انها الصليبية ورب الكعبة

الكاتب : أحمد الأسودي   المشاهدات : 447   الردود : 0    ‏2004-02-29
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-29
  1. أحمد الأسودي

    أحمد الأسودي ضيف شرف

    التسجيل :
    ‏2004-02-24
    المشاركات:
    95
    الإعجاب :
    0
    هل للمسيحيين أن ينصّروا المسلمين؟
    بدأ فوج جديد من المبشرين حملة لطرح الإنجيل في دول إسلامية، هل ينتج عن ذلك الإيمان أم ردود فعل عكسية ؟

    كتبها ديفيد فان

    بيما



    الأحد، 22 يونيو 2003

    لم تكن مسلمة. ولكنها تؤدي الغرض حالياً. في مارس الماضي وفي الوقت الذي بدأت تحتشد فيه الجيوش الأمريكية خارج بغداد، دلفت سيدة وهي ترتدي برقعاً داكناً إلى الغرفة الدراسية الضيقة في حي ’ كوينز‘ بمدينة نيويورك. الفصل الذي كانت تخاطبه كان منظماً من ِقبل المركز الأمريكي لتبشير العالم ويجتمع فيه طلبة متحمسين من المسيحيين البروتستانت التبشيريين لدراسة كيفية التبشير في الدول الأجنبية. كانت ’شفيرة‘ ذات الملابس السوداء تحاول شرح معتقداتها ببسالة.



    وبلهجة إنجليزية متقطعة، قالت ملمحة إلى أحداث 11 سبتمبر مباشرة، "إن العنف ليس في قلب كل المسلمين. أنا آسفة أن أناساً قد ماتوا. أنا أريد السلام لأولادي وأعتقد أنكم تريدون السلام، إنه نفس الشيء." قالت لهم عن أركان الإسلام الخمس وذكّرت مستمعيها أن الحرب المقدسة لم تكن ضمن تلك الأركان. "إن لدينا صفات كثيرة مشتركة" هكذا قالت، ولكنها تساءلت عن الثالوث: "الإله الآب زائد الإله ماري يساوي الإله الابن؟"



    سارع أحد الطلاب بالإجابة مثاراً بفرصة التفسير. بعد الاستماع بصبر، نزعت شفيرة زيها واعترفت بأنها ’ليست مسلمة حقيقية.‘ مطلقاً. إنها في الواقع مسيحية تبشيرية في الأراضي المسلمة منذ زمن طويل، وقد كانت مكلفة بشرح كيفية الأداء التبشيري في العديد من المحاضرات التي هي ضمن مائة وخمسين محاضرة ’تطلعية‘ تتم سنوياً. قالت لهم اسمها الحقيقي. (استخدمت الأسماء المستعارة طوال كتابة هذا المقال لسلامة التبشيريين العاملين في المناطق المحتمل أن تكون عدوانية أو العائدين إليها، وسيشار إليهم بعلامتى الاقتباس في الاستخدام الأول. كذلك ستحذف أسماء مناطق عدة.)



    على مدى الثلاث ساعات التالية، وضعت ’بربارا‘ الغير مبرقعة قائمة من المقارنات بين يسوع ومحمد ("لقد بعث يسوع من الموت وهو حي ولكن محمد قد مات.") وقائمة لما يجب أن يفعل وما يجب ألا يفعل لإرشاد المسلمين. (استمع إلى قصتهم. لا تناقشهم عن إسرائيل.) ثم عرضت على شاشة مقولة جون أشكروفت المدعي العام الأمريكي "إن الإسلام هو دين يريد منك الرب فيه أن ترسل ابنك للموت من أجله بينما المسيحية هو الإيمان حيث يرسل الرب ابنه للموت من أجلك". قال أشكروفت بعدما نُشر تعليقه في أواخر عام 2001 أن ما قاله إنما يقصد به الإرهابيون وليس مسلمي الاتجاه السائد، ولكن يبدو أن ذلك ما تجاهلته بربارا التي أكدت أن "الإسلام هو الإرهابي والمسلمون هم الضحية." انتهت المحاضرة بالصلوات حيث قال أحدهم مشيراً إلى العراق "نحن نندب الخسائر في الأرواح هناك" وأضافت بربارا "نحن نصلي أن يسحق سلاح الدمار الشامل الحقيقي وهو الإسلام. يا رب، نحن نعلن أن دمك يكفي للغفران لكلٍ من المسلمين. إنه يكفي."



    وقد انهمك الأمريكيون في برنامج سريع لتعلم الإسلام وجغرافيته وأتباعه لواحد وعشرين شهر حتى الآن. لم يكن موضوعاً يُهتم به من قبل، ولكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لم تترك خياراً. استمر الجيش الأمريكي أثناء العمل في دولتين في دراسة الشيوخ وأمثال آية الله الخميني بالإضافة إلى العادات السنّية والفصائل الشيعية، ورغم ذلك فهناك فئة واحدة أخذت تفكر بعمق في المسلمين لأكثر من عقد. جيش هذه الفئة غير مسلح وجنوده غير مأجورين في الكثير من الأحيان ويقع معسكرهم في أماكن مثل فصول حي كوينز الدراسية، وليس لهم أي رابط رسمي بالحكومة الأمريكية (قد يكون ذلك باستثناء التشويه الغير متعمد للصورة الأمريكية) ولكن قواتهم المتقدمة قد دخلت في الشهور القليلة الماضية أرض المعركة العراقية التي لا تزال مشتعلة، ونواياهم هي تشكيل مستقبل شعبه أثناء تواجد القوات الأمريكية.



    لمدة قرن من الزمان لم توقظ فكرة تنصير المسلمين مثل هذه الحماسة في المسيحيين المتحفظين. فالتبشيريون يسارعون لما أصبح آخر صيحة تبشير متأثرون بالاحتياجات المادية للمسلمين والاحتياجات الروحانية (المفترضة) ومقتنعون بأن المسلمين من أكثر الشعوب التي لم يصلوا إليها تعدادا ً والتي يجب أن تسمع الإنجيل قبل عودة المسيح. تشير الإحصائيات من مركز دراسة المسيحية العالمية في معهد جوردن-كنويل اللاهوتي لدراسة الأديان بجنوب هاملتون، ماستشوستس أن عدد الجماعات التبشيرية في الدول الإسلامية ما بين عامي 1982 و2001 قد وصل للضِعف تقريباً ـ بعدما كان أكثر من 15000 وصل إلى أكثر من 27000.



    يوجد حوالي مبشرأمريكي واحد من كل اثنين مبشرين ومن كل ثلاثة يوجد واحد يتبع الطائفة الإنجيلية التبشيرية. يقول جورج براسويل الإبن، أستاذ التبشير بمعهد التعميد الجنوبي الشرقي اللاهوتي لدراسة الأديان "لدينا الآن جماعات أكثر من أي وقت مضى يذهبون لأناس كالمسلمين." يبدو أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول لم تكن إلا لشحن ذلك الدافع.



    تصادف دوي تلك الحركة مع تصاعد القيود على الجهود التبشيرية من قبل الأنظمة الحاكمة في الدول ذات الأغلبية المسلمة ومع تفاقم العداء المسلح للغرب. هاج التوتر الناتج عن ذلك بشكل مفجع في بعض الأحيان: فقد شهد العامان الماضيان الحجز والحبس لأمريكيين من الجماعات التبشيرية في أفغانستان أثناء حكم طالبان والاغتيالات التي بدت ناتجة عن دافع ديني من أربعة آخرين في اليمن ولبنان. توحي محاولة التفجير الغير متقنة لعائلة تبشيرية هولندية ألمانية الشهر الماضي في طرابلس بلبنان أن الخطر لم يخمد. يقول ستان جوثري مؤلف كتاب التبشير في الألفية الثالثة "لقد بدأ الناس في إحصاء الغرامة، فإنك قد ُتقتل إن تواجدت في المكان الغير مناسب وفي الوقت الغير مناسب. كانت الجماعات التبشيرية دائماً ما تفكر في احتمالية حدوث ذلك ولكن الأمر أصبح الآن حقيقياً أكثر."



    طرحت مثل هذه المخاوف أسئلة أخرى خاصة مع دخول التبشيريين البروتستانتيين في أفغانستان والعراق على أثر الجيوش الأمريكية، فالوفود الجديدة تريد خيراً: بالإضافة إلى الإنجيل المسيحي والذي يعتبرونه أثمن هدية لديهم، فقد خصصوا ملايين الدولارات كمعونة وساعات لا تحصى من العمل الخيري. ولكن بعض العاملين في هذا المجال لمنظمات مسيحية أكثر تحرراً يدّعون أن طريقة بعض التبشيريين الهجومية قد تضع كل المؤسسات الخيرية في خطورة كما كان الأمر عندما أغضبت أعمال الجماعات التبشيرية حكومة طالبان منذ عامين مما أدي إلى إغلاق جميع المعونات المسيحية في كابول. يتهم المنتقدون المسلمون التبشيريين بالكذب بشأن هويّاتهم ودينهم كوسيلة لبلوغ أهدافهم. وبينما تستمر التوترات بين الإسلام والغرب في الغليان بدأ بعض المهتمين بالشرق الأوسط في السؤال عما إذا كان التبشيريون الذين يحبون المسلمين في حين يحتقرون الإسلام هم من نوع سفراء النوايا الحسنة الغير مُعينين رسمياً والذين تحتاج إليهم الولايات المتحدة بشدة في منطقة تفرط في الخطابة عن الحرب المقدسة. يقول القس المعمِّد تشارلز كيمبول والذي كان مدير مكتب الجمعية القومية لكنائس الشرق الأوسط خلال الثمانينيات: "القضية ليست هي الإخلاص أو التعهد بإيمان شخصٍ ما..وإنما هي أن المنطقة في مرحلة محورية ومتقلبة وأن الوقت غير مناسب لوفود الجماعات إليها مرتدين صورة المسيح على أكمامهم وكأنما دخل أحدهم في غرفة مليئة بالمتفجرات بعود ثقاب مشتعل."



    ولكن ما هي نسبة العاملين المسيحيين المتدينين الذين يتصرفون بمثل هذه الطريقة؟ أحد الأسباب التي تجعل معرفة ذلك صعبة هو أن الحماسة كثيراً ما تهدأ بعد قضاء فترة داخل البلد. لقد أرسلت طوائف دينية سائدة مثل أعضاء كنيسة البرسبيتاريين و كنسية الميثوديين منذ قرنين الآلاف من التبشيريين إلى الشرق الأوسط، وكما هي الحال مع المبشرين الحاليين فقد بدءوا متلهفين للتنصير، ولكنهم مع مرور الوقت ارتضوا جدول أعمال أكثر تواضعاً متماشياً مع القوانين المحلية المضادة لتحويل الديانة وركزوا على بناء مؤسسات تعليمية وخيرية توفير المعونات الإنسانية. مثل هذه الجماعات لا تزال تمثل أغلب التواجد التبشيري في المنطقة وهم يتمتعون بعلاقات مثمرة و جيدة - و إن كانت محدودة - مع السكان والسلطات. وحتى في نطاق الموجة التبشيرية البروتستانتية الراهنة فهناك بقطاع عريض من الأساليب والأخلاقيات، فنجد أن بعض التبشيريين يضعون نصب أعينهم القيم الأساسية في تقديم الجهد والمال للمسلمين المحتاجين مع الاحتفاظ بحقهم في التبشير. وعلى صعيد أخر نجد أخرين يقومون عن بعد بإغراق الأهالي في سيل من البرامج المسيحية في التلفاز و الراديو و عشرات الالاف من المنشورات والإعلانات المطبوعة التي تروج لمناهج مسيحية بالمراسلة على أمل أن تتشعب بعض البذور. يتخذ المبشرون البروتستانتيون أعمالاً غير دينية لتجنب شبهة التطفل لدخول عشرات الدول المسلمة التي ترفض إعطاء تصريح الدخول تحت مسمي ’عامل ديني‘.



    يُبدي الكثير منهم حساسية مرهفة فلا يدعون إلي الرب إلا مع الذين استطاعوا أن يقيموا معهم صداقات حميمة. في الوقت نفسه لاتزال توجد جماعات ليست بصغيرة تثير المتاعب لأنها جاهلة سياسياً ومتغطرسة دينياً. مثل هذه الجماعات تقوم بتقديم أشرطة الكاسيت و المنشورات و دعوة المارة لمشاهدة فيلم عن حياة يسوع و نشر الدعوة بين الصغار أثناء تقديم اللعب اليهم لإجتذابهم. مثل هذه النشاطات لا تثير الانتباه في الشارع الأمريكي العادي ولكنها قد تؤدي الي العنف في المجتمعات التي تمزج فيها الدولة والمسجد والتي تعتبر تجريح الإسلام جريمة وأن الارتداد عنه نتيجة تلك النشاطات التبشيرية يولد ردود فعل عنيفة من الشعب. كلما زادت جرأة المبشرين في الدعوة، كلما أثاروا حفيظة المواطنين وسواء كانت أفعالهم متعمدة أم لا فإنها تثير الجدل في جنبات المجتمع التبشيري. بعض المتخصصين يرون أن هفواتهم هي نتيجة وجود الكنائس اللاطائفية والتي تفتقد الموارد اللازمة لإعداد برامج تدريبية ملائمة. يري البعض الأخر أن المسيؤون ما هم إلا هواة يقضون وقت قصير في المنطقة فلا يشهدون سلسلة الانتقام التي تولدها أساليبهم الإستفزازية. يقول روبرت سايبل و هو تبشيري إنجيلي ووزير فوق العادة للحريات الدينية الدولية لدى وزارة الخارجية الأمريكية حتى عام 2000 :’ إن المحاولات الجيدة أكثر من المحاولات السيئة فالمذاهب الرئيسية تسلك الطريق الصحيح في أغلب الأحيان و لكن ما إكتشفته أنا هو أن حَسَني النية قد أضرّوا في الكثير من الأحيان بالرسالة التي يريدون توجيهها للناس بسبب انتهاجهم لأساليب غير ملائمة. يُضطهد الفكر التبشيري بسببهم مما يجعل البعض يتمنى لو أنهم لم يأتوا الى تلك البلاد أبداَ‘.



    يقول ’جوش ‘ أحد المبشرين الجدد ممن لا يستخدمون أساليب حمقاء: ’أنا لا يمكن أن ُأقدم على فعل أحمق مثل وعظ الناس بطريقة سافرة في الطريق العام أو أن أقدّم لمن لا أعرفه منشورات دينية‘. و مع ذلك فقد يصاب جوش بقِلة الصبر في بعض الأحوال، خاصة و قد أمضى ثمانية أشهر في تلك المهمة و هو مازال شاباَ في الرابعة و العشرون من عمره. مازال يتحدث هذا الشاب عن نفسه قائلا: ’أنا بطبيعتي قليل الصبر و لذلك فإن تطلعاتي قد توقعني في المآزق‘. جوش يعمل في عاصمة إحدى الدول العربية المزدانة بالنخيل وعلى الرغم من أنه إبن لأحد مبشريي مذهب ’تجمعات بنتاكوستال اللاهوتية‘، مما جعله ينشأ في الخارج، إلا أن هذه هي المرة الأولى التي يعمل فيها وحيداَ و لمدة طويلة. تجده متجولاَ في أحياء الطبقة الوسطى بالمدينة وهو يقضي حوائجه لعمله الصباحي كعامل في المجتمع المسيحي بالمدينة، و تراه متسائلاً في نفسه عمن سيقابل في هذا اليوم. يقول جوش أنه يفضل أن يُحدث قائدي سيارات الأجرة عن المسيح حيث أن تمكنهم من الإنجليزية أفضل من تمكنه من العربية. يستهدف جوش أيضاَ ثلاث شبان يعملون في محل نجارة لأنهم في مثل عمره والأجيال الشابة في مثل هذا العمرمتأثريين جداَ بالثقافة الغربية و رؤوسهم ممتلئة بالأسئلة التي تبحث عن إجابات فيكون التأثير عليهم سهل. يمر جوش باحداث متباينة، فبعض الأحداث تجعله في قمة النشوى مثل تلك المرة عندما أطرى عليه صبي من الحي قائلا:’إنك مسلم صالح...أقصد مسيحي صالح‘ فيحس جوش أنه ناجح في عمله من حيث التأثير على المسلمين. في أحيان أخرى تجده كما يقول هو: ’تحت ضغط نفسي هائل فأنا رجل واحد، ماذا يمكن أن أفعل لكي أساعد كل هؤلاء الناس؟ ‘ و لكن مع كل صباح يتذكر جوش سبب وجوده في هذا المكان عندما يرتفع صوت المؤذن لينادي لصلاة الفجر في الساعة الرابعة. في ذلك الوقت يصلي جوش و يدعوا للمصليين الذين لبوا نداء الآذان بأن ينوّر المسيح بصيرتهم و يتوصّلون الى الرب. يقول:’ أنا أدعو لهم ألا يُأثر فيهم صوت الآذان و ألا يصل الى قلوبهم، و أن أستطيع أن اٌبعدهم عن هذا الجو الديني المتعسف‘.



    إن النظرة الدينية البحتة توضح أن جوش و أمثاله من رسل المسيحية يتصورون أنهم يطبقون تعاليم المسيح المكتوبة في إنجيل متّى المعروفة بالتفويض العظيم و الذي ورد فيه: ’إذهب وكون أتباع من كل الأمم، و عمّدهم بإسم الآب و الإبن و الروح القُدس، و علمهم أن يطيعوا كل ما أمرتك به‘.يعتبرالبعض أن هؤلاء المسيحيين الذين إهتموا بالتبشييرمنذ العصور الوسطى هم من أهم المساهمين في نقل الثقافة بين الحضارات المختلفة.



    في القرن الماضي تركت الطرق الرئيسية البروتستانتية و الكاثوليكية في الولايات المتحدة وعظ الجهلاء و سلكت الجانب الإجتماعي من الإنجيل فقامت بمساعدة المعوزين و بهذا وقع عبء الجانب التبشيري على عاتق المذهب الإنجيلي التبشيري. ولكن بالنسبة للكنائس البروتستانتية المتحفظة، فإن معظمهم يبعثون بالنشأ الجديد في مهام تبشيرية قصيرة أو يستضيفون أفواج من المبشيرين المغتربين الذين دائماَ ما يحكون عن الأماكن المثيرة التي زاروها أو الناس الذين غيروا معتقداتهم. هؤلاء العائدون من الرحلات التبشيرية يمثّلون قدوة للإنجيليين التبشيريين في فلسفتهم القائمة على الإنتشار بلا هوادة و التي يجعلوا منها محوراَ لحياتهم .’بث سترييتر‘ هي واحدة من هؤلاء المبشرين و تعمل مستشارة طبية في بلدة موراجا بولاية كاليفورنيا. كانت سترييتر قد سافرت الي مصر بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبرفي رحلة تبشيرية قصيرة صاحبها فيها زوجها وإبناها. تقول سترييتر:’عندما يرسخ في وجدانك أن حب المسيح هو أقيم هدية للبشرية فإنك ترغب في أن تجد أماكن و اٌناس ليعرفوا تلك الحقيقة و هذا ما يدفعنا الي أماكن غريبة و ظروف صعبة‘.



    في حقبة السبعينيات كانت أمريكا اللاتينية هي حلبة الصراع التبشيري بين البروتستانت و الكاثوليك و كلٌ يريد أن يستحوذ على قلوب الفقراء، أما المبشرين الأكثر جرأة فكانوا يذهبون الي أفريقيا و بلدان الستار الحديدي. ثم بدأ إنتباه الجماعات التبشيرية يتحول بعدما نادى مسؤل الإستراتيجية التبشيرية روبرت ونتر عام 1974 بأن الواجب هو وعظ الشعوب التي لم يصل إليها نداء المسيح من قبل عوضاً عن المناطق التي وصل اليها المد المسيحي. تلك الإستراتيجية كان لها سحر خاص في قلوب من قرأوا النص في إنجيل متّى حرفياً فتصوروا أن بداية النهاية المنتظرة ستبدأ عندما تتحول كل الأمم الي المسيحية. و في عام 1989 أوضح المبشر الأرجنتيني الأصل ’لويس بوش‘ أن سبعة و تسعون بالمائة من السكان الذين لم تصل إليهم الدعوة المسيحية يعيشون في المنطقة ما بين خطي عرض 10 و 40. كما أنه أوضح أيضاً أن هذه الشريحة الدولية المهولة تعيش في فقر مدقع و أن أغلبية السكان مقهورون بالإسلام و الهندوسية و البوذية مما يعني أنهم أتباع الشيطان.



    ناشد بوش المسيحيين في مقالة كتبها بعد ذلك بفترة أن يتسلحوا بإيمانهم بالرب و يحاربوا بأسلحة الحرب الروحانية. بوش أكد لمجلة التايم أنه لم يقصد حرب عسكرية. وعن الإسلام خاصة كتب بوش ’أن الإسلام ينتشر من وسط منطقته الواقعة بين خطيّ عرض 10/40 بقوة ليصل الي كل البقاع الأرض و لذلك فإننا لابد أن نستخدم نفس الإستراتيجية و نغزوه في عقر داره بتعاليم الإنجيل الحقة التي تحرر العقول‘. و كانت النتيجة لأفكار بوش أن قام العديد من المبشرين بحشد أنفسهم في هذه المنطقة و لكن إكتشفوا أنهم لن يقابلوا بحفاوة.



    إن الإسلام هو الوحيد من بين الأديان السماوية الثلاثة الذي يتصدي بحزم للمرتدين فحكم الشريعة هو قتل المرتدين. و على الرغم من أن هذا الحكم لا ينفّذ في كثير من البلدان الإسلامية إلا أن الإضطهاد يكون أمر طبيعي يواجهه المرتد. إلا أن الإضطهاد وحده لن يكون كافيا لمنع العمل التبشيري حيث يعتبره المبشرون الثمن الذي يدفعوه من أجل تبليغ الدعوة. لكن ما عطّل جهود المبشرين هو ما قامت به معظم الدول الإسلامية من منع تدريجي لإصدار تأشيرات لمن يعملون بالمجال الديني فأصبحت المنظمات المبنية علي تعيين مبشرين براتب شهري عاجزة.



    لجأت تلك المنظمات الى حل يطلق عليه ’صناعة الخيام‘ نسبة الى الحواريّ بولس الذي كان يكسب قُوته من هذا العمل أثناء تنقله في حوض البحر المتوسط لنشرأنباء ظهور المسيح.وقد إتبع المبشرون المعاصرون نهج بولس و لم يُعلنوا عن حقيقتهم كمبشرين و إنما آثروا أن يعملوا في مجالات أخرى– مثل المساعدات الإنسانية أو مجالات التنمية أو أي مجال يكون فيه البلد المقصود مفتقراً إلى الخبرات – و في تلك الأثناء يقومون بالوعظ بشكل غيررسمي. بالنظر الى مواقع المبشرين على الإنترنت نجد إعلانات عن مجالات عمل عديدة فهذه وظيفة لمهندس ميكانيكا في مدينة عربية كبرى و بائع أجهزة كمبيوتر في بلد مسلم و هذه فرصة عمل كمدرس لتعليم الإدارة في كايراجستان و بهذا تصبح مراكز إقتطاب المبشرين أشبه بمنتديات التوظيف. و في كنيسة صغيرة بمدينة "تانيسي" الأمريكية، يُطمئن منظم الرحلات التبشيرية الحاضرين بأن ما يكفي أي شخصٍ منهم هو أن تكون الإنجليزية هي لغته الأم و بأقل مجهود يستطيع ذلك الشخص أن يصبح معلماً لها في الدول الأخرى التي يعتزمون أن يبشروا فيها. يعرض المنظم رسم كارتون على الشاشة ليوضح مميزات عدم الذهاب في رحلة تبشيرية من خلال منظمة رسمية، و في هذا الكارتون نرى رجلاً عند نقطة تفتيش يلبس عمامة و يحمل خنجراً مستوقفاً مبشر يحمل حقيبة و يلبس زيّ يوضح نواياه و في الوقت نفسه يدنو رجل ٌغربيّ من مسجد في الأفق و يحمل حقيبة أدوات دون أن يوقفه أحد. هذا الكارتون يرمز الي ان من يدخل الي تلك البلاد معلناً أنه مبشر فسيمنع من الدخول في حين أن مَن يتظاهر بأنه يعمل في حرفة فسيصل في يسرالى هدفه و هو المسجد.



    و نعرض مثالاً آخر من المبشرين و هم ساره و هنري الذان يتبعان طريقة في التبشير تصلح لإقناع أشد الملحدين. وصل الأثنين الي دولة شمال إفريقية في أوائل الثمانينات حيث يعملون كقادة لفرقة تبشيرية. تقول سارة: ’ لم نُرِد أن نؤدي وظيفتنا ثم لا نلبث أن نترك المكان و إنما اردنا أن نقيم في هذا البلد‘. أسس الإثنين مكتب رحلات و أقاموا صداقات عدة. كانوا يتحدثون مع جيرانهم في مختلف موضوعات الحياه مثل السفر و الضرائب و الاولاد، كما أنهم يذهبون مع الجيران في نزههم و يحتفلون معهم في الأعياد الإسلامية. الكل يعلم أنهم مسيحيون متدينون و لكنهم لم يعرضوا دينهم على أحد إلا على صديق كان قد درس المسيحية بالمراسلة و جاء لهم ليسألهم عن المسيحية نيابة عن أهله و لذلك لم يمانعوا في دعوته الي المسيحية. يصر هنري على أن الصديق هو الذي طلب منهم المعرفة و قد توطدت العلاقة بين العائلتين حتى تنصّر العديد من مسلمي عائلة الصديق. مثل تلك الحالات يقول عنها المبشرين الذين يتبعون مذهب ’صناعة الخيام‘ انها علاقات تبشيرية. أما هنري فهو يفضل أن يشرح الموضوع في إطار الفرق في المعنى بين كلمتين عربيتين هما التبشير و التنصير. يقول التنصير هو أن تفرض بالقوة المسيحية على أحد، اما التبشير فهو أن تناقش المسيحية مع الآخرين و تشاركهم في معتقداتك.



    و اذا ما نظرنا مرة أخرى الي صناعة الخيام في أبسط صورها نجدها تنص على بيان القديس فرانسيس الذي يقول: ’أدعوا الي الإنجيل في كل وقت، و إستخدم الدعوة عن طريق الكلمة المسموعة إذا لزم الأمر‘. أحد المبشرين المخضرمين يعيد صياغة البيان قائلا: ’كن صديقا لهم و لا تكن مجرد بائعاً لفكرة‘.



    و بالرغم من مميزات الدعوة في الخفاء كما يفعل ’صنّاع الخيام‘ إلا أن تلك الطريقة من الممكن أن تؤدي الي عادات سيئة. إن منع تأشيرات الدخول للمبشرين يقودهم رأساً الي خطيئة الكذب و لو حتى عند مكتب الجوازات. يستخدم المبشرون في هذه الحالة رسائل إلكترونية مشفرة أو يهرّبون الاناجيل. يقول قسيس مغربي متلمساُ لهم العذر:’إنهم يفعلون ذلك بوحي من النص السابع في إنجيل جيمس‘ و يقول أخر: ’إنهم غير مخطئين فليس من المفروض ان يكون هناك خطورة على شخصٍ ما إذا ما اراد ان يسافرالى بلدٍ و يتمسك بما كفله له نص حقوق الإنسان التي وصت به الأمم المتحدة و الذي يعطي الحرية لأي شخص ان يمارس دينه و ان يعلمه للآخرين‘.و في حين ان أمثال هؤلاء القساوسة يلتمسون العذر لهذا النوع من المبشرين، إلا ان آخرين يلمومنهم مثل أحد المحاضرين في جامعة كولومبيا العالمية في ولاية كارولينا الجنوبية. تقول مجلة "الأم جونز" نقلا عن هذا المحاضرانه يتساءل: ’هل كان المسيح يكذب؟‘. فيجيب الطلبة قائلين: ’لا‘. فيعود المحاضر ليسأل: ’هل المسيح يرفع يده ليقسم على ان يقول الحقيقة و الحقيقة كاملة و لا شئ إلا الحقيقة؟‘. فيجيب الطلبة العشرون مرة أخرى في صوت واحد بالنفي. المحاضر لم ينكر أنه قال هذا الكلام للطلبة و لكنه يدافع عن نفسه بالقول بأن كلامه ذكر في سياق آخر.



    من الطرق التبشيرية الأخرى المتبعة هو تمويه المبشرين لعقيدتهم بالإدعاء بأنها نوع من الإسلام و يقومون بدعوة الناس الي مسجد المسيح. هؤلاء المبشرون يشهدون شهادة الإسلام بان لا إله إلا الله و أن محمداُ رسول الله في العلانية و يوحون للناس بانهم نوع من الدراويش او الصوفيين. البعض يبرر تلك الأساليب على أنها "قياس تقريبي" للأفكارالجديدة المطلوب عرضها في إطار مألوف.



    أما إبراهيم هوبر،رئيس مجلس العلاقات الإسلامية الأمريكية بواشنطن، فله تحليل آخر فهو يقول أن هؤلاء الذين يدّعون أنهم مسلمون إنما يفعلون ذلك لعلمهم بأنهم إذا قالوا للمسلمين صراحة ’نحن نريد أن ننصّركم‘ فلن ينجحوا في إقناع أحد. أيضا من المعترضين على هذا الأسلوب، أحد المبشرين من الأردن الذي يقول أن فكرة "مسجد المسيح" تسبب يعتيم للفكرة الأصلية فلو أن المسلمين يرغبون في المسيح فلابد لهم ان يعرفوا جيداُ من هو المسيح.



    و لكن ليس الجميع مؤيد لكل هذه السرية المحيطة بالعمل التبشيري. يقول دافيد إنجليش المديرالتنفيذي لوكالة "جلوبال أوبرتيونيتيز أو فرص عالمية" التي تساعد صانعي الخيام: ’أنه في المملكة العربية السعودية و هي من أكثر البلاد الإسلامية تقيداً للجهود التبشيرية اذا سُأل أحد العمال المسيحيين في أثناء عمله العادي عن عقيدته فمسموح له بأن يتحدث عنها و يشرحها. على الرغم من هذا فهنالك قانون يحظر الإرتداد عن الإسلام و من ثم فهم غير عادلين و لكن على الأقل مسموح بالكلام العادي عن المسيحية و شرحها‘. و يقول بعض الخبراء أن القادة في تلك البلاد يسمحون بالتبشير الغير رسمي كضريبة مقابل الإستفادة من الخبرات الغربية في مجالات الحياة. يقول داريل أندرسون أحد أعضاء الكنيسة الإنجيلية الحرة بأمريكا و التي يعمل المبشرون بها في المجالات الطبية و تكنولوجيا المعلومات:’نحن دؤوبين في معرفة المجالات التي تفتقدها الحكومات المسلمة حتى نبعث لهم متخصصين فيها من عندنا و بعد ذلك نتحدث عن عقيدتنا بحرية على القدر الذي تسمح به إيدولوجية الحكومة التي تستضيفنا‘.



    هذا التفاهم الغير رسمي يتبخّر في حالة سقوط الحكومة أو ان المبشريصبح أكثر جرأة و إصراراً. و قد حدث بالفعل أنه في عام2001 إعتقلت قوات طالبان هيثر مرسر و داينا كاري اللتين يبلغان 24 و 29 عاماً و اللتين جاءتا من كنيسة بتكساس للعمل في جماعة "مأوى ألمانيا أو شلتر جيرماني" في كابول. في أثناء مدة إعتقالهم البالغة ثلاثة أشهر كانت الصحافة في حوارها مع الرئيس بوش في منزله تقول عنهم أنهم عاملتي إغاثة مما يعطي إنطباعاً عن أنهم كانوا يقدمون مساعدات إنسانية و أن الإتهام الموجه اليهما من السلطات بانهما تقومان بالوعظ هو إتهام باطل.



    إلا أن مرسر و كاري كتبتا في كتابهما ’سجناء الأمل‘ أنهما أقامتا صلاة مسيحية مع مسلمين و إستحثوهم على سماع الإذاعة التبشيرية (هم جلبوا المذياع في مرة من المرات) و عرض فيلم ’المسيح‘ على أسرتين على الأقل.

    تقول السيدتين: ’لقد كنا نعلم أن الطالبان يمنعون غير المسلمين من التحدث عن دينهم مع الأفغان‘ و لكن هذا خرقا للأعراف الدولية من وجهة نظرهما حيث أن على حد قولهما فإن ’من حق الشعب الأفغاني على الأقل ان يحظى بفرصة لسماع تعاليم المسيح إن هم ارادوا ذلك و أن يكون لهم حرية العقيدة و إتخاذ القرار‘.



    على الرغم من أن مشاعرهما كانت نبيلة إلا أن ما فعلوه لم يلق ترحيباً من نطاق واسع من مؤسسات الإغاثة في كابول بداً من العلمانيين و إنتهاءً بمبشرين آخريين. يقول سيبل السفيرالسابق للحرية الدينية لدى وزارة الخارجية الامريكية: ’لقد خرقوا كل القواعد. إنهما سيدتين في مجتمع يسوده الرجال و لا تعرفان اللغة جيداً و لا تعرفان عادات الناس كما أن غيرهم من المسحيين نصحوهما بعدم التبشير. توضح ’كاي‘ المبشرة ذات 13 عاما خبرة في مجال التبشير أن ما فعلتاه قد عرقل عملها كما تقول: ’من المؤسف أنهما عانتا و لكنهما لم تفكرا و طبقتا أفكارهما المثالية بطريقة خاطئة‘.



    الإتهامات المتبادلة بين جماعات التبشير عادت للظهور مرة أخرى بعد حادثة القتل المفجعة التي راحت ضحيتها بوني ويثرال ذات الواحد و ثلاثون ربيعا و التي كانت تعمل ممرضة مساعدة في عيادة ’إتحاد المسيحيين و المبشيرين‘ للولادة بصيدا بلبنان و هي عيادة مدعومة جزئياُ من منظمة فرانكلين جراهام المدعوة "ساماريتانز برس". أحداث الجريمة تمت في نوفمبر الماضي عندما أطلق أحدهم النار على رأسها ثلاث مرات أثناء فتحها للعيادة ذات صباح. قد يكون قتلها مجرد عداء لكل ما هو أمريكي خاصة و أن التخلص من الأمريكيين هو من أهم ما ينادي به أمثال أسامة بن لادن. و لكن مجلة النيويورك تايمز أوردت أن أعضاء هذا الإتحاد كانوا يرفعون راية مدون عليها بالعربية: ’و قال لهم المسيح: أنا خبز الحياة و من يتبعني لن يجوع أبداً‘ مما جعلهم عرضة للتهديدات خاصة عندما أدانهم الأئمة المسلمين في المدينة بسبب تقديمهم منشورات مسيحية تبشيرية للشباب المسلم. و على الرغم من أن مثل هذه الأفعال قانونية في لبنان إلا أن القادة المسلمين و بعض القادة المسيحين يرون أن فيها تهديد للسلام الهش القائم بين الطوائف الدينية المختلفة. و لهذا فإن رئيس الأساقفة الكاثوليكي بصيدا على الرغم من إدانته للحادث إلا أنه أعلن:’إننا لا نقبل هذا النوع من الدعوة. هذا أمر غير مقبول بالمرة‘.



    و يروي ’سام‘ أن ذات مرة إستوقفته السلطات الإسرائيلية بعدما رأوا عربته من طرازسيتروين مصفوفة الى جانب طريق فرعي خارج مدينة نابلس بالضفة الغربية و عندما أنزلوه من العربة تحت تهديد السلاح ظناً منهم أنهم إكتشفوا خلية إرهابية شرح لهم سام أن الفلسطينيين الستة الذين معه ما هم إلا دارسين للإنجيل متخفين خوفا من القتل. هذا المشهد أثار دهشة الجنود. و يدّعي سام أنه هدى أكثر من مائة فلسطيني للمسيحية و من وجهة نظره فإنه ليس ببطل و لكن الأبطال الحقيقيين هم الفلسطينيين الذين إتبعوه. يقول بعض المرتدين أن زملاءهم في العقيدة و بعض الدبلوماسيين المحليين قد دفعوا ثمن تحولهم الى المسيحية إعتقالاً و ضرباً و تعذيباً على يد السلطات الفلسطينية. نفس تلك المصادر تزعم أن أحد هؤلاء المرتدين تم تسليمه الي مسلحين من حركة فتح الذين قتلوه.



    يقول بول مارشال عضو جماعة ’بيت الحرية‘ لحقوق الإنسان أنه على الرغم من أن التحول الى المسيحية يعد جريمة في البلاد ذات الأغلبية المسلمة إلا أنّ الخطورة تكون من أقاربهم أو أحد المواطنين الذين قد يقتلونهم دون أن تتدخل الحكومة. و في دراسة أعدها منسق إستراتيجي للجماعات الغير مُبلغة بالمسيحية في القرن الأفريقي و قدمها الى الإدارة الدولية لمؤتمر التعميد الجنوبي عام 2001 إدعت بأن "غالبية المؤمنين بالمسيحية يتم تعقبهم دورياً و إستهدافهم بالقتل". مثل تلك المخاطر تثبت إدعاء المبشرين بأن بعض المسلمين لا ينضمون للمسيحية بسبب الخوف و ليس بسبب قوة العقيدة. و لكن مثل هذا الإضطهاد يمثل مشكلة محرجة للمبشرين حيث أن إذا ما تغاضينا عن الأربع حوادث التي تعرض لها المبشرون مؤخراً فإن عادةً المعتنقون الجدد للمسيحية هم أكثر مَن يتعرضون للخطر المحدِق. و لكن الدخول في دين جديد يتم بإختيار نابع من إرادة الشخص و لذلك فإن المسلمين يعلمون قدر المخاطرة. و لكي نقتنع برأي والي رايك المنسق في وكالة "سرفينج إن ميشون" لابد من أن نشاركه العقيدة فهو يقول أن أمن و أمان معتنق المسيحية هو أمر في يد الرب و ليس في أيدي البشرو لو كان بأيدينا لوقع كثير من المرتدين في مشاكل جمة. و كذلك ما أوضحته نتائج التقرير المعمداني و الذي يقول أن المبشرين يحتاجون صلابة روحانية حتي إذا ما وقع من إجتذبوه في مهلكة لم يهرعوا لنجدته حيث أن الخوف من الإضطهاد هو تعطيل لنمو مملكة الرب.



    يتهم البعض المبشرين بأنهم يغفلون بإستهتار الأعمال الإنتقامية التي قد ينفذها البعض ضد الكنائس المحلية و منظمات الإغاثة الغير معنية بالتبشير. لامين سانّا مسلم إعتنق المذهب الكاثوليكي و يُدرّس تاريخ المسيحية في العالم بجامعة يايل. يقول سانّا: ’يأتي هؤلاء الدعاة دون أن يخبروا الكنائس المحلية و يثيروا المواطنين ثم لا يلبثوا أن يرحلوا عندما تظهر الصعوبات. لماذا يبدأون نزاع لن يواجهوا نتائجه القاسية؟‘. يوضح سايبل أنه تم طرد كل المنظمات المسيحية بعد إعتقال مرسر و كاري في أفغانستان الى أن سقط حكم طالبان. و لكن الأمور تختلف الآن ، إن ’روبرت‘ هومبشركثير الترحال و الان يريد أن يستقر في ساحة عمل جديدة، ألا و هي العراق. لقد إنتهى إنتظار روبرت بعد أن ظل يعيش متواريا عن الأنظار في عاصمة بلد مجاور و لا يتحدث عن العراق إلا بالرمز و لكن بعد تحرير بغداد يستطيع أن يذهب الى ضلالته المنشودة. لقد خطط أن يدخل العراق ضمن مجموعة إغاثة إنسانية (كنوع من صناعة الخيام) و يطبع منشورات باللغة العربية في إنتظارمساعديه الذين سيأتون لاحقا بطريقتهم الخاصة.



    لا يساند جميع المبشرين الحرب ضد العراق و لكن بالنسبة لروبرت فقد إقتنع بجورج بوش. يقول روبرت في رسالة إلكترونية: ’لابد من أن نعرف أن الدبلوماسية لا تتعامل مع الشيطان‘. هو يعلم تماما أن الزج بالإنجيل في مثل هذا المكان و التوقيت الحسّاسين قد يثيروا العداء إلا أنه يرى ذلك على أنه نتيجة محتومة. يقول روبرت أنه متى ُخرق حصن الشيطان المسمى بالإسلام فإنه مع كل نقطة إختراق لهذا الحصن سيصاحبه مواجهه عنيفة. هو يعلم أن نشر المسيحية في العراق سيتسبب في مظاهرات و شغب بيد أنه من صميم عمله أن يقلب تلك الأمور رأسا على عقب.



    من الجدير بالإهتمام هو أن نسأل هل يوافق الشعب الأمريكي على أعمال مَن هم من شاكلة روبرت. يتذمر المبشرون كثيرا لأن المسلمين يتصورون أن الأمريكيين مروجون لثقافة الخلاعة و الفجور و لكن مع الحملة الشرسة التي يقوم بها المبشرون تزامنا مع الوضع الحساس في الشرق الأوسط فإنه من المنتظر أن يتغيّر مثل هذا التصور و أن يرى المسلمون الأمريكيين من منظور آخر.



    لقد حدثت ضجة بسبب الدورالثلاثي لفرانكلين جراهام فنراه يسُب الإسلام قائلا: ’إنه دين مؤذ و شرير جداُ‘، و من ناحية أخرى فهو محبب لدى إدارة الرئيس بوش فقد أحضروه ليلقي خطبة الجمعة الحزينة في البنتاجون، و هو نفس الشخص ذاته المنتظر أن يروج المساعدات الإنسانية جنبا الي جنب مع ترويجه للإنجيل في العراق المحرر. إن جراهام جزء من حملة تبشيرية على العراق تتضمن منظمات تبشيرية إنجيلية مثل منظمته و منظمات خيرية غير دعوية. بعض المنظمات التي تذهب هناك تكتفي بتقديم المساعدات الإنسانية و البعض يقدم المساعدات زائد دعوة للمسيحية و البعض الأخر مثل منظمتي"المجتمع الدولي للإنجيل" و "تعليم أمة كاملة أو داون إحتصاراً" يكتفي بالدعوة الي المسيحية فقط. لم تحظ الحركة التبشيرية الإنجيلية بفرصة جيدة مثل العراق منذ أكثر من عقد من الزمان. يقول ريتش هايني من منظمة داون بسبب القصف المستمر من قوات التحالف فقد أصبح كثير من المسلمين في شك من دينهم حتي أنه في مقدورنا أن نقول أن هذه الحرب هي نعمة للمبشرين.



    مثل هذه التعليقات تثيرحنق كامبل مؤلف كتاب "عندما يصبح الدين شريرا". يقول المؤلف أن هذه المنطقة عانت بما يكفي من ماضي مليئ بالحروب صليبية و الإستعمار.و يقول عزام التميمي مدير معهد الفكر السياسي الإسلامي بلندن ’أن مشهد القوة العسكرية الغاشمة تجتاح العراق يثير تساؤلات حول النوايا الحقيقة للولايات المتحدة هذا بالإضافة الي التواجد التبشيري الشرس فإنه السهل إعتبار كل هذا إنتصارا للمسيحية الأمريكية. أينما ذهبت تجد المواطنون يقولون ألم تسمع عن المبشرين الأمريكيين الموجودين في الأردن في إنتظار الذهاب الى العراق؟ إن من يقول هذا هو الطبقة المتعلمة. في الظروف العادية لن يأبهوا بالتواجد التبشيري و لكن بعد ما حدث فإنه من الصعب عليهم عدم الظن بأن هذه هي حرب صليبية تشنها الإدارة الأمريكية ضد الإسلام.



    مازال الإنجيليون التبشيريون مصممون على أن رسالتهم مبنية على المحبة. هؤلاء المبشرون على دراية جيدة بإحتياجات العالم الإسلامي المادية على عكس المواطن الأمريكي العادي و تبشيريهم للمسيحية ينبع من نفس الدافع النبيل الذي يدفعهم لتلبية إحتياجات العالم الإسلامي المادية. البعض يدعي أن جماعات المعونة المسيحية تقدم العون فقط كستار لأعمالهم الدعوية و لكن مثل هذا القول غير منصف لمن يقدمون خدمات إنسانية (خدمات بطولية في بعض الأحيان) فقط من أجل أن هذا ما أمرهم به المسيح فقد كان المسيح قدوة في تقديم المأكل و العلاج للأخرين. و لكن مما لا شك فيه أن بالرغم من أن بعض المبشرين يحبون المسلمين إلا أنهم يودون لو يردوهم عن الإسلام. البعض عاب على جراهام ما قاله عن أن الإسلام "شرير و مؤذ" و لكن إنتقادهم كان بسبب طريقته في التعبير و لكن ليس بسبب مضمون الكلام. أما بعضهم يقول أن جزء من الإسلام مخطئ و ليس كله و لكن الغالبية العظمى توافق على ما التعميم الذي قاله لويس بوش عن الإسلام و البوذية و الهندوسية عندما قال: ’إن الشيطان يريد أن يجعل الناس تعساء على قدر المستطاع و لأطول فترة ممكنة‘.



    من المؤكد أن تلك الإيودولوجية تتنافى مع ما قاله الرئيس بوش عن ان الإسلام دين سلام و مع زيارته لمسجد العاصمة الأمريكية واشنطن و مع دعوته للقيادات الإسلامية لحضور إفطار رمضان في البيت الأبيض. كما أن تلك الإيودولوجية من شأنها أن تعرقل الجهود الأمريكية لمساندة تيار إسلامي معتدل في الشرق الأوسط. بيد أن الإدارة الأمريكية تنظر الى ما يحدث من منظور أخر، فبعض المسؤلين يعترفون بوجود مبشريين من طراز رعاة البقر الذين يقدمون على أفعال غير محسوبة العواقب غير أن هؤلاء المسؤلين يؤكدون أن الغالبية من المبشرين يقدمون العون للناس ولكن ليس ليُنّصِروهم و في الوقت نفسه المسلمون يفرحون بتلك العونات. ولكننا نجد متحدثة باسم هيئة المعونة الأمريكية تقول لمراسل موقع "بليفنات" على الإنترنت أنهم لا يستطيعون السيطرة على المنظمات الخيرية الخاصة و ذلك رداً على تساؤل حول دور جراهام في العراق. كما قال مسؤل حكومي لمجلة التايم أنه بالنظر الى العلاقة الودية بين الرئيس بوش و اليمين المسيحي و مساندته للمنظمات الخيرية الدينية فإنه يكاد أن يكون من المستحيل أن يمنع البيت الأبيض منظمات الإغاثة المسيحية من الذهاب الى العراق.



    إن الجدال الدائر في الولايات المتحدة حول المبشرين في العراق قد أثار حوار مماثل في الوسط التبشيري الإنجيلي، أو بمعنى أصح جولة جديدة في النقاش الأزلي حول كيفية توصيل المسيحية للآخرين. و في إجتماع الشهر الماضي قامت به الهيئة البحثية "إثيك أند بولوسي سنتر" إحتدم الجدل و نقد الذات بين الحاضرين وسط إحساس بأن تقديم المسيحية للمسلمين قد وصل الى مرحلة حرجة. قال أحد الحاضرين’إذا لم نفلح هذه المرة فسنفقد أهميتنا‘ و أكد أحد الحضور الأخرين يدعى سيرج داس من منظمة كريستيان شاريتي ورلد فيشون إنترناشونال أن الخلاف الحالي ما هو إلا أزمة عابرة فالقيم التبشيرية لا يجب أن تُقيّم بناء على الأشهر القليلة الماضية و لكن بناء على النصف قرن المنقضي و الذي قام أثناءه المبشرون بتقديم المساعدات الإنسانية و التنمية و الرعاية الصحية للأطفال و الإستشفاء و الإتصالات. لقد قدموا كل ذلك لأنهم "يحبون الله و يحبون الجار" . لايزال الحوار مع داس الذي يقول أنه في بعض الأحيان يستطيع المبشر التحدث بحرية عن عقيدته في أحيان أخرى يلتزم بالكتمان و هنا يجب أن نتحلى بالحكمة.



    في نهاية المطاف فإن الحكمة تأتي من السماء. لقد نادى المؤذن للصلاة مرتين و جوش المبشر الذي يعمل في مهمته الأولى ينظر من نافذته ليرى إمرأه عجوز محنية متشحة بعباءة مموجة تمشي ببطء في إتجاه تل قريب. هذا المشهد أسرى القشعريرة في جسد جوش حيث إمتزج حماس الشباب برغبته في هداية الأخرين و فضوله ويقينه بأن العناية الإلهية ستصل إلى هؤلاء الناس. يقول جوش أنه يرى مثل هذه السيدة فيتساءل ’ما قصتها؟ كيف أساعدها؟ عندما أحس بالرب في قلبي أجد أنه من الصعب أن أكون في هذا المكان و لا أستطيع أن أتحدث مع الناس و أن أحبهم و أن أتعرف عليهم. في كل يوم أناجي الرب قائلا: إستعملني. قل ماذا أفعل. قل لي ماذا أقول
     

مشاركة هذه الصفحة