قارئة الفنجان

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 662   الردود : 3    ‏2001-08-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-31
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    قارئة الفنجان

    قصة قصيرة للقاصة والشاعرة اليمنية نورا عبد الله زيلع



    طرقات على الباب تخبر بأن هناك شخصاً يرغب بالدخول.
    قالت العرافة بصوت صارم :
    ـ أدخل ! .
    ولجت امرأة يقطر من شرشفها رائحة توقظ النائم من سباته ، أومأت العرافة للمرأة بالجلوس أمامها ، انثنى استواؤها وتقرصفت جالسة كورقة ذابلة على غصنٍ واهٍ .
    حملقت العرافة إلى وجه المرأة فرمقت في بريق عينيها الباهت رغبة جامحة في معرفة مستقبلها المجهول.
    يتصاعد دخان البخور خانقاً العناكب الساكنة في زوايا الغرفة، والعرافة تمرر حبات المسبحة من بين أناملها ، والنار المشتعلة زادت المكان دفئاً ، بينما دلة القهوة كانت فوق الجمر وحولهـا الفنجانين في وضع أنيق.
    ضوء الشمس يتسرب إلى الغرفة عبر نافذة صغيرة ، وتتململ على صدر العرافة قلادة من العقيق اليماني الرفيع.
    تمد العرافة يدها إلى دلة القهوة ، لتسكب للمرأة فنجاناً من القهوة، تناولته المرأة بصمت، لمحت على حوافي الفنجان أطيار رمادية تناجي ماضيها ، بدأت في رشف قهوتها ، برشفات متقطعة، والضباب مازال محوماً على المكان يمثل أجساداً تتوغل الأيدي من بينها، وأسئلة متموجة تقف غصة، امتزجت بمرارة القهوة، أنهت رشف قهوتها بهدوء، أخذت العرافة تقلب الفنجان بنظراتها المتمعنة، فترى صوراً حسية لأصوات بائسة ،والمرأة تترقب بخوف .
    خيم الصمت على المكان، صمت مريب في المجهول الذي تبحث عنه، فتسمع صرير أسنانها المتشنجة، فلسعتها ذاكرتها فمرت عليها أول صورة تعارف عندما تقرب منها الدكتور
    في المستشفى ،وقدم لها كرت التعارف، كرت حرر بتوقيعه الدخول إلى عالم خاص، ومن بين الضباب تصطدم عيناها الحائل فيها عتمة بإعصار، تأخذها هواجس نفسها :
    ـ تمزقني ذكرى زوجي الذي احتضنته أفعى الغربة، فاستعذب الإقامة بين أنيابها .
    لوت رقبتها لرؤية النافذة الصغيرة ثم عادت تقول :
    ـ حين عاد من غربته ملَّت أذناي المقارنة اليومية بيني وبين الشقراوات .
    وتسمع جلدها يحترق مع صوتها المتأجج، تحملق العجوز في الفنجان، اكفهر وجهها المترهل بالتجاعيد، والدموع الساخنة تساقط من زجاج النافذة، والمرأة تنتظر لعل العجوز تتفوه بشيء، مازال الفنجان يدور في يدها مترنماً مع أهازيج شرارات النار المشتعلة ، وبينما تعود المرأة تناجي نفسها :
    ـ عبثاً أحاول أن أقرأ في كتابي المفتوح ، هل ماتت الحروف على لسان العجوز، فلم تعد تجيد الكلام .
    ترفع المرأة نظرها إلى السقف، ثم إلى الأرض، فترى أجنحتها تضمر تدريجياً، فقدت إرادتها في التغلب عليها، كما فقدت قدرتها على الخوف، حتى الموت، قالت :
    ـ كم هيجتني أسراب من الغربان في أعماقي، عبثاً أحاول إخمادها.
    طقطقت أصابعها ، بدأت تتململ ، الجو بارد رغم اشتعال النار، برد رغم حبات العرق العالقة على جبينها.
    والعجوز بعينين خاملتين ترصد ما تراه في الفنجان فتفوح مع رائحة القهوة ، فخيم على المكان الصمت، كل شيء صامت حتى الخوف ، وتعود المرأة للحديث مع نفسها:
    ـأنا مهزومة ..، عند تلك الشفتين التي تلهب عنقي ، أنا مهزومة عند تلك اللحظة، اللحظة التي أبحث فيها بأن أكون أنثى .
    والعجوز مازالت تنظر إلى الفنجان، بدأ الملل يظهر عليها، فقالت:
    ـ أدرك مع هذا الدخان تحت أي عنوان يندرج مصيري، وفي أية صفحة يطويني المستقبل .
    واستدارت بوجهها إلى الساعة المعلقة على الحائط، فدعكت عيناها من الضباب الذي يحيط بها ، شحب وجهها ، ضغطت على شفتيها خوفاً من التأخير على موعدها معه، نهضت وإذا بديدانٍ ساحت تحت شرشفها، نفضتها ويدها قابضة على مقبض الباب، خرجت.
    دمدمت العجوز بألم :
    ـ المجتمع ليس بحاجة إلى أن تزيد عليه بائسة أخرى .
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-31
  3. اليمنـــــــية

    اليمنـــــــية مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-07-26
    المشاركات:
    19,718
    الإعجاب :
    0
    بسم الله الرحمن الرحيم

    السلام عليكم
    أختي الفاضله ريا

    راااائعه
    بمنتها الروعه
    سلمت يداك
    و سلم إبداع الكاتبه
    وبارك الله فيش
    وسلمتي
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-31
  5. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    بل أنتِ الرائعة

    أختي اليمنية
    اشكرك كثيرا . بالفعل نورا قاصة مبدعة ورائعة .
    ولكنك اكثر روعة .
    و محبتي
    ريا
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-08-31
  7. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    ((ـ المجتمع ليس بحاجة إلى أن تزيد عليه بائسة أخرى . ))

    خرجت ولم تعلم عن النبؤه .
    مسكينه هي ، حتى العرافه تعاطفت معها وكتمت حزنها المرسل من عاشقه سيجني عليه الزمن .
     

مشاركة هذه الصفحة