شربات وسكر

الكاتب : jameel   المشاهدات : 313   الردود : 0    ‏2004-03-27
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-27
  1. jameel

    jameel عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-10-29
    المشاركات:
    2,261
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000][شربات وسكر

    [[color=FF0000]بقلم؛ أيمن الظواهري / مجلة "المجاهدون" العدد18 السنة الأولى 12ذي القعدة 1415]

    قد يستغرب القارئ الكريم أن أكتب تحت هذا العنوان في نشرة تتحدث عن القتال والحرب والتعذيب والأشلاء والخيانة السياسية وفساد السلطة ، وقد يظن القارئ أن هذا العنوان أليق بأن يوضع في مجلة هزلية أو فنية أو مجلة أطفال !!

    ولكنني اخترتُ أن ألفت انتباه القارئ الكريم إلى بعض الحقائق الأساسية التي يجب أن تفهمها الحركة الإسلامية المجاهدة وسط الإنفجارات والقتال والتعذيب والصعق الكهربائي .

    وحتى لا أطيل على القارئ الكريم ، فإني سأشرح مقصدي فأقول :

    إني عند خروجي من السجن بعد أن أمضيتُ ثلاث سنوات ، توافد على داري أعداد من الأقارب والجيران بالتهنئة ، وكالعادة جاء هؤلاء المهنئون وقد حملوا سكراً وشربات ... وألوانا أخرى من الطعام والهدايا ، ولكن قد كان من بين هؤلاء الزوار ثلاث مهنئين يستعصون على النسيان .

    أول هؤلاء الثلاثة : رجل بسيط كان يعمل بستانياً في مدرستي الإبتدائية ، بعد أن نزح من قريته إلى المدينة وسكن في حارة قريبة من شارعنا في بيت متواضع ، وكان على صلة متقطعة بأسرتنا ، ثن انقطع عنا لفترة ولم يظهر إلا بعد خروجي من السجن مهنئاً ، يحمل سكراً وزجاجات من الشربات .

    وثاني هؤلاء الثلاثة : امرأة فقيرة كانت تعمل في مدرستي الإبتدائية ، وتسكن في نفس شارعنا ، ولا أذكر أني رأيتها لسنين عدة ، بل لم أكن أعرف أنها تسكن في شارعنا حتى خرجتُ من السجن ففوجئت بها وقد جاءت تحمل السكر والشربات ، وعرفت منها أنها قد أصيبت بسرطان في الثدي مما استدعى استئصاله ، وأن لها قريبا قد اعتقل أيضاً بسبب توجهه الإسلامي .

    وثالث هؤلاء : الممرض الذي كان يعمل بعيادتي قبل القبض علي ، وكان هذا الرجل الشهم البسيط صورة للإنسان المصري الذي طحنته مصاعب الحياة ، فقد كان يعمل في الصباح في مهنة مساعد طباخ في أحد المستشفيات الحكومية ، وكان يعاني من حصوات في كليته غالباً نتيجة للبلهارسيا - أحد معالم مصر - ، وكان نازحاً من قريته ويسكن في غرفة تحت الأرض في حي شعبي يتكدس فيها هو وأسرته الكبيرة ، وقد لاقى هذا الرجل الشهم بسببي مصاعب ونكبات وغني عن الذكر ، فقد اعتقل بعد القبض علي ، ثم اتهمته المباحث بأنه حامل الرسائل بيني وبين الإخوة المجاهدين ، وبالتالي طالبوه بأن يذكر اسماء من يعرفهم من المجاهدين ، وعبثاً حاول المسكين أن يفهمهم أنه لا صلة له بأي شيء من ذلك ، والأدهى من ذلك أن زوجته المسكينة لما ذهبت للسؤال عنه عندما علمت بالقبض عليه احتجزوها في قسم الشرطة مع الساقطات والمجرمين ، رغم كل هذا العناء والبلاء الذي لاقاه هذا الرجل الكريم بسببي ، فقد وجدته بين المهنئين بخروجي ، وقد جاء وهو يحمل الشربات والسكر وكأن شيئاً لم يحدث له بسبب عمله في عيادتي .

    بل وظل يتردد علي في عيادتي زائراً لمراتٍ عديدة يشرب الشاي معي دون أن يأبه لاهو والآخران ببطش الشرطة التي كانت تراقبني سراً وجهراً ووضعي تحت نظام " المراقبة الجبرية " حيث يتوجب علي ملازمة منزلي من الغروب للشروق والتفتيش علي في كل ليلة ... إلى آخر هذه القيود التي يحفظها الشباب المسلم المجاهد عن ظهر قلب .

    لم يبال هؤلاء البسطاء بما يعرفه الجميع من بطش الحكومة وعسفها وتعذيبها للمسلمين في مصر ، وجاءوا وهم يعلمون ما قد يدفعونه ثمناً لهذا الشربات والسكر من إهانات ومضايقات .

    وفي مقابل هؤلاء البسطاء الذين يمكن أن يتجاهلوا تهنئتي للخروج من السجن دون أن يلومهم أحد ... أذكر زميلاً لي في الدراسة ، زاملني حتى تخرجنا في الكلية وأخذنا في دراستنا العليا ، وكان هذا الزميل لا يكاد يمر يوم دون أن أراه أو يتصل بي ، ولكن ما أن سمع بأني قد اعتقلت حتى أنهى كل علاقته الحميمة بي .

    واليوم وقد مر على اعتقالي أربعة عشر عاماً ، أنتقل فيها بين عديد من البلدان وينتقل هو أيضاً ، وترقى في السلك الوظيفي حتى وصل إلى درجة أستاذ في إحدى الجامعات ، وطوال هذه السنوات سواء أثناء اعتقالي أو بعده أو أثناء إقامتي في مصر أو بعد خروجي منها لم يرسل إلي بكلمة واحدة ، وبالطبع فلم أحاول أن أثقل عليه بأي اتصال .

    وأذكر أيضا أحد الدعاة المشهورين ، وكان يسكن في نفس حينا ، وكان يعمد إظهار علامات الهدي الظاهر كاللحية والعصا والعمامة والقميص ... إلى آخره ، هذا الداعية المشهور الذي يعرفني معرفة قريبة ، رآني في الطريق بعد خروجي من السجن وجهاً لوجه لكنه مضى دون أن يرمش له جفن ، وكأنني شبح من الأشباح ، وانتهى الأمر بهذا الداعية إلى أن دخل مجلس الشعب وبايع حسني مبارك إمام للمسلمين !!

    ولا تزال هذه المقابلة بين هؤلاء الفقراء البسطاء الكرماء وبين أولئك الحريصين على السلامة واضحة في ذهني .

    ولا تزال صورة هؤلاء البسطاء تذكرني كل يوم بمدى تقصير الحركة الإسلامية في الإلتحام مع هذا الشعب الطيب المليئ بالملايين من هذه النماذج الطيبة التي تحرص على أن تظهر مشاعرها تجاه المجاهدين لا ترجوا منهم جزاءاً ولا شكورا .

    فهل نستطيع أن نصل إلى هؤلاء الطيبين ، وأن نفهمهم أن المجاهدين يقاتلون دفاعاً عن دينهم وحماية لكرامتهم وأعراضهم ؟

    إذا نجحنا في ذلك ، فإن هذا سيكون خير ردٍ على هداياهم من الشربات والسكر .

    وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين . [/color]

    [الكاتب: أيمن الظواهري][/color]
     

مشاركة هذه الصفحة