<>(( اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ ))<>

الكاتب : جرهم   المشاهدات : 478   الردود : 1    ‏2001-09-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-08
  1. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    لسنا أقل غضبا من القتلى

    فصدمتنا بما حدث على صعيد الفكر والثقافة تضاهي فجيعتنا بما حدث على صعيد السياسة والحرب. لأن النظام السياسي لم يكن يغوينا للحظه، ولم نكن معنيين بالارتهان إليه. وإذا كنا نتميز بقدر باذخ من اليأس، طوال ليلنا العربي المعاصر، فإنما هو يأس اقترحه علينا هذا النظام السياسي العربي بلا استثناء
    لقد كان المشهد العربي واضحا وصارخا إلى درجة الفجاجة. وكنا طوال الوقت نظن (نتوهم) بأن العقل العربي- على تناقضاته وتفاوت اجتهاداته- لا يختلف على طبيعة العسف في هذا المشهد، ربما لأن الشعارات التي تتدرع بها المنظومات السياسية لا
    تستطيع أن تخدع أحدا، خاصة إذا كان هذا، الأحد، هو الفكر والثقافة، المستهدفين من هذه المنظومات بالدرجة الأولى
    ومما كان يجري تداوله من أفكار ومنظورات ومواقف بين المعنيين بالفكر والثقافة، بدا لنا أن الرؤية النقدية لعناصر المشهد العربي لن تنفصل عن سياقها الحضاري، وبالتالي لن نصادف تناقضا فاضحا وفاجعا، إلى حد نرى فيه من ظل طوال السنوات يلهج بالحريات وحقوق الإنسان يشعر بالانسجام مع نفسه وهو يسكت على (ناهيك عن مناصرة) القاتل العربي المدجج بالشعارات والأسلحة، ويتجاوز (ناهيك عن مهاجمة) القتيل العربي المصاب بالغزو والاحتلال والحرب. أيا كانت المبررات التي يلفقها لنا هؤلاء، فان التلاعب بمصائر الشعوب، بهذا الشكل اللاإنساني، يجعلنا في حل من كل ما يتصل بهذا الهيكل الذي شيده لنا هؤلاء أنفسهم طوال عقود من الزمن. هيكل من أوهام ينبغي اقتلاعه من جذوره، فليس في نيتنا ترميم ما ينهار
    بعد أن تعلمنا أن المفكرين طليعة المجتمع والحياة، وقادة المسيرة المأخوذة بالمستقبل والحريات، و هم الرؤية الثاقبة التي ترى بعين النقد كل خلل يعاني منه الواقع، استطاعت الديكتاتورية، بكل آلياتها الجهنمية، أن تقود الجميع وفي مقدمتهم المفكرين والمثقفين. أكثر من ذلك راح هؤلاء يطوعون نظرياتهم واجتهاداتهم الفكرية، التي سهروا عليها العمر كله، ويجملونها بالمبررات، لكي يروا في الاحتلال العراقي للكويت إنجازا ثوريا هجست به النظريات وحلمت به الأجيال
    هؤلاء المفكرون والمثقفون قادوا جمهورا غيبه القمع العربي لسنوات طويلة، بمنظورات أسسها الوهم والخيبة، دون أن تتاح لهذا الجمهور- الذي فقد عادة الحوار- حرية مناقشتها. وإذا بالديكتاتور يجد في هؤلاء جيشا يتطوع، بأدواته وآلياته ومواهبه، في سبيل الدفاع عن شخصه وعرشه ونظامه، بل ويحيطه بهالة من التمجيد والتقديس، ويرى فيه المعجزة الوحيدة التي تنقذه من يأسه وتنتشله من أزمته وعجزه عن معالجة الواقع جيش مدجج بوهم مستفحل ودم بارد، حارب به العالم
    الآن،
    يحتاج هؤلاء إلى قليل من الشجاعة وشيء من الخجل ليعترفوا بأن الديكتاتور لم يدخل حربا، ولم يقاتل بجيشه وآلياته العسكرية، إنما حارب بهم، بهؤلاء الذين هتفوا للغزو والاحتلال الثوري وتباهوا بالحرب المفخرة. لقد اتضح الآن بأن الديكتاتور لم ينازل جيوش العالم إنما إدخر المنازلة الكبرى ليواجه شعبه الرافض لكل مغامراته وأساليبه القمعية، والذي - في مجابهته لأعنف وسائل البطش والتنكيل والتشريد- يطرح إجابته البليغة على العالم أجمع، وفي مقدمته هؤلاء المفكرين والمثقفين الذين اضطربت بوصلاتهم إلى درجة أن بعضهم لا يزال يرى في انتفاضة الشعب العراقي مؤامرة ضد النظام- الديكتاتور. وبهذا الموقف الفاشي يدفعون بنا إلى هاوية الانحطاط
    إننا نرقب تفاقم تناقضاتهم وسقوطهم في المزيد من الاضطراب المتناسل، حيث كل ما يتأسس على موقف خاطئ، سيظل عرضة للخلل، ولن ينفع التدارك والترقيع لترميم النظرية والتحليل، ونحن لسنا في وارد ترميم المشهد، ولكن مع طرح الأسئلة.. المزيد من الأسئلة الفاضحة
    لو أن هؤلاء لم يصمتوا عن (أو يؤيدوا) الاحتلال العربي، وأعلنوا رفضهم الجذري
    والمبدئي والصريح والعملي للاحتلال العربي، مثلما فعلوا مع الاحتلالات الأجنبية الأخرى، فهل كان الديكتاتور سيذهب في الطريق إلى نهايتها؟
    نسأل، لأن الوهم الذي زينه هؤلاء المفكرون للديكتاتور وللجمهور معا هيأ لهدر الدم العربي في سبيل عبثي لا يقبله العقل. لكنهم أيضا وقعوا في الشرك الجهنمي الذي هندسه الديكتاتور منذ سنوات، منذ كان النظام العراقي يدفق الملايين من الدنانير في ساحات الثقافة والفكر والصحافة والأعلام ربما بخبث يضاهي عنايته بالانفاق على التسلح. ولا ينبغي على هؤلاء أن يكابروا أكثر، لئلا يعلنوا صراحة عن فقد الذاكرة. فقد أصبحوا - وعوا ذلك أم لم يعوه - ذخيرة في سلة الديكتاتور يلعب بها كما الحاوي
    هؤلاء أيضا، المتشحون بالفكر والثقافة، ارتهنوا بمغامرة الديكتاتور، متنازلين عن العقل الراجح الرزين الذي ظلوا طوال الوقت يزعمون تشغيله في أعمال تأملهم الفلسفي، وتبريرا لذلك، راهنوا على جماهير الشوارع العربية التي ستثور على سلطاتها، استجابة للمشروع الذي سيعصف بالشعوب قبل غيرها، راهنوا على الجماهير ذاتها التي لم يحركها الاجتياح الإسرائيلي عام 82؟!. راهنوا على الشوارع العربية لكي تتحرر، معتبرين ضجيج بعض الشوارع التي ناصرت الاحتلال نموذجا ديمقراطيا، يميزها عن لا ديمقراطية الشوارع العربية الأخرى. وهكذا يسري التلفيق والتضليل، في عالمنا العربي حتى في الكلام عن الديمقراطية، نظرية وممارسة. أكثر من ذلك، راهن هؤلاء على جميع الشوارع العربية وغفلوا عن الشارع العراقي. وبالغوا في تغيب الشعب العراقي، ربما لأنهم خضعوا للوهم الذي كرسه النظام العراقي، طوال سنوات عديدة، بأن السلطة هي الشعب. سكت هؤلاء على هذا الوهم وأمعنوا في الكلام عن عراق السلطة، لكي نصدق أنهم يعنون عراق الشعب. وعندما لم تتحرك جماهير الشوارع العربية التي انتظروها وأنتفض، على نحو مضاد، الشارع العراقي من الشمال إلى الجنوب، برزت الأجوبة المسكوت عنها لأسئلة تغافل هؤلاء عن طرحها كمقدمات موضوعية لتحليل المشهد
    ترى كيف ينسجم هؤلاء مع أنفسهم و هم يمارسون إلغاء شعوب والتغافل عن أخرى.كيف يرون الآن المشهد، بعد أن ساهموا، بطاقاتهم الفكرية والفلسفية، في التداعي الفاجع الذي دفع الإنسان العربي ضريبته من الدم والمستقبل. حيث شحذوا نصل الديكتاتور وهو يذهب إلى لحم الشعب العراقي حتى العظم
    الآن،
    نريد أن نقول بأن الأخطار التي عصفت براهن الإنسان العربي ومستقبله، والعاصفة التي مزقت وتمزق الإنسان والوطن، ما كان لها أن تحدث لو أن مفكرينا ومثقفينا رفضوا المغامرة الدموية التي تمثلت باجتياح الكويت واحتلاله، ولم يقامروا بالشعب
    فالمرء لا يستطيع أن يناصر الأنظمة درن أن يضحي بالشعوب
    لذلك نريد أن نفهم سببا واحدا يجعل اتحاد الأدباء العرب- في مؤتمره الأخير (ديسمبر 1990 بتونس)- يتخذ موقفا منحازا مع نظام عربي، ويلغي أكثر من شعب من ذاكرة الثقافة والأدب العربي. بالرغم من تحفظاتنا العديدة على هذه المؤسسة، التي ظلت في سنواتها الأخيرة نهبا لمشاريع النظام العربي، إلا أننا نريد أن نعبر عن استغرابنا من أعضاء عشرة وفود عربية شاركت في المؤتمر الأخير، كيف تسنى لها جميعا أن تقبل الوقوف مع النظام العراقي، وتصدر تسعة بيانات، من بينها البيان الختامي، دون أن يتذكر أحدهم (لا أعضاء الوفود ولا البيانات التسعة) شعبا عربيا محتلا من قبل جيش عربي يهدد شعوبا وبلدانا أخرى في الخليج العربي؟! كيف لم ترد في كل هذه البيانات كلمة واحدة عن الشعب في الكويت. مع أن المؤتمر لم يغفل عن كل قضايا العالم من موريتانيا إلى اليمن مرورا بلبنان. أليس في هذا إصرار واضح على الخضوع لمشروع الاحتلال و الضم الذي استهدفه النظام العراقي، إلى حد دفع بهم إلى إغفال اسم الكويت عند الإشارة إلى الوفود التي غابت عن المؤتمر. ترى هل يقترح علينا اتحاد الأدباء العرب- هو الآخر- أن نمسح من ذاكرتنا شعبا عربيا كاملا استجابة لمشروع النظام العراقي؟! هل يجوز لنا، كأدباء وأصحاب فكر، أن نقبل الخضوع لأوهام النظام
    العربي، مهما كانت شعاراته، ونسكت عن العسف بالشعوب؟
    لكن، كيف يمكن لاتحاد الأدباء العرب، أن يلغي من برنامجه شعبا عربيا استضاف إحدى مؤتمراته الأولى في بداية الستينات، وظلت له عضوية كاملة في الاتحاد طوال هذه السنوات، دون أن يلتبس علينا الأمر، ودون أن يطلع علينا أحد باقتراح وحدوي يلغي شعبا ويغفل الآخرين
    الآن،
    نريد أن نسأل ضمائر أعضاء عشرة وفود عربية شاركت في مؤتمر الأدباء الأخير، كيف لم تتوقف للحظة أمام الاحتلال العربي للكويت لكي ترفضه وتستنكره، تماما، وبالدرجة نفسها التي استنكرت بها جميع، الاحتلالات الأجنبية، التي أشار إليها البيان الختامي للمؤتمر؟
    هل يقترح علينا اتحاد الأدباء أن نسكت عن الاحتلال والقتل العربيين، لأنه عربي الجنسية، فيما نرفض الاحتلال والقتل الأجنبيين، وتجاوز ملابساته والظروف التي استدعته وهيأت له وكرسته؟
    الآن،
    نريد أن نقول عن مشاعر الصدمة التي انتابتنا، فيما كنا نتلقى موقف الغدر الذي أصاب في نفوسنا
    مقتلا يصعب معالجته. فالموقف،الذي طلع به علينا اتحاد الأدباء العرب، لا يختلف عن السياق البائس الذي يسقط فيه قطاع كبير من المفكرين والمثقفين العرب، في داخل
    وخارج البلاد العربية. لقد صدمتنا وأدمتنا نظرة هؤلاء الدونية إلى الشعب العربي في الخليج. ومن خلال إطلاعنا على مجمل الكتابات التي نشرت أثناء الأشهر الأخيرة، للعديد من المفكرين والمثقفين والأدباء العرب، يمكن ملاحظة مقدار الاستهانةوالتهميش والعنصرية ضد شعوب المنطقة، إلى حد المطالبة، دون حتى مانع إنساني
    وأخلاقي، بإلغائها وتذويبها في شعوب أخرى، فبعد كل هذه السنوات التي ظل خلالها هؤلاء يتداولون الكلام عن الحريات وحقوق الانسان وحق تقرير المصير، ويتعاطون كل هذه المبادئ مع الشعب العربي، نجدهم فجأة لا يرون في شعب الخليج سوى نموذج بدوي، متخلف، سلبي، مهادن، وهبه الله النفط والثروة دون أن يستحقها، فضلا عن أنه لا يستحق العيش في هذا العصر، وينبغي اقتلاعه أو دمجه في جماعات أخرى، وفي المقابل يرى هؤلاء في النظام العراقي مشروعا حضاريا مؤهلا لنقل الشعوب العربية من التبعية والتخلف إلى الاستقلال والتقدم والعدل والحرية. ومن أجل ترويج منظورهم، الذي لا يقل فاشية عن ممارسات النظام العراقي، تعاملوا مع كل تاريخ منطقتنا العربية من إنجازات ثقافية ونضالات وطنية وقومية وطموحات شعبية، باستهانة واحتقار شديدين، لا يليقان بأهل الفكر والثقافة، وراحوا يمارسون تغيبا بشعا للشعب في الخليج، فيما يطلقون صوتا عالي الضجيج والديماغوجية عن تبعية الأنظمة والمؤامرات الأجنبية، حتى أن ضميرهم (الحضاري) سمح لهم بأن يصمتوا عن الممارسات الدموية التي كان النظام العراقي يمعن فيها ضمن مشروعه في الكويت. ترى هل كان هؤلاء العرب الأشقاء يحملون لنا هذه النظرة القاصرة طوال الوقت، دون أن يجهروا بها؟
    هل يعتقد هؤلاء إننا أقل قدرة على معرفة واقعنا ومشاكلنا، واختيار السبل الممكنة لمعالجتها بالشروط الإنسانية والديمقراطية التي تحفظ للبشر كرامتها وحريتها وهويته الوطنية والقومية لماذا، فجأة، انقلبت القيم والمفاهيم والاستراتيجيات؟
    فبعد أن كان الجميع يتكلم عن الديمقراطية و الحريات وحقوق الإنسان، والطرق الحضارية للانتقال من التخلف إلى المستقبل، نراهم، وبمجرد أن يلوح الديكتاتور
    بسوطه وشعاراته يكتشفون في هذا الغزو معجزة يمكن أن تختصر لهم كل شيئ. وتصبح استراتيجية التآمر وسيلة مقبولة لتحقيق أحلام التغيير. ويجد هؤلاء الجرأة، أيضا، في أن يتوقعوا منا (فيما رقبتنا تحت النصل) أن نصمت عن ممارسات النظام العراقي (الذي نعرف طبيعته مثلما يعرفون) بل ونقف معه في احتلاله لكويت،
    وهو الذي يفتك بشعب كامل و يهدد شعوبا أخرى
    أليس من حقنا على هؤلاء الأشقاء العرب، في ميدان الفكر والأدب، أن نعتب عليهم، ونستغرب، ونغضب أيضا؟ ألسنا جميعا ضحايا العسف العربي؟ هل تغدر الضحية بضحية مثلها، على نفس الشفير وتحت نفس النصل؟
    كيف نكون جديرين بدورنا الحضاري كمثقفين وأدباء و أصحاب فكر، إذا لم نقل كلمتنا (حين يمكن الكلام) في مواجهة العسف عربيا كان أم أجنبيا. وإذا كان مؤامرة
    ثمة مؤآمرة تتعرض لها هذه المنطقة. فيجب الاعتراف بأن الأطماع التوسعية ليست مقتصرة على النظام الأجنبي فقط
    وأن الفاشية ليست احتكارا غربيا. وإذا كنا نجد عذرا للذهنية الإعلامية الأجنبية بحجة نقص المعلومات والموقف السياحي تجاه العرب، فان مفكرينا لا ينبغي أن تنقصهم المعلومات عن شعب هذه المنطقة، فمعظم هؤلاء على اتصال وتعاط مع شتى فعاليات شعب الخليج، سياسيا وثقافيا واقتصاديا، بما يكفي لتكوين رؤية موضوعية


    لا تهادن الأنظمة
    لا تهين الشعوب
    ولا تسكت عن الموآمرات الأجنبية، دون أن تنتصر لطاغية أو ديكتاتور أو محتل مهما كانت جنسيته وشعاراته، فالممارسات اللاإنسانية لا تبررها الأهداف النبيلة. الآن،
    لابد من الجهر بأن الصدمة الحضارية التي منحها لنا موقف هؤلاء من الاحتلال العربي، أضافت إلى يأسنا القديم، من المنظومات السياسية العربية في النظرية وفي السلطة، يأسا جديدا من البنى العقلية العربية فكرا وثقافة. وهو يأس يمس جذور المفاهيم والقيم، ويكاد يتصل بالمعنى الأخلاقي للموقف الإنساني. ولذلك فنحن في حل الآن من قبول تلك الاجتهادات الفكرية والفلسفية التي اقترحها علينا هؤلاء طوال السنوات العربية الأخيرة، مادامت مستباحة - هذه الاجتهادات - إلى هذا الحد. ولئلا نقلل من طبيعة هذا الامتحان الفاضح الذي دفعنا إليه الاحتلال العربي، لابد من وضع جميع هذه الاجتهادات والمواقف الأخيرة على طاولة، للبحث والنقد والنقض، وبعيدا عن نوايا الترميم والتلفيق. الآن
    بعد الحروب التي لا تنتهي،
    بعد درس الدم،
    بعد أن توضحت فضيحة السفك الذي حققه النظام العراقي في الكويت بامتياز، بعد أن قال الشعب العراقي إجاباته الجنائزية للسلطة التي أخذته (ومعه العرب والعالم) إلى أكثر من كارثة، بعد درس الندم، بعد الدمار الذي طال الروح والطبيعة والجغرافيا والتاريخ والمستقبل. بعد دلك كله،
    هل نحن الشظايا؟
    هل (مرة أخرى) سيبدأ بعضنا درس النقد الذاتي حتى الكارثة، ليقترح علينا بداية جديدة.. من الصفر؟
    هل نحن سديم البدايات بعد كل حريق؟
    لكن هل سنسمح لخراب فاجع مثل هذا أن يحقق أهدافه كاملة ويذهب في النسيان؟! يقينا، إذا حدث هذا، فنحن المخلوقات الآفلة المنقرضة
    لكن،
    لا خيار لنا سوى النهوض بأنقاضنا، جميعا جميعا
    -------------------------------------------------

    اليأس المكابر والهاوية الذهبية


    هذا العنوان يعني أناس يطمئنون
    أنفسهم بأنه لا يعنيهم إطلاقا
    جورج حنين
    -----------
    نرى إلى الظلام العربي الذي يتخبط في واقعه ضربا من اختبار طاقة الأمة على مجابها قدرها. ولأن أمة عربية مثلنا لم تزل تتجرع الدروس دون أن تستعد لإدراك ما يحدث واستيعابه. والتحاور مع عناصر الحياة فيه، فإننا لا نخضع لكل ما ينهار فينا. قلنا مرة في. كلمات "، لسنا في كل ما ينهار، لأننا لم نسهم فيه. أو بالأصح لم يتح لنا مجال الإسهام فيه. هو واقع ينهار لأنه أسس وتأسس لذلك مبكرا، ما دام يمعن في تكريس المصادرات و تبرير هندسة الغابة. و عندما نتأمل ما يحدث في ظلامنا العربي تجاه ما يتخلع ويتغير في العالم، نشعر بثقة غامضة في يأس كنا نتطلع إليه، يأس فاتك لم ينقذنا منه سوى التشبث بالذات لئلا تصدق ما يقال، حيث ما يقال شيء غير الذي يحدث. (..) و هاو تجن نجد أنفسنا في لحظة تراجيدية/ ساخرة، تتطلب تأمل الأوراق المخلوطة، لكي نعرف حقا أي حصان و أية عربة يزعم الزاعمون أنها تقود الركب العربي إلى الهاوية الذهبية


    1
    كان ذلك كلامنا في مقدمة العدد الماضي من كلمات الذي صدر قبل الاحتلال العراقي للكويت بأقل من شهر. لا نزعم نبوءة ما، ولا نتوشح بالميثولوجيا. لكننا لم نكن نتكلم عن كوكب بعيد، كنا نقول عن كوكبنا العربي، عن عذابنا فيه وذعرنا الكامن المكبوت الذي يسور رؤانا جميعا من الماء إلى الماء. و لم يكن ذلك هجسا، بالمعنى المجازي، لكنه اندياح الجمرة في الأحشاء، حيث (لكي يقول المرء كلمته الوحيدة الواحدة المتوحدة) ينبغي أن يجتاز مفازات المحاذير والقيود التي لا تحصى، لئلا يخدش مرآة المشهد الساكنة، لئلا يعكر صفو يقين البهائم أو يوقظ القطيع من غفلته. كنا نقول عن المشهد العربي المسكوت عن كوامنه، فنحن بشر نزدرد الخوازيق بصمت، ولم يكن لنا حتى أن نختار أكثر الخوازيق رأفة وحنانا. ورغم ذلك لم نتخل عن موهبة اختبار خبيئة المشهد، فحتى البهائم يمكنها أن تستشعر الزلازل، أما نحن فلم تكن الكلمة تقوى على احتمال عبء أرواحنا. كلما حاولنا الإيضاح ازددنا غموضا.. ليس لأن القول لا يفهم، و إنما لأن القارئ (أكثر من ا لكاتب) مرصود لمصادرة حرية السبر و الحوار والتأمل. لذلك سيظل قولنا يبدو غريبا وغامضا، و مجللا بحزن عميق، ويائسا أيضا، حتى إذا ما داهمتنا الحقيقة تكشفت فضيحة الواقع، لتمنح غموضنا سطوعا لا يضاهيه سوى الدم. ألسنا على الشفير نفسه الذي يصقله لنا مهندسو كوارث من كل جنسيات الأرض، وفي مقدمتهم عربنا الأشقاء. عرب يرفعون شعار الحكمة، فيما تغرر بهم شعائر الحكم. و تضطرب بوصلاتهم فيرون في الماضي مستقبلا"


    2
    هكذا، بغتة، تسقط جميع المبادئ و القيم في سلة الطاغية لتصير بعضا من أسلابه وذخيرته في أن. ويسقط- في ذلك- تاريخ كامل من العمل والتضحيات، ليتعلق الأمل (اليائس) بجزمة جندي يبشرنا بفاشية قادرة على التناسخ لبحرية. هكذا، بغتة، تبدو الدروس- التي تتهيأ الأمة لمراجعتها وتأمل جوهرها- كما لو كانت خطا شاملا يتوجب مسحه من برنامج حياتنا
    هكذا، بغتة، تجد نفسك أمام جوقة من السماسرة تزايد على كل شيء، و تعبأ بكل شيء.. إلا بالإنسان. جوقة تتجرد من الحس الإنساني لتلبس غريزة الوحش، و هذأ ما يمنح المشهد العربي الراهن خاصية كابوسية وحشية لا تليق بالشعارات البراقة التي ظل الجميع بتبادلها طوال الليل العربي المعاصر. هكذا، بغتة، تزهو الأيديولوجيات بالكفن الأخير، والأتباع يرفعون التعاليم ليفتحوا بها بوابة التغيير، ولا يدرون أن الهواء الأسود سيكون أول الوافدين، وأن غبار الضحايا سوف يملأ فم الحرية
    هكذا، بغتة، تقدر الفضيحة على دفعنا إلى مجابهة الواقع بعناصرنا الجوهرية المجردة، الحس الإنساني العميق الذي يرى إلى الدم ساطعا أكثر من النصل، حيث تصبح النظريات رمادية... ورمادا أيضا، قياسا إلى خضرة القلب


    3
    هكذا، بغتة، لم يعد الصمت ممكنا

    4
    لذلك، لذلك كله، عندما نسقط ضوءا"صغيرا على مشهد الدم هذا، إنما نمارس قدرتنا على إطلاق صرخة القلب (الذي يعال أنها أضعف الإيمان). فالقلب لا يتسع لجرح إضافي.. هو الصمت، إذ أن الصمت- حين يكون الكلام ممكنا- ضرب من القبول، وفي مواجهة الفاشية الرابضة أمامنا و حولنا، ليس لنا أن نمنح المشهد تزكية ه يستجديها، خاصة ونحن نرى إلى منظومات فكرية وسياسية تعضد هذه الفاشية بقدر كبير من الفذلكات القلقة. لم يباغتنا النظام العربي بانهياراته، و من ثم بفشله في مواجهة الغزو و الاحتلال و الحرب، إن السقوط الذي تتباهى به المنظومات الفكرية والسياسية، و هي ترى في الغزو و الاحتلال والحرب إنقاذا" لها من اليأس و العجز و الإحباط، لهو دلالة كافية على أن يأسنا المختلف، يأسنا الخلاق، كان طوال الوقت حصانة لمنظوراتنا و رؤانا لحركة الجوهر. و ها هي الفضيحة تضعنا في مواجهة التاريخ
    تاريخنا كله
    لذلك، لذلك كله رأينا في " كلمات " أن نتيح لضوئنا الصغير بأن يسعفنا لقراءة التاريخ.. ماضيه وحاضر.. وما أن نعيد هذه القراءة حتى ينتابنا شعور فاجع بأن جميع مزاعم وعينا بحركة التاريخ 5ليمست سوى وهم كامل، و يتأكد لنا بأن ما حدث سابقا- فشتى المراحل- لم يعد يشكل إضافة نوعية لخبرتنا، و لا يساهم في توسيع أنق الإدراك و المعرفة. و اكثر إرعابا هو شعورنا بأن الغالبية منا مؤهلة، أكثر من غيرها، لتمجيد الطغاة والتهليل لهم. ليس هذا فحسب، بل أنها مرشحة لأن تكون فاشية ما أن يتهيأ لها المناخ الملائم. إذ يكفي أن تكشط الجلد قليلا ليطلع لك فاشي كامن لا تتوقعه. ونحن عندما نولي عناية خاصة برفض الفاشية، فإنما نريد أن نخشى على مستقبل كامل مهدد بعسف كبير، لا يقل عشقا عن الماضي الذي نستحضر بعض تجاربه في هذا العدد
    و لعل المشكل المضاعف مع الفاشية هو أنها تستدرج خصومها أيضا، ليجدوا أنفسهم يمارسون السلوك ذاته، و بالأدوات ذاتها. وبإلقاء نظرة متأنية على ما يحدث، نرى الضحايا (و الضحايا المرشحة) تتوسل نفس اللغة الدموية، و تستحث آلة الحرب لكي تعلن عن نفسها سريعا، كما لو أن العدو هو القدوة، في حين ينبغي أن نذهب إلى رفض كلى ذلك
    الغزو و الاحتلال و الحرب


    5
    لكن.. شعور"يخالجنا، بأنه مهما كان الشكل الذي سنخرج به من هذه الهاوية الذهبية "، و مهما كانت الطريقة التي سيبتكرها لنا مهندسو الكوارث، لكي ننجو هن الموت (أومن الحياة)، فإن ثمة عسف كثير ينتظرنا، ما لم يحرم الطاغية من وشاح البطولة، و مالم يتم الخلاص من سيادة الرأي الواحد و الطريق الواحد والنظر الواحد، فلقد عشنا طوال ليلنا العربي المعاصر ضحية ذلك، وها نحن، عندما استيقظنا في هذه الفضيحة.. انظروا كم رأي نحن وكم نظرية وكم طريق
    وليس هذا من تنوع الحياة، و لكنها لعنة الشتات. لقد كان الامتحان صعبا، و فاضحا" للجميع.. للجميع
    ------------------------
    الذهاب إلى النص



    مناخ لتبادل الأنخاب بين الكتابة الشعرية و لانهائيات النص
    هكذا رأينا لهذا العدد أن يكون
    ما كان لنا الزعم بأن تكريس العدد للكتابة الشعرية انزياح نحو طرح الأجوبة على أسئلة راهن الشعر. على العكس، أنه ذهاب فاضح نحو لج الأسئلة الراهنة والكامنة. معانقة السؤال بسؤال كامن ومكبوت مثله، أو أكثر ضراوة منه، هكذا نرى الفضاء الشعري، الأكثر شفافية من الليل العربي، الأكثر قدرة على الحلم والأمل، يشع بكتابة لا يمكن التكهن بطقوسها و مناخاتها، لكنها، يقينا، تحفل بالمغايرة
    هاهنا، في هذه اللحظة الباهرة، يرتكب الكاتب والقارئ معا الخطيئة المبجلة، ويمضيان في الفضيحة بلا خجل. أي رجم فاحش ينتظر النص الجديد
    تترنح الكتابة الشعرية الآن تحت وطأة مالا يقاس ولا يحصى من التجارب. وبرغم خطورة هذا المشهد (الذي لا نخشاه ولا نخشى عليه كثيرا) إلا أنه كفيل بمنحنا أكثر الأسئلة وضوحا وسطوعا (عندما تكون كذلك، نكون كثر جدارة باكتشاف الأفق). هاهو الشعر يخرج من (القصيدة)، ويخرج عليها في آن
    فعل الخروج هذا لا يقترح بديلا شكلانيا لطريقة ما. لكنه اتصال بالاحتمالات اللانهائية التي تتيحها حريات الكتابة. وما إن تكتشف صوتك حتى تصير مرشحا لمحاورة الأصوات الأخرى. فعل الحوار الإبداعي يستدعي طاقة الإنصات للعالم والاتصال به، فأنت لا تقدر أن تحاور الآخر وتنفيه في الوقت نفسه. لذا نرى إلى كثير الغابة، الذي يحدث على صعيد الكتابة الشعرية، باعتباره صريخ أعماق معرض لتحول في الطبيعة، تحول مثل الجمر.. مفتوح على الريح
    نرى إلى ذلك، تراكما لابد له أن ينثال عن النواة الذهبية، فاكهة الملك
    فالحريات التي يتمرغ فيها الكاتب تضعه مباشرة في مجابهة فشله ونجاحه (حيث لا مجال للتماهي، طويلا على الأقل، في لغة كأنها الكتابة أو كتابة تقصر عن النص)، وتضعنا مباشرة أمام تجارب تتسم بالغنى والتنوع. كل ذات تكتب مجهولها الغامض. وعلينا، بعد ذلك، أن نكتشف في هذه التجربة خصوصية المشهد وجماعية الصوت

    هانحن نرى الشعر الآن مأخوذا بحرياته. يسعف، بجمالاته ، الذهاب الفاتن إلى النص. هانحن نلمس، بالحواس كلها، التجلي الزاخر للخروجيات التي يقترحها لنا جيل يتخلق، فيما يذهب إلى النص مدججا بالعناصر. ولعلنا، دون أن نغفل، نتشبث برغبة أسئلة الوضوح، حيث ذهاب مثل هذا يتطلب الموهبة والمعرفة معا. لم تعد الكتابة (الآن أكثر من أي وقت) مكتفية بفطرة الموهبة وخبرة المنجز. ليست الكتابة، الآن، تقليدا للحظة فنية (تقنية) ماضية وتمضى، لكنها اتصال بلحظة فنية إبداعية آتية وتأتي. والكتابة الراهنة، فيما تتقدم، تحقق نقض الجاهزية، حيث النص لا ينشأ عن اتكاء على شكلانية مستقرة، إنما هو يتكون من تعبير عن مجهول جمالي، يستمد حيويته من حركة العمل


    لحظة الكتابة
    لحظة القراءة

    وبهذا لا تعود الموهبة، عارية وحدها، قادرة على إسعاف النص. ليس عند الكاتب فقط، ولكن عند القارئ أيضا. فلكي نمنح الكتابة احتمالا جميلا لتوليد متعة النص ودلالاته، لا مفر أمامنا من الاحتفاء بدور للمعرفة لا يقصر عن دور الموهبة

    ذهاب غير معلن (يتوجب الجهر به) نحو مجهول يغري بالمغامرة والكشف. مجهول يصير إبداعا عندما نفض تخوم مجهوليته وهوائه وأسئلته باختراق باسل مسلح بالجرأة والوضوح، بالموهبة والمعرفة، دون أن نقع في شراك الأجوبة المنجزة التي أوشكت أن تصير سلطة محصنة بالأوهام وبكل ما هو راسخ ومقدس. لم تعد هذه الحصانة قادرة على صد الاختراقات المتواصلة على صعيد الرؤية والكتابة


    استبصارا لا تحصى
    أسئلة تجازف بالارتياب

    والكتابة الشعرية تسافر في لانهائيات النص، اختراقا لشكلانية تحد، وتعبيرا عن معاناة تمتد من لثغة الحرف حتى شهقة الحرق. خروج شاسع، يخالجه شك في الشكل وتدمير لقفص الدلالة والمعنى


    لسنا بصدد إطلاق الأحكام على النص الجديد، أو الذي يتجدد باستمرار. لسنا في موقف من يسمح لنفسه بارتجال النظريات. كل شئ يصير بفعل الممارسة، ففي الفن يكون العمل هو النظرية
    وعندما نهيئ المناخ لتبادل أنخاب العمل الشعري (بشتى تجلياته) إنما نتيح لأنفسنا ملامسة لذة الحوار الإبداعي بين كل الأطراف (طاقات الإبداع). ولعلنا بذلك نتوغل أكثر نحو تخوم ممحوة (أو مرشحة للمحو) بأشكال الفعل الإبداعي، أو هكذا تريد أن تقول لنا مادة هدا العدد. حتى لكأننا نكاد نجس هشاشة الحدود التقنية القائمة بين فعل الكتابة، وفعل الحوار النقدي، وفعل القراءة الفاتن
    نرى إلى تبادل الأنخاب بين النص والنقد ضربا من حوار الأعماق. لا يأتي النقد في رداء القاضي أو الواعظ، ولا يأتي النص في قميص البريء أو المذنب. عبر هذا العناق الخلاق يصير النقد نصا يجاور النص (فيما يحاوره ويستبطنه) بل ويضاهيه


    مع النقد: نسأل الأسئلة
    مع النص: نفتك بالنص
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-09-10
  3. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    I hope mesirable Arabic People will listen to these things carefully.

    thank you
     

مشاركة هذه الصفحة