إطلالة على حركات التغيير في العالم الاسلامي بعد هدم دولة الخلافة العثمانية (2)

الكاتب : شاكر حسين   المشاهدات : 894   الردود : 0    ‏2004-02-26
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-26
  1. شاكر حسين

    شاكر حسين عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2002-08-29
    المشاركات:
    853
    الإعجاب :
    0
    إطلالة على حركات التغيير في العالم الاسلامي بعد هدم دولة الخلافة العثمانية (2)

    --------------------------------------------------------------------------------

    تاريخ الإضافة : 21/02/2004
    هذه محاضرة ألقاها الأستاذ الشيخ عصام عميرة في جامعة بير زيت بفلسطين الأسيرة، بدعوة من كتلة الوعي فيها في غرة ذي القعدة 1419 هجري الموافق 16/2/1999 ميلادي، بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لهدم دولة الخلافة الإسلامية العثمانية.

    الجزء الثاني:
    المحاولات التي بُذلت لوقف التدهور ومعالجة الموقف المتردي
    يقول الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله في كتيب "التكتل الحزبي" وهو من منشورات حزب التحرير ما نصه: (منذ القرن الثالث عشر الهجري - التاسع عشر الميلادي - قامت حركات متعددة للنهضة، كانت محاولات لم تنجح، وإن تركت أثراً فعالاً فيمن أتى بعدها، ليعيدوا المحاولات مرةً أخرى..)، ثم يقول: (وكان إخفاق جميع هذه الحركات طبيعياً، لأنها لم تقم على فكرة صحيحة واضحة محددة، ولم تعرف طريقة مستقيمة، ولم تقم على أشخاص واعين، ولا على رابطة صحيحة..)، ثم يمضي فيقول: (وهذه الحركات كانت حركات إسلامية وحركات قومية. فكان القائمون على الحركات الإسلامية يدعون إلى الإسلام بشكل مفتوح عام، ويحاولون أن يفسروا الإسلام تفسيراً يتفق مع الأوضاع التي كانت قائمة حينئذ، أو التي يراد أخذها من الأنظمة الأخرى، حتى يصلح الإسلام لأن يطبق عليها، وحتى يكون هذا التأويل مبرراً لبقائها أو أخذها. وأما القائمون على الحركات القومية فقد كان العرب منهم يدعون إلى قيام نهضة العرب على أساس قومي غامض مبهم، بغض النظر عن الإسلام والمسلمين، وكانوا يعتمدون على ألفاظ القومية والعزة والكرامة والعرب والعروبة والاستقلال دون أن يكون لهذه الألفاظ أي مفهوم واضح عندهم يتفق مع حقيقة النهضة. وكان الترك منهم يدعون إلى قيام نهضة الوطن التركي على أساس القومية، ويوجه دعاة القومية من العرب والترك بتوجيه الاستعمار الذي كان يوجه البلقان أيضاً بهذه الحركات القومية لاستقلاله عن الدولة العثمانية بوصفها دولة إسلامية).

    أبرز نتائج الحركات الوطنية:
    أيها الحضور الكرام: بما أن أصابع الاتهام موجهة بشكل صريح إلى الحركات القومية والوطنية من قبل العليمين بالمجتمعات والباحثين المنصفين أنها عميلة للاستعمار، والشهود قد فاقوا حد التواتر في إثبات تلك التهمة، وأنها شكلت محوراً أساسياً في عملية الهجوم على الدولة الإسلامية والقضاء عليها، وإقامة دويلات قومية ووطنية على أنقاضها، وهو ما يعرف اليوم بالدول العربية وما يسمى زوراً وبهتاناً بالدول الإسلامية، فينبغي على كل مسلم أن يضعها في قفص الاتهام ودائرة النبذ. وها قد مضى على بعضها في الحكم نيفٌ وسبعون عاماً فماذا فعلوا بالأمة وهم الحكام وبيدهم مقاليد الأمور وقرارهم نافذ وجيوبهم منتفخة؟ والجواب على هذا السؤال يمكن إجماله في النقاط التالية:
    1 – كافة هذه الدول مصنفة من دول العالم الثالث، وليس في المنظور انتقالها إلى العالم الثاني أو الأول!
    2 – ما خاضت واحدة منها حرباً حقيقية مع أعداء الأمة، وإذا فعلوا فضد بعضهم تارة، وفي معارك مصطنعة مع أعداء الأمة، زادت من نفوذ الأعداء في بلاد المسلمين.
    3 – تضاعفت في عهودهم النحسة أعداد تاركي الصلاة ومانعي الزكاة أضعافاً كثيرة، وارتفعت نسبة السفور والجرائم الأخلاقية، وازداد المسلمون من الله بعداً.
    4 – تدهور اقتصاد جميع تلك الدول، وانخفضت قيمة عملاتها، وزاد حجم مديونياتها الربوية إلى أرقام خيالية، وحتى الدول النفطية ركبتها الديون. وكذلك ارتفعت نسبة البطالة والمنتسبين إلى الشوارع، نظراً لغياب المشاريع الاستثمارية التي تستوعب العمالة الكثيرة كالصناعات الأساسية لا التحويلية أو التجميعية، ناهيكم عن سرقة الأموال العامة وإيداعها في حسابات سرية خاصة في البنوك الأجنبية.
    5 – أذكيت نيران الفتنة بين الشرائح السكانية ولأسباب تافهة، وترسخت حالة العداء بين شعوب تلك الدول، وأفسدوا على الناس معايشهم لمّا ابتغوا الريبة فيهم من خلال أجهزة المخابرات الكثيفة.
    6 – ساهموا جميعا بشكل مباشر أو غير مباشر في إنشاء دولة إسرائيل والمحافظة على بقائها وأمنها.
    7 – وقفوا جميعا سداً منيعاً في وجه حملة دعوة الإسلام الذين يهدفون إلى إيصال الإسلام إلى الحكم، بل إنهم حاربوا - بشراسة منقطعة النظير - كل من يقوم بأي عمل من شأنه الأمر بالمعروف والنهي عن منكراتهم التي لا تعد ولا تحصى من كثرتها وفظاعتها.
    8 – عملوا جميعاً دون استثناء تحت سيادة الغرب الكافر بريطانياً كان أم فرنسياً أم أمريكياً، ولم يعرف عنهم استقلال قط في ممارساتهم وسياساتهم، خاصة الخارجية منها.
    9 – ربطوا دولهم وقذفوا شعوبهم في أتون منظمة الأمم المتحدة الكافرة ومؤسساتها اللئيمة، والتي ما فتئت تمارس أبشع ألوان الاستعمار وفرض الهيمنة على الشعوب المستضعفة. ودخلوا في تحالفات إقليمية مشبوهة فما زادتهم غير تخسير.

    وخلاصة القول في الحركات القومية والوطنية أنها ثمار خبيثة للمخطط الإجرامي الذي أطاح بالدولة الإسلامية العثمانية التي كانت استمراراً للدولة الإسلامية الأولى، والتي أقامها الرسول عليه الصلاة والسلام في المدينة المنورة، وأسست على التقوى من أول يوم، وأما الدول التي أقامها الاستعمار للحركات الوطنية والقومية فهي دول ضرار أسست على شفا جرف هار، فلا بد من هدمها وإزالة آثارها.
    وإلى جانب الحركات الوطنية قامت حركات شيوعية تقوم على أساس المادية، وكانت هذه الحركات تابعة للحركة الشيوعية في روسيا، وكان إخفاقها طبيعياً لأنها تخالف فطرة الإنسان وتناقض عقيدة الإسلام فلم تتجاوب الأمة معها.


    الحركات الاسلامية:
    أما الحركات الإسلامية فإنها أخذت أشكالاً متعددة، وقامت على اعتبارات متباينة ودوافع شتى. ويمكن بعد الاطلاع على تاريخها، وظروف نشأتها، ومنهاجها الحركي، وواقعها المعاصر، يمكن تقسيمها إلى الفئات التالية:

    حركات إصلاحية، وحركات إنقلابية، وحركات تعبدية، وحركات تراثية، وحركات جهادية، وحركات دستورية

    وقبل أن أسترسل في إطلالتي هذه على الحركات الإسلامية ينبغي التنبيه إلى مسألة هامة، حتى لا يساء فهمي، وهي أني لا أغمط أحداً حقه، ولا أدعي العصمة، ولسان حالي يقول: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم). فجميع الحركات الإسلامية قد تركت بصماتها على الساحة الإسلامية بشكل أو بآخر، ولها حضورها الذي لا يمكن للعين أن تخطئه. ولكنني اليوم بصدد الإطلال عليها من نافذة النقد الموضوعي وليس جلد الذات. فشباب الحركات الإسلامية أخوتي في العقيدة، أحبهم في الله، وأدعو لهم ولا أدعو عليهم. ولكني أقول إن الله سبحانه وتعالى جعل الناس متفاوتين في كل شيء حتى العلم، حيث يقول جل وعلا: {...يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}. فلا غرابة أن تتفوق حركة على أخرى في فقه أو فكر أو سعة اطلاع، أو قدرة على مجابهة الطغاة، أو غير ذلك مما يوجد الفوارق بين الناس.
    ونعود الآن إلى الحركات الإسلامية لنجد أنها تقسم من حيث الولادة الفكرية والمنهجية الحركية إلى قسمين: الأول يقوم على اجتهاد، والثاني لا يقوم على اجتهاد. والمقصود بكلمة "اجتهاد" هنا أن يكون للحركة رأس تتوفر فيه شروط الإجتهاد الشرعية، وله أصول متبناة يخرّج فروع تبنياته عليها، وللحركة منهاج منبثق من الكتاب والسنة وما أرشد إليه الكتاب والسنة، وتصور واضح لواقع المسلمين وقت تأسيس الحركة، وللواقع الذي يجب أن يكونوا عليه، حتى يكون العمل محدداً، والغاية مبلورة. والذي دفعني لوضع هذا المقياس الذي نحكم من خلاله على الحركات والجماعات الإسلامية هو كون المسألة المراد بحثها في هذا السياق لم تبحث فيما مضى من أزمنة المسلمين، حيث أن الدولة الإسلامية استمرت دون انقطاع يذكر، ولم يجد علماء المسلمين أنفسهم أمام الظرف الذي نواجهه اليوم من زوال دولة الإسلام، فما احتاجوا لبحث هذا الواقع أبداً، وبالتالي لم تستنبط له أحكام شرعية لعلاجه، ولم يخطر ببال أحد منهم مجرد أن يفترض حصول مثل هذا الخطب الجلل. وعليه فلا يمكن الرجوع إلى كتب الفقه القديمة للبحث عن حكم العمل لاستئناف الحياة الإسلامية، بل لا بد من الاجتهاد في هذا المستجَد، وبذل الوسع في طلب معرفة حكم الله فيه بشيء من الحكم الشرعي على وجه يُحس من نفس المجتهد العجزُ عن المزيد فيه. ومن هنا كان لا بد لكل من يتصدى للعمل في هذا الميدان أن يكون مؤهلاً للإجتهاد.
    ونحن إذا دققنا النظر لوجدنا أن معظم الحركات الإسلامية الحالية لم تقم على اجتهاد، بل قامت على أسس مناسبية طارئة أوجدتها ظروف معينة، أو قامت على أساس صداقات بين أشخاص لاءمت بينهم هذه الصداقات، أو وجدت بينهم مصالح تكتلوا لتحقيقها، وداروا حول مصالحهم، بل أداروا أحكام الإسلام حول مصالحهم. ونجد أن بعض تلك الحركات قد قام على أساس الجمعيات الخيرية الهادفة للتخفيف من معاناة المسلمين جراء تقصير حكامهم، فبنت المدارس والمستشفيات والملاجيء، وساعدت في أعمال البر والخير، ولربما صاحب ذلك نشرُ شيء من الثقافة الإسلامية المسموح بها، كالدعوة إلى الأخلاق والوعظ والإرشاد، والقيام ببعض العبادات كالدعوة إلى الصلاة أو الزكاة أو الحج والعمرة، والحض على الدعاء والتسبيح والابتهال، وغير ذلك من الإصدارات التي تحمل مواد ثقافية إسلامية مفتوحة لا تنتج شخصيات إسلامية قادرة على حمل الدعوة الإسلامية، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقيام بواجب العمل لاستئناف الحياة الإسلامية التي انقطعت، وإقامة الدولة الإسلامية على أنقاض حكم الطاغوت الجاثم على صدور المسلمين.
    فهذه الحركات قد أخفقت في فهم طبيعة المجتمعات ووسائل إصلاحها، وبالتالي غاب عنها أن وسائل إصلاح الجماعة غير وسائل إصلاح الفرد ولو كان جزءاً من الجماعة، لأن فساد الجماعة آت من فساد مشاعرها الجماعية التي أوجدتها الأنظمة الحاكمة بإعلامها المضلل ومناهجها التعليمية المتأثرة بالغرب، ومن فساد أجوائها الفكرية والروحية، ومن وجود المفاهيم المغلوطة عند الجماعة أو ما يسمى بالعرف العام. وإصلاح العرف العام لا يتأتى إلا من تطبيق النظام الإسلامي من قبل الدولة التي تصلح مشاعر الجماعة، وتوجد الأجواء الروحية الصحيحة، والأجواء الفكرية التي تتصل بالناحية الروحية. وأكبر دليل على ذلك أن البلاء الذي حل بالمسلمين من فساد خلقي، وبُعدٍ عن الدين، وانهيار لكل المثل والقيم العليا، وسوء الرعاية الفاضح، لم يحصل إلا بعد زوال نظام الإسلام السياسي بهدم دولة الخلافة. ولم نسمع عبر قرون طويلة من عهود الدولة الإسلامية المتعاقبة عن مثل هذه الانهيارات الفظيعة والتقصيرات الفاضحة.
    هذا بالنسبة للحركات الإصلاحية، أما الحركات التي تركز على النواحي التعبدية فهي حركات قاصرة تماماً عن أن تحدث أي أثر يذكر في مجال التغيير رغم كثرة عدد منتسبيها, نظراً لخلوها من أي منهجية حركية ذات طبيعة مرحلية هادفة ومحددة، بل إنها تكرر ذاتها في كل نشاط تقوم به، وتزداد اغتراباً عن المسلمين لبعدها عن قضاياهم، وعدم متابعتها لمستجداتهم، وهي تعلن أنها لا تعنى بالتغيير، ولا تفكر بتطوير أساليبها.
    وأما باقي الحركات التي لم تقم على اجتهاد أيضاً، ولكنها ساهمت في قضايا إسلامية ذات طابع سياسي، وكانت أقرب من غيرها إلى الساحات الساخنة في حياة المسلمين، فإن رجالها قد انخرطوا في العمل الدعوي الواقعي تحت مظلة سلاطين الملك الجبري، ظانين أنهم بأدائهم هذا سيصلون إلى صبغ المجتمع بالصبغة الإسلامية، مراهنين على ثغرات دستورية، أو نصوص صريحة في القانون وضعت أصلاً للسماح لهم بالعمل. كالأحزاب الإسلامية التي عملت في صفوف المعارضة في كل من تركيا والأردن والسودان والجزائر وباكستان وغيرها تحت سمع وبصر النظام الحاكم في كل بلد. وقد تطور الأمر مع بعض تلك الحركات أن أوشكت على الوصول إلى الحكم عن طريق الإنتخابات البرلمانية فسحقها النظام وأجهض مشروعها، كما حصل في الجزائر مع جبهة الإنقاذ. وقد وصل بعضها بالفعل إلى سدة الحكم كما حصل مع حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان الذي لم يفعل شيئاً يذكر، لأنه في الحقيقة مسقوف بجنرالات الجيش – الحاكم الحقيقي في تركيا.
    وأما ما يشاع عن الحكم الإسلامي في السودان فذلك تلبيس لا يرقى إلى مستوى النظر في مجال التغيير نحو إقامة الدولة الإسلامية والمجتمع الإسلامي الذي يحكم بما أنزل الله، فيطبق الإسلام في الداخل ويحمله إلى العالم رسالة هدى ونور في الخارج.
    وأما شيعة إيران فإنهم - وإن ملكوا ناصية الاجتهاد، ويكادون يرتقون إلى مستوى الحزب السياسي الإسلامي - إلا أن بصيرتهم السياسية ضعيفة، مما مكن أميركا من امتطائهم وإقامة دولة إيران على أسس قومية مذهبية، فتحجم دورها الشمولي في تطبيق الإسلام وحمل دعوته. بل إن وصول تيار محمد خاتمي إلى سدة الحكم يعتبر مؤشراً سلبياً قوياً على تراجع إيران حتى عن مذهبيتها الضيقة، فضلاً عن ادعائها بأنها دولة إسلامية.
    وأما بالنسبة للحركات الجهادية التي تصدت لإنكار منكرات معينة، والأمر بمعروفات معينة، طبقاً لرؤى فقهية اجتهادية، فإن ذات العمل الذي يقومون به مشروع، ولكنه لا يصح أن يكون طريقا للتغيير الشامل وإقامة الدولة الإسلامية لا شرعاً ولا واقعاً. أما شرعا فقول الله سبحانه وتعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة …} يشعر بمنع المسلمين من القيام بأعمال مادية في مرحلة الدعوة، ولما هاجروا وأقاموا الدولة في المدينة اكتمل معنى الآية حيث يقول الله سبحانه: {… فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب، قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا}. ولما سأل العباس بن عبادة بن نضلة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيعة العقبة الثانية أن يأمرهم فيميلون على أهل منى بأسيافهم ميلة رجل واحد قال: (لم نؤمر بذلك). وأما واقعاً فقد تم لبعضهم قتل السادات وهو رأس النظام المصري، ومع ذلك لم يحصل التغيير، فالمسألة ليست تغيير شخص حاكم، بل تغيير نظام حاكم. فالحاكم قد يقتل أو يموت ولكن النظام الحاكم سرعان ما يأتي بمن يخلفه الذي غالباً ما يكون أسوأ من سلفه.
    فلم يبق معنا بعد ذلك إلا الحركة التي قامت على اجتهاد، وأبصرت الفكرة والطريقة، ووضعت منهاجها الحركي بناءً على فقهه مستنير لسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام، ودراسة وافية مستفيضة لها. وبعد فهمها لواقع المسلمين بشكل دقيق، واعتمادها طريقة متميزة في ضم الأعضاء إلى جسمها، سارت في طريق الصراع الفكري والكفاح السياسي، وعملت ولا تزال جاهدةً في طلب النصرة من أهل القوة والمنعة من المسلمين، من غير حيود عن الفكرة والطريقة، أو مداهنة أو محاباة لمن بيدهم الأمور، أو مجرد التفكير في مجاملة الكفار والركون إليهم، ولو شيئاً قليلاً، متخذةً قول الرسول صلى الله عليه وسلم نبراساً وتشريعاً حتى يأذن الله بالنصر: (والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه). فالعمل معها واجب، والبديل تأسيس حركة على نفس الأصول، وتقوم بنفس الأعمال، ولو تباينت الاجتهادات في الفروع.
    أيها الحضور الكرام: بقيت مسألة متعلقة بدور الحكومات في مواجهة الحركات الإسلامية، تلك الحكومات التي، فوق بطشها وملاحقتها الأمنية للحركات المخلصة الجادة، فإنها قد تبنت حركات أطلقت عليها أسماءً إسلامية، ورعتها رعاية فائقة، وسلطتها على الناس كي ينشغلوا بها وبالعمل معها، لتصرفهم عن العمل الصحيح، واستخدمتها لتشويه صورة العمل الإسلامي الحركي الصحيح، مما أحدث في أوساط المسلمين انقسامات حادة، واختلافات على قضايا هامشية أقل أهمية من قضية العمل للتغيير. وفي نفس الوقت ضاعفت من حجم الصعوبات التي تواجه الحركات الإسلامية الصحيحة.


    خاتمة:
    وختاماً أقول إن أوراق العمل الإسلامي في جملتها مخلوطة، ومشتتة بين القصور الذاتي عند معظم الحركات، وبين التقصير غير المبرر لدى رجالها المخلصين في البحث الجاد عن الصواب والأصوب. وفي نفس الوقت لم تسلم حركات التغيير من ضغوط حكومات الكفر القائمة في العالم الإسلامي ومن ورائها دول الكفر والإستكبار العالمي، ولا من الإحباطات المتعمدة التي تتبناها تلك الأجهزة القمعية لإجهاض العمل الصحيح للتغيير. ولا ننسى أن ننبه إلى الدور المشبوه الذي يلعبه علماء السوء الذين ما برحوا يوظفون طاقاتهم خدمة لحكام باعوا أنفسهم للشيطان، متجاهلين حاجة الأمة الملحة لعلمهم وفقههم ونزاهتهم الغائبة. وكل همهم تطويع النصوص الشرعية، وإخضاع الناس بالإسلام لحكامهم، ومنعهم من منابذتهم وخلعهم بعد كل الكفر البواح الذي نراه، وعندنا فيه من الله البراهين القاطعة. ناهيكم عن تفشي سكرتي الجهل وحب العيش في أوساط عامة المسلمين وخاصتهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
    ولكن رغم هذا الظلام الدامس، فإنا نستبشر بقرب الفرج من مفرج الكروب.
    إقرأوا إن شئتم قوله سبحانه وتعالى:
    (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله، ألا إن نصر الله قريب).

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
     

مشاركة هذه الصفحة