المراكز العلميه في تاريخ الطب الاسلامي

الكاتب : رءيس الجمعيه   المشاهدات : 1,105   الردود : 1    ‏2004-02-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-29
  1. رءيس الجمعيه

    رءيس الجمعيه عضو

    التسجيل :
    ‏2003-11-30
    المشاركات:
    39
    الإعجاب :
    0
    تشير المصنفات التاريخيه المتبقيه للعلماء و الحكماء الماضين، الي ان الغالبيه منهم كانت تعتبر «الطب» و «الصحه» علماً واحداً، و كانا يدرسان بمثابه علم واحد لا توجد حدود أو فواصل مشخصه بينهما.. يكتب ابن خلدون الفيلسوف و المورخ الاسلامي الكبير (732 هـ ـ 808) في تعريف علم الطب:

    «تلك الصنعه التي تتحدث عن بدن الانسان من حيث سلامته و سقمه. و ان الذي يمتلك هذه الصنعه يسعي للحفاظ علي السلامه (الصحه)، و تحسين حال المريض (العلاج) عن طريق الادويه و الاغذيه(1)…».

    و في هذا الصدد كانت الوقايه من العوامل التي تسبب الامراض، تحظي بأهميه خاصه، و قد ورد في الحديث المروي عن رسول الله (ص): «… الحميه رأس كل دواء»(3). و لذلك كانت الصحه و صور العلاج تدرسان معاً في عصور ازدهار الطب الاسلامي.

    و رغم ان نوعاً من الطب كان شائعاً في الحجاز قبل ظهور الاسلام لدي شريحه من الناس؛ الا ان هذا النوع من العلم بات بعد ظهور الاسلام يتمتع بنظم و ترتيب يستحق التقدير، بفعل الارشادات الصحيه لأئمه الدين ـ التي كانت ممزوجه احياناً بالمفاهيم الدينيه ـ و كذلك نتيجه لظهور حكماء الاسلام.

    و رغم ان عدداً غير قليل من الاطباء في صدر الاسلام لم يكونوا مسلمين، الا ان الاسلام مجد هذا العلم بحيث اعتبر «علم الابدان» من العلوم المهمه. و مع ذلك بقي علم الطب لفتره طويله منحصراً بالاطباء اليهود و المسيحيين، حتي ان بعض الخلفاء العباسيين كان ينتخب اطباء البلاط من بين الاطباء المسيحيين(4). و بطبيعه الحال لم يبق الوضع علي هذا المنوال، بل استطاع المسلمون البحاثه، و من خلال تعلم العلوم الطبيه المختلفه و الصحه، ان يخطوا خطوات باهره في مجال الطب بنحو كانوا يعتبرون حتي اواسط القرن السابع عشر الميلادي، اساتذه هذا الفن البارزين في العالم(5).

    ان الطب الاسلامي في السابق لم يكن مستقلاً بالكامل، بل ان غالبيه مفرداته كانت خلاصه المنجزات و التجارب المترجمه عن كتب الحكماء و الاطباء الكبار من امثال بقراط و جالينوس؛ و يمكن ان نجد ذلك مجتمعاً تقريباً في كتاب «الملوكي» لعلي بن العباس الاهوازي (المتوفي سنه 384 هـ.ق)(6). و قد كان كتاب الملوكي مرجعاً لمسائل الناس الطبيه و الصحيه لقرون عديده، حتي تم تصنيف كتاب «القانون» لابن سينا، و شاع بين الناس و انتشر.

    لقد اهتم العلماء المسلمون، اقتداءً بالآيات القرآنيه الكريمه و سنه الرسول الاكرم (ص)، بكل علم مفيد؛ و كان عدد من الحكماء و الاطباء المسلمين يتقنون لغات اجنبيه عديده؛ و كانوا قد مهدوا بترجماتهم للكتب و المؤلفات الطبيه اليونانيه و الهنديه و السريانيه التي اللغه العربيه لانتقال العلوم الطبيه الي البلاد الاسلاميه(7).

    و من بين البلدان الاسلاميه كانت ايران تتمتع بمكانه خاصه. اذ كان مركز «جنديشابور» العلمي، من اهم المراكز الطبيه في عصره، قبل دخول الاسلام. و قد قدم الاطباء المسلمون الايرانيون عبر هذا المركز خدمات جليله الي عالم الطب. و قد ساعد ذلك في ان يكون الاطباء‌ و الحكماء قد تشرف الايرانيين باعتناق الاسلام، من جمله اكثر اطباء عصرهم نشاطاً و مهاره و حذقاً، و سوف نتحدث عن ذلك بالتفصيل في البحوث الآتيه.

    قبل ظهور الاسلام، كان العالم يضم اربعه مراكز طبيه مهمه، تتم فيها اهم النشاطات الطبيه و الصحيه آنذاك. و هذه المراكز هي:

    اولاً: المركز العلمي في الاسكندريه. و تفيد التواريخ ان هذا المركز تم تأسيسه بعد احتلال الاسكندر مصر. و مارس الطبابه و التدريس لسنوات طوال في هذا المركز، اطباء و علماء‌ مشهورون من امثال هيروفيلوس (Herophilos) (300-235 قبل الميلاد)، و جالينوس (Galenus) (201-131 قبل الميلاد)، و اوريباسيوس (Oribasios) (325-400 م). و كان جاليونوس يحظي بشهره واسعه بين المسلمين من بين جميع حكماء مركز الاسكندريه، بنحو كان يعتبر معظم الاطباء المسلمين انفسهم في الماضي تابعين لآراء جالينوس الطبيه، و قد عملوا علي ترجمه معظم مؤلفاته الي اللغه العربيه.

    ثانياً: المراكز العلميه و الطبيه السريانيه التي تم تأسيسها نتيجه لنفوذ المسيحيين في البلاد الممتده غرب نهر الفرات و بين النهرين و الشوش. و قد اضحت سبباً في جذب عدد من العلماء و المغرمين بعلم الطب. و ساعدت ترجمه الكثير من الكتب الطبيه و الصحيه من اليونانيه الي السريانيه في الازدهار هذا العلم و تطوره في البلاد الواقعه بين النهرين.

    و بفضل قرب مواطن العرب من الذين كانوا يتكلمون السريانيه ـ بعد ان انتشر الاسلام في المناطق التي كان يسكنها العرب ـ استطاع الاطباء المسلمون ان يخطوا خطوات مهمه علي طريق ترويج علم الطب و الصحه في اوساط المسلمين، مستفيدين من ترجمه آثار الحكماء اليونانيين من اللغه السريانيه الي العربيه.

    ان المراكز العلميه و الطبيه السريانيه غالباً ما كانت تدار من قبل الروحانيين المسيحيين، و كثيراً ما كانوا يمزجون بين التعاليم الدينيه و الارشادات الطبيه. و ان كل من افرائم (Ephrem)، و (آكاسيوس Acacius)، و (كاتوليكوس Catholicos)، كانوا من جمله العاملين في المراكز العلميه و الطبيه السريانيه، و ممن عمل في تدريس و ترجمه الكتب الفلسفيه و الطبيه.

    ثالثاً: المراكز الطبيه الايرانيه. كان مركز «جنديشابور» العلمي اهم مركز طبي ايران قبل الاسلام، و كان يتمتع بشهره واسعه آنذاك. و اعتبر بعض الباحثين و المحققين هذا المركز، مزيجاً من انجازات و و معطيات المراكز العلميه في كل من الاسكندريه و انطاكيه و اليونان و روما و ايران(8).

    كان مركز جنديشابور العلمي، الذي يعرف ايضاً في بعض المؤلفات بجامعه جنديشابور، يضم مستشفي كبيراً يعمل فيه عدد كبير من الاطباء، كان من اهمهم اسره بختيشوع. حيث كانت هذه الاسره و لاجيال متواليه مشغوله بالطبابه في مستشفي جنديشابور، و كانت احياناً تتولي رئاسه مركز جنديشابور العلمي ايضاً. و ان بعض افراد اسره بختيشوع، كانوا الاطباء الخصوصين للخلفاء العباسيين. يكتب «ادوارد براون» نقلاً عن «تاريخ الحكماء»:

    ابتلي المنصور، الخليفه العباسي، بمرض عضال؛ مما اضطروا الي احضار جورجيس بن بختيشوع ـ الذي كان رئيساً لمستشفي جنديشابور ـ فاستطاع ان يعالج الخليفه و يشفيه. و اضطر لان يبقي في بلاط الخليفه اربع سنوات حتي مرض، فطلب من المنصور ان يسمح له بالعوده الي ايران، حتي اذا وافته المنيه يكون قريباً من ابنائه(9).

    لقد بقيت اسره بختيشوع تتربع علي عرش الطب في عصرها طوال سته اجيال (250 سنه)(10). و لعب مركز جنديشابور الطبي دوراً مميزاً في ازدهار الطب الاسلامي بنحو استمرت تأثيراته حتي اواخر القرن الثالث الهجري. و يذكر المؤرخون، خاصه المؤرخين الاسلاميين. هذا المستشفي كأحد المؤرخين الاسلاميين، و نظراً لأهميه مركز جنديشابور الطبي لدي الاطباء‌ الاسلاميين، سنتحدث عنه بشكل مستقل في مكان آخر.

    رابعاً: المراكز الطبيه الهنديه. بلاد الهند ايضاً من جمله المناطق التي اتسمت الاقدامات الطبيه فيها بسابقتها التاريخيه. و كان الاطباء المسلمون من جهات عديده يستفيدون من الطب الهندي في معالجه مرضاهم..

    ان الكتب الهنديه القديمه كانت تعرف علم الطب بانه علم الهي، و تضع مواصفات خاصه للاطباء‌، من جملتها: «النظافه»، و «اللباس الابيض»، و معامله الناس برفق و رأفه(11). و ان معرفه المسلمين بالآراء و النظريات الطبيه للاطباء و الحكماء الهنود غالباً ما كانت تتم عن طريق مركز جنديشابور الطبي، اذ ان عدداً من الاطباء الهنود كانوا يعملون في مستشفي جنديشابور، ان يترددون عليها عند الضروره. هذا فضلاً عن ان بعض العلماء الهنود عملوا علي نقل و ترجمه المؤلفات الهنديه الي العربيه في عصور الخلفاء العباسيين. فمثلاً الطبيب (كنجه Kanga) ـ القرن الثاني الي اوائل القرن الثالث ـ كان من جمله الاطباء الهنود الذين كانوا يعيشون في بغداد في عصر الخليفه العباسي هارون. و هناك كتب عديده تنسب ترجمتها من اللغه الهنديه الي العربيه الي كنجه، من جملتها: «كتاب اسرار المواليد»، و كتاب «اسماء عقاقير الهند». و من الاطباء الهنود الآخرين يمكن ذكر «ابن دهن» الذي كان معاصراً لـ(كنجه)، و كان له دور في ترجمه المؤلفات الطبيه من اللغه الهنديه الي العربيه، و في اداره شؤون مستشفي بغداد.

    كانت هذه خلاصه عن المراكز الطبيه المهمه في العالم قبل الاسلام، و التي تركت تأثيرها علي الطب الاسلامي. و كما ذكرنا، ان الطب الذي كان يمارس من قبل الاطباء المسلمين، كان مزيجاً من طب ابران و الهند و اليونان و الاسكندريه. بتعبير آخر ان معظم الاطباء المسلمين كانوا تلاميذ للمدارس الطبيه آنفه الذكر، و قد استطاعوا اثراء معلوماتهم و تجاربهم عن طريق ترجمه الكتب الطبيه المختلفه. و لكن ما يحظي بالاعجاب و التقدير لدي الاطباء المسلمين هو انهم لم يكتفوا ابداً بمعلومات و تجارب اساتذتهم، بل كانوا يتطلعون دائماً الي الابتكار و الاكتشاف و تطوير علوم ممن سبقوهم في مجال تشخيص الامراض و علاجها. و كان ذلك سر تطورهم و تقدمهم حتي القرون الوسطي الاروبيه.

    فعلي الرغم من ان الاطباء المسلمين في العصور الاولي لممارستهم الطب، كانوا متأثرين بالعلوم الطبيه و الصحيه للحضارات الاخري؛ الا انهم و نظراً لتحليهم بروح البحث و التحقيق و الابتكار اساليب جديده سجلت باسمائهم في تاريخ علم الطب و الصحه. يكتب ويل دورانت في «تاريخ الحضاره»: «كان الاطباء المسلمون يولون اهميه كبري للاستحمام ـ خاصه اثناء الحمي ـ و حمام البخار»(12). و اليوم يعتبر غسل البدن خاصه الاقدام، من الطريق المهمه، و في الوقت نفسه ابسطها و عديمه الضرر او اقلها ضرراً، في خفض حمي البدن.

    الاستفاده من حمام البخار، ابتكار آخر من جمله ابتكارات الاطباء المسلمين في مراعاه صحه البدن، رغم ان في ذلك العصر كانت تتم الاستفاده من الخزانه العموميه في الحمامات. و قد تنبه الاطباء المسلمون الي ان هذا النوع من الحمامات يعتبر من العوامل المهمه في انتقال الامراض الجلديه و المعديه، و كانوا ينصحون الناس بالاستفاده من حمامات البخار، و اساساً ان إحداث حمامات البخار كان من ابتكارات المسلمين.

    يكتب ويل دورانت في مكان آخر من كتابه بهذا الخصوص: «ان إحدي ثمار الحروب الصليبيه، رواج حمامات البخار العامه في اوروبا، التي تم بناؤها بتقليد حمامات المسلمين. و ان الكنيسه لم تكن تنظر بعين الرضي الي هذا النوع من الحمامات»(13).

    كيفيه معالجه مرضي الجدري و الحصبه، كانت من ابداعات الاطباء المسلمين و ابتكاراتهم الاخر، و التي بقيت لقرون محل استفاده الاطباء و الحكماء الاوروبيين.. لقد كان المسلمون يولون الجوانب الصحيه المختلفه اهميه كبري. و من هذا الباب ايضاً كانوا يعتبرون الطهاره و النظافه من الشروط الاولي لصحه بعض العبادات نظير الصلاه. و كانوا يعتبرون بناء الحمام و الاستفاده منه من مستلزمات النظافه، و قد عملوا علي بناء مئات الحمامات في القرن الثاني عشر الميلادي في كل من مدينتي بغداد و مصر، اللتين كانتا تعتبران من مراكز الحكومه الاسلاميه المهمه(14).. و من المفيد ان نختتم هذا القسم من البحث بحديث للرسول الاكرم (ص) في باب النظافه، اذ يقول (ص): «ان الله طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافه»(15).



    المصادر

    1) مقدمه ابن خلدون، عبدالرحمن بن خلدون، ترجمه محمد پروين كنابادي، جلد دوم، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، چاپ چهارم، 1359، طهران، ص 1032.

    2) بحارالانوار، محمد باقر المجلسي، الجزء 62، دار الكتب الاسلاميه، الطبعه الثانيه، طهران 1365، ص 290.

    3) تاريخ الطب في ايران بعد الاسلام (منذ ظهور الاسلام و حتي حقبه المغول)، د. محمود نجم‌آبادي، نشر جامعه طهران، طهران 1353، ص 130 ـ 131.

    4) تاريخ الفلسفه العربيه، حنا الفاخوري ـ خليل الجر، ج 2، 1365 هـ. ق، مصر، ص 356، نقلاً عن تاريخ الحضاره الاسلاميه للدكتور علي اصغر الحلبي.

    5) المصدر نفسه.

    6) المصدر نفسه.

    7) تاريخ الطب في ايران، مصدر سابق، ص 5ـ 6.

    8) المصدر نفسه.

    9) تاريخ الطب الاسلامي، ادوارد براون، ترجمه مسعود رجب ‌نيا، شركت انتشارات علمي و فرهنگي، چاپ پنجم، طهران 1371، ص 56.

    10) المصدر نفسه، ص 57.

    11) تاريخ الطب في ايران بعد الاسلام، مصدر سابق، ص 101 ـ 102.

    12) تاريخ الحضاره، ويل دورانت، ترجمه ابي القاسم پاينده، ج 11، انتشارات اقبال، 1343، طهران، ص 157.

    13) المصدر السابق، ج 13، ص 502.

    14) المصدر السابق.

    15) ميزان الحكمه، محمدي ري شهري، نقلاً عن صحيح الترمذي، ج 10، ص 240.

    منقول للفائده
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2004-02-29
  3. Dr ahmed omerawy

    Dr ahmed omerawy مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2002-11-06
    المشاركات:
    3,485
    الإعجاب :
    0
    أخي العزيز ..
    شكرا على نقلك هذا الموضوع ....


    لي عودة إن شاء الله بعد إتمام قراءة المقال ...








    و دمت ...
     

مشاركة هذه الصفحة