الشيخ ياسين: سيرة تلخص تاريخ الشعب الفلسطيني من النكبة إلى أوج المقاومة

الكاتب : جني سليمان   المشاهدات : 495   الردود : 0    ‏2004-03-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-25
  1. جني سليمان

    جني سليمان عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2004-02-22
    المشاركات:
    2,273
    الإعجاب :
    3
    [frame="8 80"]

    الشيخ ياسين: سيرة تلخص تاريخ الشعب الفلسطيني من النكبة إلى أوج المقاومة





    غزة (فلسطين) – قدس برس

    ليس الشيخ أحمد ياسين شخصية عادية على الإطلاق، فالشيخ المسنّ المقعد الذي يتمتع بشعبية واسعة في الشارع الفلسطيني وبتقدير واسع في العالم العربي والإسلامي بأسره، بات منذ سنوات بعيدة رمزاً هاماً على مستوى فلسطين، وتجسيداً لقضيتها على مستوى العالم العربي والإسلامي.

    فقد برز الشيخ ياسين كرمز للانتفاضة الشعبية السابقة (1987 ـ 1994)، وكرمز للحركة الفلسطينية الأسيرة خلال اعتقاله لثماني سنوات في سجون الاحتلال، ومن ثم كمرجعية شعبية لانتفاضة الأقصى، وكشيخ للمقاومة الملتهبة ضد الاحتلال.

    ومن المؤكد أنّ اغتيال الشيخ ياسين لدى خروجه من مسجد بمدينة غزة فجر الثاني والعشرين من آذار (مارس) لن يقوِّض هذه الرمزية متعددة الأبعاد، بل سيعززها ويجعلها أكثر تألقاً وحضوراً في الوعي الجمعي في فلسطين وعلى مستوى المنطقة.

    قبل ثمانٍ وستين سنة وُلد أحمد إسماعيل ياسين في قرية لا تبتعد كثيراً عن الساحل الفلسطيني. ويبدو التوقيت هاماً في نشأته، إذ أبصر النور في حزيران (يونيو) 1936 في عام "الثورة الكبرى" في فلسطين، التي شهدت صدامات واسعة مع المنظمات الصهيونية والمحتلين البريطانيين، بما فيها أطول إضراب من نوعه استمر ستة أشهر متواصلة. أما المكان؛ فهو قرية جورة عسقلان التي احتلتها القوات الإسرائيلية سنة 1948، ليكون أحمد ياسين واحداً من بين ثلاثة أرباع المليون فلسطيني الذي حملوا منذ تلك السنة صفة "لاجئين"، وقد استقر به المقام في قطاع غزة حيث قاسى سنوات اللجوء ومتاعبها.

    وربما تكون أربعة عوامل جوهرية قد امتزجت بشخصية الفتى الفلسطيني اللاجئ أحمد ياسين، لتقوده إلى المشاركة في صناعة المشهد الفلسطيني العام في ما بعد، بوصفه رمزاً بارزاً للحركة التحررية الفلسطينية.

    فالنكبة واللجوء تحملان الدروس التي ترشد للطريق، ووفاة والده وهو طفل في الخامسة من عمره جعل عوده يشتد في سنٍّ مبكرة بالاعتماد على الذات والقدرة على المصابرة ومواجهة التحديات، أما الإعاقة البدنية التي ألمّت به خلال تمريناته الرياضية على شاطئ قطاع غزة في مرحلة الفتوة (سنة 1952)، إبان انخراطه في العمل الكشفي الإسلامي؛ فقد أتاحت له المزيد من الرجاحة المميزة في العقل والعمق في البصيرة الثاقبة، بينما كان قد تشرب خلال سني النشأة الطرح الإسلامي الحديث؛ فانتقل معه من التلقي إلى التلقين وعلى أوسع المجالات نخبوية وجماهيرية.

    وقد أنهى أحمد ياسين دراسته الثانوية عام 1958، ليلتحق بعد ذلك بمهنة التدريس. وكانت الفصول المدرسية بالنسبة إليه مجالاً ثرياً للتواصل مع النشء الفلسطيني من جيل ما بعد النكبة، فبرز من تلامذته عدد من القيادات السياسية والفكرية وقادة المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال.

    وعبر المحطات التي شهدها قطاع غزة والأراضي الفلسطينية منذ أواسط الخمسينيات من القرن العشرين؛ برز الشيخ ياسين في مواقع التوجيه والتأثير الإسلامي والشعبي.

    إذ ظهرت مهاراته خلال الفعاليات المنددة بالاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة سنة 1956، وقد نشط في رفض الإشراف الدولي على القطاع المحتل آنذاك، والدعوة إلى عودته إلى الإدارة المصرية، فعُرف منذ ذلك الحين كشخصية إسلامية غير تقليدية، تتمتع بكفاءة تنظيمية ملحوظة ومهارات في مجال الاستقطاب الجماهيري.

    وقد نال الشيخ ياسين نصيباً من الحملات التي شنتها السلطات المصرية على جماعة الإخوان المسلمين، والتي امتدت من مصر إلى قطاع غزة، فاعتقل لمدة شهر سنة 1965 في زنزانة انفرادية.

    ولكن قطاع غزة ما لبث أن أضيف إلى المساحة المحتلة سابقاً من فلسطين، خلال هزيمة 1967. وكان ذلك المنعطف إيذاناً بجملة من المتغيرات. فمن جانب كانت روح الهزيمة قد باتت سيدة الموقف عربياً، ومن جانب آخر باتت استحقاقات الاحتلال أشد صعوبة على الفلسطينيين الذين يعيشون على أرضهم.

    عمد الشيخ أحمد ياسين ورفاقه إلى إعادة ترتيب الأوراق بعد قراءة المرحلة بروية وتأنٍ. وكان الخيار مشروعاً عملاقاً للإحياء والمقاومة، مشروعاً لأجيال، يبدأ بترسيخ الأسس والقاعدة البشرية الصلبة. وبهذا كان نهج "الإخوان" في فلسطين بقيادة الشيخ أحمد ياسين يقوم على تدعيم الأرضية التي بوسعها أن تحتمل بناء عملاقاً لمواجهة الاحتلال.

    وعملياً؛ استغرق الأمر عقدين من الزمن، حتى نضجت الثمار وحان قطافها بالنسبة للشيخ ياسين ورفاقه، الذين باتوا يشرفون على بنية جماهيرية ومؤسسية عملاقة، ويتبنون أطروحات تحظى بتأييد واسع في الشارع الفلسطيني.

    وقد أزعج نشاط الشيخ سلطات الاحتلال التي اعتقلته عام 1983، ووجهت إليه تهمة تشكيل تنظيم عسكري وحيازة أسلحة، فأصدرت عليه حكماً بالسجن لمدة 13 عاماً. لكن الشيخ ياسين عاد إلى الحرية من خلال عملية لتبادل الأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "القيادة العامة" في العام 1985. فواصل الشيخ نشاطه خارج المعتقل في مرحلة دقيقة من التاريخ الفلسطيني، دون أن تتوقف تهديدات الاحتلال له.

    ثم كان المنعطف الكبير متمثلاً في الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في نهاية العام 1987، والتي أعادت خلط الأوراق وفرضت على الاحتلال الإسرائيلي معادلات جديدة وضعته عملياً في مأزق تاريخي متزايد، ما زال يتفاقم حتى اليوم، وكانت الانتفاضة السابقة هي شرارة الانطلاقة بالنسبة لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، التي أسسها الشيخ ياسين ورفاقه من الإخوان.

    وما هي إلا سنة ونصف السنة (أيار / مايو 1989) حتى كان "شيخ الانتفاضة" يُزجّ به في المعتقلات الإسرائيلية مجدّداً، والتي سيبقى فيها ثماني سنوات، كان حضوره يتعاظم خلالها في الوعي الفلسطيني والعربي والإسلامي بوصفه "الشيخ الأسير".

    ثم جاءت التسوية السياسية المسماة "عملية سلام الشرق الأوسط" بحقائق مستجدة. فإثر تحولات مطلع التسعينيات، والمتمثلة أساساً بصعود أحادية القطبية من خلال الولايات المتحدة، وزلزال الخليج (1990 ـ 1991)؛ تمكن الأمريكيون من فرض إملاءات خاصة على المنطقة، كانت ذات مضمون إسرائيلي في عيون الفلسطينيين في كثير من تفاصيلها التي تتعلق بالقضية الفلسطينية.

    ولكن التحدي الأكبر بالنسبة لـ"حماس"، كان يتمثل في كيفية مواصلة خطها القائم على الاستمرار في برنامج المقاومة دون الانجرار إلى صراع فلسطيني داخلي، خاصة عندما نشأت السلطة الفلسطينية التي التزمت بدورها بمكافحة النشاط المقاوم ووقف "التحريض" على الاحتلال.

    أما الشيخ ياسين الذي أطلقت الدولة العبرية سراحه مكرهة عام 1997، بعد الإحراج الذي سببته لها محاولة الاغتيال الفاشلة لخالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" التي قام بها جهاز "موساد" الإسرائيلي في العاصمة الأردنية عمّان؛ فقد انتقل من الزنزانة إلى زعامة الشارع الفلسطيني الذي كان يتأهب لثورة مدوية هي انتفاضة الأقصى، التي اندلعت قبل ثلاث سنوات.

    واستهل ياسين، القعيد المثقل بهموم شعبه وبالأمراض العضوية التي فاقمها الأسر، مسيرته بعد الخروج من المعتقل بجولة عربية موسعة للتواصل مع القيادات الرسمية والشعبية، لاقى فيها من الكثير من التكريم، كما أدى خلالها فريضة الحج، قبل أن يعود إلى بيته المتواضع في حي شعبي بغزة يدعى جورة الشمس، رافضاً خيارات البقاء خارج فلسطين بعيداً عن استهداف الآلة العسكرية للاحتلال.

    وكما عُرف مؤسس "حماس" بلقب "شيخ الانتفاضة" في الانتفاضة السابقة؛ فقد تجدد اللقب بما يلائم التطور الميداني ليغدو "شيخ المقاومة"، كما اشتهر بلقب "شيخ فلسطين"، وهو ما يعطي في المحصلة تصوراً عن مدى ما يتمتع به من حضور وتقدير واسع في الشارع الفلسطيني.

    أما عندما يقرِّر شارون الإغارة على ياسين بهدف اغتياله، كما جرى في أيلول (سبتمبر) 2003، وكما ترددت أنباء عن تكرار المحاولة لاحقاً؛ فإنّ ذلك قد منح في حينه الانطباع بأنّ الحرب الإسرائيلية على الشيخ وعلى الحركة المقاومة للاحتلال قد استشاطت حمماً ولم تعد تعترف بالخطوط الحمر. أما الشيخ أحمد ياسين ذاته؛ فبدا حتى بعد محاولات اغتياله وتكرار التهديدات بقتله على ألسنة كبار القادة العسكريين الإسرائيليين؛ مصرّاً على ترحيبه بالشهادة في أي وقت، بينما نظر إلى مشروع المقاومة وهو يتعاظم حضوراً، على الأرضية الصلبة إياها التي لم تأت من فراغ.

    وحين أغارت مروحية عسكرية للاحتلال فوق حي شعبي في غزة، فجر الثاني والعشرين من آذار (مارس) 2004، فإنّ مهمتها كانت واضحة؛ تسديد ثلاثة صواريخ على رجل في غزة ما زال حريصاً على التحرك العلني بدون تكلف أو توارٍ عن الأنظار؛ اسمه الشيخ أحمد ياسين، ليحوز أخيراً على شهادة طالما تاق إليها.
    [/frame]
     

مشاركة هذه الصفحة