظام فى العراق بالسلاح، وبعده فى ((إيران))، و((سوريا)) ـ وبعدهما فى ((السعودية)) و((مصر))، وفى الغالب فإن ذلك ممكن بغير استعمال السلاح، والواقع أن هـذه كلها نظما محسوبة علينا وهى تحملنا أعباء مكلفة بغير فائدة!)).

    ولم يكن فى ذلك كله ما يمكن وصفه بأنه إستراتيچية عُليا لا لأمريكا ولا لعالم يهتم ويتابع مفزوعا بما يرى!
    وأخيرا وصلت رئاسة الأركان المشتركة ـ راضية أو غير راضية ـ إلى أن:
    * الحرب قادمة بلا محالة فى العراق.
    * وهى حرب سوف تخوضها الولايات المتحدة وحدها.
    * ثم إن القوات المرصودة للعمليات غير كافية (وهذا موضوع يعنيها أكثر من غيرهـا، وليسـت فيـه تلك السيادة المطلقة للقرار السياسى بحكم الدستور!).

    وفى تلك اللحظات المضطربة راج فى ((واشنطن)) ـ على غير انتظار اقتراح بدا نغمة شاذة وسط دقات طبول الحرب العالية (ولعل مقصده الحقيقى كان الرغبة فى طمأنة القيادات العسكرية) ـ وقد ورد ذكر الاقتراح لأول مرة (يوم 19 يناير 2003) ـ على لسان ((دونالد رامسفيلد)) ـ حين قال بالنص: ((إن الولايات المتحدة على استعداد لأن تمنح الرئيس ((صدام حسين)) حصانة من أى مساءلة سياسية أو قانونية، إذا قرر الخروج مع أسرته ومن يريد من أعوانه وأسرهم إلى خارج ((العراق))، وفى هذه الحالة فإن الولايات المتحدة على استعداد لأن توفر لهم ملجأً كريمًا، وحياة سخية، وراحة موفورة!)).
    وأضاف ((رامسفيلد)) ((إننا من أجل تجنب مآسى الحـرب، رأيـنا أن نتقـدم بهذا الاقتراح ونأمل أن يقبله ((صدام))، ويجنب بلاده والعالم خطر عمليات عسكرية لسنا متحمسين لها إلا بمقدار ضـرورتها للدفـاع عن أنفسـنا وعن العالم الحر)).
    وبدا الاقتراح مثيرا للدهشة وسط إلحاح الإدارة الأمريكية على امتلاك العراق أسلحة دمار شامل (فيها أسلحة نووية) ـ واستعداد النظام الحاكم فى ((بغداد)) لاستعمالها فى ظرف خمس وأربعين دقيقة ـ وبأمر من رئيس يوصف بأنه أخطر رجل فى العالم، وأفدح تهديد يواجه أمريكا نفسها وكذلك أوروبا (فضلا عن المنطقة التى يعيش فيها).
    .....................
    .....................
    [والمتوافر من المعلومات كما هو محقق منها (حتى هذه اللحظة) ـ أن ذلك الاقتراح لم يكن مجرد بالون اختبار، وإنما كان إشارة على الأفق وراءها شيء ـ وكان هناك بالفعل شيء يجرى فى العاصمة التركية فى وقت ما من أواخر شهر يناير 2003.
    كانت ((أنقرة)) فى مرات كثيرة ـ وعلى نحو يكاد أن يكون منظما ـ ملتقى اتصالات سرية بين أجهزة الإدارة الأمريكية وبين أجهزة النظام فى ((بغداد))، عندما يكون لدى أحد من الطرفين ـ برغم كل شيء ـ رسالة يرغب فى تمريرها بطريقة ((موثوقة)) إلى الطرف الآخر.
    وفى الواقع فإن هذه الاتصالات لم تنقطع قط، وإن تغير مكانها مرات:
    ـ كانت بداية هذا النوع من الاتصالات فى القاهرة (لكنْ الطرفان كلاهما اتفق رأيهما على أن القاهرة لا تكتم السر ـ ولذا يستحسن تجنبها ـ وقد كان!).
    ـ وفى مرحلة ثانية جرى هذا النوع من الاتصالات فى ((لندن)) ـ لكن ((لندن)) كانت مزدحمة بفصائل المعارضة العراقية، (والطرفان لا يريدان عيونا وأرصادا ـ وبالفعل تحولوا).
    ـ وأخيرا وقع اختيار الطرفين على العاصمة التركية، وبدت أحوال ((تركيا)) أكفأ فى حفظ السر من القاهرة، وأنجح فى توفير فرص الخفاء من ((لندن)).
    وفى شهر يناير وصلت ((رسالة)) من واشنطن باقتراح لقاء فى ((أنقرة)) أواخر يناير (2003).
    وكانت الرسالة فى الواقع نص ذلك الخطاب الذى ألقاه الرئيس ((بوش)) عن حالة الاتحاد، وفيه التصميم على غزو العراق، وكان الجديد الذى زاد، تعليق على نص الخطاب يلفت نظر القيادة العراقية ((إلى أنها لا تملك حقا فى الشك أو فرصة له ـ لأن ذلك بالفعل هو ((عزم الرئيس))، والولايات المتحدة تملك ((الوسائل القادرة عليه)).

    وتلى ذلك عرض اقتراح ((خروج الرئيس صدام حسين)) وعائلته وأعوانه إلى ملجأ آمن تتوافر لهم فيه كل ضمانات القانون ووسائل الحياة كريمة وموفورة.
    وكان المندوب الأمريكى فى هذا الاجتماع مسئولا بارزا فى وكالة المخابرات المركزية، وقد صحبه هذه المرة ((رجل ثان)) من الأمن القومى للبيت الأبيض، ومن الواضح أن الأتراك كانوا يعرفونه جيدا، وقد أوصوا بحسن الاستماع إليه والاهتمام بما يقول جديا ـ إلى أبعد مدى (ولم يكن الأتراك بعيدين، ففى لقاءات من هذا النوع يكون مرغوبا فيه باستمرار أن تكون ((أجهزة)) البلد المضيف على علم ـ وربما على مقربة ـ ولو من باب تجنب أن تتعقد الأمور بحرص أجهزة المضيف على معرفة ما يقوله ضيوفها داخل بيتها).

    وفى ذلك الاجتماع ختم المندوب الأمريكى عرضه للافتتاح (وكان قاطعا) بما معناه ((أنه يتفهم حاجة ((الطرف الآخر)) إلى مهلة يعود فيها إلى ((بغداد)) ويعود برد ((عاقل ومعقول)) .
    وعندما عاد المندوب العراقى فإن الرد الذى حمله معه كان فيه ما يستوقف النظر، فقد ورد فيه ((أنه مع الاحتفاظ بكافة الحقوق القانونية والشرعية ـ معززة بالأمر الواقع فى ((بغداد)) الآن)) ـ فإن لدى ((الطرف العراقى)) سؤال مؤداه: ((هل هم مستعدون للتعامل مع ((قصى صدام حسين)) ـ إذا تنازل له والده عن الرئاسة؟، وهل تعترف ((واشنطن)) به فى هذه الحالة وتتعامل معه على أساس جديد فى علاقات البلدين)).

    ((وطبقا لمصدر تركى (لا مجال للشك فى حسن اطلاعه) ـ فإن المندوب الأمريكى أبدى ((استعداده لنقل الاقتراح ((إليهم)) فى واشنطن، وإن لم يكن واثقا من جوابهم))، وفيما بعد وفى مناقشة بين الأمريكيين والأتراك ـ جرى بحث بالعمق فى مدلول الرسالة التى نقلها المندوب العراقى من ((بغداد))، وهل تعنى ضمنا ـ بل وصراحة ـ أن مبدأ خروج ((صدام حسين)) من السلطة (ولو لصالح ابنه قصى) مقبول الآن من جانبه، بعد أن رأى الخطر المحدق ولم يعد لديه شك فى أنها النهاية؟!)).
    ....................
    ....................
    [ولابد من إشارة هنا إلى أن هذه الاتصالات تسرب شيء عنها إلى دوائر ((الحزب)) و((الحكم)) فى بغداد، وفيما يظهر فقد كان لها أثرها على عدد من ساسة النظام الكبار، وكان بين هؤلاء من أحسوا بضغط الأزمة وقدروا عواقبها الوخيمة.
    ولعل بينهم من رأى النهاية تقترب ـ كما أن بعضهم راح يعانى من أزمات ضمائر حائرة وولاءات متضاربة بين النظام والوطن ـ وبين العام والخاص (العائلى أيضا)].
    ......................
    ......................
    [وفيما بعد وحين كانت التقارير ترد ساعات سقوط ((بغداد)) ـ عن صفقات وخيانات وعمليات حرب ـ فقد كان باديا أن ذلك كله يحتاج إلى ((غربال))، وأن المحنة أشد تعقيدا من الصفقات والخيانات، والشاهد أن بعض الذين تناولتهم شائعات الصفقات والخيانات موجودون الآن فى سجون الاحتلال الأمريكى تحت ظروف بالغة القسوة والإهانة ـ ومع ذلك فإنه من الصعب ـ واقعيا ـ استبعاد وقوع اتصالات بين بعض المسئولين فى الحكم والجيش (والحرس الجمهورى) ـ مع عناصر خارج العراق، خصوصا بصلات قرب (عائلية وعشائرية) مع ساسة وضباط عراقيين فى المنفي].
    ......................
    ......................
    والمهم ـ فى السياق الأصلى ـ أنه لم تكد تمضى أيام حتى تحركت الحكومة التركية ورئيسها فى ذلك الوقت ((عبد الله جول)) تعرض على دول الجوار العراقي: الأردن والسعودية وسوريا وإيران ـ ومعها مصر باعتبارها مقر جامعة الدول العربية ـ اقتراحا بعقد مؤتمر فى ((إستانبول)) لبحث أمر يتصل بأمن المنطقة وينقذها من شر مستطير. وكان جدول الأعمال التركى المعروض هو نفسه اقتراح ((رامسفيلد))، أى ((ترتيب خروج ((صدام حسين)) من العراق ومعه عائلته وكبار معاونيه وعائلاتهم ومعهم حصانة قانونية وسياسية وإمكانيات مادية تكفل لهم رغد العيش والأمن مدى الحياة)).

    ولم يقدر للمسعى التركى أن يبلغ غايته لأن عددا من الدول العربية ـ بينها مصر ـ تصورت ((أنه إذا كان الأمر كذلك، فالأولى أن تتم إجراءاته عربيا، لأن عروبته قد تمنحه فرصة قبول أكبر من جانب الرئيس العراقى، والشعب العراقى أيضا.
    وكان ذلك أساس العرض الذى تقدمت به دولة الإمارات العربية المتحدة أثناء مؤتمر على مستوى القمة فى شرم الشيخ (أول مارس 2003).
    ......................
    ......................
    [وكان العرب طوال تصاعد أزمة غزو العراق بدون سياسة لها شكل ـ أو لها مضمون، وربما أن شهادة ((مارتن إنديك)) (رئيس قسم الشرق الأوسط فى وزارة الخارجية الأمريكية، وسفير الولايات المتحدة بعد ذلك فى إسرائيل) ـ تكشف ((حال)) السياسة العربية، فقد قال ((مارتن إنديك)) وكتب أنه أثناء ضربات الصواريخ التى جرى توجيهها على العراق بمقتضى حملة ((ثعلب الصحراء)) بإذن من الرئيس ((كلينتون)) (سنة 1998) ـ أنه حضر اجتماعا لبحث ضربات الصواريخ على العراق: وهل تستمر أكثر أو تتوقف الآن ـ وفجأة قال ((كلينتون)):
    ((إننى حائر فى شأن هؤلاء العرب!)).
    إذا ضربنا العراق ـ غضب الرأى العام العربى، وصاح فى وجوهنا لماذا تضربون شعب العراق؟!
    وإذا أوقفنا الضرب ـ غضب الحكام العرب، وهمسوا فى آذاننا لماذا ـ إنكم بذلك تقوون مركز ((صدام))!
    ولعل الأمور لم تكن مختلفة سنة 2003، عما كانت عليه قبل خمس سنوات (1998 ـ أيام ((كلينتون))) ـ وربما أن اقتراح خروج ((صدام حسين)) ومن معه من ((بغداد)) جاء إنقاذا للحد الأدنى من وجود ـ مجرد وجود ـ سياسة عربية، فإذا خرج ((صدام حسين)) من العراق ـ فالنتيجة مرضية للساسة العرب وغير العرب، وإذا لم يخرج فهو المسئول ـ والساسة العرب بُرَّاء من دمه!].
    .....................
    .....................
    ويستحق النظر أن اقتراح الإمارات الذى قدم إلى مؤتمر القمة العربية جرت صياغته فى ((أنقرة))، وشارك فى الصياغة ((خليل زالماى))، وهو مندوب وزارة الدفاع الأمريكية لدى المعارضة العراقية (وقبلها لدى الحكومة الأفغانية ـ قبل وبعد سقوط نظام طالبان) ـ والغريب أن هذا الاقتراح وصل لوفد الإمارات إلى القمة العربية، وهذا الوفد على وشك الصعود إلى الطائرة متجها إلى ((شرم الشيخ)).

    وأثناء الاجتماع الصباحى للقمة جرى توزيع نسخة من ذلك الاقتراح، لكن التباسا نشأ لأن أحدا لم يطلب إدراجه رسميا على جدول الأعمال، وبالتالى تعقدت الإجراءات، وعندما وصلت نسخة من الاقتراح إلى الوفد العراقى (وكان يتزعمه السيد ((عزة إبراهيم))) ـ توجه أحد أعضائه إلى حيث يقف مسئول من الإمارات يبلغه إنذارا ((بأنه سوف يجرى تقطيعكم إربا إربا)) إذا ((تجاسرتم)) على طلب إدراج هذا الاقتراح على جدول الأعمال، وبُهِتَ الرجل وكان قصارى ما استطاع أن يرد به ((أنه لم يَطَّلِع على هذا الاقتراح إلا الآن ـ وفى هذه الجلسة!)).

    والشاهد أنه كان يمكن لاقتراح دولة الإمارات العربية المتحدة أن يلقى فرصة معقولة لو أنه استكمل نفسه بضمان تعلن فيه الولايات المتحدة الأمريكية أن قواتها لن تدخل العراق مقابل إعلان ((صدام حسين)) قبوله بالعرض الأمريكى (التركى ـ العربى) ـ ((لأنه يريد تجنيب شعب العراق مصائب حرب مدمرة تودى بما بقى من اقتصاده ومرافقه)) ـ لكن الذى حدث أن ((رامسفيلد)) نفسه صَرَّح أثناء انعقاد القمة العربية بأن خروج ((صدام حسين)) ومن معه لا يعنى العدول عن دخول الجيوش الأمريكية إلى العراق واحتلال أراضيه، ولم يبق لاقتراح من هذا النوع ((معنى))، لأن مؤداه عمليا: خروج ((صدام حسين)) ومن معه من العراق، ودخول القوات الأمريكية إليه ((بسلام))، ووضعه بالكامل تحت السيطرة دون طلقة واحدة، وذلك بموافقة عربية على مستوى القمة!
    .....................
    .....................

    الأوطان المؤسسة للنظام العـربي ثلاثة بالتحديد: هي مصر وسوريا والعراق، ومعني احتلال أمريكا للعراق أن المثلث المؤسس للنظام العربي فَقـَد أحد أضلاعه الرئيسية وانفك تماسكه

    [ومن المفارقات أنه فى تلك الظروف تبدى كرم الأغنياء العرب فى التلويح بالمبالغ التى يمكن أن يدفعوها لصدام حسين ومن معه إذا خرجوا، لكن أحدا لم يحاول أن يناقش مستقبل العراق ـ وما إذا كان العرب مستعدين لتطوير اقتراح الخروج وتكليف الجامعة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة فى مساعدة الشعب العراقى، دون حاجة إلى احتلال أمريكى لواحد من الأوطان العربية المؤسسة للنظام العربى (بصرف النظر عن نوعية الحكم المسيطر عليه فى لحظة عابرة من لحظات تاريخ طويل)، مع ملاحظة أن الأوطان المؤسسة للنظام العربى ثلاثة بالتحديد: هى مصر وسوريا والعراق، ومعنى احتلال أمريكا للعراق أن المثلث المؤسس للنظام العربى فَقَدَ أحد أضلاعه الرئيسية وانفك تماسكه، (مع اعتبار أن الأوطان أهم من النظم الحاكمة، فالأوطان (على نحو ما) أشبه ما تكون بحاملات الطائرات العملاقة، وأما النظم فمجرد ((حمولات)) يتصادف وجودها على السطح لحظة عابرة، وليس مهما أن تُصاب إحدى الطائرات بالعطب، وإنما الكارثة أن تغرق الحاملة!)].
    .....................
    .....................
    [وعلى أى حال فإن النظام فى العراق أعرض عن اقتراح الخروج (ولعله لم يكن جادا فى سماعه من الأصل أو أنه غَيَّر رأيه بعد تطورات الظروف) ـ ذلك أنه حين توجه ((ييفچينى بريماكوف)) رئيس وزراء الاتحاد السوفيتى الأسبق إلى ((بغداد)) ـ سرا لمقابلة ((صدام حسين)) وإعادة طرح الاقتراح عليه بتكليف من الرئيس ((فلاديمير بوتين)) ـ فإن ((صدام حسين)) (وفق رواية ((بريماكوف)) نفسه) لم يقض معه غير ربع ساعة، قال له فى بدايتها أنه ((استقبله كصديق قديم)) ـ ثم لم يكد ((بريماكوف)) يبدأ حتى قاطعه ((صدام حسين)) ـ إذ هَمَّ واقفا قائلا له: ((إننى سمعت منك اقتراحا مماثلا سنة 1991 ورفضته، ومنذ ذلك الوقت حتى الآن مرت اثنتا عشرة سنة وأنا مازلت هنا والآن تعود لى باقتراح مماثل!)).
    وقبل أن يخرج ((بريماكوف)) سأله ((صدام حسين)) ((هل لديكم تأكيد بأن الأمريكان لن يحتلوا العراق إذا أنا استمعت إلى كلامك؟)) ـ ولم يتوقف ((صدام حسين)) لكى يسمع الرد!].
    ....................
    ....................
    وفى سياق التطورات فإن هذه المحاولات بدت أمام رئاسة الأركان المشتركة جهودا ((مقبولة)) تبذلها الإدارة حتى تستجيب لهواجس العسكريين وتُحَسِّبَهُم من استخدام القوات المسلحة الأمريكية فى عمليات ((سياسة)) ليست وراءها ضرورات إستراتيچية عُليا.
    وكان الملاحظ أن الإدارة مضت خطوات أبعد على طريق طمأنة قواتها المسلحة:
    ـ منها أنه عندما عاد ((هانز بليكس)) إلى مجلس الأمن (يوم 28 يناير) يطلب منح فريقه مدة إضافية لاستكمال عمليات التفتيش قائلا ((إنه يلقى استجابة فى الإجراءات من جانب العراق، وسوف يطلب استجابة أكثر فى الموضوع)) ـ فإن الإدارة اشترطت لموافقتها على مهلة ثلاثة أسابيع إضافية ـ أن تعلن الحكومة العراقية فتح أجوائها بالكامل أمام طائرات الاستطلاع من طراز ((يو 2)) لتمسح وتصور وتتابع كل حركة على الأرض، وانصاع النظام العراقى، وكذلك فإنه فى اللحظات الحاسمة كان العراق أرضا مفتوحة بالكامل ـ طول الوقت ـ للكاميرات الأمريكية تجوب سماءه دون قيود.

    وكانت الصور تذهب إلى رئاسة الأركان تؤكد ـ بالزيادة ـ أن أرض المعركة مُباحة، وأن الدخول العسكرى للجيوش الأمريكية لا يواجه احتمالا غير محسوب!
    ـ وعندما توقفت هيئة التفتيش الدولى أمام ما يملكه العراق من صواريخ صمود (2)، واعتبرت أن مداها يتعدى الحد المسموح به بمقتضى اتفاق وقف إطلاق النار (سنة 1991) ـ فإن النظام فى العراق اضطر ـ بعد جدل لم يطل ـ إلى البدء فى تدمير نظام الصواريخ الوحيد الباقى لديه، وتدخلت الولايات المتحدة الأمريكية لمنع تصوير عملية التدمير (حتى لا ينشأ انطباع لدى الرأى العام الدولى بأن النظام فى العراق يستجيب ويتعاون ويتخلص بنفسه مما بقى لديه، حتى لو لم يكن مخالفا للمتفق عليه والمسموح به).

    ومع ذلك فإن فريق تصوير أمريكيا (تابع لهيئة المفتشين) تولى المهمة، وفى اليوم التالى كانت الصور تتساقط من منشورات أمريكية موجهة إلى الضباط العراقيين، ضمن حملة حرب أعصاب موجهة إليهم تنبههم إلى أنه يجرى تجريدهم من ((أهم أسلحتهم)) قبل بدء القتال.
    ويظهر أن ((رامسفيلد)) كان مغرما باستعمال الصور، ففى أحد اجتماعاته مع هيئة الأركان (وطبقا لرواية الچنرال ((تشيمسكى)) قائد القوات البرية) ـ أخرج من ملف أمامه صورا لاجتماع عسكرى عقده الرئيس ((صدام حسين)) مع قادة القوات المسلحة العراقية وقادة الحرس الجمهورى (خلال شهر فبراير 2003)، وسأل ـ وهو يشير إلى جلوس نجلى ((صدام)) (عُدى وقصى) حول المائدة مع القادة العسكريين ـ وسأل ((رامسفيلد)): ((أريدكم أن تفكروا لحظة فيما يمكن أن يشعر به أى ضابط عراقى يشارك فى مثل هذا الاجتماع أو يرى صورته على تليفزيون ((بغداد)) أو جرائدها! ـ هل يمكن له فى أعماقه أن يواصل اعتقاده بأنه يدافع عن وطن أو أنه سوف يفتح عينيه ويكتشف أنه حامٍ لعائلة؟ ـ أضاف ((رامسفيلد)) ((إننا سألنا بعض من نعرف من الضباط العراقيين اللاجئين هنا وفى بريطانيا ـ عن رأيهم فى تأثير مثل هذه الصورة على معنويات الضباط؟ ـ وكان رأيهم بغير استثناء أنه ((تأثير مدمر))، يفقد القوات إرادة الحرب واستعداد التضحية بالنفس!)).
    وكان قطار الحرب يجرى على القضبان بأقصى سرعة!

    خامسـا: منحنى على الطريق التركى!
    على غير انتظار، وفى الوقت الذى بدأ فيه قطار الحرب يتحرك على قضبانه، وتزداد معدلات سرعته يوما بعد يوم ـ ظهر منحنى على الطريق فى الشمال ـ التركى.
    كان المقدر وفق الخطة أن الفرقة الرابعة الميكانيكية سوف تدخل إلى شمال العراق من ((تركيا)) ـ وكان باديا أن ((تركيا)) لا تمانع، بل على العكس تحبذ، خصوصا إذا كان هناك مقابل ـ وكان المتصور أن المقابل مساعدات مادية: مالية وعسكرية يسهل الاتفاق عليها مهما اشتدت
    لمساومات ـ لكنه مع تقدم المفاوضات بدأت الريب تداخل بعض الأطراف فى أن المقابل المادى الذى يطلبه الأتراك ليس مالا وليس سلاحا، وإنما شيئا آخر مضمرا فى النوايا أكثر مما هو مُعْلَن على الموائد، وكانت جماعات الأكراد العراقيين هى التى بادرت وألحَّت، ورأيها أن الأتراك يسعون إلى أهداف إقليمية وإستراتيچية، ويرون الفرصة سانحة لتحقيقها:
    1 ـ يريد الأتراك تصفية بقايا حزب العمال الكردى (التركى) التى لجأت إلى المناطق الكردية العراقية، على اعتبار أن حركتهم المنادية بنوع من الاستقلال الذاتى لأكراد تركيا ـ وهم ما بين 11 إلى 18 مليون كردى (أى أكبر مجموعة من الأكراد بين جميع بلدان المنطقة) ـ تهديد خطير لوحدة الوطن التركى نفسه تتعهد به المؤسسة العسكرية (وهى الأقرب فى علاقتها مع الأمريكيين)، باعتبارها المسئولة ـ بنص فى الدستور ـ عن وحدة وعلمانية ((الأمة التركية)) و((الوطن التركى))!
    2 ـ وفى سبيل تحقيق هذا العهد فإن السلطة التركية لديها العزم على تصفية الدويلات الكردية التى قامت بالأمر الواقع فى شمال العراق بعد حرب سنة 1991، واحدة برئاسة السيد ((مسعود البرزانى))، والثانية برئاسة السيد ((جلال الطالبانى))، ومن وجهة نظر تركية فإن هذه الدويلات ((نماذج سيئة)) أمام أكراد تركيا وخصوصـا أن أكـراد العـراق يعتبرون أكراد تركيا ((عمقا إنسانيا وتاريخيا)) لهم بمقدار ما يعتبر أكراد تركيا الشيء نفسه بالنسبة لأكراد العراق، وفى رأى قادة الجيش التركى أن الحرب الآن ((فرصة سانحة)) لوضع الأمور فى نصابها على الجانب الآخر من الحدود التركية.
    3 ـ وفى النهاية فإن الأتراك يحلمون بمنطقة ((الموصل))، وفى خيالهم أنها جزء من ((تركيا)) فُصل عنها (بمعاهدة ((مونترو)) سنة 1923)، وكان الفصل تعسفيا فرضه الإنجليز عندما استقروا فى العراق وأنشـأوا فيه مملكـة هاشمية مواليـة لهم، ومعنى ذلك أنه إذا دخل الجيش التركى إلى شـمال العـراق، فإنه لـن يخرج سواء بالدعاوى التاريخيـة القديمة (الباقية من إرث الخلافة العثمانية) ـ أو بعلة حماية الأقليات التركمانية هناك، وهى مرتبطة بالدم مع الوطن التركى.

    وعندما بدا أن المفاوضات مع تركيا تتلكأ دونما سبب مقنع، قصد ((كولين باول)) (وزير الخارجية الأمريكية) إلى ((أنقرة)) يظن أن مسئولية التأخير تقع على حكـومة ((طـيب رجـب أردغـان)) (ذات التوجه الإسلامى) ـ لكنه فوجئ هناك بأن التأخير الحقيقى ـ موقف چنرالات ((أنقرة)) (مجلس الأمن الوطنى)، وكان اعتماد الولايات المتحدة دائما عليهم.
    واكتشف ((باول)) أيضا أن التأخير لا يرجع إلى خلاف حقيقى حول دواعى غزو العراق أو المساعدات المطلوبة من الأتراك ـ وإنما يرجع لشيء أو أشياء أخرى ـ نوايا وأحـلام تراود سادة البوسفور!

    وفى هذه اللحظة المحفوفة بالشكوك حول النوايا، ألقى زعماء الأكراد العراقيين ورقتهم الأخيرة والحاسمة، ومؤداها ببساطة:
    ((أنه إذا دخل الجيش التركى إلى شمال العراق شريكا فى المعركة ضد نظام ((صدام حسين)) ـ فإن مقاتلى الأكراد من الجماعتين (البرزانى والطالبانى) سوف يتصدون بالسلاح للجيش التركى، باعتباره الخطر الداهم ـ وليس الجيش العراقى.
    فالجيش العراقى بالنسبة لهم ((خطر الأمس الذى انتهى)) ـ وأما الجيش التركى فهو ((خطر اليوم الذى يوشك أن يطلع صبحه))، وبالتالى فإن على الولايات المتحدة أن تختار.
    وكان الاختيار المتاح للإدارة الأمريكية:
    * مع الأكراد (وهم ملء شمال العراق فعلا حتى ضواحى ((كركوك))).
    * أو مع الأتراك واحتمال تصدى الأكراد لهم، وبالتالى فهى معركة إضافية فى الشـمال العـراقى بحرب داخل الحرب (وضد الهدف الأمريكى فى كل الأحوال).
    وفى ذلك الوقت كانت الفرقة الرابعة الميكانيكية الأمريكية قد وصلت بالفعل إلى قرب الموانئ التركية المطلة على شواطئ البحر الأبيض ـ تنتظر إذنا بالنزول إلى البر، والانتقال عبر الأراضى التركية إلى شمال العراق، ودخول ((الموصل)).
    ومع حقيقة أن شمال العراق ((جاهز)) كرديا لاستقبال قوات أمريكية محمولة جوا إلى أرض مؤمنة وصديقة، ومع الشك فى النوايا التركية المضمرة ـ فإن الخيار مع صعوبته ـ فرض نفسه على السياسة الأمريكية.
    وكذلك وجدت هيئة أركان الحرب المشتركة نفسها فى اللحظة الأخيرة أمام توجيه إستراتيچى يغير خطة الغزو على نحو لم يكن منتظرا، بل إنه يثقل عليها بخلل إستراتيچى أساسى!
    وهـنا وقع ما يسـميه عدد من الخبراء الأمريكيين (بينهم ((أنتونى كوردسمان)) نصف تمرد عسكرى فى أمريكا ((Mini Mutiny))).
    وكان التمرد محصورا، لكنه وفقا لكل الشهادات ـ كان مثيرا.
    ووفقا لشهادة نائب رئيس الأركان المشتركة الچنرال ((كين))، فقد تبودلت بين الأطراف عبارات حادة.
    قال ((رامسفيلد)) (موجها كلامه دون تحديد لشخص بالذات): ((أنتم مازلتم مصرين على أن تحاربوا المعركة التى ((تعرفونها)) من قبل، وأنا أريدكم أن تحاربوا المعركة المستجدة الآن ـ على الأرض!
    وقال الچنرال ((ماير)) رئيس الأركان: ((إن هناك إجابة مطلوبة عن سؤال: هل نخترع علما جديدا للحرب فى مناخ معركة ـ أو نحارب بالعلم المستقر مُضافا إليه ما استفدناه من التجربة؟)).
    ويضيف رئيس الأركان: هذا سؤال لابد من رد واضح عليه.

    كانت الخطة العسكرية الأمريكية لغزو العراق تعتمد على ما أسماه خبراء ((البنتاجون)) ((الصخرة والثعبان)).
    - ((الصخرة)): ضربة تنقض من الشمال، فرقتان من الجيش الأمريكى ومعهما فرقتان من الجيش التركى، إلى جانب مجموعات (ما بين 15 إلى 20 ألفا من قوات ((البشمرجة)) الأكراد، وهذه الصخرة تتدحرج من مرتفعات ((كركوك))، ثم تطبق على ((بغداد)).
    - ((والثعبان)): عملية تزحف من الجنوب، وبدايتها أن تبدأ قوة المهام الخاصة البريطانية (ثلاثة ألوية) بالتقدم فى اتجاه البصرة على شكل قوس، يطوق الفرقة العراقية المدرعة (الواحدة والخمسين)، ويزيحها إلى الشرق ـ محصورة بين الحدود الإيرانية ومدينة البصرة.
    وفى الوقت نفسه تقوم المجموعة الأمريكية رقم 70 (لواءين)، واللواء الخامس المدرع ـ بالزحف على شكل قوس أيضا يعزل قوات ((منطقة غرب الفرات)) العسكرية العراقية، ونتيجة ذلك ينفتح فى ظهر القوسين طريق سالك إلى وسط العراق وقلبه.
    ولحظتها يتحرك ((الثعبان)) نفسه وهو ثلاث فرق تتقدمها فرقة المشاة الأمريكية الثالثة ـ وهذه القوة تنطلق من الجنوب (الكويت)، وتمضى مسرعة مباشرة إلى ((بغداد))، وهى فى زحفها الخاطف نحو العاصمة العراقية تتجنب المدن الرئيسية فى جنوب العراق، وتتلوى فى طريقها (كالثعبان)، على أن تعود فيما بعد إلى تطهير أية مقاومة تبقى فى مدن مثل ((البصرة)) و((النجف)) و((كربلاء)) و((الرمادى)) و((الحِلة)) وغيرها.

    والتقدير أن انقضاض ((الصخرة)) على ((بغداد)) من الشمال ـ ووصول رأس الثعبان من الجنوب إلى نفس الهدف ـ يشل تفكير القيادة العراقية التى تُفاجأ بوصول قوات الغزو إلى مشارف وضواحى العاصمة.
    - وكان أهم تفصيل فى المفاجأة التكتيكية للعمليات العسكرية ـ ((أنه لن تكون هناك حملة جوية طويلة تمهد لقوات الغزو (وهو ما كانت تتوقعه القيادة العراقية على أساس تجربتها السابقة فى حرب تحرير الكويت، حين تواصل الضرب الجوى أكثر من أربعين يوما، وكذلك على أساس ما رأته هذه القيادة (العراقية) فعلا فى حرب أفغانستان التى استمر التمهيد الجوى قبل نزول القوات البرية على الأرض مدة مماثلة)).
    أى أن المفاجأة ضربة صدمة ورعب، وبالتوافق معها اقتحام للأرض العراقية فى اندفاعة لا تتوقف ـ حتى وإن تلوت على طريق الجنوب ـ حتى العاصمة العراقية، وكذلك تنقض ((الصخرة)) ـ ويزحف ((الثعبان)).

    وفى هذه اللحظة المتأخرة ـ النصف الثانى من فبراير ـ وجدت هيئة الأركان المشتركة نفسها أمام تغيير جوهرى فى بنيان الخطة:
    ـ ((الصخرة)) لن تنقض من الشمال على الأقل بالقوة التى كانت مقدرة ـ وأول الأسباب أن ((تركيا)) ليست هناك!
    ـ ومعنى ذلك أن ((الثعبان)) سوف يكون وحده يتلوى فى جنوب العراق مكشوفا من أجنابه لمدن كان التقدير تجاوزها ـ لكنها الآن يمكن أن تتحول إلى ((أشواك)) حادة تجرح ـ على الأقل ـ جسم الثعبان وهو بالطبيعة أملس وناعم!
    وكان أول ما خطر لهيئة الأركان المشتركة أن ذلك ((المنحنى على الطريق التركى)) يفرض تأجيل ((ساعة الصفر)) حتى تصل الفرقة الميكانيكية الرابعة من البحر الأبيض عبر قناة السويس إلى الخليج العربى، وتتخذ مواقعها الهجومية هناك مع بقية القوات ـ أى تغذية ((ثعبان الجنوب)) لكى يؤدى مهمته باعتبارها ((المجهود الرئيسى فى الحرب))، مع غيبة ((صخرة الشمال)) النازلة على ((بغداد)).


    عندما لاحظ «رامسفيلد» أن «القادة» لم يقتنعوا بمنطقه، ثار غضبه وقال ما مؤداه: «إنني أحاول أن أطرح عليكم «قضية الحرب في زمن المعلومات» ـ لكنكم لا تفهمون غير القديم الذي تعودتم عليه!

    ورفض وزير الدفاع ((دونالد رامسفيلد)) طلب التأجيل، ووقعت فى مكتبه مواجهات حادة ـ انضم إليها من ((الدوحة)) الچنرال ((تومى فرانكس))، الذى ظهر ميله هو الآخر للتأجيل فى انتظار وصول الفرقة الرابعة على الأقل ـ أى أن القيادة المركزية على أرض المعركة تضامنت مع هيئة أركان الحرب المشتركة فى واشنطن ـ لكن ((رامسفيلد)) صمم على رأيه عارضا:
    - أن التأجيل لا مبرر له لأنه لا توجد مقاومة حقيقية يُخشى خطرها من جانب الجيش العراقى أو الحرس الجمهورى (فكلاهما ـ فى رأيه ـ فقد إرادة القتال!).
    - أن المدن التى يجرى تجنبها يمكن تدبير أمرها بالضرب الجوى المكثف عليها.
    - أن أى تأخير ـ الآن ـ يؤدى إلى وهن يصيب معنويات ((عناصر)) متصلة بالمعارضة العراقية صبرت طويلا وعملت فى السر ـ إلى جانب عناصر أخرى ((غامرت واتصلت فى اللحظة الأخيرة))، والخشية أنها ساعات ويكشف النظام أمرها، وبالتالى يصب عليها نار غضبه وانتقامه!
    - أن أى تأخير سوف يفتح فجوات على جبهة مجلس الأمن والرأى العام العالمى، إلى جانب أن حالة التعبئة النفسية والسياسية قاربت ذروتها، بصرف النظر عن كل أصوات الاحتجاج، فإذا طال انتظار العمليات عن هذا الحد ـ تعرضت الولايات المتحدة ((لتطاول على إرادتها)) مارسه كثيرون ولا داعى لتشجيعهم أكثر على التزيد فيه!
    ـ أن بقاء موعد الخطة كما هو (بدون تأجيل) يضيف إلى ((المفاجأة التكتيكية))، ذلك أن القيادة العراقية وهى تتابع ما يجرى على ((المنحنى التركى)) سوف تتصور ـ وتتصرف ـ على أساس أن العمليات مؤجلة على الأقل إلى حين وصول الفرقة الرابعة إلى الكويت، فإذا خابت توقعات العراقيين ـ عانوا من خلل نفسى مُضاعَف!

    وعندما لاحظ ((رامسفيلد)) أن ((القادة)) لم يقتنعوا بمنطقه، ثار غضبه (وفق رواية أحد المشاركين) ـ وقال للچنرالات ما مؤداه:
    ((إننى أحاول منذ عُدت إلى البنتاجون أن أطرح عليكم ((قضية الحرب فى زمن المعلومات)) ـ لكنكم لا تفهمون غير القديم الذى تعودتم عليه. إن فكرة ((الثعبان)) لم تدخل عقولكم، وأنتم تريدون الانتظار حتى يتضخم ((الثعبان)) ويتحول إلى ((تمساح)) له أنياب ضخمة ـ لكنه بطيء الحركة إلى درجة تسمح لفريسته أن تهرب من فكه!)).

    واضطر البيت الأبيض إلى الدخول مباشرة لفض الاشتباك بين وزير الدفاع وهيئة أركان الحرب المشتركة، وكان وسيط الرئيس إلى ساحة ((التمرد المحدود)) ـ ((ريتشارد تشينى))، فهو إلى جانب كونه نائبا للرئيس ـ رجل يعرف المؤسسة العسكرية الأمريكية عن قرب من زمن توليه منصب وزير الدفاع أثناء حرب تحرير الكويت.
    .....................
    .....................
    [وليس فى مقدور أحد أن يزعم معرفته بالمقترحات التى عرضت لتخفيف حدة التوتر، ولا بالأجواء التى سادت الاجتماعات والمناقشات، بل إن المحاولات جرت لنفى ((وقوع التمرد من الأصل))، وإيحاء إلى من تحدثوا عنه بأنهم بالغوا فى تقدير حجمه، على أنه كان ظاهرا أن ((تشينى)) ساعد فى طمأنة رؤساء الأركان بزيادة فى استخدام قوة النيران بأكثر مما كان مقترحا بمقتضى مشروع الخطة الأصلى (وكانت تلك إضافة ترتبت عليها نتائج فيما بعد)].
    .....................
    .....................
    ففى الخطة الأصلية كانت الضربة الأولى ((صدمة ورعبا)) ليوم واحد، وبعدها تكون العمليات الجوية متوازية مع التحركات لا تزيد عليها، حتى يكون ضررها محصورا على الجيش العراقى والحرس الجمهورى من ناحية، وكذلك على بنية العراق الأساسية من ناحية أخرى.
    وكانت التقديرات المُصاحِبَة للخطة ترى أن وحدات من الجيش والحرس يمكن تحويل ولائهما بمنطق إنقاذ العراق من دمار لا لزوم له.
    وكانت التقديرات كذلك أن مرافق العراق لا يصح تدميرها، لأن القوات الأمريكية والإدارة فى العراق ـ بعد النصر ـ تحتاج إلى استعمالها ـ وليس معقولا أن تدمرها اليوم ثم تكتشف أنها تحتاجها غدا))!
    والآن كان ((تشينى)) لا يمـانع فى زيـادة عيار التدمير، مع تصاعد العمليات، حتى يحصـر خطر المقـاومة العراقية فى أضـيق نطاق ممكن (ولم يجر حساب ذلـك ـ سـياسـيا ـ بدقـة)!

    سـادسـا: ثم ماذا بعد الآن؟
    خلال النصف الأول من شهر مارس 2001 ـ زاد تخوف ((المجموعة الإمبراطورية الأمريكية)) من أن هناك تحولا فى الرأى العام العالمى تزيد به معارضة غزو العراق.
    فقد أظهر استطلاع للرأى العام ـ (أجرى يوم 29 فبراير وأذيعت نتائجه كاملة يوم 1 مارس، وقامت عليه جريدة ((الواشنطن بوست)) بالاشتراك مع قناة أ. بى. سى A.B.C وهى أكبر شركات التليفزيون الأمريكية) ـ ((أن 56% من الرأى العام الأمريكى تحبذ إعطاء فرصة مفتوحة لمفتشى الأمم المتحدة فى ((العراق))، يكملون مهمتهم ـ فى حين أن 39% فقط يؤيدون الرئيس ((بوش)) فى توجيه ضربة للعراق دون انتظار)).
    وفى الوقت نفسه كانت استطلاعات الرأى العام فى ((بريطانيا)) تكشف أن 52% ممن أعطوا أصواتهم فى استفتاء جرى على عينة حجمها خمسة آلاف بريطانى من الرجال والنساء (أجرتها مؤسسة ((هاريس)))، يعارضون غزو العراق مهما كانت الظروف.
    وحتى فى ((أستراليا)) كشفت الاستفتاءات أن 64% من الرأى العام تشترط لدخول الحرب ـ موافقة الأمم المتحدة بقرار لا اعتراض عليه فى مجلس الأمن.
    وأصبحت المجموعة الإمبراطورية فى واشنطن أكثر عصبية، بينما قطار الحرب يتحرك على القضبان ـ بطيئا وينتظر زيادة السرعة، وليس استعمال الكوابح ـ إلى حد التوقف!
    ووقع مشهد له دلالته فى مكتب الرئيس ((بوش)) فى البيت الأبيض، فقد كان الموعد المقرر لبدء خطة غزو العراق آخر ضوء من يوم 20 مارس (2003)، ومع ذلك فإن الرئيس ((بوش)) وَقَّع أمرا رئاسيا بقتل ((صدام حسين)) بضربة عاجلة، ولو أدى الأمر إلى استباق ساعة الصفر، وذلك على أساس معلومات قيل له: إن مصدرها الآن فى موقعه يتابع عن قرب تحركات ((صدام حسين)) داخل ((بغداد)).
    وقال الرئيس ((بوش)) وهو يُوَقِّع الأمر الرئاسى بالقتل المسبق:
    ((إن صاروخا واحدا ((يقتل)) هذا الرجل الآن، كفيل بأن يوفر حربا بأكملها! وعاد يؤكد لنفسه: ((أليس صحيحا أن طمأنة جيش كامل تساوى قتل رجل واحد؟!)).
    وكانت الملاحظة موحية.
    ولم تمض ساعات حتى كان ((تنيت)) يتصل على عجل بالبيت الأبيض، فهم يعرفون الآن بالضبط أين يوجد ((صدام حسين)).
    وأعطى ((چورچ بوش)) موافقته، وكذلك بدأت ضربة الحرب الافتتاحية قبل موعدها المقرر بأربع وعشرين ساعة، والأمـل أن يُقتل ((صـدام حسـين))، بحكمة أن ((قتل رجل واحد يطمئن جيشا كاملا))!

    والحقيقة أن هيئة أركان حرب القوات المسلحة الأمريكية لم تكن لديها شكوك من أى نوع فى نتيجة عمل عسكرى ضد العراق، فقد كانت الدفاعات العراقية أمامها واهية، وقلب العراق مفتوح، والطريق إلى ((بغداد)) مهما كان أو يكون سالكا، وأية مقاومة ((لحركة الثعبان)) محدودة، حتى لو تأخر مجيء الفرقة الرابعة القادمة بحرا من تركيا ـ ولم يكن الچنرال ((ريتشارد مايرز)) متواضعا حين قال لرامسفيلد: ((أنا أعرف أن ما نحن مُقبِلون عليه معركة بين طائرة من طراز ف 15، وطائرة من ((الورق)) (Kite) التى يلهو بها الأطفال، لكن ذلك ليس من شأنه أن ينسينا أننا سوف ننزل من أعالى الجو إلى تراب الأرض، (وفى الغالب فإن قيادة الأركان المشتركة لم تكن تريد خسائر فى أرواح جنودها يمكن توفيرها، علما بأن هناك جماعات غير نظامية (فدائيو صدام) تملك فرصة التعرض لأجناب طابور مندفع إلى أمام لا يلتفت يمينا أو يسارا!).

    والواقع أن الخشية الحقيقية للقيادة المشتركة كانت أوضاع ما بعد الغزو، لأن الصور والمعلومات والمتابعة تكشف ظاهر ما يجرى فوق الأرض، لكنها لا تعرف ما فيه الكفاية عن دخائل النظام وأجنحته ورجاله ـ ثم حقيقة المشاعر فى عقول وقلوب أهله، وفى كل الأحوال فإن رئاسة القوات المشتركة تقبلت حقيقة أن قطار الحرب مشى على القضبان، لكن هذه القيادة كانت تريد الوصول إلى ((بغداد)) ثم تنقل مسئولية ما بعد ذلك إلى غيرها، وفكرها أنه مادام ذلك ما طلبوه منها، فهى توفره لهم لكنها تترك البقية على عهدتهم!، والمنطق أن قواتها ((أداة حرب))، وليست ((أداة حفظ نظام)) ـ ووسيلة غزو وليست مهمة حفظ أمن.

    وفى رغبتها الجارفة للحسم العسكرى سريعا، فإن قيادة القوات استعملت رخصة كثافة النار بأكثر مما كان مقدرا فى الخطة الأصلية، وهكذا فإن ضربة الصدمة والرعب على ((بغداد)) تكررت ـ وزادت، وفى بعض الليالى كان الضرب الجوى مروعا فوق ((بغداد)) وحولها، وطبقا لتقرير هيئة عمليات القيادة المشتركة، فقد قامت الطائرات الأمريكية فوق ميادين الضرب بـ 40414 طلعة جوية، وأطلقت 84991 قذيفة مُوَجَّهة، إلى جانب 1529 قذيفة غير مُوَجَّهة، تغطى بالنار دوائر واسعة دون هدف بالذات، وكان ذلك مخيفا ـ وفى المحصلة فإن هذه الكثافة فى النيران لم تهدأ لتترك الفرصة لمن يريد أن يراجع أو يفكر أو يتصل سواء: من قادة الجيش والحرس الجمهورى، وبالتالى فإن غضب النار المنهمر من السماء لم يترك لأحد من الزعماء والقادة المحليين ـ (كالمرجعـيات الدينـية والقبائل والعشائر) ـ مجالا لأمل، فهذه النار غضب عدو ويصعب اعتبارها تحية صديق.
    .....................
    .....................
    [ومن الواضح الآن أن السياسة العراقية فى ((بغداد)) لم تكن تعرف ما فيه الكفاية عن معنويات قواتها (الجيش والحرس الجمهورى) ـ ولا عن المراجعات التى تزحم الآن مشاعرها وأعصابها وإرادتها، خصوصا وقد تفجرت الحقائق وبانت نتائجها المحتومة ـ وفى الغالب فإن القيادة العسكرية العراقية آثرت أن تتظاهر بتنفيذ ما لديها من أوامر (ولعلها آثرت أن تعفيها التطورات المتسارعة من حرج العِصيان المكشوف فى تلك الظروف)، وعلى الناحية الأخرى فإن السياسة فى ((بغداد)) بدت وكأنها لا تريد أن تطل على الحقائق وجها لوجه، والغالب أنه كان نوعا من ((القدرية)) تأمل فى معجزة لن تجيء.
    ووسط دخان أوهام معزولة عن الواقع ـ فوجئ الجميع بأن القوات الأمريكية فى مطار ((بغداد)) فعلا، وتبددت الأوهام].
    ...................
    ...................
    ثم لمعت شرارة فى أجواء ((بغداد)) (وغيرها من المدن الكبرى) ـ ذلك أن قوات الغزو العسكرى المتقدمة، فشلت فشلا ذريعا فى إدارة لحظة اللقاء الحرجة بين جيش غريب غازٍ وأصحاب وطن ينتظرونه بحذر على الأقل! وفى العادة فإن لحظة لقاء الغرباء، وبينهم قوى وضعيف، وغالب ومغلوب ـ لحظة شديدة الحساسية، وإذا فلت عيارها فإن الانطباعات والتشوهات التى تُوَلَّد منها تعيش طويلا مهما تنوعت عقاقير علاجها.
    ولعل القيادة المركزية أحست بأن اللحظة أفلتت، وكذلك كان قول الچنرال ((فرانكس)): ((إن قواتى كانت تشكيلات محاربة، واجبها البحث عن العدو وقتله، وليس الابتسام فى وجهه وأخذه بالأحضان)).
    وكان الچنرال ((فرانكس)) محقا، وكانت المسئولية واقعة بالكامل على نقص الأداء السياسى للخطة حين انتهاء القتال.

    ومع ذلك فإن ((المجموعة الإمبراطورية فى واشنطن)) ـ ظهر لديها الميل إلى تغطية قصورها فى التخطيط السياسى لما بعد الحرب ـ بتوجيه المسئولية إلى غيرها من الذين لم يستطيعوا التفريق بين مهام القتال ـ ومسئوليات الاحتلال.
    ولم تمض أيام على الاحتلال حتى كانت قوات الغزو فى موقف يسمح لها برؤية الحقائق كاملة، مكشوفة على الأرض، وأول الحقائق أن جميع الذرائع القانونية والأخلاقية التى دفعت بها ((إلى هنا)) غير صحيحة، بل إن القائلين بها كانوا أول من يعرف أنها كذلك (غير صحيحة):
    ـ ليست هناك أسلحة دمار شامل (نووية أو كيماوية أو بيولوچية).
    ـ ليست للنظام الذى سقط فى العراق إمكانية من أى نوع لتهديد الولايات المتحدة (أو أوروبا أو جيرانه) فى ظرف 45 دقيقة!.
    ـ ليست للنظام العراقى صلة بتنظيم القاعدة (وبالتالى بما جرى يوم 11 سبتمبر 2001).
    ـ وأسوأ من ذلك فإن الشعب العراقى لا يبدو سعيدا بهذه القوات التى جاءت لكى تحرره.
    وعلى نحو ما فإن القوات المسلحة ورئاسة أركان الحرب المشتركة ـ بدت ضيقة الصدر فى تعاملاتها مع كل الأطراف.
    ـ تشعر من ناحية أن السياسة فى ((واشنطن)) لم توفر لها الغطاء (الأخلاقى والقانونى) الذى يحفظ لها ((قيمة وكرامة العلم الوطنى)).
    ـ وتشعر أن المجموعة الإمبراطورية تأخرت فى إيجاد بديل يأخذ عن عاتق القوات عبء القيام ((بدور بوليس محلى)) فى العراق، ثم إن هذه المجموعة تخبطت فى خياراتها من عسكرى سابق مثل الچنرال ((چاى جاردنر)) ـ إلى موظف دبلوماسى مثل ((بول بريمر)) ـ إلى عرض ((المهمة)) على سياسى عجوز مخضرم مثل ((چيمس بيكر)).
    ـ وتشعر أن الرأى العام فى الولايات المتحدة ـ وفى العالم ـ لم تعد فيه حماسة للمهمة التى قامت بها والتى تزداد تكاليفها ـ ولا تقل بعد أول يوم ـ وذلك يضايق ولعله يجرح!
    ـ وتشعر أخيرا ـ وهذا هو الأمر المزعج ـ أن الشعب العراقى ليس راضيا وليس حامدا، بل إنه ساخط وناقم على الكل بغير استثناء.
    وفى هذه الأجواء اتخذت قرارات عصيبة ومتسرعة:
    - جرى حل الجيش العراقى ووزارة الداخلية، والخارجية، والإعلام، مع ظن بأنه من الأفضل إعادة الخلق من جديد.
    - ولم تكن مصفحات القوات الأمريكية تملك ـ ولا كان ذلك واجبا ـ كفاءة مراعاة التضاريس التاريخية والدينية والاجتماعية والنفسية للشعب العراقى، وكذلك وقعت أخطاء مهولة.

    والغريب أن الإمبراطورية الأمريكية عند ذروة علوها ـ تصرفت بثقافة تجربتها الأولى مع الهنود الحُمر بعد أن تمكنت من قتل ((عُدى)) و((قصى)) نجلى الرئيس العراقى السابق، وتصرفت كما كان يفعل قواد جماعات المهاجرين الزاحفين إلى قلب القارة الأمريكية فى القرن الثامن عشر ـ أى أن قوات الإمبراطورية الأمريكية أوائل القرن الحادى والعشرين أرادت أن تثبت للهنود الحُمر على الناحية الأخرى من النهر أن الزعيم الكبير قتل، وها هى جثته على ظهر حصانه تعود إليهم ليروا بأنفسهم ويتحققوا!
    وتكرر المشهد بعد قرون، لأن الموروث الثقافى لديه فرصة الكمون حتى تستدعيه المستجدات، فإذا هو يعيد نفسه على المثال الذى تشكل به ابتداءً.

    وعلى نحو ما فقد تبدى حرص شديد فى ((واشنطن)) على احتواء كل الشكوك، وعلى كتمان توترات وتقلصات عاشتها العاصمة الأمريكية بين السياسيين والعسكريين.
    وظهرت أسئلة لعلها تعثر على إجابات فى المستقبل:
    ـ لماذا ترك قائد القوات البرية الچنرال ((تشيمسكى)) منصبه ولم يجدد مدة خدمته كما عُرض عليه؟
    ـ ولماذا اعتذر قائد القيادة المركزية الچنرال ((تومى فرانكس)) عن قبول منصب وزير الجيش الذى عرضه عليه ((دونالد رامسفيلد)) وزير الدفاع (الذى يعاونه ثلاثة من الوزراء: للجيش والبحرية والطيران)؟
    ـ ولماذا صمم ((فرانكس)) على الاعتزال دون أن ينتظر لكى يسبح وسط أضواء النصر بعد غزو العراق؟
    ـ ولماذا عهد بالقيادات الميدانية الكبرى إلى چنرالات ينحدرون من أقليات عرقية هاجرت عائلاتهم أخيرا إلى الولايات المتحدة: مثل الچنرال ((ريكاردو سانشيز)) الذى عُين قائدا لقوات الاحتلال فى العراق (وهو من أسرة مهاجرة من أمريكا اللاتينية) ـ والچنرال ((چون أبو زيد)) (وهو من أسرة مهاجرة من لبنان) الذى عُين قائدا للقيادة المركزية الأمريكية ـ بينما المعروف أن عِماد قيادة القوات المشتركة باستمرار يقوم بها العناصر التقليدية ذات الأصول الأوروبية (الواضحة).
    ولماذا؟ ـ ولماذا؟ ـ ولماذا؟!
    ومن الواضح فى واشنطن أن المستقبل يلزمه ـ من وجهة نظر هيئة الأركان المشتركة ـ كلام كثير وكلام جديد!
    وكذلك تواجه الإمبراطورية الأمريكية ـ أواخر سنة 2003 ـ لحظة شديدة الحساسية والأهمية، وذلك منطق الأشياء طالما أن القوات المسلحة أصبحت وسيلة المشروع الإمبراطورى وعليها مسئوليته!



    محمد حسنين هيكل
    أكتوبر 2003
     

مشاركة هذه الصفحة