التعاون الهندي مع الكيان منذ الستينات

الكاتب : أحمد العجي   المشاهدات : 449   الردود : 0    ‏2004-03-02
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-03-02
  1. أحمد العجي

    أحمد العجي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2002-07-04
    المشاركات:
    4,356
    الإعجاب :
    0
    اللواء طلعت سويلم

    صحيفة الوطن القطرية 25/2/2004



    ترجع جذور السياسة الهندية تجاه "إسرائيل" إلى بدايات العشرينيات عندما أيد الزعماء الوطنيون الهنود الموقف الفلسطيني من قضية الهجرة اليهودية لفلسطين، وقد اعتبر هؤلاء الزعماء أن موافقة العرب شرط ضروري لإقامة وطن لليهود في فلسطين، لذلك لم يكونوا مستعدين للإقرار بالمطالب الصهيونية.



    وفي المقابل تعامل قادة الصهاينة بلا مبالاة تجاه الهند، ولم يستطيعوا إيجاد قاسم مشترك في صراع الهند ضد الاستعمار البريطاني.



    وبعد استقلال الهند في 15 أغسطس 1947 تقدمت باعتبارها عضواً في اللجنة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين بمشروع دعت فيه إلى إنشاء دولة فيدرالية في فلسطين، مع منح اليهود حق الحكم الذاتي، وعندما صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على مشروع الأغلبية، انضمت الهند إلى الدول العربية والإسلامية في معارضتهم لتقسيم فلسطين.



    ورغم أن أول زعيمين وطنيين للهند بعد استقلالها (المهاتما غاندي) و(جواهر لال نهرو) - لم يخفيا تعاطفهما مع اليهود بسبب ما أشيع عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية من اضطهاد تعرضوا له على أيدي الألمان والنازي، إلا أن غاندي عارض قيام دولة يهودية على أرض فلسطين على حساب سكانها العرب، ووصف الفكر الصهيوني وما يتسم به من عنصرية وتطرفي وعدوانية واستعلاء على باقي أجناس البشر من دون اليهود بأنه «جريمة في حق الإنسانية».



    ولكن مع قيام دولة "إسرائيل" في 14 مايو 1948 تغير الواقع السياسي والجيوبوليتيكي في الشرق الأوسط، وفي عام 1950 وبعد اغتيال غاندي، حدث تغير في موقف الهند من قضية الصراع العربي الإسرائيلي، حيث اعترفت حكومة نهرو بدولة "إسرائيل" نتيجة الضغوط التي تعرضت لها من الخارج ومن الداخل، فقد مارست كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ضغوطا شديدة على نهرو لكي يعترف بإسرائيل، أما في الداخل، فقد تعرض نهرو أيضاً لضغوط من جانب الجناح اليميني في «حزب المؤتمر» الذي كان يتزعمه ويمثله في الحكومة السردار (باتيل) وزير الداخلية ومنافس نهرو على زعامة الحزب، حيث طالب بإقامة علاقات كاملة مع "إسرائيل"، بينما كان المسلمون في «حزب المؤتمر»، ويمثلهم وزير التعليم (أبو الكلام آزاد) يعارضون إقامة مثل هذه العلاقات.



    وفي مواجهة هذه المشكلة - وحتى لا يفقد نهرو تأييد الجناحين - لجأ إلى حل وسط تمثل في الاعتراف بدولة "إسرائيل"، مع إبقاء التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين في النطاق القنصلي فقط، والذي تمثل في إقامة قنصلية إسرائيلية في بومباي، بدأت بمكتب تجاري في نهاية عام 1950 ثم تحولت إلى قنصلية في يونيو 1953، وعلى الرغم من ذلك، فعندما قام (والتر ايتان) مدير عام وزارة الخارجية الإسرائيلية بزيارة الهند في عام 1952، أعرب نهرو عن استعداده لإقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وقد ساعد على استبقاء الوضع على ما هو عليه حتى أواخر السبعينيات، مشاركة الهند مع مصر ويوغسلافيا في حركة عدم الانحياز، والصداقة الشخصية التي كانت تربط بين نهرو وعبدالناصر.



    كما تفاعلت التطورات الدولية والإقليمية وأبرزها حرب 1956 و1967 مما أدى إلى منع تفاهم علني بين الهند و"إسرائيل"، خاصة وأن حقبة السبعينيات بعد ذلك شهدت تطوراً كبيراً في العلاقات الاقتصادية بين الهند والدول العربية لصالح الأولى، وكانت أبرز معالمه تدفق مئات الآلاف من العمالة الهندية إلى دول الخليج غداة ازدهار الحقبة النفطية آنذاك.



    إلا أن هذا لم يمنع من إقامة علاقات تحتية قوية ومستمرة بين الهند و"إسرائيل" منذ فترة الستينيات، لا سيما في المجالات الأمنية والدفاعية، فبجانب زيارة (موشي شاريت) وزير خارجية "إسرائيل" للهند في الخمسينيات طلب نهرو في عام 1962 عندما اشتعلت الاضطرابات الحدودية بين الهند والصين ووقعت حرب التبت بين الدولتين، ونجحت الصين في ضم هذا الإقليم إليها - من رئيس وزراء "إسرائيل" بن غوريون مساعدات عسكرية تمثلت في نوعيات محددة من الأسلحة الإنجليزية الصنع التي كان يستخدمها الجيش الهندي، مثل الهاونات 81مم، 120مم، ومدافع الميدان 25 رطلاً وذخائرها، مما كانت الهند في مسيس الحاجة إليها لتأمين صمود قواتها على خط الحدود مع الصين في أعقاب الحرب معها، وقد استجابت "إسرائيل" بسرعة للمطالب الهندية، الأمر الذي كان محل تقدير القيادات الهندية السياسية والعسكرية، ودعمت وجهة نظر اليمينيين الهندوكيين الداعية لتطوير علاقات الهند مع "إسرائيل" وتطبيعها في جميع المجالات.



    وقد أثمر ذلك في تعزيز العلاقات التحتية بين البلدين، فبعد عام واحد من انتهاء حرب التبت قام كل من (ت،س باتا بهيتمان) و(شاكر رغوناثان) عضو حزب المؤتمر الهندي بزيارة إلى تل أبيب بتعليمات من نهرو في عام 1963 لمناقشة إمكانية دعم التعاون العسكري بين البلدين، وقد استغلت "إسرائيل" هذه الفرصة بأن قام رئيس أركانها الجنرال (ديفيد شالتيف) بزيارة لنيودلهي، حيث أجرى محادثات مع نظيره الهندي الجنرال (ج،ن شودري) انتهت بتوقيع اتفاقية عسكرية بين البلدين للتعاون في مجالات الاستخبارات العسكرية، وتلبية احتياجات الهند الدفاعية، وإجراء تدريبات مشتركة.



    استثمرت "إسرائيل" علاقاتها النامية مع الهند جيدا، فمن جهة تمكنت من بيع أسلحتها ومعداتها القديمة ذات الأصل الإنجليزي إلى الهند، حيث كانت الأخيرة لا تزال حتى منتصف الستينيات تعتمد على الأسلحة والمعدات الإنجليزية في تسليح تشكيلاتها المقاتلة، بينما كانت "إسرائيل" تتجه نحو تنويع مصادر تسليحها وتزويد تشكيلات جيشها بأسلحة فرنسية وأميركية الصنع.



    ومن جهة ثانية واكبت هذه الفترة من منتصف الستينيات اتجاه الدولتين نحو بناء وتطوير صناعاتهما الحربية على أسس وطنية لتحقيق مبدأ الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي دعا إلى تعزيز التعاون بينهما من أجل وضع سياسة إقامة البنية التحتية لهذه الصناعة، والتعاون في مجال تبادل الخبرات التقنية وتدريب الكوادر العلمية والهندسية والفنية اللازمة للمصانع الحربية ومراكز البحوث والتطوير.



    ومن جهة ثالثة، وبالنظر لوجود تعاون عسكري بين مصر والهند آنذاك في مجال تطوير مقاتلة التدريب النفاثة (القاهرة) ومجالات دفاعية أخرى استغلت "إسرائيل" وجود عدد من العلماء والخبراء الهنود في مصر في الحصول على معلومات منهم عن حقيقة الوضع العسكري في مصر، والتي كانت لازمة لإسرائيل قبل شن عدوانها في يونيو 1967، وفي المقابل قدمت "إسرائيل" للهند معلومات كافية عن الأوضاع العسكرية في باكستان، وهو ما كان متاحاً لإسرائيل بالنظر لتسللها إلى داخل وكالتي المخابرات الأميركية المركزية والعسكرية، وإمكانية الحصول على معلومات يقينية عن باكستان، بحكم عضوية الأخيرة في «الحلف المركزي» الذي كانت تسيطر عليه الولايات المتحدة.



    وعندما شنت الهند حربها الواسعة ضد باكستان بسبب قضية كشمير في عام 1965، قدمت "إسرائيل" إلى الهند كميات ضخمة من الأسلحة والمعدات العسكرية، لاسيما في مجال الصواريخ المضادة للدبابات وقذائف المدفعية وأجهزة الاتصالات، بالإضافة لمساعدات تكنولوجية، وقد ردت الهند هذا الجميل لإسرائيل في حرب 1967 التي شنتها الأخيرة على الدول العربية، حيث أرسلت نيودلهي إلى تل أبيب كميات ضخمة من قطع غيار مركبات القتال التي كانت تحتاجها "إسرائيل"، لاسيما بالنسبة للدبابات (م إكس ـ 13) الفرنسية.



    وعندما انتهت الحرب سارعت الهند بإرسال وفد عسكري برئاسة الجنرال (رافجيت سنغ) إلى "إسرائيل" للحصول منها على خبرات ودروس القتال التي اكتسبتها من الحرب، لاسيما في مجال رسم السياسة الدفاعية للدولة والتخطيط الاستراتيجي للقتال على أكثر من جبهة، حيث يماثل الوضع في "إسرائيل" بالنسبة لجيرانها العرب، نفس الوضع في الهند بالنسبة لجيرانها باكستان والصين إلى حد كبير، كذلك خبرة "إسرائيل" في مجال تخطيط وتنفيذ الضربات الجوية الشاملة والهجمات الجوية المركزة.



    ومنذ انتصار "إسرائيل" في حرب 1967 بدأت تجد متنفساً لها داخل الهند عن طريق الارتباط بعلاقات مع بعض القوى السياسية اليمينية مثل حزب (جانانغ) وحزب (سواشتنيرا) وبعض أعضاء البرلمان الهندوسي المتطرفين، وجاهدت في سبيل تشكيل جماعة ضغط موالية لها للتأثير على صناع القرار في الهند من أجل تحقيق أهدافها هناك بحكم الثقل الجيوبوليتيكي الذي تمثله الهند في جنوب آسيا.
     

مشاركة هذه الصفحة