لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين.......

الكاتب : ALyousofi   المشاهدات : 428   الردود : 0    ‏2004-03-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-29
  1. ALyousofi

    ALyousofi عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-04
    المشاركات:
    343
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم


    لم يكن الشيخ الشهيد أحمد ياسين يطلب من الدنيا، ومن المشروع السياسي الوطني الذي انخرط فيه منذ مطالع الخمسينات، وتحديداً منذ أقدم على تأسيس “حركة المقاومة الاسلامية” (حماس) قبل ستة عشر عاماً إلا أحَدَ أمرين: تحقيق حلم التحرير والاستقلال الوطني أو الشهادة. كان شديد التواضع في ما يَطلُبه لنفسه: ما يُسُدّ رمقاً بغير رَغَد أو ترف، وما يغالب عجزاً بدنيا أقعده عن الحراك (مثل كرسي متحرك أو من يتعهد الكرسي وصاحبه بالتحريك). لكنه كان يطلب لشعبه ما استنكف غيره عن طلبه بعد تعب وقِصر نَفَس: حقّه في وطنه كاملاً غير منقوص. كان متواضعاً في الحياة ومتطلباً عنيداً في السياسة. ولم يدرك كثير ممن خالفوه الرأي في السياسة حقيقة ابتدائية لا يذْهل عن إدراكها العقلاء هي ان شيئاً واحداً فقط كان حيّاً في بدنِ الشيخ الشهيد: عقله ووجدانه؛ ولم يكن ليْقبل أن يساوم عليهما من أجل غرائز أو متع لا يعرفها ولا هي عرفت طريقاً إلى نفسه.. أو إلى المادي فيه.
    قطعاً، لم يكن الشيخ الشهيد روحانياً تماماً على متانة وجدانه الديني وصلابته وإلا اختار التصوف والدّرَوشة ملاذاً شخصياً تنأى به النفس عن متاع الدنيا. كان سياسياً أيضاً.. وأساساً. ولذلك، وَلَجَ معترك السياسة منذ يفاعته في حركة “الإخوان المسلمين” بين مصر وفلسطين، ودفع ثمن ولوجه السياسة سجناً متكرراً داخل وطنه المحتل أو حصاراً سياسياً وأمنياً خانقاً من السلطة الفلسطينية في عصر “أوسلو”: أي قبل أن تذْرو رياح المشروع الصهيوني أوهام التسوية في “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000)، فتعيد الاعتبار إلى رأي الشيخ ياسين ومعه جورج حبش والشهيد فتحي الشقاقي وآخرون من مذهبهم الذاهب إلى القول إن المقاومة الوطنية المسلّحة وحدها تملك ان تفرض التنازل على العدو. وكان من حسن حظّه وحظ من شاطروه هذا الاعتقاد: قبلاً أو أثناء أو بعداً انه لم يَعُدْ مضطراً، لكي يثبت وجاهة اعتقاده بسلامة الخيار الكفاحي، إلى التوسّل بسابقتين من التاريخ السياسي الحديث هما: الثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية اعتاد من سبقوه إلى نظرية الكفاح المسلح على التوسّل بهما بل بات في وسعِه ان يجد لرأيه أسانيد في تجربة المقاومة المسلحة في لبنان، وهي تجربة حديثة طرية لا يمكن جحود حقائقها الفاقعة.
    وليس سراً ان الشيخ الشهيد لم يكن من دعاة الكفاح المسلح قبل انتفاضة ديسمبر/كانون الأول ،1987 وأن حركته “الاخوان المسلمين” في غزة لم تكن تؤمن بجدوى الكفاح المسلح، ولم يشترك أفرادها في قتال “إسرائيل” إلى جانب فصائل منظمة التحرير، على الرغم من أن بعض القادة التاريخيين لحركة “فتح” والثورة الفلسطينية كانوا ينتمون إما إلى “الاخوان المسلمين” في الخمسينات (مثل ياسر عرفات والشهيد “أبو جهاد”) أو إلى “حزب التحرير” الذي انشأه تقي الدين النبهاني (مثل الراحل خالد الحسن الذي كان من قياداته). ذلك ان برنامج “الاخوان المسلمين” في غزة والضفة بعد احتلالهما في حرب العام ،1967 أعني بعد ان قامت الثورة الفلسطينية المسلحة بحوالي ثلاث سنوات، كان يركز على مسائل الاصلاح الاجتماعي والتربية الدينية والدعوة إلى العودة إلى قيم المجتمع المسلم، وكانت معركته مع القوى العلمانية (المنتمية إلى منظمة التحرير) في الجامعات الفلسطينية خاصة في الجامعة الاسلامية في غزة أشرس من معركته مع الاحتلال.



    ولقد أتت انتفاضة العام 1987 تُدْخل تيار “الاخوان المسلمين” الفلسطيني في معترك الثورة (علماً ان تياراً آخر انشق سابقاً عن “الاخوان المسلمين” وانشأ منظمة “الجهاد الاسلامي” بزعامة مؤسسها الشهيد فتحي الشقاقي شارك في المقاومة المسلحة وقامت علاقات ما بينه وبين “فتح”). إذ بادر الشيخ ياسين إلى تأسيس “حركة المقاومة الاسلامية” (حماس)، والدعوة إلى المقاومة المسلحة كواجب ديني لتحرير الوطن وإقامة الدولة الاسلامية، مستفيداً من ثلاثة متغيرات سياسية جديدة في المشهد الفلسطيني: ان المقاومة المسلحة التي قادتها منظمة التحرير منذ احتلال الضفة والقطاع في حرب 1967 تلقت ضربة استراتيجية في حرب لبنان والاجتياح “الإسرائيلي” له في 1982 وخروج مقاتلي المنظمة من لبنان وتَوزّعهم على المنافي (تونس، اليمن، الجزائر، سوريا)، وأن مركز الثورة انتقل بعد العام 1982 من الخارج (الشتات) إلى الداخل (حيث معقل الحركة الاسلامية)؛ وأن انتفاضة 1987 انتفاضة مدنية بلا مخالب ولا أسنان، وأن في قيادة منظمة التحرير من يراهن على طابعها المدني الصّرف حتى يتحكم فيها أو يقطع الطريق على توظيف الحركة الاسلامية لها.
    ولم يلتفت الشيخ الشهيد للذين ذكّروه بمواقفه السلبية السابقة من المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، أو حاولوا النيل منه بقولهم إنه طارئ على تراث الكفاح المسلح، بل مضى في رسالته الوطنية الجديدة ومضت حركته تحشد لها الاتباع والأنصار في الداخل الفلسطيني: زاحفة على الجامعات والمؤسسات والنقابات ومشيّدة مؤسسة قتالية فاعلة استلهمت فيها دروس الثورة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية أثبتت نجاعتها في عقد التسعينات الماضي، وخاصة منذ توقيع “اتفاق أوسلو” في العام 1993 وحتى نهاية العام 1996 قبل ان تنْهكها ضربات أجهزة محمد دحلان وجبريل الرجوب. واليوم، ينبغي ان يقال إنه لولا وقفة الشرف الوطني التي وقفتها “حماس” ومعها “الجهاد الاسلامي” في عصر “أوسلو” لكان وضع المقاومة اليوم أصعب، ولما كان في وسع خيار المقاومة نفسه ان يتجدد بعد نهاية العام 2000 وتوسّع نطاق القوى الفلسطينية المشاركة فيه بما فيها القوى الوطنية نفسها التي استندت إليها السلطة.
    وسيسجل التاريخ ان هذا الشيخ الشهيد الجليل ابن عسقلان والخارج إلى الدنيا إبّان الهبّة الانتفاضة الفلسطينية الأولى في العام 1936 سيصبح، في مرحلة حرجة من تاريخ فلسطين الحديث، صمّام أمان للوحدة الوطنية. فلقد مرّ على هذه الوحدة حينٌ من الدهر تعرّضت فيه لامتحان سياسي وتاريخي عسير. وكان ذلك بمناسبة توقيع “اتفاق أوسلو” (1993) وقيام سلطة فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي (1994)، ونهوض أجهزتها الأمنية بمهمة قمع سلاح المقاومة: الذي كان حينها في أيدي مقاتلي “حماس” و”الجهاد الاسلامي” حصراً. كان السيناريو “الإسرائيلي” المُعدّ بعناية هو دَفْع الساحة الفلسطينية إلى صدام مسلح بين السلطة والمقاومة يكون مدخلاً إلى حرب أهلية تُغرق بقايا فلسطين في حمامات دم تتفرّج عليها “إسرائيل”. وكان ان بعض الأجهزة الأمنية للسلطة استدرج إلى تنفيذ هذا السيناريو بغباء منه أو بتواطؤ! لكن صوت الحكمة والتعقل والوحدة الوطنية أعني الشيخ أحمد ياسين انطلق يحذر من مغبة الانجرار إلى الفتنة. صَبَر الرجل وصابر وهو عليم بأن ثمن استضعاف السلطة للمقاومة أَهْونَ وأقلّ كلفة من ثمن الاقتتال الداخلي، ومؤمن بأن يوماً سيأتي ستكتشف فيه هذه السلطة كم كانت على خطأ وقلّة تقدير حين ناهضت خيار المقاومة. وهو عيْن ما حصل بعد انهيار مفاوضات “كامب ديفيد الثانية” (يوليو/تموز 2000) واندلاع انتفاضة الأقصى (28 سبتمبر/أيلول 2000).
    يعرف الكيان الصهيوني دائماً كيف ينتقي أهداف جرائمه بدقة وعناية. اليوم، ضَربَنا في فقرة من العمود الفقري: في صوت الحكمة والتعقل والمقاومة والوحدة الوطنية. ولكن، هل يعلم كم من أحمد ياسين سيخرج من فلسطين؟
     

مشاركة هذه الصفحة