العاشق الصغير!

الكاتب : TOXIC   المشاهدات : 445   الردود : 0    ‏2004-04-05
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-04-05
  1. TOXIC

    TOXIC عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2005-05-07
    المشاركات:
    1,820
    الإعجاب :
    0
    [align=right]العاشق الصغير!




    * عندما يبحث الإنسان في داخله عن تلك المشاعر الجميلة التي تعيشه ويعيشها، وتحتل جزءاً كبيراً من عالمه الخاص، وتعني شيئاً مهماً لذاته، وكينونته في هذا العالم الكبير المليء ببلايين البشر، ليسأل نفسه عن حقيقتها، طبيعتها، أسبابها ومعادلاتها، وكيميائياتها، كيف ومتى تولد، ومتى تنضج وتتوهج؟ وهل هي تنمو مع عمرنا الزمني أم أن لها عمراً خاصاً بها يتراوح بين اللحظات القصيرة والأزمان السرمدية. هذه المشاعر المختلفة من إيجابية وسلبية وبما تحمله معها من جذب ونفور وصدق وأنانية، والتي نظن خطأ أنها قاصرة علينا فقط نحن الكبار وأننا نحتكرها ونحتكر التلذذ بها، متجاهلين بذلك الأحجام الصغيرة من بني البشر، الأطفال بقلوبهم البيضاء الطرية، والتي تحمل حقيقة صاحبها النقية، قبل أن تشوهها عوامل الزمان واحتكاكات وتقلبات دنياه التي يعيشها.


    هل من الممكن حقاً أن نتذكر ونسترجع مشاعرنا الخجولة عندما كنا صغاراً؟ أم أنها امتزجت مع ركام مشاعرنا الأخرى المتكومة التي تلتها، فما عدنا نعرف تاريخها ولا حقيقتها! وهؤلاء الصغار الذين يدبون على هذه الأرض بضحكاتهم المجلجلة البريئة ونظراتهم الفضولية وحركاتهم السريعة، هل يحبون مثلنا؟ هل يحقدون، هل يجارون؟ هل يتملقون؟ لقد اعتدنا دائماً أن نسمي صاحب القلب الطيب الودود، بصاحب القلب الطفولي لأنه متسامح وربما ساذج لا يميز ألوان المشاعر التي تزاحمه ولا حقيقة التصرفات التي تحيط به!


    وإليكم هذه القصة الطريفة والمدهشة معاً، والتي بطلها لم يتجاوز التاسعة من عمره، ذلك الطفل الصغير اللطيف المحبب لوالديه واخوته، كان في معية اختيه كمحرم لهما في أحد الصالونات النسائية ولأنه مل مشاهدة النسوة وهن يتباهين ويتدللن أمام المرآة ويشرن ويوصين المصففة (الكوافيرة) بأن تعمل كذا وكذا، خرج لينتظر أختيه في الخارج مع السائق، وبعد مدة خرجت طفلة أخرى شقية، ربما أزعجت والدتها بحركتها الدائمة فطلبت من الخادمة أن تنتظرها في السيارة مع ابنتها ريثما تنتهي، ليتم اللقاء بين الطفلين، فتسأل تلك الصغيرة سائقها عن ذلك الطفل الوسيم الذي يمازح السائقين ليلتفت لها ذلك الطفل ويلتقط نظرات الفضول وربما الإعجاب من وجهها الطفولي ويرسل لها ابتسامة طفولية، كبداية لقصة لا يعرف حقيقتها ولا سر اضطراب مشاعره تجاهها، فلم يجد وسيلة ليعبر بها عن مشاعره سوى أن يذهب إلى سيارته المجاورة لسيارتها ويدير جهاز التسجيل في السيارة ويسمعها أغنية غرامية صادف وجودها في الشريط، وهو يراقب حركات تلك الطفلة وهي تتراقص مع نغمات الشريط، ولم تدم لحظة هنائه إذ سرعان ما خرجت والدة تلك الطفلة، لتذهب تلك السيارة حاملة فتاته التي أعجبته بعيداً عنه! فما كان من ذلك الطفل المعجب إلاّ أن ذهب إلى اختيه في داخل الصالون ليسألهما عن اسم تلك الصغيرة التي ترتدي فستاناً من الجينز وشعرها طويل وناعم، وهو في حالة اضطراب شديد، وبسرعة وبدون تردد حكى لأختيه عن مشاعره نحو تلك الطفلة، وأنه يريد معرفة اسمها ليخطبها لأنها حلوة ودلوعة!


    ولم تستطع الأختان كتم ضحكاتهما ولا التعامل مع مشاعر أخيهما الغريبة والمفاجئة، اللتان لاتزالان تعتقدان بأنه صغير ولا يدرك هذه الأمور. وفي البيت ظل ذلك الطفل يلح على والديه بأن يبحثا له عن اسم تلك الفتاة ليخطبها، وأما الوالد الذي كان مستغرباً من تصرف ابنه وربما فخوراً برجولة ابنه المبكرة، ما كان منه إلاّ أن قال له مازحاً لو أنك كتبت رقم السيارة لكنت بحثت لك عن اسم صاحبها وخطبت البنت لك، أما والدته فلم تستطع أن تكتم عجبها واستنكارها لتصرف ابنها الذي كان ولا يزال في عيني أمه صغيراً وبريئاً، وتوبخه على سلوكه هذا المنحى الغريب عليها في التفكير، وبغض النظر عن تباين رأي الوالدين، وحقيقة تلك المشاعر التي سكنت قلب ذلك الصغير الذي ظل مدة طويلة يستمع لتلك الأغنية وهو يطلق الزفرات والتنهدات، مما حدا باخوته أن يطلقوا عليه لقب العاشق الصغير لطرافة وغرابة مشاعره، أخوهم الصغير الذي تعلق قلبه بفتاة وعرف معنى الحب من أول نظرة وهو لا يزال طفلاً. فهل هو العصر السريع الذي نعيشه، بهرموناته وجيناته المعدلة وطقوسه، هو الذي أكسبنا نضجاً عقلياً وربما عاطفياً مبكراً، أم أنه التقليد وبرامج التلفزيون، أم أنها الفطرة الحقيقية الصادقة التي غرسها الخالق جل وعلا فينا ودعانا لتهذيبها وإنمائها بتعاليم دينه السمحة والطرق الصحيحة المعتدلة؟ وأطفالنا الآن هل هم مختلفون في تفكيرهم ومشاعرهم عن أجدادهم في السابق عندما كانوا صغاراً، ألم تحتوي أساطيرهم أوحكاويهم السابقة، عن قصص ومشاعر طفولية مشابهة أم أن هذه الصفة قاصرة على أطفال الألفية الثالثة التائهين بين معتقدات وعادات أهاليهم وبين العالم المفتوح المتعدد الهويات الذي يعايشونه؟ ما أعتقده وأكاد أجزم به أن المشاعر المختلفة جزء لا يتجزأ من فطرة الإنسان متى ما تسنى له البوح بها والتعبير عنها بشكل واضح وصحيح، حقق له ذلك سعادة وأملاً ما كان يدركه، أو أنها ستظل مكبوتة في داخله كحجر أساس لمشاعر وعواطف أخرى قادمة. ومن يدري فقد تكون قصة هذا العاشق بداية ميلاد شاعر كبير أو فيلسوف متبصر بالمشاعر الإنسانية أو قاص مبدع وربما شيئاً آخر لا نستطيع إدراكه في الوقت الحاضر.

    منقول / د شروق عبد الرحمن الفواز

    لمراسلة الكاتبة / salfawaz@email.com
     

مشاركة هذه الصفحة