مبادرات الشرق الأوسط مبادرات انبطاح لا مبادرات إصلاح

الكاتب : 3amil   المشاهدات : 464   الردود : 0    ‏2004-03-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-13
  1. 3amil

    3amil عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2004-02-10
    المشاركات:
    263
    الإعجاب :
    0
    بعد أن عرضت أميركا أفكارها عن الديمقراطية والإصلاح لمنطقة الشرق الأوسط، وبعد أن توَّجتها بمشروع الشرق الأوسط الكبير، قامت الدول العربية بالاستجابة السريعة لهذه المبادرة، وللأفكار الأميركية التي سبقتها عن الإصلاح، فرتَّبت أوراقها على عجل، وأطلقت عشر مبادرات إصلاحية دفعة واحدة، وتداول وزراء الخارجية العرب هذه المبادرات في اجتماعاتهم التحضيرية لمؤتمر القمة الذي سينعقد قريباً في القاهرة. وكالعادة، اختلف المجتمعون، وتناقضت مبادراتهم، فمنهم من قبل بالمبادرة الأميركية بلا شرط ولا قيد، ومنهم من قبلها بتحفظ لا قيمة له، ومنهم من أراد راجياً أن تعيد أميركا النظر في بعض أفكارها، وللاستهلاك المحلي أظهر بعضهم احتجاجاً على عدم إطلاع أميركا لهم على مبادرتها قبل إطلاقها، وأظهروا فكرة أن الإصلاحات لا تفرض فرضاً من الخارج وإنما تنبع من الداخل، وخرجوا بقرارات غير واضحة، ولا حاسمة تميل إلى قبول المبادرة الثلاثية لمصر والسعودية وسوريا، وأعلنوا عن التوصل إلى حلول وسط، وإلى قرارات ستبقى سرِّية إلى وقت اجتماع الزعماء العرب، فرحلوا حسم المبادرات الكثير للقمة.

    ثم قام الرئيس مبارك حاكم مصر بزيارة لباريس ولندن ولمدن أوروبية أخرى لمناقشة تلك المبادرات، كما قام وزير خارجية الأردن بزيارة واشنطن لنفس الغرض. وسوف يعقب هذه الزيارات، جولات وزيارات كثيرة لمسؤولين عرب على العواصم صاحبة القرار لشرح وتلقي الآراء حول هذه المبادرات التي انهمرت على رؤوس المسؤولين انهمار المطر.

    وأما أوروبا فأدلت بدلوها هي الأخرى في الموضوع، فتقدمت ألمانيا وفرنسا بورقة أوروبية لإصلاح الشرق الأوسط تنافس الورقة الأميركية، وقال الرئيس الفرنسي شيراك بأن المبادرة الأميركية تصل إلى حد التدخل في شؤون الدول الداخلية، وأبدت بريطانيا ملاحظاتها وقال طوني بلير بأن الإصلاحات لا فرض من الخارج، وأظهرت دول أوروبية أخرى أصغر آراءها في الإصلاح، وصار كل من هب ودب يدلي بدلوه في شأن غيره. وكانت بوادر التنافس بين أميركا وأوروبا قد لاحت بخصوص إصلاح الشرق الأوسط قبل عدة سنوات، حيث كان العامل الاقتصادي هو الظاهر، حيث طرحت أوروبا مبادرة الشراكة الأورومتوسطية، ولحقتها أميركا فطرحت مبادرة الشراكة الأميركية الشرق أوسطية. فاختلاف الرؤى بين أميركا وأوروبا على الشرق الأوسط قديم، وهو ناتج عن اختلاف المصالح، والكل يطمع أن يتمكن من هذه المنطقة، البقرة الحلوب، حتى غدت منطقتنا محطاً للناهبين، ومطمعاً للطامعين، ومرتعاً للراتعين.

    ثم جاء غروسمان وكيل وزارة الخارجية الأميركية يسرع الخطا محذراً من تأخير الإصلاح إلى ما بعد حل القضية الفلسطينية فقال بصريح الكلام مخاطباً العرب والمسلمين في قاهرة المعز لا تنتظروا حل القضية الفلسطينية لتبدأوا بالإصلاح، عليكم أن تبدأوا من الآن، ومعنى كلامه أنه لا يوجد حل للقضية، والموجود هو الإصلاح فقط بالمفهوم الأميركي الذي يعني صياغة المنطقة صياغة أميركية تحقق المصالح الأميركية. وقال وزير خارجية قطر مخوفاً زملائه في مؤتمر القاهرة: "لا تتسرعوا في رفض المبادرة الأميركية لكي لا تندموا، عليكم أن تدرسوها قبل أن ترفضوها".

    إن هذا التدخل السافر من قبل الأميركيين والأوروبيين في أخص شؤون مجتمعاتنا ما كان ليتم لولا تخاذل الحكام، واستسلامهم لإرادة أميركا، ولو كانوا حكاماً حقيقيين لتبنوا موقفاً حاسماً واضحاً من هذه المسألة، لو كانوا يملكون قرارهم لقالوا لأميركا مثلاً: ما شأنكم بإصلاحنا، نحن أدرى بما يصلحنا منكم، فنحن لا نتدخل في شؤونكم وفيما يصلحكم، وعليكم أن لا تتدخلوا في شؤوننا وفيما يصلحنا، فلا تدسّوا أنوفكم في شؤوننا وإلا أسمعناكم ما تكرهون، وفعلنا معكم ما لا ترغبون. هذا أقل ما يجب أن يقال لهؤلاء المستعمرين الطامعين، ولكن أين هم هؤلاء الحكام الذين يقولون مثل هذا الكلام والذي هو أضعف الإيمان؟ من يجرؤ على مواجهتهم أو مصارحتهم؟. لكن موقفاً صارماً واحداً كهذا يحتاج إلى رجال وإلى رجولة، وأّنى لهؤلاء الأشباه أن يأتوا بالرجولة؟.

    فبدلاً من أن ينبذوا مبادرات أميركا وأوروبا قولاً واحداً، فإننا نجدهم يطوفون على العواصم الأوروبية والأميركية للاستجداء، والاستخذاء، والترجي، لعل وعسى أن يغيّروا لهم بعض ما في مبادراتهم، لكي يقللوا ما فيها من إحراج ومس بكرامتهم، هذا إن بقي منها بقية عندهم. فمبارك حاكم مصر أدرك خطر المبادرة الأميركية فقال بأنه يشتم منها رائحة لا تبشر بالخير وحذَّر من مستقبل بسببها يشبه ما حدث في الجزائر، من حرب أهلية، ومجازر، ومذابح بين الشعب الواحد في البلد الواحد. والسؤال الموجه لمبارك هو: إذا أدركت خطورة مثل هذه المبادرات على أهل مصر، فلماذا تذهب إلى أميركا لمناقشتها؟ لماذا لا ترفضها جملة وتفصيلاً؟ وما الذي يجبرك على قبولها ما دامت ستجلب لأهل مصر المآسي والفواجع؟. لكن الجواب الذي لا يستطيع الإفصاح عنه أنه مدين لأميركا بالكرسي، فلا يقدر على إغضابها بالرفض، ولذلك فهو لا يملك إلا التوسل والاستجداء والترجي لعله يخفف من آثارها على دولته.

    لقد نشط حكام العرب بعد أن طرحت عليهم أميركا مبادرتها وأفكارها وانكبوا يجمعون الحجج بزعمهم، ويتبادلون الآراء في مسائل الإصلاح، لقد أصبحت هذه المسائل شغلهم الشاغل وقضيتهم المصيرية التي لا قضية عندهم سواها. وانهمكوا في شرح وجهات نظرهم بالأسلوب السفسطائي العربي المعهود، فقال بعضهم نبدأ بالإصلاح أولاً ثم نسير في حل القضية الفلسطينية، وتزعمت قطر هذا القول، ورد آخرون فقالوا لا يمكن الإصلاح قبل حل القضية الفلسطينية، وتزعم هذا القول مصر وسوريا والسعودية، مع أن أصحاب هذا الرأي ينساقون مع أميركا في الإصلاحات ولكن على استحياء، وهكذا أدخل هؤلاء الرويبضات في معمعة جدلية كلامية فارغة، تذكرنا بالجدل البيزنطي الذي دار قبل آلاف السنين عن أيهما جاء قبل الآخر الدجاجة أم البيضة.

    إن هذا الوضع السياسي المزري المتردي لبلاد العرب والمسلمين، سببه الوحيد هو الركون إلى الأجنبي، والثقة به، والخنوع له، وسبب هذا كله هو فقدان السيادة والإرادة، وسبب هذا الفقدان هو تولي الكفار والتخلي عن دين الأمة، وحضارتها، ودولتها، بحيث حولوا مجتمعات المسلمين إلى مجرد صدى لكل صوت يأتينا من الخارج.
    على الأمة أن تأخذ دورها، وتطيح بحكامها، وتقوي جبهتها الداخلية، وتستعد للمواجهة والنزال، عليها أن تبني دولتها الإسلامية الحقيقية، والتي بها نتمكن من قطع أيادي أميركا وأوروبا، وبها نتخلص من هذه الفئات الحاكمة وبطاناتها التي تمرغت طويلاً في أحضان أعداء الأمة، واصطبغت بصبغتهم، وكادت لشعوبها لحسابهم، وحوَّلت مجتمعات المسلمين إلى قطعة جبن سويسرية يتسابق إليها المتسابقون، ويتهافت المتهافتون من كل حدب وصوب، بكل شراهة ونفعية، لتقطيعها، والتهامها، بينما تتحرق الشعوب الإسلامية غيظاً من خنوع هؤلاء الحكام وخيانتهم ورضوخهم، هؤلاء الحكام العملاء الذين حوَّلوا الأمة الإسلامية إلى أضحوكة تسخر منها الأمم الأخرى، فتتدخل في أخص خصائصها، وتتلاعب بمقدراتها، وتوجه سياستها الداخلية قبل الخارجية باتجاه مصالح الدول الطامعة الكبرى.

    لقد آن الأوان لقيام الأمة بدورها وواجبها، والعودة إلى كتاب ربها، وسنة نبيها، وإقامة خلافتها الإسلامية التي ستضع حداً لتطاول المتطاولين، وخيانة الخائنين.

    لقد طال انتظار المنتظرين ولسان حالهم يقول: إلى متى سنبقى تحت رحمة من لا يعرف الرحمة، أما آن أوان التغيير، وقرب انبلاج الفجر من العزيز القدير؟؟

    فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
     

مشاركة هذه الصفحة