الدكتور عبد القادر طاش

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 615   الردود : 0    ‏2004-04-06
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-06
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    كان وجه الإعلام الإسلامي الأكثر إشراقا وترغيبا. لنقل انه أفضل من يستطيع أن يقنع الناس بدماثته. كانت لديه (ترسانة) من الحب والسماحة. وهب الدكتور عبد القادر طاش فكرة الإعلام الاسلامي، كل شيء في حياته. ونذر نفسه للاعتدال الإسلامي إلى آخر قطرة من روحه. كتب في سياط المرض عن وجوب النقد الذاتي للإسلاميين، ثم قبل أن يترجل عن صهوة الحياة بأسابيع، كتب مناصرة للإسلامي التنويري المحامي عبد العزيز القاسم، مساندا مطلبه في إصلاح مناهج التربية الدينية في السعودية.
    الهدوء والتروي، هما عنوان طاش، في حديثه وتحولاته، التي كانت تنويعا على ذات النغم الخالد، في مشيته وعلاقاته. الشيء الوحيد الصاخب في عبد القادر طاش هو عاصفة الحب والسماحة التي كانت تهب من جنبات روحه.
    طاش ابن مدينة الطائف الجبلية، وسليل الألم الإسلامي المطارد في هذا القرن الحزين، وابن الأسرة الإسلامية المعانقة للإسلام هوية قبل ان تتشبع مساماتها من الأرض السمراء.
    حدد خياره، وحدّدته الملابسات الاجتماعية والتاريخية. فكان الانفتاحُ على الأفق الإسلامي الواسع. حصل على قسط من تعليمه الجامعي في السعودية، ثم صوّب نظره إلى اميركا، فظفر بشهادة الدكتوراه في الإعلام. جاء بها إلى بلاده التي كانت للتو تفتح عينيها على الخارج في اتساع مندهش. ترك (الدكتور) غرب الوطن، ويمم إلى العاصمة الرياض، حيث جامعة الإمام محمد بن سعود. وهناك كانت قصة أخرى مع التدريس والهمّ الأكاديمي. درّس في قسم الإعلام، ولن نقول الإسلامي، إذ لا شيء إلا هو. هناك لم ينحسر الماء بعدُ عن صخور العقول المختلفة والاتجاهات المتعاكسة في كثير الأحيان، التي كشفت أن هناك مسلمين وإسلاميين، ليسوا بالضرورة في مربع التطابق الموضوعي.
    نما القسم وُضمّ إلى قسم آخر، حيث اندمج الإعلام بالدعوة، ومن هناك خرجت كلية (الدعوة والإعلام). فرحل عبد القادر إلى الكيان الجديد مدرسا الإعلام ليصبح رائدا سعوديا في مجاله، في الوقت الذي كان فيه الأشقاء من مصر والسودان يديرون دفة التدريس.
    غادر طاش قاعة الدرس الجامعي بعد أن ترأس قسم الإعلام لفترة من الوقت، لكنه لم يبعد كثيرا. انتقل من غرفة إلى غرفة، أو بالأدق من غرفة إلى شرفة تجابه الناس وتنقل الدرس الجامعي إلى الميدان. تخلص الدكتور من احباطاته التي كشفت له الفرق بين الواقع والمثال في تجربته الجامعية، حيث الرابطة الإسلامية ليست بالضرورة كما يعرفها إحساسه الاممي.
    بعيداً عن التنظير، وفي أعماق الواقع، ارتقى السلم الإعلامي فأصبح نائبا لرئيس تحرير مجلة «الدعوة»، أول مجلة سلفية في السعودية. كان الرئيسُ، هو الصحافي داوود الشريان، واستمرت هذه الثنائية في جريدة «المسلمون»، التي شهدت فترة توهج الى قبيل حرب الخليج الثانية في عام 1991.
    انفصلت هذه الثنائية بعدما غادر الشريان كرسي الرئاسة وحل فيه عبد القادر الذي لم يطل المقام به كثيرا حتى غادره هو الآخر. حيث أشياء كثيرة تغيرت في السعودية بعد غزو الكويت.
    عبد القادر طاش لم يفارق إيمانه العميق بنجاح الفكرة الإسلامية، أو الصحوة الإسلامية، انتقل لتجربة جديدة، بلغة مختلفة، وهذه المرة بالإنجليزية حيث ترأس تحرير جريدة «عرب نيوز». طاش والتغيرات، هكذا كانت حياته، حيث غادر رئاسة التحرير باللغة الإنجليزية ليعود للعمق الديني مشرفا على ملحق الرسالة الإسلامي في جريدة «المدينة».
    وبعيدا عن تفاصيل التجارب، يعود الرئيس رئيسا من جديد، فيقعد على كرسي تحرير صحيفة «البلاد». في تلك الفترة أعطى طاش الضوء الأخضر لتلميذه ومساعده عبد العزيز قاسم لاستكتاب (شباب تنويريين) لتكون الإطلالة الأولى لهم في الصحافة المحلية. كان طاش رجلاً يتمتع بدفء في استقباله وحديثه. في حلقة تلفزيونية صاخبة في برنامج «على الهواء مع عماد الدين أديب» وصفه جمال عنايت معد البرنامج بـ«رمانة الميزان». حيث كان الحديث عن اصلاح الخطاب الديني في السعودية، ودار جدل بين كاتب السطور والداعية عايض القرني، فكان عبد القادر طاش رسول التقريب. كان في أعماقه يؤمن بأهمية الإصلاح والتغيير.
    وبعد أن حفر للإعلام الإسلامي واديا عميقا، حيث أسس قناة اقرأ، القناة الإسلامية الأولى، غادرها ليؤسس دارا خاصة للاستشارات الإعلامية، وكان يزمع إصدار صحيفة من مصر.
    طاش الممتزج بالإنسان، قبل أن يودع الحياة اختير عضوا في جمعية حقوق الإنسان الوليدة في بلاده السعودية، لتظل روحه المتسامحة مرفرفة على هذه الجمعية.
    أخذ الإسلام ببعده الإنساني، عاش مخلصا للأفكار التي ينتمي إليها والتي تحكم كل منخرط في التيار الاسلامي (رؤية العالم، والموقف من الغرب.. الخ) لكنه كان يقعد على أقصى كرسي اعتدال موجود في صالة الإسلاميين، دوما كان يبحث عن هذا الكرسي، لكنه لم يخرج من الصالة يوما! الدكتور عبد القادر طاش غادر عن ثلاثة أبناء وابنتين. طبيب ومهندس وطالب، وبنت جامعية، لم يفرض عليهم خياراته الفكرية والحياتية. برحيله لم نفقد إسلاميا معتدلا فقط، بل فقدنا إنسانا رائعا.
     

مشاركة هذه الصفحة