وصايا لأبي ذر ـ قضية الرزق

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 578   الردود : 0    ‏2004-04-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-09
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    عن أبي ذر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجل وهو يوصيه: «أقلِل من الشهوات يسهل عليك الفقر، وأقلل من الذنوب يسهل عليك الموت، وقدِّم مالك أمامك يسرّكُ اللحاق به، واقنع بما اُوتيته يخفَّ عليك الحساب، ولا تتشاغل عمَّا فُرِض عليك بما قد ضمن لك، فإنَّه ليس بفائتك ما قد قسم لك، ولست بلا حق ما قد زوي عنك، فلا تك جاهداً فيما أنصح نافذاً، واسعَ لِمُلك لا زوال له في منزل لا انتقال عنه»(1).

    شرح الحديث
    في هذا الحديث أوصى الرسول (صلى الله عليه وآله) ببعض الوصايا، وفي نهايته تحدَّث عن قضية الرزق.

    الوصية الاولى: التقليل من الشهوات
    الثروة الدنيوية تُصرف في ثلاثة مجالات: ضروريات الحياة، وكماليات الحياة والشؤون الرفاهية، والأهواء، والمقدار الذي يُصرف في ضروريات الحياة أقلها جميعاً، بينما الأهواء تستقطب أكبر مقدار من الثروات، ولهذا ورد قوله بأن التقليل من الشهوات يسهّل الفقر، فان أكثر الفقراء ليسوا فقراء الحاجات الضرورية بل إمَّا فقراء الكماليات أو فقراء الأهواء، بأن يرى انسان صغر منزله الذي يسكن فيه مثلاً فيسعى لتحصيل منزل أكبر ويبدو له تغيير المنزل أمراً ضرورياً، مع أن الواقع ليس كذلك. وهناك الكثير ممَّن يكلّفون أنفسهم ويقعون في مأزق لأجل اُمور غير ضرورية، له منزل يليق بشأنه وسدّد جل ديونه لكنه يفكر قليلاً ويقول: (من سعادة الرجل سعة داره) مضافاً إلى أن أطفالنا سيكبرون وسيتردد علينا معارفنا، فينسج في ذهنه تدريجياً شيئاً ما يبيع إثره منزله ليشتري داراً آخر ويورّط نفسه في أقساط وديون جديدة.
    من مصائب الناس أنهم لا يستطيعون العيش دون مشاكل، وحياتهم دائماً مع مشاكل وديون، وخلاصة الكلام: أن مشكلتهم تكمن في انعدام مشاكلهم. وهذه المسألة خطرة بالنسبة إلى من عمله علمي; لأن الأعمال الفكرية مثل العبادة تحتاج إلى حضور قلب، وإذا انعدم حضور القلب صعب على الانسان الأعمال العلمية كالدراسة والتدريس والكتابة.
    لا نريد القول بأن الله إذا أعطى للانسان شيئاً فعليه رفضه والإعراض عنه بل الكلام في أنه من غير الصحيح اعتبار هذه الاُمور من ضروريات الحياة وصرف العمر فيها، إذا لم تكن شهوات لم يكن فقر، بالطبع ينبغي قبول كون البعض فقراء من حيث فقدانهم الاحتياجات الاولية والضرورية للحياة.

    الوصية الثانية: تقليل الذنوب
    هناك علاقة بين التقليل من الذنوب وسهولة الموت، ولهذا أطلق الرسول (صلى الله عليه وآله) وصيته هنا. والسؤال المطروح هو: لماذا يخاف الانسان الموت؟
    يتصوّر الانسان الموت فناء ونهاية لكلِّ شيء، ولا يرى الموت نافذة نحو عالم البقاء والعالم الأوسع، فان الانسان يخاف الظلام ويخاف الفناء. أمَّا إذا كان الانسان مؤمناً فلا يخاف الموت، وممَّا قدَّمه الانبياء للبشر أنهم رفعوا الخوف من الموت لديهم.
    بالطبع قد يكون الانسان مؤمناً ويقرُّ بالآخرة لكنه يخاف الموت بسبب كون دفتر أعماله مسوداً، وهذا لا طريق له غير التوبة.
    الموت كالثوب يأخذ بروح الانسان المؤمن من المحيط الضيق والمظلم إلى حيث حُشِر أولياء الله، «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»(2) و هل هناك من لا يفرح إذا فتح له باب السجن ليتحرّر منه؟ وهل في الخلاص من هذه الدنيا سوء؟
    هناك تفسير آخر لهذه العبارة، وهو: الذنب يُصعب على الانسان موتته، أي أن الذنب يعلق مرتكبه بالدنيا كثيراً بحيث تمر عليه سكرات الموت بصعوبة، عكس الانسان غير المذنب، فان موتته تكون سهلة.

    الوصية الثالثة: عدم عبادة الدنيا
    يدعو الرسول (صلى الله عليه وآله) في هذه الوصية المؤمن إلى عدم السعي والاهتمام بالدنيا، وبتعبير أصح: ترك عبادة الدنيا، وبعبارة اُخرى كذلك: ضمن الله للانسان رزقه ومعاشه فلا ينبغي له أن يشغل نفسه في طلبه ولا يحرص على رزق الدنيا، بحيث يترك واجباته، وكما يقال: يصلك المقسوم لك.
    وفي تتمة وصيته يقول: «ولست بلاحق ما قد زُوي عنك»، أي لا تتصوّر أنك ستبلغ ما قد فقدته ولم يقسم لك، فلا تشغل نفسك في الاُمور الزائلة بل اسعَ لكسب الآخرة الباقية.
    الأمر هنا يستنبطن عدّة اُمور:
    الاول: تعابير الآيات والروايات الواردة في الرزق معقدة ويشعر الانسان بالتضاد والتضارب بينها في النظرة الاولى. من جانب صرّحت آيات وروايات كثيرة بأن الرزق مقسوم للانسان، من قبيل الآية التالية: (ما مِن دابّة في الأرضِ إالاَّ على اللهِ رزقها)، وفي رواية يقول فيها الرسول:الرزق مضمون للانسان ما دام حيّاً، فسئل: لو حبس في بيت لا منفذ له هل يأتيه رزقه؟ قال: نعم، فسئل: من أين؟ قال: من حيث يأتيه موته. وبناءً على هذه الآيات والروايات يعد الرزق أمراً مضموناً.
    وفي قبال هذه الآيات والروايات هناك طائفة من الأحاديث تدعو الانسان للسعي باكراً لأجل تحصيل الرزق، ولعنت العاطل والمتقاعس عن العمل.
    يبدو التضاد بين هذين الطائفتين من الأحاديث بالنظرة الاولى، وقد يرتفع هذا التضاد من خلال القول بأن الرزق مضمون كما ضمنت استجابة الدعاء لكن بشروط، والسعي والجهد من تلك الشروط.
    الثاني: يموت يومياً الملايين من البشر جوعاً، فاذا كان رزقهم مضموناً لماذا يموتون؟
    إذا مات اُناس من الجوع فذلك يكشف عن ظلم البشر، فذلك من قبيل أن يحبس ظالم مظلوماً في السجن دون طعام أو شراب، ولا يمكن نسبة ذلك إلى جهاز الخلق.
    قارة افريقيا التي تضم أكثر الضحايا بسبب الجوع تعدُّ قارة غنية بالالماس والمعادن المهمة. البعض يختطف الثروات ويلقي يومياً أغذية كثيرة في المزابل، وذلك في وقت يموت فيه آخرون تضوّراً، وعلى سبيل المثال البعض يلقي فائض السوق من القمح وغيره في البحار أو يحتكره لكي لا تهبط قيمته في الأسواق، رغم أن ذلك قد يكلّف البشر ضحايا وقرابين كثيرين تقدَّر بالملايين. ولو لم تكن مظالم من هذا القبيل لم يبتلِ الانسان بهذه المصائب.
    منح الله الانسان العقل لكي يسعى ـ وفقاً للفطرة ـ في سبيل تطوير حياته ولكي ينتج ويصنع و... وذلك ـ بالطبع ـ لا يتنافى مع تحديد النسل.
    وفي روايات قسِّم الرزق إلى قسمين:
    1 ـ رزق تطلبه.
    2 ـ رزق يطلبك.
    الأرزاق كالقضاء والقدر، منها محتوم، ومنها معلق. الأرزاق المحتومة هي التي تقبل عليك سواء شئت أم أبيت، والأرزاق المعلّقة هي التي ينبغي أن تسعى لتحصيلها بنفسك. وهذا التقسيم ورد عن الامام علي (عليه السلام) في (نهج البلاغة)، ومنه يعرف أن الروايات التي قالت ببلوغ الانسان الرزق ولو كان في السجن تقصد الرزق المحتوم.
     

مشاركة هذه الصفحة