الموضوع: الآثار النفسية لحبّ الدنيا

الكاتب : عبدالله الكاف   المشاهدات : 432   الردود : 0    ‏2004-04-09
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-09
  1. عبدالله الكاف

    عبدالله الكاف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-04-08
    المشاركات:
    77
    الإعجاب :
    0
    عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «إنَّه ما سكن حبُّ الدنيا قلب(1) عبد إلاَّ التاط فيها بثلاث: شُغل لا ينفد عناؤه، وفقر لا يُدرك غناه، وأمل لا ينال منتهاه، ألا انَّ الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان، فطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى يستكمل رزقه، وطالب الدنيا تطلبه الآخرة حتى يأخذه الموت بغتة...»(2).

    شرح الحديث
    المراد من حبّ الدنيا هنا هو الرغبة المفرطة فيها بما هو خارج عن الاصول والموازين، وفي الاشارة إلى هذا المعنى وردت تعابير كثيرة في الروايات، وفي هذا الحديث أشار الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الآثار النفسية لحب الدنيا، فذكر ثلاثة ابتلاءات يبتلي بها الانسان المحب للدنيا، وهي:
    1 ـ شغل فكري دائم، وإثر هذا الاشتغال يشعر الانسان بعناء وتعب دائم لا يزول عنه. وقد ورد قريب من هذا المعنى على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) في (نهج البلاغة)، حيث قال: «مَن لهج قلبه بحب الدنيا التاط قلبه منها بثلاث...»(3).
    2 ـ الفقر الدائم، فالفقر المعنوي فقر لا غنى معه، وفقير كهذا يشعر بالفقر دائماً مهما اكتسب من زاد الدنيا; وذلك لأن الغنى أمر غير خارج عن وجود الانسان بل في ذات وجوده، والمحب للدنيا يشعر تجاه الماديات بضمأ دائم لا يرويه أي شيء.
    3 ـ أمل لا يُنال منتهاه، فلا ترفع الآمال يدها من هكذا انسان، وكلما تحقق أمل حلَّ محلّه أمل آخر، بحيث تبدو الآمال دون نهاية. وانسان من هذا القبيل لا يشعر بالراحة والهدوء أبداً، وتشغل الدنيا فكره حتى في الصلاة وعند الطعام، بحيث لا يعلم ما صلَّى وما أكل.
    نذكِّر هنا بالنقاط التالية:
    الف: يعتني الناس بأمور لا أهمية لها في الواقع، وذلك لأن المهم للانسان أن يشعر بالراحة والطمأنينة في الحياة، ورغم أن الحياة تحسّنت اليوم لكن الاستطلاعات تكشف عن تزايد الأمراض الروحية والنفسية، وبعبارة اُخرى: انعدمت المشاكل التي كان يعاني منها الانسان في العهود الماضية، فأصبح السفر ـ مثلاً ـ لا يستغرق وقتاً طويلاً بعد ما كان يقال فيه: (السفر قطعة من السَّقر)، لكن المشاكل النفسية في تزايد مستمر; وذلك لكثرة الاضطرابات النفسية والفكرية للانسان، ونسأل هنا: لماذا ازدادت الاضطرابات الفكرية والقلق عند الانسان؟
    ذكر عاملان مهمان لهذه الظاهرة:
    1 ـ انعدام الايمان.
    2 ـ حب الدنيا.
    قد يستولي حب الدنيا على الانسان في أفضل مراكز العبادة، من قبيل الحج. إن المواقف في الحج جديرة بالتأمُّل فنرى مخلوقات الله مجتمعة، ونرى عباده يعيشون عالماً آخر غير العالم المادي، لكن العبد إذا استولى عليه حب الدنيا هناك نجده يتأرجح يميناً وشمالاً ويحوم حول اُمور لم يكن مبال بها حتى في موطنه.

    فروع حب الدنيا
    حب الدنيا وعبادتها لا يقتصر على حب المال، فقد يحصل من خلال حب الجاه والمقام وباقي العناوين الدنيوية، على سبيل المثال يدخل مجلساً كان صدره مشغولاً فيجلس في مؤخرته أو وسطه، لكنه لا ينام تلك الليلة; لأنه يرى ذلك إهانة له، ويعظّم ذلك الموضوع في نفسه ليرى إهانته إهانة للاسلام والمقدسات والحوزة العلمية، فيحوك في ذهنه مجموعة من السخافات. ولهذا ورد: «آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حبّ الجاه».
    أراد الرسول (صلى الله عليه وآله) من خلال تعبيره: «ألا ان الدنيا والآخرة طالبتان ومطلوبتان» أن يبيّن عدم مصداقية الدنيا، وأن الدنيا والآخرة يتزامنان في الطلب، فعندما يكون الانسان طالباً للاخرة تقبل الدنيا عليه وتطلبه، فيكون مطلوباً لها; لأن الله قدَّر أرزاقاً محتومة تقبل على الانسان حتى لو كان طالباً للآخرة. وكذلك العكس فلو أن الانسان طلب الدنيا أقبلت عليه الآخرة وطلبته منتشلته نحو الموت، وقد يكون ذلك في لحظة كان يلهث الانسان فيها لأجل الدنيا.
    لا تظنوا أن الانسان سيُحرم من الدنيا إذا سعى لآخرته، بل سوف لا يحرم منها أبداً. فكرتُ بهذا الموضوع مرَّات عديدة وانتهيت إلى أنَّا إذا إردنا الدنيا فعلينا أن نكون من أهل الدنيا وأهل الآخرة في ذات الوقت; لأنا إذا أردنا العيش في هذه الدنيا فعلينا الوثوق بأحدنا الآخر، وتستحيل الحياة الاجتماعية دون هذا الوثوق. ولا يمكن بناء عمارة من خلال تكويم أحجار بنحو اعتباطي بل ينبغي وضع الاحجار بنحو خاص لكي تبنى العمارة. وإذا أردنا أن نكون من أهل الدنيا فعلينا أن نكون من أهل الآخرة كذلك، وعلينا أن نكون أصحاب مبادئ لكي نعيش إلى جانب بأمان وطمأنينة، والمجتمع إذا أصبح مؤمناً وثق أفراده بعضهم بالآخر وحسن ظن كلٍّ منهم تجاه الآخر، وحكمتهم الصداقة والحميمية.
    الرسول طبيب دوّار بطبّه، وهو يعلم بمحل الألم فيضع المرهم عليه. إذا لاحظتم الدعاوى المطروحة في المحاكم لوجدتم أنه لا أحد منها تخصُّ موضوعاً معنوياً بل مواضيع جميعها اُمور دنيوية، فيتنازع الناس بسبب حفنة من المال ويرتكبون الخيانات والجنايات لأجل ذلك، وقد يتقابل أخوان لهذا الغرض.
    حقيقة الأمر أن حب الدنيا منشأ جميع الذنوب، وكما قال القرآن: (زيّن للناس حبّ الشهوات من النساء والبنين والقناطر المقنطرة من الذهب والفضّة والخيل المسوّمة والأنعام)، إنّ النساء والبنين والذهب والفضة وما شابهها زينة الحياة الدنيا، وفي الآية بُني الفعل للمجهول لكي يتجوّل ذهن القارئ إلى كل شيء وكل مكان، بحيث يتردد في كل زينة ويفكّر ما إذا كان التزيين فيها من الشهوات والشياطين أم لا؟ وبعبارة مختصرة: إنها اختبارات. إن هذا التزيين المتوفّر في كلّ مكان لا يسمح للانسان بالحركة والتجوّل، ولهذا ترك الاسلام وصاياه لكلِّ مكان لكي تكون سداً مانعاً أمام الشهوات والرغبات الدنيوية غير المنتهية.
     

مشاركة هذه الصفحة