حرب أكتوبر ... ماذا حدث فيها وماذا حدث بعدها! محمد حسنين هيكل

الكاتب : fas   المشاهدات : 575   الردود : 0    ‏2004-04-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-11
  1. fas

    fas قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2004-01-23
    المشاركات:
    3,537
    الإعجاب :
    0
    مقدمة
    هذه المجموعة من الأحاديث لها عندى منزلة خاصة، فلقد كانت مفترق الطرق بين الرئيس المصرى السابق «أنور السادات» ـ يرحمه الله ـ وبينى..
    كانت آخر ما كتبت ونشرت فى الأهرام فى الفترة ما بين 5 أكتوبر 1973 وحتى أول فبراير 1974.
    أى أنها سبقت بدء عمليات حرب أكتوبر بيوم واحد، ثم توقفت بعد إتمام الاتفاق المبدئى على فك الارتباط الأول بأسبوع واحد.
    مسافة أربعة شهور كانت حاسمة وفاصلة فى تأثيرها ـ ليس فقط على مستوى تاريخ الشعب المصرى وأمته العربية ـ ولكن أيضًا على المستوى الشخصى والمهنى.
    ***

    قبل كتابة ونشر هذه المجموعة من الأحاديث ـ كنت قريبًا من قمة السلطة فى مصر، وبعد كتابتها ونشرها أصبحت مبعدًا عنها ومقصيًا ـ ،رضيت.
    وقبل كتابة ونشر هذه المجموعة من الأحاديث ـ كنت أعيش وأكتب فى مصر، وبعد كتابتها ونشرها أصبحت أعيش فى مصر وأكتب خارجها ـ وقبلت.
    وأعترف أننى ـ أثناء الكتابة والنشر ـ تلقيت النصيحة تلو النصيحة بأن أتوقف ـ «وإلاّ!»
    ولم أكن على استعداد لتحمل مسئولية أن أتوقف، ولكنى كنت على استعداد لتحمل مسئولية: «وإلاّ».
    وتحملتها عن طيب خاطر، بل لعلى لا أتجاوز إذا قلت إننى تحملتها بشىء كثير من الرضا الداخلى والسلام مع النفس. كنت مقتنعًا بأن كل مشتغل بالشئون العامة تواجهه فى حياته لحظة يتحتم عليه فيها أن يقف ـ دون تردد أو تلعثم ـ ليجعل صوته مسموعًا ومفهومًا، ثم ليكن بعدها ما يكون!
    وبالنسبة لى فإن ظروف حرب أكتوبر والملابسات التى أحاطت بها فى فترة تلك الشهور الأربعة الحاسمة والفاصلة، وضعت أمامى ـ أو وضعتنى أمام ـ ما لا يجوز فيه التردد أو التلعثم ـ كذلك أحسست. وكان النداء غلابًا، وأطعت عارفًا مقدمًا بحجم التكاليف، وأولها: الخروج!


    كان «السادات» يراهن فى الضغط عليّ بأوراق ثلاث ظنها رابحة:الأولى: أننى لن«أطيق البعاد» عن لعبة السياسة العليا فى مصر، والثانية:أننى لن«أقدر على الفراق» مع الأهرام, والثالثة: أننى لن«أجد ما أعمله» إذا ابتعدت عن المهنة

    وكان الرئيس«السادات» يراهن فى الضغط عليّ بأوراق ثلاث ظنها رابحة:
     الورقة الأولى: أننى لن«أطيق البعاد» عن لعبة السياسة العليا فى مصر، وقد كانت أصابعى فيها لأكثر من عشرين عامًا، والقرب من لعبة السياسة العليا فى أى بلد فى العالم حالة يمكن أن تكون لها قوة الإدمان!

    • والورقة الثانية: أننى لن«أقدر على الفراق» مع الأهرام بعد أن وضعت فيه من سنوات عمرى ما وضعت ـ أكثر من ثمانية عشر عامًا هى الشباب كله، وما بعد الشباب!
     والورقة الثالثة : أننى لن«أجد ما أعمله» إذا ابتعدت. فالمهنة التى اخترتها لنفسى ـ الصحافة ـ أصبحت فى مصر ملكًا خالصًا لسلطة الدولة، فإذا أنا خرجت من أحد الأبواب فقد خرجت من كل الأبواب!

    وأشهد لـ «أنور السادات» أنه حاول أن يترك الباب نصف مفتوح بعد الخروج. فلقد كان قراره الأول المنشور فى كل الصحف صباح يوم 2 فبراير ـ أن أنتقل من الأهرام إلى قصر عابدين مستشارًا لرئيس الجمهورية. ولم أضع قدماى فى قصر عابدين. ولحظت موقفى فى تصريح نشرته صحيفة «الصنداي تيمس» فى عددها الصادر يوم 9 فبراير 1974، وقلت فى هذا التصريح:
    «أننى استعملت حقى فى التعبير عن رأيى. ثم إن الرئيس السادات استعمل سلطته».
    وسلطة الرئيس قد تخول له أن يقول لى: «اترك الأهرام» ـ ولكن هذه السلطة لا تخول له أن يحدد لى أين أذهب بعد ذلك. القرار الأول يملكه وحده.. والقرار الثانى أملكه وحدى!».

    وخرجت، ولم أعد بعدها، ولا أظننى أريد أن أعود.
    لم أعد ـ ولا أظننى أريد أن أعود إلى لعبة السياسة العليا وما فيها من قوة الإدمان، ثم إن تطورات الأحوال لم تترك لى مجالاً لمعاودة التفكير. لقد كنت مشدودًا إلى ما يجرى على الساحة حين كانت المنطقة «مسرحًا للتاريخ»... وحيت تحولت المنطقة إلى «مسرح العرائس» فقد وجدتنى أمام لون من الفنون له بالتأكيد جمهوره، ولكننى ـ ولو حتى بالسن والمزاج ـ لا أحسب نفسى فى عداد هذا الجمهور.

    ولم أعد ـ ولا أظننى أريد أن أعود إلى الصحافة ـ بما فيها الأهرام ـ رغم أن الرئيس «السادات» ـ بعد عروض أخرى بمناصب أكبر فى الدولة، بينها منصب مستشاره للأمن القومى ـ «كيسنجر بتاعى» على حد تعبيره بالنص ـ أو منصب نائب رئيس الوزراء ـ عاد فقال لى فى ربيع سنة 1975 «إننى أستطيع أن أعود إلى الصحافة إذا أحببت وفى أى مكان أريده، على شرط واحد وهو أن «ألتزم»!

    وكان ردى عليه يومها ـ نقلاً عن دفتر مذكراتى لتلك الفترة:
    ـ سيادة الرئيس، إننى لا أعرف ما هو بالضبط ما تطلب منى أن ألتزم به؟ ولا أتصور أنه فى مقدور أحد أن يلتزم خارج قناعاته، ولقد كتبت ما كنت مقتنعًا به وما اعتبرته جوهر التزامى، ولكنك غضبت.

    ثم إننى لا أظنك ترضى لى ـ وأنا بالقطع لا أرضى لنفسى ـ أن أخرج بقرار ثم أعود بقرار... قد أخرج بقرار ولكنى أظل صحفيًا بالمعنى الذى أفهمه، ولكنى إذا عدت بقرار فلن أعود صحفيًا بالمعنى الذى أفهمه».
    ثم قلت له:
    ـ إننى لست من الذين يستشهدون بـ «كارل ماركس» يعتبرون أقواله إنجيلاً مصدقًا، ومع ذلك فإننى من المعجبين بقول مأثور له مؤداه: إن التاريخ لا يكرر نفسه، وإذا فعل فإن المرة الأولى تكون دراما مؤثرة، وأما المرة الثانية فإنها تصبح ملهاة مضحكة.

    وأنا لا أريد أن أعود إلى الصحافة ظلاً باهتًا لما كنته ذات يوم. ذات يوم كنت فى الأهرام، وكنت أفكر وأكتب، وأقرر وأتحرك ـ دون أن ألتفت خلفى. وإذا رضيت بالعودة الآن فسوف أعود وفى وجدانى رواسب ما حدث. سوف أجدنى مترددًا فيما أفكر وأكتب، وسوف أجدنى مهمومًا بما وراء ظهرى أتلفت إليه محاولاً تأمين نفسى مما عساه يصل إليك عما أقول أو أفعل، وذلك شىء لا أريده، كما أنى لست فى حاجة إليه».

    ومن يومها ـ من يوم كتابة ونشر هذه المجموعة من الأحاديث فى تلك الفترة الحاسمة والفاصلة، رحت ـ مقيمًا دائمًا فى مصر ـ أكتب خارجها لصحف عربية وغربية رحبت كريمة بما أكتب، ولدور نشر دولية تفتحت أمامى أبوابها فى ظروف كان من حظى فيها أن تزايد اهتمام العالم بشئون الشرق الأوسط، وهكذا وجدت لى فى مكتبات هنا ـ من يومها وإلى الآن ـ ستة كتب والسابع فى الطريق!

    لا بد أن أقول إن أسبابًا للخلاف وقعت بين الرئيس «السادات» وبينى من قبل أن تجىء حرب أكتوبر والملابسات التى أحاطت بها فى تلك الشهور الأربعة الحاسمة والفاصلة، وقبل أن أكتب وأنشر تلك المجموعة من الأحاديث التى افترقت عندها الطرق.
    اختلفنا سنة 1971 فيما كان يقوله عن «سنة الحسم». وكتبت ونشرت آرائى دون إلحاح.

    واختلفنا سنة 1972 فى الطريقة التى أخرج بها السوفيات من مصر، وفى الطريقة التى عالج بها مشكلة ما أسماه بـ «الفتنة الطائفية»، وحاولت معه بقدر ما استطعت.
    واختلفنا سنة 1973 فى مواجهات اندفع إليها دون مبرر ـ من وجهة نظرى ـ مع شباب الجامعات، ألقى بهم فى السجون وقدمهم للمحاكمات، ومع جماعات من المثقفين والصحفيين نقلهم بجرة قلم إلى مصلحة الاستعلامات، والتزمت بموقفى وإن حاولت جاهدًا أن أتفادى ما يقترب من حد الاستفزاز.

    ولقد غضب عدة مرات وثار، واتهمنى بأننى أريد أن أفرض آرائى عليه، وأننى أتجاوز الخط الفاصل بين دور الصحفى وبين مسئولية الحاكم، وردد بعض ذلك فى خطب علنية. وحاولت مخلصًا أن أشرح له موقفى:
    «كان رأيى أن حرية الصحافة بالمعنى الحقيقى هى حرية مناقشة صنع القرار، العوامل المؤثرة عليه والمناخ المحيط به والنتائج التى يمكن أن تترتب بعدها».

    ولم يكن ذلك رأيه فى حرية الصحافة. كان القرار فى رأيه مسئولية الحاكم وحده، وكنت مستعدًا أن أوافقه فى ذلك عن معرفة بظروف العالم الثالث كله ومرحلة التطور التاريخى التى تمر بها بلدانه. ولكن مسئولية إصدار القرار شىء، وحق مناقشة هذا القرار وتقييمه وما يتصل به من مقدمات ونتائج شىء آخر!
    ولم يكن على استعداد لأن يقتنع. ومن جانبى فلقد كنت حريصًا على أن لا تصل الأمور إلى صدام.
    ***

    والحقيقة أنه كان من دوافعى لتجنب الصدام أننى تمنيت ـ ولعلى أردت ـ أن أظل قريبًا حتى تجىء معركة لإزالة آثار العدوان. كنت أعلم أنها قادمة كأحكام القدر تفرض نفسها على الجميع أرادوا أو لم يريدوا... أقدموا أو ترددوا!
    ***


    سوف أظل إلى آخر العمر مدينًا لـ «أنور السادات» بأنه أشركنى فى عملية الإعداد السياسى والإعلامى لها, حتى بدأت المعارك واحتدمت فى أكتوبر، وجدتنى أقرب الناس إليه. وكان يستطيع تجنبى لو أنه شاء، ولم يكن فى مقدورى أن أفرض نفسى عليه

    وفى بداية خريف سنة 1973 أصبح واضحًا أن المعركة لم يعد ممكنًا تأخيرها.
    ولسوف أظل إلى آخر العمر مدينًا لـ «أنور السادات» بأنه أشركنى فى عملية الإعداد السياسى والإعلامى لها. وهكذا فإنى منذ أوائل سبتمبر 1973 وحتى بدأت المعارك واحتدمت فى أكتوبر، وجدتنى أقرب الناس إليه. وكان يستطيع تجنبى لو أنه شاء، ولم يكن فى مقدورى أن أفرض نفسى عليه.
    ولقد كنت طرفًا محاورًا ـ بتجرد وإخلاص ـ معه طوال أيام الأمل وأيام القلق... أيام التخطيط وأيام التنفيذ. وكنت شبه مقيم فى بيته أو فى قصر الطاهرة الذى انتقل إليه ـ كمقر قيادة له ـ قبل بدء العمليات بيومين.
    وتكفينى للدلالة على عمق ما كان بيننا من ترابط فى تلك الأوقات وثيقتين هما أهم وثائق تلك المرحلة:
    ***

    كانت خطة «جرانيت» (1) ـ العبور بخمس فرق من غرب القناة إلى شرقها على خمسة محاور والتمسك بخمسة رءوس كبارى فى الشرق ـ قد وضعت فى حياة «جمال عبد الناصر» الذى وضع عليها توقيعه بالاعتماد فى شهر مايو 1970، ثم طلب تطويرها إلى «جرانيت» (2) ـ الوصول إلى المضايق ـ لكن الحياة لم تمهله. ولقد تصورت أن استمرار قربى من عملية صنع القرار حتى تجىء المعركة ـ وأنا واحد من أقرب الناس إليه ـ مهمة مقدسة ربما يرضيه وهو فى رحاب الله أن أقوم بها.
    وهكذا صبرت.

    > الوثيقة الأولى: إننى أنا الذى كتبت التوجيه الاستراتيجى الصادر منه إلى القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية الفريق أول «أحمد إسماعيل على».. وفى هذا التوجيه تحددت استراتيجية الحرب، بما فيها أهدافها. وقد وقعه الرئيس «السادات» بتاريخ أول أكتوبر 1973.
    (وقد ذكرت هذه الواقعة وسجلتها فى محاضر تحقيق المدعى الاشتراكى معى فى صيف سنة 1978، وفى حياة الرئيس «السادات» وفى عنفوان سلطته. ونشرتها كاملة فى كتاب (وقائع تحقيق سياسى أمام المدعى الاشتراكى(ü)). وكنت بذلك أرد على تهمة «الانهزامية» التى حاول ـ غفر الله له ـ أن يلصقها دون سند بى).
    وترتب على هذا التوجيه تكليف مكتوب أيضًا للفريق أول «أحمد إسماعيل على» ببدء العمليات، وقعه الرئيس «السادات» يوم 5 أكتوبر 1983.

    > الوثيقة الثانية: إننى أنا الذى كتبت للرئيس «السادات» خطابه أمام مجلس الشعب بتاريخ 16 أكتوبر، وفيه أعلن الرئيس «السادات» خطته لما بعد المعارك، بما فيها مقترحاته لمؤتمر دولى فى جنيف يجرى فيه حل الأزمة فى إطار الأمم المتحدة وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 242.
    إلى هذه الدرجة كان قربنا فى تلك الظروف. وأستأذن أن أقول، مع ما فى القول من تجاسر أعتذر عنه مقدمًا ـ إننى على نحو أو آخر كنت أشعر فى أعماقى أن وجودى فى أجواء المعركة مهمة مقدسة... هناك بالطبع قداسة الواجب الوطنى لأى إنسان تواتيه الظروف. وكان هناك أيضًا نوع من القداسة العاطفية.. بشكل ما وعلى نحو ما فقد كنت أشعر أن «جمال عبد الناصر» ربما يرضيه حيث هو فى رحاب الله أن واحدًا من أصدقائه لا يزال قريبًا من وقائع حدث تاريخى عظيم أعد له ونذر نفسه لتحقيقه وعاش من أجله ورحل قبل أن يحين أوانه.

    ولست أنكر أن تلك كانت أكثر فترة أعطيت فيها من نفسـى لـ «أنور الســادات». فقد بدا لى فى تلك الأيام ـ بصرف النظر عن كل شىء وأى شىء ـ حامل علم تنبـض مع خفقاته كل رموزالحياة والإرادة.. كأن التاريخ تجمع كله فى لحظة مجد شـامخة.
    ***

    لكنى بدأت أحس فى وسط المعارك بأشياء بدت لى غير مفهومة... ثم بدأ غير المفهوم يتحول أمامى إلى ما هو غير مقبول.
    وفى البداية حاولت السيطرة على هواجسى، ولكن تطورات الساعة كانت تحول هذه الهواجس إلى ظنون.
    كانت هناك ظواهر لفتت نظرى حتى من قبل أن تبدأ المعركة، ولكن ضغوط المعارك المنتظرة وقوة الجذب الكامنة فيها راحت تكتسح كل شىء.
    كانت قوة الاندفاع نحو ساعة السفر تجرف فى طريقها تساؤلات كثيرة حرت فى الوصول إلى جواب عليها.

    ثم بدأت الأمور تأخذ منحنى خطيرًا ابتداء من يوم 10 أكتوبر 1973.
    ثم تأكد لى المجرى الجديد للأمور فى ملابسات القبول بوقف إطلاق النار، خصوصًا يوم 20 أكتوبر.
    وحين جاء «كيسنجر» إلى المنطقة والتقى بالرئيس «السادات» يوم 7 نوفمبر 1973 ـ وجدتنى أمام لحظة يتحتم عليّ فيها أن أقف ـ دون تردد أو تلعثم ـ لأجعل صوتى مسموعًا ومفهومًا، ثم ليكن بعدها ما يكون!
    ولقد اعتقـدت، وما زلـت أعتـقد، أن السياسـة فى حـرب أكتوبـر خـذلت السلاح ـ ولا أقول خانته ـ بمقدار ما أن السلاح فى سنة 1967 خذل السياسة ـ ولا أقول خانها!

    وأظن أن الخطأ الذى وقع فيه الرئيس «السادات» فى حرب أكتوبر ـ وكان بعده ما كان ـ أنه لم يستطع أن يفرق بين القتال والحرب.
    القتال نيران بين دبابات ودبابات، ومدافع ومدافع، وصواريخ وطائرات... إلى آخره!
    وأما الحرب فهى شيء آخر... الحرب صراع إرادات، تستعمل كل الموازين بما فيها الموازين الناشئة عن نيران ميدان القتال ـ للوصول إلى نتائج سياسية.
    وليس ذلك اختراعًا جديدًا، فقد لخصه «كلاوزفيتز» فى كتابه «عن الحرب» ـ قبل مائتى سنة ـ حين قال: «إن الحرب هى مواصلة السياسة بطريقة أخرى».


    أخطر ما في الحرب المحدودة ليست فترة المعارك، وإنما فترة ما بعد المعارك.. فتلك هى الفترة التى يكون فيها على صاحب القرار أن يدير حركة عناصر موقفه بمقدرة واستنارة حتى يصل بها إلى النتائج السياسية التى يريدها

    وهكذا فإن الحرب هى عمل سياسى... تمهد له السياسة، وتدير جهده السياسة، وتوجه نتائجه السياسة.
    وفى الحرب المحدودة ـ التى هى الحرب الوحيدة المتاحة الآن فى ظلال التوازن النووى ـ فإن أخطر فترة فى الحرب ليست هى فترة المعارك، وإنما هى فترة ما بعد المعارك.. فتلك هى الفترة التى يكون فيها على صاحب القرار أن يمسك بيد حازمة كل عناصر موقفه ـ بما فيها معارك القتال ـ لكى يدير حركة هذه العناصر بمقدرة واستنارة حتى يصل بها إلى النتائج السياسية التى يريدها.

    وأقر ـ آسفًا ـ أننى لا أعرف فى تاريخ الحروب الحديثة حربًا اختلفت فيها النتائج عن المقدمات، وتناقض فيها مسار التطورات مع خواتيمها ـ كما حدث فى حرب أكتوبر.
    ويكفينا هنا ثلاث نظرات محددة على ثلاثة مواقع بعينها:
    (1) النظرة الأولى على الهدف الذى حددناه لأنفسنا فى حرب أكتوبر، وأستشهد فيها بنص التوجيه الإستراتيجى النهائى الصادر من الرئيس «السادات» إلى الفريق أول «أحمد إسماعيل على» يوم 5 أكتوبر، وكان نصه:
    توجيه استراتيجى من رئيس الجمهورية
    والقائد الأعلى للقوات المسلحة
    إلى : الفريق أول أحمد إسماعيل على
    وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة
    1 ـ بناء على التوجيه السياسى العسكرى الصادر لكم منى فى أول أكتوبر 1973 وبناء على الظروف المحيطة بالموقف السياسى والإستراتيجى:
    قررت تكليف القوات المسلحة بتنفيذ المهام الإستراتيجية الآتية:
    ‌أ. إزالة الجمود العسكرى الحالى بكسر وقف إطلاق النار اعتبارًا من يوم 6 أكتوبر 1973.
    ‌ب. تكبيد العدو أكبر خسائر ممكنة فى الأفراد والأسلحة والمعدات.
    ‌ج. العمل على تحرير الأرض المحتلة على مراحل متتالية حسب نمو وتطور إمكانيات وقدرات القوات المسلحة.
    2 ـ تنفيذ هذه المهام بواسطة القوات المسلحة المصرية منفردة أو بالتعاون مع القوات المسلحة السورية.
    9 رمضان 1393هـ
    5 أكتوبر 1973م
    (توقيع)
    أنور السادات
    رئيس الجمهورية

    (2) النظرة الثانية على الموقع الذى كنا عنده فى أواخر سنة 1973، وحين كان العالم كله ـ بما فيه «هنرى كيسنجر» ـ يشهد لنا بأننا أحرزنا «انتصارًا استراتيجيًَا على إسرائيل لا شك فيه» ـ بصرف النظر عن أخطاء فى مجرى الحرب أو بالقرب من مسارح العمليات.

    (3) النظرة الثالثة على نص البيان الذى أصدره «مناحم بيجن» فى مطلع السنة اليهودية الجديدة ـ سنة 5743 ـ وقد نشر هذا البيان فى جريدة الـ «جيروزاليم بوست» بتاريخ 20 سبتمبر 1982، وفيه يحدد «بيجن» ما تحقق لإسرائيل فى لبنان. وكانت لبنان هى الخاتمة الطبيعية لطريق موحش بدأ بفك الارتباط الأول فى يناير 1974.

    فى هذا البيان ـ صراحة أو ضمنًا ـ حدد «مناحم بيجن» تسعة أهداف حققتها إسرائيل على النحو التالي:
    • تأكد ارتباط مصر بصلحها مع إسرائيل وفقًا لنصوص كامب دافيد.
    • حقـق تحطيم القوة الـمسلحة للثورة الفلسطينيـة، وبالتالى ضـرب هيبتهـا ونفوذها.
    • ثبت أن العالم العربى لا يستطيع أن يرفع أصبعًا فى مواجهة إسرائيل ـ ولم يكن لدى دوله جميعا إلا قبول «الإرهابيين» الفلسطينيين كلاجئين ليس لهم مكان إلا معسكرات محاصرة ومعزولة.
    • تم وضع سوريا فى مكانها لا تتجاوزه.
    • جرى وضع الاتحاد السوفياتى فى موضع العاجز.
    • أثبت السلاح الأمريكى ـ الإسرائيلى تفوقه.
    • ظهر احتمال معاهدة صلح بين دولة عربية ثانية ـ بعد مصر ـ وبين إسرائيل (يقصد لبنان).
    • لم يعـد هنـاك بديل لهـدوء شـامل على كـل الجبهات العربية، ولن يجرؤ أحد على الاقتراب، وهكذا فإن الكل فى وضع أشبه بوضع معاهدة عدم اعتداء مع إسرائيل.
    • تغيرت موازين القوى بين المسلمين والمسيحيين فى لبنان.
    ***

    ثم أترك هذه المجموعة من الأحاديث التى افترقت عندها الطرق تروى قصتها.
    ولقد حرصت على أن لا أقترب ـ ولا بلمسة ـ مما كتبت فى تلك الفترة الحاسمة والفاصلة، ولم أشأ حتى أن أضمن هذه المقدمة استشهادات مما كتبت فيها بقصد الضغط على بعض الإشارات والإيماءات التى وجدتها فى ذلك الوقت مدعاة للشك والقلق، وخطر لى أن مثل تلك الاستشهادات سوف تكون محاولة غير مطلوبة ولا مبررة تحمل على الأقل مظنة ادعاء الحكمة والعصمة، وهو شىء مكروه. وإذا كان لى أن أضيف ملاحظة أخيرة فى هذه المقدمة فهى الرجاء بأن يتفضل الذين يستعيدون تاريخ تلك الشهور الأربعة الحاسمة والفاصلة ـ من خلال إعادة قراءة هذه الأحاديث ـ بأن لا يكتفوا فقط بقراءة السطور ـ ولو أن السطور تحمل ما فيه الكفاية ـ وإنما أن يقرءوا أيضًا ما بين السطور ذاكرين أن هذا كله كتب فى وقته وفى حينه، وأن جو الحرب كان لا زال مخيمًا وقت كتابتها بما يفرض من قيود يضعها الكاتب على نفسه حتى وإن ما يفرضها عليه أحد.

    وأتلفت إلى تلك الأيام ـ وأنا أستعيد قراءة تاريخها من خلال هذه الأحاديث ـ بكثير من الأسى والألم قائلاً لنفسى:
    ـ هناك كان مفترق الطرق.
    ليس فقط على المستوى الشخصى والمهنى، ولكن أيضًا على مستوى التاريخ!
    واقع الحال أمامنا شاهد لا يكذب..
    حزينًا أقولها!

    محمد حسنين هيكل
     

مشاركة هذه الصفحة