طريق كسب ودّ الله والناس

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 279   الردود : 0    ‏2004-04-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-09
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول لرجل يعظه: «إرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس، إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة، والراغب فيها يُتعب قلبه وبدنه في الدنيا والآخره، ليجيئنَّ أقوامٌ يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيُؤمر بهم إلى النار، فقيل: يا نبي الله، أمُصلّون كانوا؟ قال: نعم، كانوا يصلّون ويصومون ويأخذون وَهْناً من الليل لكنهم إذا لاح لهم شيء من أمر الدنيا وثبوا عليه»(1).

    شرح الحديث
    في هذا الحديث يوصي الرسول (صلى الله عليه وآله) رجلاً وفي نهاية حديثه يذكّره بالدنيا ومخاطرها.
    1 ـ «إرغب فيما عند الله يحبك الله، وازهد ما في أيدي الناس يحبك الناس».
    ما المراد من «ما عند الله»؟
    المراد ممّا عند الله هو الثواب الالهي والقرب إلى الله ونعمه، فاذا كنت طالباً لذلك أحبك الله. أمَّا الناس فيحبّونك فيما إذا كنت غير مبال بما يحبونه ويرغبون إليه; وذلك لأن البخل يحكم البشرية، وذلك سبَّب لأن يكون الانسان غير الطمّاع محبوباً. وعلى الانسان ـ حفظاً لموقعه عند الناس ـ أن لا يبالي بما في أيديهم.
    تاريخياً حصلت حوادث كثيرة ذات صلة بهذا الموضوع، فقد أقدم بعض الحكام على قتل أقاربه وإخوته للحفاظ على كرسيه. وعلى سبيل المثال عندما بلغ السلطان محمد الفاتح العثماني سدّة الحكم أمر بقتل جميع إخوته، لكي لا يشكلوا تحدياً لحكومته، وإثر ذلك حلت سُنة قتل الإخوان لكل من صار حاكماً في الدولة العثمانية.
    يقال في أحد السلاطين الاشكانيين: عندما بلغ السلطة قتل أبيه وثلاثين من إخوته وتزوّج اُمّه، وكانت ثمرة الزواج ولداً قتل اُمه وأبيه. هكذا الدنيا عند عبدتها.
    2 ـ «إن الزاهد في الدنيا يريح قلبه وبدنه في الدنيا والآخرة».
    التعلُّق الشديد بالدنيا يوجب التعب، فلا ينام باطمئنان من تعلَّق بالدنيا كثيراً، وهناك الكثير ممَّن يأتي البيت ليستريح إلاَّ أن القضايا اليومية وما مضى عليه في النهار من معاملات سوقية وغير سوقية تمنعه من الراحة، فاذا كانت معاملات جيدة رابحة منعته الفرحة من النوم، وإذا كانت سيئة وخاسرة منعته الحسرة والحزن من النوم، وعليه استخدام منوّم، وعلى كل حال تبقى نفسه تعيش العذاب. أمَّا الذي لا يهتم بالدنيا فيعيش بهدوء وسكينة.
    الأوامر الإلهية ليست مفيدة للآخرة فحسب، بحيث يبدو آثارها في ترتب الثواب والعقاب الاُخروي، بل هي مفيدة حتى لو لم تكن هناك آخرة، والعياذ بالله، فتنفع دنيانا في تأمينها سلامة أرواحنا وأجسامنا وراحة بالنا.
    يقال: تقدُّم الطب قلّل من نسبة الأمراض الجسمية لكن الأمراض الروحية لازالت في ازدياد، وقد يأتي يوم تصبح الدنيا بأجمها داراً كبيراً للمجانين تضمُّ البشرية جمعاء، لأنَّه قد ينعدم الانسان السليم من الناحية النفسية.
    عوامل الأمراض النفسية التي تزداد يومياً كثيرة، وتعلُّق الانسان بالدنيا من ضمن تلك العوامل، فروح الانسان صاحب هكذا توجُّه تكون في عذاب دائماً. وفي الحقيقة إذا آمنا بالآية الكريمة التالية: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحُوا بما آتاكم)(2) وإذا عملنا بمضمونها عشنا الراحة والأمان النفسي، إنَّها وصفة سلامة الانسان الروحية، فقد لخّصت الزهد في هذين الجملتين.
    حتى الحياة الدنيا لدى المؤمنين أفضل ممَّا لدى غيرهم; لأن المال والثروة لا يجلبان السلامة للانسان،والمقام لا يدل على السعادة، فقد يكون هناك من احتوت حياته على كل شيء مادي إلاَّ السعادة، بل قد يكون من أشقى الأشقياء، ويعيش الاضطراب والقلق والخوف من سرقة وانعدام ما قد كسبه في الدنيا، وهذا هو العذاب.
    وفي قبال هؤلاء هناك بعض من المعدمين يعدّون أغنى الأغنياء في ذات الوقت. بالطبع لا يراد من الزهد أن لا يملك الانسان شيئاً بل المراد منه أن لا يتعلَّق بالدنيا.
    ثم ينقل أبو سعيد عن الرسول (صلى الله عليه وآله) قوله: «ليجيئن أقوام يوم القيامة لهم حسنات كأمثال الجبال فيؤمر بهم إلى النار» فقيل: يا نبي الله أمصلّون كانوا؟ قال: «نعم، كانوا يصلّون ويصومون ويأخذون وهناً من الليل، لكنَّهم إذا لاح لهم شيء من أمر الدنيا وثبوا عليه» أي أنهم يتلقون أمر الدنيا دون أن يكترثوا بحلاله وحرامه.
    تعبير «وثبوا عليه» تعبير ذات معنى عميق، فهو تشبيه لذلك البعض من الناس بالحيوانات التي تثب على الطعمة دون اكتراث بأمر ما.
    كلَّما طالع الانسان الآيات والروايات من جانب وكلَّما طالع التاريخ من جانب آخر كلما تعرَّف أكثر على معنى الحديث «حبّ الدنيا رأس كل خطيئة».
    لحب الدنيا معنى واسع، والدنيا ليست مجرّد أموال وثروة، فقد يسقط الانسان بسبب حب مقام أو أمرأة أو آلاف الامور من هذا القبيل، فحب الدنيا منبع كل غارة وذنب. وقد أصبحت هذه القضية اليوم واضحة كثيراً ولا يخفيها أهل الدنيا أنفسهم، وإذا سئلوا عن سبب جرائمهم في المكان الفلاني قالوا: لنا مصالح هناك. فهم لا يبخلون بجريمة لأجل مصالحهم.
    هؤلاء يصرّحون بما في دواخلهم، لكنَّا إذا سألنا بعض المتحجّرين والمتظاهرين بالقداسة ممَّن لا تقوى لهم ولا ورع لماذا صدر منك هذا العمل؟ برَّر عمله وأعطاه صبغة شرعية، مع أنهم لو كانوا قد صرَّحوا بوجود مصالح لهم بهذه الأعمال كان جوابهم أشرف، فهم يضيفون إلى حب الدنيا الرياء والتظاهر.
    عندما نسأل بعضاً ممَّن تمظهر بالقداسة عن فلان، كيف هو؟ يجيبون: لا تتحدَّث عن هذا الشخص، فالشارع لم يسمح لي بالحديث عنه. مع أنه لو كان قد صرَّح بذنب ذلك المؤمن كان أفضل; لأنَّ كلامه يحتمل معاني أكثر من ذنبه بل يحتمل كل ذنب، وأيّ ذنب كان قد ارتكب بحيث لم يسمح له بالتصريح به؟ ولهذا قال معلّم الأخلاق: إن هذا الشخص تصوّر أنَّه لم يذنب، بينما هو أضاف إلى غيبته ذنب الرياء
     

مشاركة هذه الصفحة