<>(( المبتدأ و الخبر ))<>

الكاتب : جرهم   المشاهدات : 639   الردود : 1    ‏2001-09-08
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-09-08
  1. جرهم

    جرهم عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-07-01
    المشاركات:
    1,331
    الإعجاب :
    1
    من مجلة كلمات

    ما ينهار، لا ننهار معه
    نتركه لانهياره، نعمل لكي لا يكف عن ذلك
    وطن عربي من الماء إلى الماء، كابرت أنظمته ومنظوماته ومنظماته و هي تقبل الأوهام التي تكرست باعتبارها أحلاما. كابرت، ممعنة في فعل النكوص بوهم النهضة، فيما يتشظى الإنسان مشحرذة على عظامه شتى أنواع الأسلحة، من صلافة الأعلام حتى جنون القذيفة
    وفئ من الماء إلى الماء، ينتخبون له الشراك ر يمنحونه الذهاب إلى الغيبوبة بمنطق الآلة الجهنمية و وحشية الغابة، وليس له أن ينتخب خبزا أو حقيقة أو نوما مفعما بالأحلام. وطن في الخوف. كيف يعتبر الإنسان حيا وهو في الخوف؟ خوف من كل شيء، من كل جهة. لم تمنحه المنظومات الأمان ولم تسعفه المنظمات لكي يقوى على المقاومة. على العكس، صارت هذه المنظمات حزام أمن أحسنت المنظومات استغلالها. وبعد تاريخ طويل من نضال الهزائم لم يزل الحال على (أسوأ) ما هو عليه، و تسنى للعدو (هنا وهناك و هنالك) أن يتفوق و ينتصر، و يطرح الصوت العالي من أجل المقايضات المهينة الموغلة في الإذلال، وصار لنا أن نرى الجلوس إلى العدو ومساومته أكثر إمكانية من مصالحة الصديق و معانقة الشقيق، وفي هذا المشهد اختزال مفجع لحقيقة اعتقدنا (العمر كله) أنها لن تحدث أبدأ، و في هذا المشهد تكمن الهزيمة الحضارية الحقيقية، وهي هزيمة تتجاوز كل الهزائم. لكنه الانهيار التاريخي الذي يهيئ الآن لانهيار الجغرافيا العربية الشامل، وليس لنا إلا أن نستعيد الدروس الكثيرة الهائلة التي لم نتعلم منها درسا واحدا، أعني لم تتح لنا حرية أن نتعلم منها، أما الذين ظلوا يكرزون لنا بشتى المواعظ طوال تاريخنا الحديث فقد أخذوا يعيدون لنا الدرس بالمقلوب ويمارسون محوا منظما للذاكرة العربية كما لو أنهم يعدون لنا الحظائر (مكيفة الهواء) مثل أكثر الحيوانات همجية وانحطاطا
    لكنه انهيار مالا يتصل بالثقافة والفكر
    ربما هو انهيار يحدث في المكان المناسب الآن. و بدون مكابرات مضاعفه ينبغي أن نعرف (و نعترف) بأن الثقافة لا تخطئ، إنها ضرب من أداة العمل، يمكن أن تستخدم بالشكل الذي يحسنه الإنسان، و عندما محدث هزيمة ما يتوجب أن نبحث عن الخلل في المكان المناسب، ر هذا المكان ليس في الثقافة على كل حال، فالثقافة ليست سحرا ولا غيبا، إنها الإنسان في العمل و الممارسة. حتى الذين تعاملوا مع الثقافة تعاملهم مع المقدس لا تجوز لهم الثقة في تصديقنا بأن نقد الأداة يمكن أن يغني عن نقد الحياة
    لذلك نربد أن نلفت إلى مشاريع المناحة و الندب التي تقام لها السرادق والمهرجانات من أجل هجاء الثقافة ر المثقفين، تماما مثلما يحدث بعد كل هزيمة ونكوص و انهيار. نريد أن نقول الحقيقة التي يريدنا الآخرون أن نغفل عنها (مثلما يغفلونها). السرادق المقامة من أجل ندب

    الثقافة والمثقفين هي ضرب من الإمعان في تحميل مسؤولية الهزائم جهة ليست مسؤولة عنها. فبعد أن يفشل السياسيون في مجالهم، وبعد الكوارث، و بعد ما لا يقاس من الضحايا و فساد الأجساد ر الأرواح، يستديرون إلى الثقافة و المثقفين لكي يواصلوا العسف بشكل آخر، أكثر صلافة و انحطاطا. السياسيون ذاتهم الذين صادروا حريات المثقفين وسلبوا دررهم في الإسهام في صياغة المشروع الحضاري الذي يحلمون به ، السياسيون ذاتهم الذين عزلوا الثقافة عن الإنسان والمجتمع والتنمية، يأتون الآن، بعد الانهيار المبجل ه لإلقاء المسؤولية على من لم تتح له حرية تحملها. و في هذا الهاء منظم عن النظر إلى الجهة الصحيحة ومحاسبة المسؤول عن هذا الانهيار و لهذا يجوز لنا أن نرى إلى ما يقام من مهرجانات ومناحات و هجاء للثقافة و المثقفين باعتباره اتصالا بالمصادرات ذاتها التي تعرض لها المثقفون طوال ليلهم العربي المعاصر، و نلفت إلى أن النقد الحقيقي الذي يحتاجه الواقع العربي ينبغي أن يتجه إلى مكان آخر غير الثقافة و المثقفين. و الذين يذهبون إلى المبالغات في تحميل المثقفين العرب مسؤولية ما حدث يقعون في الشراك ذاتها، حيث يريد لنا الآخرون أن نتوهم بأن هجاء الثقافة هي الصراط الوحيد لإنقاذ الجثث. يدينون الضحايا، يمنحون القاتل حصانة التشبث بالدست، و يعدون لوليمة أخرى
    لقد بالغ سياسيو المنظومات العربية في اعتبار الثقافة أداة توظف في خدمة المشروع السياسي، بالغوا إلى الحد الذي اختلط على بعضهم بأن ردم الفجوة بين المثقف و النظام هو سبيل ممكن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، غاب عن بال هؤلاء بأن ردم هذه الفجوة لن يكون سوى على أشلاء المثقف العربي، خصوصا في مجتمع عربي لم يعترف النظام فيه بالمعنى الحضاري لحريات الحوار الفكري الذي يطال كل شؤون الحياة. غاب عن لمالهم أن التنمية ليست في الكلام الثقافي الذي يبرر الواقع ويكرسه، لكنها في الحوار الذي يفسر الواقع ويكشفه ويغيره. في مجتمع لم يعرف فكرة التغيير و لم يقبلها بالمعنى الجذري، و إلا من يستطيع أن يزعم بان المنظومات العربية الراهنة قد قاربت العمق الحضاري لفكرة التقدم و العدالة و الحريات؟ من يستطيع أن يجزم بأن فكرة ردم الفجوة لا تستهدف تحويل المثقفين إلى نوع من الثآليل في ذراع النظام العربي، ليصيروا، مع الوقت، ركاما من الدمامل المتقيحة تفرز سمومها في المشهد الثقافي العربي لتفسد ما تطاله بشتى الوسائل، بالعسف المباشر تارة وبالترغيب تارة أخرى. و ها هو ذهب المعز وسيفه يطفحان في مجتمع يعيش عصر المعز لا يزال. فالذين يطرحون علينا الآن مشاريع معاقبة (أو مكافأة) المثقفين على مواقفهم (أيا كانت هذه المواقف) لا يعبرون إلا عن الانحطاط الضارب في المشهد العربي الذي يذهب إلى التفسخ، يذهب.. ويريد أن يأخذنا لقد أمعنوا في عزل المثقف عن دوره، و هاهم يبالغون في وضعه محت وطأة أخطاء لم يرتكبها ولم تتح له حرية نقدها ولا رفضها. فكثير من الكلام الرسمي الآن عن النقد " الذاتي، تغيب لضرورة النقد "الموضوعي ". مما يجعل نقد الفكر تهميشا خطيرا لنقد الممارسة. هل نقترح على المثقفين أن يكفوا عن المشاركات في أية سرادق تقام لهجاء الثقافة مهما كانت الحجج، لأن في هذا خضوع غير واع للأوهام التي تريد منا أن ننشغل عن النظر إلى الخلل في مكانه بالضبط، وهو مكان غير الثقافة وغير الفكر و غير الإبداع، إنه في المكان الآخر تماما: في السياسة و الاقتصاد والتنمية و العسكرتاريا. لكنه الانهيار،
    وما ينهار، لا ننهار معه
    ففي هذا الانهيار دليل على أن الثقافة و الإبداع لا ينهاران عندما تنهار السياسة
    وطن لا تتاح له حرية انتخاب الحقيقة، يصاب بحرية النحيب
    وطن فشل في حماية الإنسان ا يقصر الإنسان عن حمايته
    وطن لا يحتمل المديح و لا الهجاء، هو بحاجة ماسة للحب
    وطن هو المبتدأ و الخبر، آن له أن يصير جديرا بالاسم والفعل
    -----------------------------


    سرد ينام قبل يقظتك



    ينالك الشغف الجميل وأنت تسكب روحك في القدح وترفع النخب تمجيدا لكل من يصخب معك على المائدة، تهتف بمن يضع جبينه على حافة الانتظار وتعبأ به وتهتم، وتحتضن من يشهر عتبه على غيابك ليشعر بدفئك حيث لم تتأخر بما يكفي لكي يبذخ في الفرح كله، أية متعة أن تعمل على إعداد المأدبة لأصدقاء يمكن أن تحصيهم على أصابع اليد، وتترك لحواسك كاملة تنهل من ترف إبداعهم وهم يبعثون لك الكتابة من الأرجاء، كمن يرسل إشارات الحالم الأقصى لئلا يقال بأن ثمة روح غريبة تغفل عن ملامسة موشك على النوم. كيف يتاح لك أن تسهر في كتابة يسردها حالم لا تغفل عيناه و لا يهدأ قلبه
    كيف تمسك بزجاجة تفيض بفضة الروح، دون أن تخالجك رجفة ولا يدخل في روعك من الغياب شاغل و لا نأمة. تضع النص على صقيل المائدة، وتضرب أطراف الأواني وهي تستطرق و ينضح منها الضوء، حتى يختلط كل ما فيها من المزيج متألقا مثل قنديل دري يتوهج كلما قربته من القلب وقربت القلب من ذبالته. لا يعود بين النص والنص غير الصلة والشهوة والشوق الأول
    ليس ثمة معدن غريب، كل نص منجم مفتوح على سواه، و السوى هو كل من تشاغله شهوة المائدة، مباحا لتبادل الأنخاب، مرصودا لفرع يغمر السهرة
    لا يقظة و لا نوم، ضرب من الكيان الشامل المتماهي مع الحلم و رغائبه، تخال أنك في انتظار، فتدرك أن الوقت قد فات. ماذا يعني لك أن تستقبل رفقة في سهرة وليس بين أيديكم إلا رعايا المهج المولعة بالنص و تجلياته، ماذا يعني أن ترى في المشهد ما يرى النائم وما تغفل عنه أحداق المتأمل، إنها السلوى الوحيدة المتاحة أمام الطرائد، وهي تبرأ من موهبة البهيمة وتأخذ منها بهجة الكتابة مأخذ المتحفزين للأوج. ها أنت تذهب بأنخابك مذهب المبتهجين بنجاة القليل الباقي من الروح الغريبة وهي تسعف الجسد.. لئلا يوشك على البلى. ها أنت تتوغل في سرد ينام قبل يقظتك، لترفل بجميل الأحلام، وترى إلى الوقت يزدهر بين يديك مثل طفل يعبث بالهدايا ويمنع الوردة اسما أخر غير اللون و الرائحة. وللذين يمرحون معنا على هذه المائدة (فقيرة لما يغتني به الآخرون، غنية بما يفتقر له الكثيرون)... نقول: لدينا بهجة أن نكترث بما يروق لنا من الحلم والكتابة، في النوم ومخلوقاته في اليقظة وفتنتها، في حضور باهر وفي غياب
    ------------------
    الجرس الذي في حنايا الروح

    كمال أبوديب

    بلى إنه لزمن الخلخلة و السقوط، ليكن، ليكن أيضا زمن الاكتناه و الإبداع الحر


    1
    إنه زمن الخلخلة، إذن. الخلخلة والتقوض والسقوط. الزمن الذي انتظرناه بلهفة الحقول إلى مطر، بعد صيف فظ قائظ مديد. كل شيء على شفير الهاوية؟ وألف شيء وشيء وشيء قد تهاوى فعلا واكتمل اندثاره، وسيغدو، وشيكا، نسيا منسيا. وفي لجة الانهيارات يعصف بنا الدوار فيما نحاول أن نتأمل الإبداع وأموره، وإشكالياته ومصير
    الإبداع ؟
    يهسهس صوت ريبة في مكان ما من الرأس
    (والأمة تتقوض، ما يزال يشغلكم أمر ما تسمونه إبداعا؟)
    بلى،
    يرن صوت له صفاء جرس نحاسي في فضاء معبد عريق. يرن في حنايا الروح، فيملأ رجعه فضاء العقل، والمساحات التي تسكنها شهوة المعرفة. بلى، إنه ليشغلنا أمر إبداعنا، رغم أن كل شيء على انهيار. بل أنه ليشغلنا بالضبط لأن كل شيء على انهيار. إن أمة ما، حضارة ما، لقادرة على البقاء ولملمة الجراح والنهوض، أيا كانت جسامة كبواتها، ما دامت طاقاتها الإبداعية ترتعش بعبق الحياة؟ أما أن تنهار طاقاتها الإبداعية فان ذلك لمن شروط الساعة ونذر النهايات.
    2
    هكذا تتحير الأسئلة في البال، ويحار البال بالأسئلة: في أي وجهة (وبعد قليل من النقاش سأحول المفرد إلى جمع، لأقول: في أي وجهات؟) تتجه الطاقات الإبداعية العربية، الآن وقد تداعى المعبد الأجوف الذي كانت قد أحرقت نفسها بخورا على مذابحه ؟
    وفي الظن، وإن بعض الظن لبعض إثم، أنني كنت بين أوائل من اكتنهوا هذا الانهيار برعما برعما، قبل أن يينع وتبصره العيون التي اعتادت ألا ترى سوى الباهر من الضوء. ولقد بشرت بالخلخلة وتمنيتها ورجوتها لأنها، في يقيني، كانت خلخلة الكلاكل الرازحة على الصدور حتى درجة خنق الأنفاس، والبنى المتراصة في العروق حتى التكلس واليباس
    أما المعبد الذي عنه أحكي، فهو معبد العقائدية، والواحدية - الوحدانية، والوثوقية المطلقة، والمذهبية المضطهد. الضيقة، ومحدودية الرؤية، وعنجهية التسلط وامتلاك القوة؟ المعبد الذي انتصب شاهقا في كل مكان من الأرض العربية (بل ومن السماء العربية أيضا) خلال العقود الأربعة الماضيات. كان معبدا أسهم الإبداع العربي في إنشائه وترسيخه، ولم يرثه أو يتلقه من مصادر أخرى وحسب. و بهذا المعنى لم يكن الإبداع تابعا أبدا، بل كان رائدا وخلاقا ومشاركا في البلورة والتشكيل. ووصل في فاعليته درجة قصوى من التلاحم العقائدي والسياسي. وقد أدى التلاحم بين العقائدي والشعري (أو الفني بشكل عام) دورا لاشك في أهميته. له ندين ببعض من أفضل ما في الكتابة العربية المعاصرة من إنجازات، وله يدين بعض أبرز مبدعينا بشهرتهم وبالمكانة التي احتلوها في مساحات وعينا وحياتنا الثقافية. ولقد كان ذلك كله، دونما ريبة، فضلا و انجازا يستحقان التنويه والعرفان
    3
    غبر أن الأزمنة لم تعد الأزمنة، والمكان لم يمد المكان؟ فلقد تغير العالم و أيم الحق. ومع كل هذا التغير صار طبيعيا أن لم لك الدور الذي لعبه التلاحم بين العقائدي والفني لم يعد ممكنا أو مطلوبا بعد الآن. وهو ليس ممكنا، حتى لو افترضنا أن مازال مطلوبا (وفجأة أسأل: مطلوب من قبل من؟) بل أنه غدا غير ممكن وغير مطلوب منذ أواسط السبعينات. لقد انتهى دور المكون الإبداعي الفني في بلورة المشروع النهضوي التحديثي (القومي العلماني والاشتراكي)، وفي إنجازه، منذ أن بدأ سقوط المكون السياسي/ لاجتماعي لهذا المشروع. ولم يبق أمام الإبداعي من أدوار محتملة نظريا إلا إثنان: الندب والتفجع والرثاء؟ أو النقد الضدي المناوئ. ولقد لعب الدور الأول بجدارة بلغت في أوجها حد التكرار والإملال الشاملين، وإن بعضه لما يزل يلعب هذا الدور بنهم لا يحسد عليه. أما الدور الثاني (الذي لعبته نماذج محدودة متفوقة فقط من النتاج الإبداعي) فانه لم يعد ذا معنى، لأن المشروع كان قد وصل نقطة الانهيار، والنقد الحقيقي البناء لا يجدي إلا في حالة العافية، و الامساك بزمام المبادرة والقدرة على الفعل أو التغيير. كذلك لم يكن ثمة غير مجال هامشي للوعي النقدي الضدي، لأن الأنظمة العربية بلغت ذروة القمع والاضطهاد في تعاملها مع كل اختلاف، دع عنك النقد والمناوأة. من جهة ثالثة، لم يعد مجديا أن يتمادى الفن في موقف النقد المناوئ من مشروع هو جزء أساسي منه وهو في حالة انهيار، لأن الإلحاح على وسم المشروع بالانهيار يصبح بصورة آلية وسما للفن نفسه بذلك؟ ومن يتوقع أن يكون الفن قادرا على نكران فضل الذات والاعتراف بالانهيار، وفي الجوهر من الفن رؤية نرجسية نبوية تحرص دائما على أن تنسب للذات دور الرائي العارف المدرك المخلص المنقذ؟
    لكل هذه الأسباب، ولغيرها أيضا، أصبح أبلغ موقف نقدي يمكن للفن أن يتخذه. هو أن يسعى جاهدا إلى الثورة على نفسه والتغيير من الداخل، أي تغيير فهم الإبداع لنفسه ووظيفته، وعلاقته بالعالم، وشروط تحققه، في نمط من الممارسات النقدية الحقيقية للذات وللمشروع الكلي، ثم أن ينصرف الفن بعدها إلى البحث عن وجهات وفضاءات أخرى تقع خارج مجال فاعلية المشروع المنهار، في طموح حقيقي لأن ينقذ نفسه من الانهيار

    4
    كانت إحدى السمات الأساسية للعقود الأخيرة أن الإبداع خلالها كان يتم ضمن إطار مرجعي يغدق عليه أهميته وحقول طاقاته الدلالية. كبار الشعراء صنعوا أسماءهم في هذا الإطار. وكانت الحداثة الفنية تشتق مكوناتها وسماتها من دورها المتفق على أهميته التغييرية - التحديثية داخل هذا الإطار المرجعي. لكن هوذا عصر انهيار المرجعية قد حل، ولقد تم حلوله بجلبة وهدير شاهقين. وها هوذا الإبداع يقف فيه أعزلا وحيدا. فهل يستطيع أن يتحرك خارج الماء الذي بدا لزمن طويل أنه ماء بقائه وشرط وجود.. بالمعنى الدقيق الذي يكون به الماء شرط وجود لحياة الأسماك
    إن الإبداع العربي ليواجه الآن مرحلة الأسئلة الصعبة التي يحتاج فيها إلى برهنة أهميته وحقه في احتلال مكانة مرموقة من سلم المعارف والنشاطات الإنسانية التي تمارسها الثقافة والمجتمع دونما إطار مرجعي يشتق منه هذه الأهمية، أو يضمن لنفسه بانتمائه إليه تلك المكانة. إن الإبداع الآن ليواجه عالما مغلقا ومفتوحا كل أن واحد؟ وليس هناك محور أو محاور مسبقة التشكل يقدر أن يتمحور حوله ويشرع في الدوران حاملا طاقات دلالية جاهزة، ومستغلا وجود بنى تصورية وشعورية قائمة في العالم الخارجي تمنحه سبيلا مهدا يمتاح منه، بمجرد أن يكون، للنفاذ إلى مشاركة المتلقي وتعاطفه. فلقد انهار، بين ما انهار، الإجماع الذي كان المصدر الجوهري لفاعلية الكتابة في العقود السابقة. فكيف ينطلق الإبداع الآن؟ وبأي الاتجاهات يدفع بمجساته المستشعرة وما الذي يمكن أن يطمح إلى إنجازه؟ إن الأسئلة لتتوالى، وإن كلا منه ليولد أسئلة أخرى أكثر صعوبة و أشد إلحاحا هل يستطيع الإبداع أن يعمق فهمنا للعالم والأشياء خارج اطار مشروع سياسي حضاري كلي جماعي؟ هل يستطيع المبدع العربي الآن أن يضيف شيئا إلى إبداعات الآخرين في العالم. شيئا لا يسعى إلى أن يبرر فقره ومحدوديته بالقول إنه يعبر عن لعوم خاصة في إطار ثقافة معينة، وفي وضع تاريخي محدد؟ هل يستطيع الإبداع أن يسهم في فك مغاليق العالم و إنارة زوايا من الوجود الإنساني لم تسطع عليها أضواء الآخرين؟ هل يقدر الإبداع أن يمنع اللغة حياة متفجرة وذات ديمومة لا تشتق ميزاتها من مجرد كونها مغايرة للغة الجماعية التقليدية، ولا تكتسب قيدتها من مجرد مقولة التجديد الذي تمثله بالقياس إلى لغة مترسبة مكتملة التشكل في حدود تاريخية معينة، بل تكتسب القيمة من سمات داخلية فيها تجعلها في ذاتها لغة فنية متفوقة جياشة بزخم الشعرية
    وفياضة بها
    ما الذي يقدر أن يقوله الإبداع العربي الآن عن العالم : العالم في وجوده الكلي، من حيث هو بيت الإنسان ومقامه في الكون، والعالم الموضعي الذي نعيش فيه اللحظة؟ ماهي مناحي الكشف والإضاءة التي يقدر المبدع أن يرودها ويكتنه أغوارها مثريا في فعله هذا فهمنا للإنسان والأشياء والعالم؟ هل يقدر المبدع أن يخلق علاقات جديدة بالعالم الحقيقي- عالم التجربة الإنسانية والوجود اليومي والمشاعر المشبوبة بالألفة والعادية والالتصاق الحميم بالأشياء، أو بالانفصال الاغترابي الحي عنها كتجربة نابضة بالحقيقة؟ وهل يستطيع أن يظهر أن انخراطه في العالم انخراط فعال غني يحمل في طياته ما يمكن أن يثري انخراط الآخرين في العالم ويجلو أبعادا خبيئة له؟
    وبكلمات بسيطة مباشرة: هل يمتلك المبدع الآن مخزونا معرفيا، ودرجة من صفاء الرؤية، وحساسية مرهفة، وقدرة على النفاذ والتأمل العميق، ولغة فنية ثرية تجعله، جميعا، قادرا على أن يقول شينا شيقا وذا أهمية حقيقية عن وجوده في العالم وعن الإنسان والعالم بأبعادهما الفيزيقية والميتافيزيقية؟

    5
    تتأكد أهمية النقاط الأخيرة حين نلتفت إلى سمة سلبية طاغية على شعر العقود الماضية. فلقد كان معظم هذا الشعر شعرا ذهنيا؟ وكانت تلك إلى حد بعيد نتيجة ملازمة لكونه عقانديا. من هنا احتشد الشعر بالمقولات والأفكار والمعارك الذهنية، وكان يمكن اختصار الكثير من نماذجه إلى مقولات وقضايا ذهنية أو عقائدية خالصة؟ لكنه قل ما كان ينبض بنبض الحياة الحقيقية، أو يجسد حضورا فاعلا متشابكا في العالم اليومي الذي نعيش فيه
    لقد آن أوان أن يكسر الشعر أطواقه الثلاثة الكبيرة: الآنية ( بالمعنيين الزماني والمكاني) و العقائدية، والذهنية. وآن أن يخرج إلى الحياة الحقيقية، من جهة، ويغور إلى أعماق الذات الغامضة، من جهة أخرى: أي أن يعمق اتصاله الحميم بالعالم داخله وخارجه، زمانه ومكانه، بانسانه وأشيائه وأسئلته الكبرى، ومن حيث هو كينونة متصلة اتصال مياه نهر جار بين المنبع والمصب. مع فرق جوهري واحد يوسع مجال الحركة بالنسبة للشعر، ويجعل فضاءه أكثر رحابة، ويسبغ عليه ذلك البعد الآخر الأكثر احتشادا بالشعرية - أقصد بعد الغياب: وهو أن العالم مجهول المنبع والمصب، مبهم المجرى معقده؟ والنهر ليس كذلك
    إن انهيار جدران الطوق الذي ضرب حول الشعر وضربه الشعر حول نفسه هو أحد أهم الوجوه الإيجابية للانهيار العربي الراهن. ولقد كنت بلورت بدء هذه العملية والملامح المانزة لها قبل سنوات، وأسميتها (الانفكاك الأكبر) للشعري عن العقائدي وأشرت، متكهنا، إلى بعض الاحتمالات الثرية التي يولدها هذا الانفكاك أمام الإبداع العربي، إن ما تمثله هذه العملية ليس أقل من انفتاح عوالم جديدة مبهمة ومثيرة أمام الإبداع لكي يمارس الاكتناه والتأمل والكشف والتأويل والتغيير والمغامرة الحقيقية الغورية الدائمة. وأن ذلك كله ليمثل تحديا عظيما للإبداع: تراه يكون قادرا على مواجهة التحدي ؟ هل هو في مستوى هذه. المكانة الجديدة الذي وضعه التاريخ على عتبتها؟ أم تراه ينحسر ويجفل ويروح يندب فقدان مصادر مادته الضمنية (التي كادت أن تشكل لا وعيا جمعيا وأنظمة طقوسية يمارسها المبدعون بالآلية المألوفة التي تمارس بها كل جماعة طقوسها) التي كان يوفرها له، بصورة آلية جاهزة، دورانه في إطار مرجعي محدد المعطيات. (ومتعددها وغنيها أيضا دون شك)؟
    6
    غير أن الأسئلة الأكثر صعوبة لم تطرح بعد. هي ذي بعضها
    هل بوسع العقل الذي تربى في أطر الشمولية والوحدانية والعقائدية والعضوية (أو على الأقل وهم العضوية) أن يتحمل ألام الانفراط والتفتت والتشظي التي يأتي بها الانهيار الراهن للمركز ؟
    وهل يستطيع هذا العقل أن يسلخ عنه الجلد الذي احتواه، ويتخلص من المنظور الآسر الذي صاغ رؤيته للأشياء ولنفسه كل هذه السنين، وأن يدخل العالم حرا، نقيا، طازجا، نابضا بروح الكون، مرهف الحساسية لكل ما فيه؟ هل يمكن للإبداع الذي تشكل في أطواق الوحدانية والاقصائية أن يجد له مكانا للعمل والاكتشاف والإثراء في وضع من التعددية التي لا يلغي فيها واحد آخر، ولا يقاس به مشابهة أو اختلافا، بل يمتلك كل شيء حريته المطلقة في أن يجاور الأخر، وكل منهما يقبل هذه. المجاورة دون البحث عن تسويغ لها، أو عن شرعية تشرعن وجودها بالقياس إلى ما تسهم به من تأكيد للوحدانية وإثراء للعضوية؟ لقد قلت (في وضع) و لم أقل (في سياق)، مع أن الكلمة تبادرت إلى الرأس أولا. وهذا بالضبط موضع الفرق ومكمنه. لقد كانت الأشياء والإبداع توجد في سياق يضمها جميعا ويمنحها فيضا من الدلالات الكامنة؟ أما الآن فان السياق تقوض وانتفى، وأصبح الإبداع موجودا في وضع فقط. إننا في حالة من انهيار المفاهيم القائمة على شيئين
    أولا: مفهوم العلاقة التي تقوم بين الأشياء،
    ثانيا: مفهوم المركز الذي تتحدد بالإشارة إليه طبيعة هذه العلاقات ومعناها. إن المركز ينفرط؟ ومن انفراطه ينبغي أن تطلع كتابة عربية جديدة تتخلص من أوهام الشمولية والعقائدية والوحدانية وتستطيع، بعد ذلك، أن توجد وأن يكون وجودها فاعلا، دالا، وذا قيمة على مستويات جديدة مختلفة لا يمكن تحديدها بعلاقاتها بالمرحلة السابقة، بل ينبغي أن تحدد بعلاقتها بالمرحلة الراهنة وبالمستقبل، وبما تفتحه من آفاق جديدة، ولا يستساغ أن تقوم بمدى انسجامها مع الصراط الذي تشكل وطغى وأصبح سلطة تفرض نفسها- كما يفعل كل حاكم وكل ذي سلطة في الأرض العربية المباركة- باعتبارها الصراط المستقيم الوحيد المشروع، بل الممكن أيضا، وإنما يجدر أن تقوم بمحكات جديدة نابعة منها
    ليس التعدد الآن مشروعا لأنه يثري الوحدانية ويبرز جوانب خصبها: إنه يشتق شرعيته من ذاته و لذاته، سواء أ أضر بالوحدانية أو أسهم في إغنائها. بل أن الحقيقة لأبلغ من ذلك: إن التعدد الآن لا يكتسب قيمة من خلال علاقته بالوحدانية. إنه يقع في مناخ اللاعلائقية التي تتجسد في حضوره وحضور الوحدانية في نفس العالم الذي هو حاضر فيه، لكن في مكان آخر، منفصل ومستقل تماما عنه

    7
    في هذا المناخ لا تعود ثمة إمكانية لظهور النموذج الواحد الطاغي. وهو ما كان في الجوهر من التناقضات الطبعية للحداثة. ولا يبرز صوت واحد ينسج الآخرون على منواله، كما حدث بانتظام في مرحلة صعود الحداثة. إن الزمن الراهن ليس زمن الصوت المثال، أو النموذج المهيمن، وهو بهذا المعنى ليس زمن الشاعر الكبير الشامخ، بل هو زمن الكثرة والتنوع والاختلاف، زمن بزوغ مئات الشعراء الأفراد الذين يقفون جميعا متكافئين تكافؤ أسنان المشط. يضرب كل منها في خط مختلف من الرأس، دون أن يظهر بجلاء أن لأي دور بالغ التميز عن أدوار الأسنان الأخرى، ودون أن يفرض أحدها مسارا تتبعه فيه بقية الأسنان. مع أن الحصيلة النهائية، أي تسريح الشعر و هيئة تصفيفه، هي نتاج كل الأسنان الضاربة

    8
    ما أعنيه بالمركز وبانهيار المركز متعدد، وذلك من طبيعة الأمور؟ إذ لم يعد ممكنا حصر أمر في معنى واحد في زمن تكاثر المعاني. المركز الذي عنه أتحدث هو المركز الجغرافي للمشروع النهضوي/ الحضاري ا لعربي؟ وهو أيضا المركز الفكري التصوري الذي تتجمع عنده المقولات الفكرية والتصورات التي صدر عنها المفكرون العرب وقاسوا الأشياء بعلاقتها بها؟ وهو أيضا مركز النص الشعري أو الأدبي. وانهيار المركز يتحقق على هذه الأصعدة جميعا. لم يعد للنص الشعري نفسه مركز منه تصدر الخيوط وفيه تنحل، بل أصبح النص مجموعة من المراكز أو الهوامش المتجاورة. تماما كما لم يعد ثمة مركز حضاري أو سياسي، بل مجموعة من الهوا مش/ المراكز المتجاورة. وبالطريقة نفسها لم يعد هناك مركز فكري تصوري، بل مجموعة من الهوا مش/ المراكز الفكرية التصورية المتجاورة. وتشهد على سلامة هذا التصور الأوضاع السياسية الراهنة، بقدر ما تشهد عليها الكتابات الفكرية وأنماط الكتابة الإبداعية المختلفة، وبشكل خاص الشعر الذي يكتب الآن داخل الو… (هل أقول الوطن، كما كانت عادتي دائما، أم أستسلم للنعيب الطالع من كل هذه الشقوق فأقول: لم يعد هناك وطن واحد، فلتكن العبارة داخل) الأقطار العربية وخارجها. إنه لعصر الانهيارات بحق. لكنه، لذلك أيضا، يتجه نحو أن يكون عصر الإبداع الحر، والتنوع والتعدد، والبحث غير الموجه أو المقيد، وإخضاع كل ما في الوجود الإنساني، الطبيعي والاجتماعي، للتساؤل المرتاب الممحص القاسي. ولكل ذلك فإنه عصر. بل (سأقول في صيغة الجمع) عصور التحديات الكثيرة (مع أنها قد لا تكون بالضرورة التحديات الكبيرة)
    و إنها إذن لعصور جميلة
    فلنغتبط
    ولنأس
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-09-13
  3. الذيباني

    الذيباني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-02-21
    المشاركات:
    1,085
    الإعجاب :
    0
    شكر الله لك هذا الجهد ,, وزادك من علمه ,,,,
    ولكي نرد أو نعقب ينبغي أن نعيد قراءة هذا المقال مرارا ,, دعني أمعن فيه الآن ولنا لقاء .:)
     

مشاركة هذه الصفحة