صنعاء الكايوس الجميل

الكاتب : راعي الطيب   المشاهدات : 389   الردود : 0    ‏2004-04-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-09
  1. راعي الطيب

    راعي الطيب عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    65
    الإعجاب :
    0
    أنا من قرية لا تسكن الخريطة,لكنها تسكن قلوبنا ولا شيء غيرها!! هناك نعيش كأسرة واحدة, من أكبر شيخ إلى أصغر شاة!! كل رجال القرية بمثابة الأب لك, وكل نسائها أم تأمر وتنهى!! وفتياتها أخواتك شئت أم أبيت!! في القرية يرتبط جميعنا بالأرض ارتباط الأشجار....قالت لي أمي يوماً: إنّ جميع رجال القرية يُعقد قرانهم على الأرض حال ولادتهم!!! ثمّ أردفت ,عندما تذمّرت أنّ والدي يفضّل الأرض عليها , قائلة: -إنّ أباك عرف الأرض قبلي ..فكيف تريدني ان أزاحمها في قلبه؟!!! لذلك فنحن نلثم الأرض بمعاولنا قبل أن تصلها تحيّة الشمس, ولا نبرحها إلا عندما يبسط الشفق خيمته الحمراء على هامة القرية!! آباؤنا يردّدون –دوماً-تأكيداً على ارتباطنا بالأرض: ((التفريط بالأرض كالتفريط بالعرض)) وعندما قذفت والدي بقولي:هذه مبالغة!! صرخ قائلاً: -أتريد الهروب من لونك؟!! لقد أعطتك الأرض لونها....أيّها الجاحد!!! حقيقة أفزعني ماقاله....إذ لم أستطع تصوّر العيش بغير لون!!! وعندما حاولت ذلك استعذت بالله من الشيطان الرجيم....لعنه الله!! كان أبي يردّد دائماً: -إنّ تلك الحجارة-يقصد المدارس-قطعت صلتكم بالأرض, وغذّتكم الكفر بها!! وأنّه كان على أهل القرية منع قيام تلك الأوثان!!.(هكذا كان يسمّيها!!) وإن كان لا بد من وجودها, فلتبنَ بالطين !! فهذا أدعى لتذكيرنا بفضل أرضنا علينا!!. عندما جُدّد بناء المسجد, واستبدلوا بالطين الحجارة المجلوبة من خارج القرية, نظر شيبتنا إلى الأمر نذير شؤم....وصرخ العم أحمد-والد صديقي-في الجمع: -كيف سيعرفنا المسجد الآن؟!!! لعنكم الله....حتّى الحجارة أتيتم بها من غير أرضنا.....جعلتم مسجدنا غريباً علينا!! بعدها لم يعد العم( أحمد) يعتكف في المسجد كعادته من قبل, بل ما إن يسلّم الإمام حتّى يهرع بالخروج متمتماً باللعنات على هذا الجيل الفاسد!!. لكن الليلة المشؤومة-في نظر والدي-هي تلك التي جمعنا فيها عشاء, في أحد منازل القرية, وأعاد العم أحمد حديث المسجد والحجارة والطين والأرض, ليلتها قلت لهم: -إنّ ارتباطكم بالأرض صنع لديكم الصبر..... -نعم....نعم. قال العم أحمد. ثم تابعتُ: -الصبر الذي فتح لكم باب الذل على مصراعيه..!! -....... -تنتظرون الحصاد ولا تملكون حلاً غيره...حتى غدوتم لقمة سائغة لكل من يريد إذلالكم!! انفجر المجلس ليلتها بشتى أنواع الشتيمة, ولولا مقام أبي لخرجت محمولاً على الحمير-كما قال العم أحمد-إذ تتنزّه أعناقنا أن تحملك إلى قبرك!!! صرخ أحدهم: -ماذا يقول ولدك ياحاج حسين؟! كان وجه والدي ملوّناً بألوان قوس قزح!! نظر إليّ شزراً وقال: -ألم أخبركم أنّ هذه الأوثان تفسدهم علينا!! أما تستحي من هذا القول؟ أخزاك الله! إنّها تعلّمنا الصبر لكنّها تزرع فينا العطاء....وكيف يكون الجود...وقبله وبعده تعلّمنا الإباء والأنفة والشرف!! أتحسب, إن جاءت أيد غير أيدينا, أنّ الأرض ستعرفها؟! إنّها لا تعرف سوى أبنائها....نحن..... فهي أشرف من عقولكم الجاحدة!!! أقسم لي أبي ليلتها أنّه-لولا خوف الله-لثأر للأرض منّي, وسقى بدمي أتلام الجربة!!...لكنّه يعلم أنّ دمي الفاسد قد يفسد طهر أرضه!! بعدها لم يحدّثني ألبتّة, حتّى أتى موعد سفرنا (أنا وصديقي) إلى صنعاء لإكمال الدراسة!! قرابة الثلاثة أشهر لم تخرج منه كلمة, حتّى مساعدته في الحرث والحصاد رفضها, وقال لأمّي: -قولي له: سأقطع رجله إن حدّثته نفسه بالمجيء إلى أرضي الطاهرة....والله سأقطعها!! كانت أمّي تنظر إلى ما يحدث من وراء عيون دامعة, وتحثّني أن أطلب السماح منه, لكنّي عاندت وقلت لها: -إنّه غضبان من أجل ضرّتك....التي لا تريدين مزاحمتها في قلبه...فلتهنأوا جميعاً!!
     

مشاركة هذه الصفحة