مقال هيكل في ذكرة آية الله السستاني

الكاتب : ابو عصام   المشاهدات : 426   الردود : 0    ‏2004-03-23
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-23
  1. ابو عصام

    ابو عصام قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-21
    المشاركات:
    3,772
    الإعجاب :
    0
    [color=FF0000]مقال هيكل الذي تحفظه ذاكرة آية الله السيستاني
    موعد مع الهموم العربية في قلب العاصمة البريطانية
    الوحدوي نت - نقلا عن العربي المصري [/color]

    [color=0000CC]
    في اللقاء الأول الذي جمع آية الله السيستاني المرجع الشيعي الأعلي بالعراق والاخضر الابراهيمي موفد الامين العام للامم المتحدة لمناقشة إجراءات نقل السلطة للعراقيين وموعد إجراء انتخابات عامة، تطرق السيستاني - وفق ما نشرته "الحياة" اللندنية - إلي مقال كتبه الاستاذ محمد حسنين هيكل قال فيه: "إن من الأفضل للعرب أن يتصرفوا كما يتصرف الضعفاء من أصحاب الحق (وليس المتخاذلين)".
    عنوان المقال: "موعد مع الهموم العربية في قلب العاصمة البريطانية"، وقد نشرته مجلة "وجهات نظر" في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، و تداعياتها علي العرب والمنطقة. بدت كلمات هيكل واستخلاصاته في هذا المقال لمناقشات ضمته ذات مساء في مطعم لندني مع الابراهيمي والمفكر الفلسطيني الراحل ادوارد سعيد محفورة في ذاكرة رجل دين قابع - وقتها - في النجف الأشرف يتابع باهتمام وقلق.
    الاحداث العاصفة التي تلاحقت علي المنطقة دفعت هذا الرجل الي صدارة المشهد العراقي. وفي رسالة للأمم المتحدةعبر الإبراهيمي قال السيستاني - وفق ما نشرته الحياة: "العراق لن يخذل العرب". ومن جديد تضع "العربي" نص مقال الأستاذ هيكل الذي تحفظه ذاكرة السيستاني أمام الرأي العام، لعل المناقشات التي جرت بين ثلاثة من كبار المفكرين العرب ذات مساء ان تساعد في مواجهة عواصف ومتغيرات ما بعد احتلال العراق. "الأربعاء": مشيت من ميدان "سلون" (قلب لندن الشاب) نحو حدائق "لينوكس" إلي شارع "ويلتون" لموعد مع صديقين قديمين كل منهما جاء من طريق ويمضي إلي طريق، لكن الهموم واحدة، فكلنا مسكون بأحوال الأمة، مشغول بأمرها، قلق عليها، شأن آخرين بلا عدد.
    الصديقان هما "الأخضر الإبراهيمي" (وزير خارجية الجزائر سابقا وهو الآن مساعد خاص للأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" مكلف بمسئوليات خاصة كلها مُعقدة ومستعصية، من أفغانستان إلي الكونجو)، والثاني هو "إدوارد سعيد" (أستاذ الأدب المقارن في جامعة "كولومبيا" وصاحب أهم المراجع عن "الاستشراق" إلي جانب أنه وجه عربي مقبول هذه اللحظة في الغرب بملامح وصوت المفكر الإنساني بعد أن فقد السياسي العربي كل شيء ملامحه وصوته وأحيانا ملابسه!).
    * * *
    شارع "ويلتون" هادئ هذه الساعة (الثامنة مساء)، وحدائق لندن وشوارعها في أحلي مواسمها، لأن بوادر الربيع تطل، والشتاء لم يغب. والهواء بارد لكن أزهار ال "دافودايل" المبكرة في شهر أبريل طالعة في وجهه تذكره أن ندي الصباح ينتظرها لأن درجة الحرارة في ارتفاع مهما عاند الشتاء!.
    أفكر في الصديقين اللذين ينتظران في مطعم "توتو" الذي يتواري في منحني علي شارع "ويلتون" ويكاد يخفي بابه وراء شجرة مثقلة بزهور صفراء مازالت زاهية بأضواء المساء لأن الليل ينزاح كل يوم إلي الوراء، فالربيع يطيل النهار، والشتاء يختصره بغروب مبكر. كان "الأخضر" هو صاحب اقتراح لقائنا علي العشاء، وقبله وأثناءه، وبعده يتواصل حديثنا اتصل بي "الأخضر" في القاهرة قبل أسبوع من سفري يقترح الموعد. سيكون هو في لندن قادما من ناميبيا، و "إدوارد" قادم من نيويورك، وحين عرف الاثنان أنني الآخر واصل من القاهرة، فقد وجداها فرصة لحوار مفتوح وحر، ليس فقط في مداره وفي إطاره (فحوارنا كذلك دائما). ولكن أيضا في محيطه وفي جواره (لأن كل واحد منا علي بُعد خمسة آلاف ميل من بلده ومحل عمله وإقامته).
    اختيار ما نريد من قائمة الطعام لم يستغرق دقائق، لكن أدوات المائدة ظلت علي الأطباق لم تلامس شفاهنا غير مرة أو مرتين علي الأكثر، لأن الحديث أخذنا بعيدا معه، حتي تنبهنا أخيرا إلي أنه منتصف الليل تقريبا، ومطاعم لندن في العادة لا تعرف طول السهر وزاد أنه لم يبق في القاعة الرئيسية للمكان غيرنا. وكذلك آن أن يخرج كل منا إلي وجهته: "الأخضر" إلي باريس "إدوارد" إلي نيويورك وأنا باق في لندن لأسبوع قبل أن أغادرها عابرا المحيط الأطلسي قاصدا الولايات المتحدة.
    * * *
    في غرفتي حيث أقيم فكرت أن أسجل بعضا من ملامح الحوار قبل أن يبدأ صباح جديد معه ارتباطات أخري، ووجوه متغيرة، ولقاءات وموضوعات مختلفة. لكن ما أسجله هو ما ترسب في ذاكرتي، وفيه ما سمعته، وفيه ما فهمته، وقد يكون فيه ما تصورته، ولهذا فلست أريد أن أنسب قولا بالذات لقائل بذاته وإلا تجاوزت. وإذن فكله علي عهدتي ومسئوليتي، خطأ كان أو صوابا!.
    وعلي وجه المشاع بيننا أشهد أن "الأخضر" كان الأكثر تأنيا، و"إدوارد" كان الأعمق تأملا، في حين كنت الأشد اندفاعا، ربما لأني كنت قادما للتو من الأجواء العربية، وبصفة عامة فقد كان ظاهرا لي مما استرجعته أو حاولت أن مجمل حوارنا مشي وتفرع في نواح شتي.
    تبدي لنا أن هناك ظاهرة تهافت إلي درجة التساقط في العالم العربي، ومن اللازم وقفها بأي وسيلة، وإلا فإن الأمة سوف تجد حاضرها يتآكل أمام عيونها، ومستقبلها يضيع قبل أن تصل إليه، وإذا كان هناك من يحتاج إلي دليل فإن الأدلة طوفان أمام الكل فيما يجري علي أرض فلسطين هذه اللحظة، سواء ذلك الجبروت الذي تتصرف به إسرائيل، أو الوجه الآخر لهذا الجبروت متمثلا في المحنة التي يعيشها الشعب الفلسطيني ثم أن يجري ذلك وسط عجز عربي مهين يغطي عليه خلط عالمي مريب!.
    وتبدي كذلك أن العالم العربي أصبح مع بدايات قرن جديد رجل الشرق المريض بمقدار ما كانت الخلافة العثمانية رجل أوروبا المريض قبل قرنين من الزمن!.
    وكما حدث مع الخلافة العثمانية، فإن هناك قوي تريد أن ترث رجل الشرق المريض، وبين هذه القوي ما هو عالمي، وما هو إقليمي، بل وما هو محلي يتصور أنه يقدر علي النجاة من السقوط العربي، ويرث البقايا بذريعة النسب أو بشريعة الأخوة، وهو خطأ لأن القوة الدولية التي تستطيع أن ترث هي الولايات المتحدة، كما أن القوة الإقليمية التي تستطيع بعدها هي إسرائيل، وغير ذلك سراب يحسبه الرائي ماء!.
    وتبدي أيضا أن العالم العربي معرض لحالة اختراق عميق طالت كل ركن فيه، وعرضت أدق خصائصه وخصوصياته لانكشاف وصل أحيانا إلي درجة الانتهاك، وذلك يكاد يسلب الأمة فرصة استعادة التوازن، والمقاومة، والوقوف من جديد. وأخيرا تبدي أن هناك "فيروسا" خطيرا أصاب الفكر العربي ومعه الإرادة والضمير، وأظهر أعراض الإصابة بهذا "الفيروس" أن الوهن يصل بالمصابين به إلي حد "الهلوسة" وبحيث يهيأ لهم أن شفاءهم حاضر بغير إرادتهم، وأنه بصرف النظر عن الشواهد والتجارب والمشاعر فإن "الواقعية السياسية" وهي "التشخيص" المعتمد الآن في العالم العربي، تضع في يد الولايات المتحدة وحدها أمل الشفاء. وأن الولايات المتحدة وحتي وإن ظهر منها ما تجزع له العقول والقلوب، فإن ذلك الظاهر هو مما يجب احتماله كما تحتمل مرارة طعم الدواء، فتلك ضرورة العلاج!.
    ومع ذلك تبدي، وبالرغم من كل ما سبق، أن هناك إمكانية متاحة تسمح للأمل أن يغلب اليأس، لكن شرطها إدراك الحقيقة والتصرف وفق أحكامها دون ادعاءات لا تسندها حقيقة، وأولها ألا يتصرف العرب وكأنهم ربحوا رهان المستقبل، لأنهم في الواقع خسروه، وإذا كان عليهم أن يعوضوا فأول التعويض إدراك الحقيقة.
    ثم إنه مع إدراك الحقيقة لابد من استيعاب أن مجمل الظروف في العالم العربي وحوله علي اتساع العالم تؤكد لمن يريد أن يدقق أن ذلك الممكن المتاح معلق بسياسة نفس طويل، تقدر علي المثابرة، وعلي الصبر، وتهيئ نفسها لكل الأجواء دون أن تفقد اتجاهها مع أي ريح، أو تترك هدفها يضيع من مدي بصرها بعد أول منحني علي الطريق!.
    * * *
    وقد ظهرت خلال المناقشة عدة تعبيرات في توصيف مما يلزم عمله ابتداء من اللحظة الراهنة، أي من المشهد الفلسطيني بذاته، لأن نقطة الاشتباك مع الخطر يجب أن تكون نفسها نقطة توقي السقوط في غياهبه.
    أولا: ظهر توصيف مضمونه أن "العرب عليهم أن يكفوا عن الصخب الفارغ بادعاء القوة، لأن ذلك الممكن المتاح لهم الآن يتطلب منهم أن يضعوا أنفسهم في "الموضع الأخلاقي الأعلي" high moral ground وذلك موضع تساعدهم إسرائيل بتصرفاتها علي الصعود إليه. واستنادا إليه وليس إلي ادعاء القوة، فقد يستطيع العالم أن يري بعينيه ما تفعله القوة الإسرائيلية بحياة الإنسان، وحرية الإنسان، وحق الإنسان، وكرامة الإنسان، وسوابق الالتجاء إلي "الموضع الأخلاقي الأعلي" مع الخلل في موازين القوة والاعتراف به عديدة في التاريخ الحديث ابتداء من تجربة "غاندي" (أوائل القرن الماضي ضد الامبراطورية البريطانية في الهند، وحتي تجربة "مانديلا" (أواخر القرن العشرين) ضد نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا.
    من اللافت للنظر أنه فيما بعد قرّر "الارهابي شارون" ألا يرد بعنف علي عملية تفجير الملهي الليلي "دولفيناريم" علي شاطئ تل أبيب، رغم أن حوالي عشرين من الإسرائيليين قُتلوا فيه، وقد امتنع "الارهابي شارون" عن الرد بسرعة، آخذا بنصيحة ملحة من وزير خارجية ألمانيا "يوشكا فيشر" الذي تصادف وجوده زائرا لإسرائيل عندما وقع الانفجار، وتمكّن من إقناع "شارون" أن إسرائيل تحتاج بعد كل العنف الذي مارسته إلي استراحة علي "الموقع الأخلاقي الأعلي" كي يراها الناس في إطاره حتي مع تسليمهم جميعا بأنها تملك السلاح الأقوي. وفي نفس الوقت فإن الوزير الألماني هدد السلطة الفلسطينية بوقف المساعدات الأوروبية إذا لم تعلن قبولها لوقف إطلاق النار فورا ودون شروط وكان هو الذي صاغ البيان الرسمي الذي صدر عن السلطة بالامتثال، ولم يسمح لأحد بتغيير حرف فيه!.
    ثانيا: وظهر توصيف مضمونه أن "من الأفضل للعرب أن يتصرفوا كما يتصرف الضعفاء من أصحاب الحق (وليس المتخاذلين)، الضعيف صاحب الحق (وليس المتخاذل)، لا يستسلم، لكنه يلتجئ إلي أسلحة الضعيف: (وضمن أسلحة الضعيف وليس المتخاذل) أن يقرر لنفسه الحد الذي لا يستطيع أن يتنازل عنه. وأن يرسم عليه خطا أحمر يُحرم علي نفسه تعديه لأنه إذا فعل فرط، وإذا فرط هان. ومؤدي ذلك عمليا أن يتفاوض أي طرف مع نفسه قبل أن يتفاوض مع غيره، وأن يقدر لقضيته حلها المعقول آخذا في اعتباره ما يشاء من حقائق الظروف، وموازين القوة الراهنة والتاريخية، وحقائق الأوضاع علي الأرض، ثم يلتزم بخطه الأحمر أمام نفسه وأمام الآخرين. واعيا لحقيقة أن احترامه لهذا الخط الأحمر، حتي وإن لم يفصح عنه لأطراف أخري، هو الذي يفرض احترامه أمام هذه الأطراف، لأن اتصال المبدأ بالموقف ضمان أن يعرف الناس حدود صاحبه وطاقته. وهو كذلك تحصين للحقوق، فضرورات الأمم. ضروراتها ليست مزادات ولا مناقصات!.
    والأطراف العربية في العادة مغرمة بأن تظهر قوتها وتبالغ فيها، وذلك يزيد توقعات الآخرين وطمعهم فيما يطلبونه، باعتبار أن القوي يملك أن يعطي (وحتي إذا كانت قوته ادعاء فهو المكلف بضريبة ما ادعي أنه يملكه!). ومن سوء الحظ أنه حين يريد طرف عربي إظهار محاذيره المانعة، فإنه يقدم هذه المحاذير مرادفة للموت، وبما يعني أن المطلوب منه بمثابة توقيع فتوي تهدر دمه، وذلك منزلق يحسن تجنبه لأن الحرص علي المبدأ في تقدير الآخرين، حتي من الأعداء غال، وأما الحرص علي الحياة بصرف النظر عن المبدأ فهو في تقدير الآخرين. حتي من الأصدقاء رخيص!.
    وضمن أسلحة الضعيف (وليس المتخاذل) أن يتمسك باحترام حقه الذي لا يستطيع التنازل عنه، وأن يثبت عليه ويدافع عنه بمنطق الحق المستقيم وليس بعوج السياسة. وعندما يكون الحق ملك وطن مُحتل فإن شرعية المقاومة الوطنية لها أسبقية علي أي شرعية غيرها. والأمم المتحدة نفسها تبيح رخصة لمقاومة العدوان خصوصا علي الحقوق المعترف بها دوليا. ومثل هذه الحقوق لا تتغير سنويا أو شهريا أو يوميا بهوي الساسة أو الإدارات، فالحق المعترف به دوليا يصعب تغييره إلا عندما يتنازل أصحابه ويقبلون بأقل منه سواء بسبب وهن في الإرادة يستهول التضحيات، أو يستسهل الغواية سواء كانت الغواية انكسارا أمام قوي كبري أو تقربا إلي ساسة كبار أو كانت الغواية طموحا يتوهم إمكانية اختزال الطريق قفزا إلي مستقبل يظنه هناك!.
    ضمن أسلحة الضعيف (وليس المتخاذل)، أن يتمسك بلغته ولا يستبدلها بلغة يستعيرها من آخرين يريدون أن يسلبوه إرادته، وأول الاستلاب أن يستدرجوه إلي استعمال لغتهم!.
    وعلي سبيل المثال فإن المقاومة الفلسطينية إذا كان لها الحق أن تقاوم فليس يجوز لها أن تخشي في ذلك تهمة "الإرهاب" ذلك أن المقاومة الوطنية شيء مختلف والشاهد أن تجربة أوروبا في الحرب العالمية الثانية لاتزال مرشدا ودليلا، فالمقاومة ضد الاحتلال الألماني كانت واجبة، والعمل ضد قواته لم يعتبر "إرهابا" وحتي منشآته ذات الطابع غير العسكري داخل مدن مثل باريس ووارسو وبراج كانت أهدافا مشروعة لأنها أشكال من الحياة المدنية أقيمت علي أرض مغتصبة بالسلاح.
    وبالنسبة لأي فلسطيني فإن المستوطنات داخل خطوط 1967 هي منشآت قامت علي أرض محتلة كانت ولاتزال ملكه، وله فيها زرع وبيت ومدرسة وقبر أب وجد. وعندما توضع المقاومة الفلسطينية أمام تعسف يصف أعمال المقاومة ب "الإرهاب" لذلك لا يصح أن يخفيها فترضخ له أو تخضع لابتزازه.
    ومن المحزن أن الوطنية الفلسطينية وهي نضال ليس له مثيل في أصالته وشرعيته تتنازل عن أسلحة الضعيف، في حين أن غيرها من الحركات الوطنية علي اتساع القارات من أمريكا الشمالية وحتي أمريكا الجنوبية، ومن شرق أوروبا إلي جنوب أفريقيا مارست كلها هذا الحق وتمسكت به. ويلفت النظر مثلا أن الولايات المتحدة نفسها رفضت أن تدين بالإرهاب عمليات الجيش السري الأيرلندي في قلب لندن رغم أن قضية أيرلندا لم تكن قضية تحرر وطني أو قومي.
    وحتي علي مستوي البيت الأبيض ذاته فإن الولايات المتحدة من أيام "كنيدي" تعاطفت مع الشعب الأيرلندي عندما استعمل الجيش السري قنابله ومدافعه الرشاشة في قلب لندن، وقيل في ذلك الوقت أن "كنيدي" تعاطف لأنه من الأصل أيرلندي، وكذلك كانت ولايته (ماساتشوستس) لكن التعاطف الأمريكي مع الجيش السري الأيرلندي تواصل من إدارة "كنيدي" إلي إدارة "كلينتون" وكان كل ما تنازل به الرؤساء الأمريكيون بين مطالع الستينيات من القرن الماضي إلي أوائل هذا القرن هو إبداء استعدادهم للوساطة بين الجيش السري الأيرلندي وبين الحليف الأقرب إلي الولايات المتحدة في أوروبا وهو بريطانيا وكانت الوساطة حقيقية، خالصة وغير متحيزة بل لعله كان هناك ميل عاطفي وإنساني للجيش السري الأيرلندي.
    عندما جلست استذكر حديث الليلة لاستعيد أجواءه، طرأ علي بالي أن إسرائيل بالتحديد آخر طرف في الدنيا يحق له أن يتحدث عن "الإرهاب" الفلسطيني، فذلك "الإرهاب" الفلسطيني يأخذ أصحابه إلي نهاية الحياة، وأما في الحالة الإسرائيلية فإن "الإرهاب" الصهيوني يأخذ الذين يقومون به إلي رئاسة الوزارة، ولن أشير هنا إلي "دافيد بن جوريون" وما خطط له وأمر به من مذابح، لأن ذلك الرجل كانت لديه ذريعة إقامة الدولة اليهودية لكن من جاءوا بعده، وبدون استثناء تقريبا، وصلوا إلي رئاسة الوزارة عن طريق "عمليات إرهابية" لم تكن بالتأكيد عسكرية لأنها بدون استثناء استهدفت مدنيين.
    "مناحم بيجين" وصل إلي رئاسة الوزارة عن طريق مذبحة "دير ياسين" و"إسحاق رابين" وصل إلي رئاسة الوزارة عن طريق ذبح مئات وتهجير عشرات ألوف من أهل "اللد" و"الرملة". و"إسحاق شامير" وصل إلي رئاسة الوزارة عن طريق اغتيال وسيط الأمم المتحدة الأول الكونت "فولك برنادوت". و"إيهود باراك" وصل إلي رئاسة الوزارة عن عمليات اغتيال قتل فيها وخنق بأصابع يديه في شوارع بيروت. وأرييل شارون وصل إلي رئاسة الوزارة عن طريق مذبحة "صبرا" و"شاتيلا" وعشرات من المذابح غيرها لم يضبط فيها متلبسا والدم يلطخ يديه، لكنه بالتأكيد كان هناك. وحتي "حمامة السلام" الحالية "شيمون بيريز" لم يجد فرصة يعزز فيها بقاءه في رئاسة الوزارة إلا عن طريق مذبحة قانا. إلي جانب ذلك نماذج مدهشة: فالرجل الذي قتل خمسين من المصلين المسلمين في الحرم الإبراهيمي له الآن في الخليل مشهد ومزار. والرجل الذي أمر بقتل ثلاثمائة أسير مصري في العريش، ووقف يتفرج علي دائرة نيران تحاصرهم، بإطلاق النار عليهم، ثم أمر بدفن بعضهم أحياء هو الآن وزير الدفاع في الحكومة الراهنة بن اليعازار. وأكثر من ذلك هكذا خطر لي في هدأة الليل فإن جائزة "نوبل" للسلام مُنحت لخمسة رجال "إرهابيين"!.. كل منهم أمر بعملية قتل أو شارك فيها: مناحم بيجين وأنور السادات أيضا! أولهما قتل، وثانيهما اغتال، ومع ذلك تقاسما جائزة "نوبل" للسلام.
    رابين وبيريز وعرفات شاركوا أو أمروا بعمليات السلاح لكن حكماء السلام في لجنة نوبل أخذوا في اعتبارهم أن هؤلاء جميعا قتلوا أو شاركوا في القتل "تحت دوافع وطنية" أو هكذا تصوروها.
    ومن المفارقات أن إسرائيل لم تتنصل من أي عمل "إرهابي" قام به رجالها ونساؤها. بل إنه حتي الشابين اللذين قتلا وزير الدولة البريطاني اللورد "موين" في القاهرة سنة 1945 (قبل قيام الدولة اليهودية)، وجري شنقهما بعد حكم قضائي في مصر سنة 1946 أصرت إسرائيل علي أن تضع ضمن بنود اتفاقية فك الارتباط مع مصر سنة 1973 شرطا يقضي بإعادة رفاتهما، وفي القدس جرت للأكفان مراسم "تحية البطولة". لكن بعض العرب الذين يريدون أن يمنحهم الغرب نياشين "التحضر والتمدين" علي استعداد للشجب والاستنكار والإدانة، وتسمية رجالهم ب "المنتحرين" وليس ب "الفدائيين" رغم أن ما قاموا به في البداية والنهاية كانت أعمالا قدم أصحابها حياتهم مقابل معتقداتهم وبغير دافع آخر، فغواية المال لم تكن مطروحة، وغواية الشهرة لم تكن لديها فرصة، ثم إن رئاسة الوزارة لم تكن في انتظار أي منهم!.
    ومع أني بالطبيعة والمزاج والاعتقاد أحسب نفسي ضمن هؤلاء الذين ينفرون من السلاح لغة ووسيلة إلا أنه ليس بمقدور أحد أن يكون انتقائيا إزاء القانون، وفي أسوأ الأحوال فإن ما يمكن تسميته ب "الإرهاب" لابد أن يُحكم عليه وفق معيار واحد، وقاعدة سارية في كل الأحوال!.
    خطر ذلك كله ببالي، ثم طرحته جانبا مستدعيا حقائق العصور والأزمنة. وأولها أن القوة دائما علي حق، وأن الضعف محكوم عليه حتي وإن كانت القوانين والمواثيق كلها تزكيه وتشهد له).
    ضمن أسلحة الضعيف (وليس المتخاذل) أن يستعمل قوة الصورة في هذا العصر بدلا من قوة الدبابة، والمشكلة هنا هي: أي الصور؟ وفي الانتفاضة أخيرا كادت الصورة المطلوبة أن تضيع وسط عشرات من الصور غير المطلوبة؟. كان هناك زحام من الصور: صور لطوابير ممن يقال إنهم فدائيون يضعون الأقنعة السوداء وعلي رءوسهم لتغطي وجوههم، بينما يلفون حول بطونهم وظهورهم أحزمة من العبوات الناسفة تشير إلي استعدادهم طوابير بعد طوابير للشهادة.
    وصور لجموع محتشدة ترفع فوق رءوسها مدافع رشاشة وبنادق من كل عيار، وتلوح بها في الهواء غضبا وتهديدا، بينما العيون يطق منها الشرر!. وصور تكاد تكون يومية لاستعراضات حرس شرف، إما أنها غير ضرورية. وإما أنها سابقة لأوانها وفي الحالتين فهو الانطباع الخطأ!. وصور.. وصور تنسي كلها أن الشهيد يفعل ولا يستعرض. وأن الشهيد يفارق الدنيا علي موقع عطائه ولا يتلكأ أمام العدسات ينظر إليها بزاوية حتي يتأكد أنها ومضت!.
    وأن المراسم تستطيع أن تنتظر حتي يتسق واقع الحال مع مستوي الآمال!. وفي الواقع فإن الصورة الوحيدة التي غيرت مشهد الانتفاضة كله وأعطت وجهه المؤثر هي صورة الطفل "محمد الدرة" وهو يموت محاصرا بالنار في حضن أبيه الذي لم يقتله الرصاص وإنما ذبحته الحسرة!. كانت تلك صورة "الضعيف القادر" بينما كانت الصور غيرها "للقوي العاجز"!. رأي أحدنا أن صورة "الدرة" ومثيلاتها من الصور زادت تعاطف الرأي العام في أوروبا من ثلاثين إلي خمسين في المائة، وفي الولايات المتحدة من واحد إلي عشرة في المائة. لكن ما جاء بعدها من صور يوشك أن يمحو أثرها!.
    وضمن أسلحة الضعيف (وليس المتخاذل) أن يمارس المقاطعة علي كل مستوي من السياسي، إلي الاقتصادي، إلي الثقافي، إلي الاجتماعي. فهذه المقاطعة عَمل من أعمال المقاومة لا يتعرض للغير، وإنما هو إجراء لضبط التصرفات الذاتية يتخذه أصحابه حفاظا علي المصالح وعلي الأوطان وعلي العقائد عندما تتعرض للعدوان إلي درجة الاغتصاب.
    وكان ذلك ما فعلته الأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا ضد الأغلبية البيضاء المستبدة بالثروة والسلطة، فقد قاطعت ونجحت. ودعت القارة الإفريقية كلها أن تقاطع معها ونجحت. ثم دعت العالم الغربي نفسه أن يتضامن معها بمقاطعة نظام الأقلية العنصرية ونجحت. حتي أن بريطانيا نفسها علي عهد رئاسة "مارجريت تاتشر" بالذات اضطرت سنة 1984 أن تقاطع، وكانت قبل ذلك بأربع سنوات 1980 ترفض وتهاجم فكرة المقاطعة.
    * * *
    ثالثا: كان هناك توصيف ذهب إلي أن "الديمقراطية هي الحل".
    علي أن هذا التوصيف لحق به تحفظ يري أن الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية الراهنة في العالم العربي لم تزل بعد غير قادرة علي فرض ديمقراطية حقيقية والمشكلة أن النظم المتربعة علي القمة في المنطقة تملك "شطارة" تصنيع نوع من "الديمقراطية الرخيصة" مثل "أوراق النقد المزيفة" تقدر عليها الوسائل الجديدة في تكنولوجيا الطابعة (والتصوير!).
    وكذلك فقد تقتضي الضرورات العملية إيجاد عامل كيميائي يمكن من نضوج ديمقراطي حقيقي، وهذا العامل المساعد كيميائيا هو الدعوة والعمل بإلحاح علي حرية تدفق المعلومات بهد توسيع دائرة المعرفة، وتكثيف حدة الوعي، بحيث يري الناس حقيقة ما يجري حولهم بما في ذلك حركته ودلالاته. وعلي سبيل المثال فإنه حين يصبح المسئول عن المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية "جورج تنت" إذن فإن ألف جرس إنذار يجب أن تدق، وألف لمبة حمراء لابد أن تشتعل!.
    وأخيرا كان هناك توصيف رابع يري أنه بصرف النظر عن "اتخاذ الموقع الأخلاقي الأعلي"، وبصرف النظر عن ممارسة سياسة الضعيف (غير المتخاذل) وبصرف النظر عن حرية تدفق المعلومات، فإن هناك إضافة ضرورية وهي استعادة مصداقية القيادات العربية أمام شعوبها، وأمام خصومها (أو حتي مفاوضيها من هؤلاء الخصوم علي الجانب المقابل)، وأمام الأطراف الدولية المهتمة.
    ووفق هذا التوصيف "فإنه لا يمكن البدء" بموضع أخلاقي أعلي، ولا بممارسة الحق في مبدأ أو لغة إلا إذا كانت القيادات العربية مهيأة لما هو مطلوب، وإلا وقع الصدام بين القيادات العربية وبين شعوبها". والذي حدث أن هناك قوي دولية استخدمت واستهلكت مصداقية القيادات العربية حتي استنفدتها!. وذلك بدوره أنشأ حالة أمكن معها ابتزاز هذه القيادات العربية، فتلك القيادات صوّرت لنفسها أمام جماهيريها نجاحا لم يتحقق، وتسترت القوي الخارجية علي "هذا النجاح" غير المتحقق. وهكذا فإنه إذا كان علي القيادات العربية أن تستعيد مصداقيتها، فهذه القيادات أمام خطر مؤكد يعرضها لأن تفقد "حبا" اشترته بقبول ما لا يقبل. والحقيقة أن القيادات العربية تحتاج من العالم الخارجي إلي الاحترام أكثر مما تحتاج إلي الحب: ذلك أن "الحب" كسب قصير الأمد. وأما "الاحترام" فاستثمار بعيد المدي.
    لكن المشكلة المعقدة أن الأنظمة العربية معظمها علي الأقل معني ملهوف علي الكسب السريع، بينما الاستثمار علي المدي الطويل عمر لا يضمنه أحد، وذلك هو الفارق بين نظم موقوفة علي أفراد، ونظم "منذورة" لأوطان!.
    ***
    استعدت ذلك كله في غرفتي بعد سهر طويل. سألت نفسي قبل أن أطفئ نور الغرفة وأغمض عيني: هل لذلك كله أو شيء منه فائدة؟ وإذا لم تكن فأين هو الحل؟ أو أين هي المعجزة إذا تعذر الحل؟!. مر بخيالي النعسان، ويدي تمتد لإطفاء نور الغرفة، ورجع صدي يسري في الأجواء العربية يردد أن "أمريكا وحدها تستطيع" و "أمريكا بمفردها تقدر" و "أمريكا عليها أن تتحمل مسئوليتها" و "أمريكا عليها أن ترد وتصد، وتمنع وتردع"!.
    تذكرت بين اليقظة والنوم حكاية مشهورة في تاريخ أوائل هذا القرن (1903) كان بطلها المعتمد البريطاني العتيد اللورد كرومر. حضر كرومر حفل زفاف لأسرة مصرية من كبار ملاك الأرض، وكان الجالس بجواره "سعد زغلول" (باشا)، وكانت الصداقة بين الاثنين وطيدة. وطبقا للحكاية فإن المطرب الشهير "عبده الحامولي" كان يغني "طقطوقة" ذاع صيتها في ذلك الوقت تقول "حبيبي راح هاتوه لي يا ناس". وسأل اللورد "كرومر" عن معني الكلمات التي يسمعها ملحنة، وحاول سعد زغلول أن يشرحها له، وعلق كرومر مستغربا. "حتي في العشق لا يُكلف المحب عندكم خاطره بفعل مباشر.. لا يريد العاشق أن يسعي لحبيبه بنفسه، وإنما يطلب من الناس أن يجيئوا له به؟".
    وجاء النوم تداخله تهويمات راحت تعبر فراغ الوعي أطيافا وظلالا: العرب إسرائيل أمريكا "عبده الحامولي" "سعد زغلول" و واللورد كرومر!. ودخلت في النوم
    [/color]
     

مشاركة هذه الصفحة