(مات مبتسماً )

الكاتب : ريا أحمد   المشاهدات : 467   الردود : 1    ‏2001-08-31
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-31
  1. ريا أحمد

    ريا أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-08-29
    المشاركات:
    201
    الإعجاب :
    0
    (مات مبتسماً ).

    قصة قصيرة للقاصة اليمنية نسيم محمد الصرحي

    ما بال هذا السعال لا يفارقه حتى وهو في لحظات نومه وهدوئه ..؟ يحاول أن يتخلص منه بأن يبتلع ذلك الدواء المقرف.. لطالما كره أن يشربه ولكن لا مفر فطبيب المخيم نصحه بشربه و إلا فأن حالته ستزداد سوءاً ..ابتسم بسخرية ..منذ متى كان يهتم بحياته ؟ منذ متى كان يعتبر نفسه إنساناً له كيان..وجدان ..و مشاعر ..؟
    فلتزداد حالته سوءاً وليذهب جسده للجحيم ..هذا الجسم النحيل الأسود الذي ضاق ذرعاً بحمله معه أين ماحل ..لماذا..؟ لماذا يحمل لنفسه كل هذه الكراهية إستقر ببصره على زجاجة الدواء التي بيده ..صارت فارغة انزعج لذلك ورمى بها نحو زاوية الخيمة التي امتلأت بالزجاجات الفارغة ألقى بجسده على الفراش المتواضع وجال ببصره نحو أركان الخيمة المتهالكة زم شفتيه بمرارة تحمل كل ذلك الألم الذي عانى منه طوال تلك السنوات ..منذ عامه العشرين وحتى عامه الثلاثين .
    10 سنوات من المعاناة ..مذ غادر وطنه المليء بالثورات والتمردات والمذابح هرباً من القتل والمرض والفقر والتعذيب ..أملاً في أن يجد ضالته من الراحة والهدوء في وطن أخر ووصل به آخر المطاف من الكر والفر حتى اللجوء إلى عدن ..عدن السمراء ..وظن بأنة بوصوله إليها سيرخى بجسده لينام
    بهدوء دون أن يقطع نومة صوت القنابل والقذائف التي تنهال على مدينته ليل نهار ..
    سيأكل بهدوء وسيعمل بهدوء أيضاً..وربما وفر بعض المال وبنى له بيتاً وربما..من يدرى ؟ ربما يتزوج وضارت له أ سرة..من يدري ؟
    وتهاوى كل شئ ..عدن لم تكن هي المرفأ الجميل الذي أحب أن يستقر فيه ..وحينما خاب ظنه تلاشت أحلامه وتضألت أماله .
    نظر إلى جسده المريض حتى أستقرت عيناه على سقف الغرفة ..عرف أخيراً أن هذا الجسد قد أنهكة المرض وأستوطنه جرثومة خبيث ..هذا الجسد أن لة ان يستريح ..يستريح من حياة الذل والفقر والمرض والاضطهاد ..وكان كل ما يكرهه ويخاف منة حينما كان في وطنه الممزق هو أن يموت وحيداً ..يحب صحبة الناس ويكره الوحدة ..يكرهها ويخاف منها كثيرا منذ متى كان وحيداً ..؟!
    منذ هربه وتسلله إلى عدن وبالأصح منذ أن توفى والده في تلك الحرب اللعينة..بعدهما ضاعت أحلامه في العيش بكرامة وفقد رغبته في الحياة وفر إليها إلى عدن..لاجئاً وكان أن وجد الكثير من الإهمال..وعدم اللامبالاة بلجوئه ..ورأي أعداداً هائلة من اللاجئين أمثاله وضمهم جميعاً مخيم واحد يشرف عليه أطباء يعملون في المنظمات الدولية ..
    ومرت أيامه..شهوره..وسنينه..وهو لا يجد الراحة..كيف له أن يعيش ويحيا وكل من حوله يمقتون وجوده..بل وجودهم جميعاً ويعتبرونهم حثالة ألقت بها بلادهم إليهم..
    لطالما سمع هذا ممن يقتربون منهم ومن مخيمهم ..ولطالما رأى نظرات الإستعطاف والشفقة من زوارهم..
    ما كان يخطر بباله أنه سيكون محط شفقة أنظار الناس وما كان يفكر ولو للحظة أنه سيقضي كل أعوامه الشابة في أركان مخيم..
    تنهد بعمق..
    لقد توصل لأمر ما ..بعد هذه السنوات..ما عاد في العمر بقية ..هذا السعال..في الأمر سراً ما ..؟ ذلك الطبيب ذو الوجه الأحمر المتقد تحدث بلغة لا يتقنها هو..لم يفهم شيئاً مما قاله..وما شعر به هو تلك النظرات التي تبادلها مساعدو الطبيب حينما أستمعوا لتعليقه على نتائج فحصه .
    أدرك حينها بأنه مريض ..ومرضه مستعصٍ..لا يدري ما هو..؟!
    ولا يظن بأنه يدَّعي المرض ..فهذا المخيم الذي يقطن فيه..والحال المزري..والأوبئة التي تحيط بهم..وتلك الدماء التي يخرجها من فمه في كل نوبة سعال تنتابه..
    الأمر لا يتحمل السخرية والابتسام..صحته في تدهور مستمر ..إذن لماذا يبتسم ؟ وبدون سابق إنذار..في لمحة بسيطة وجد نفسه يعتدل من رقاده صارخاً منادياً زملائه ..
    دقائق..حتى ألتف حوله زملائه ..زملاء الشقاء والمعاناة وكل منهم يُهديء
    من روعه ويخفف من حدة صراخه ..
    لماذا صرخ ...؟ ولماذا أحب أن يراهم.. هل هي صحوة الموت؟ هل هو الخوف من أن يفقد آخر أمانيه.. الخوف من أن يموت وحيداً بعد هذا العمر المُضني؟ لم يعد يشعر بشيء من حوله ..كل ما استطاع أن يلمحه بعينيه المليئتان بالدموع هو تلك الجلبة التي أحدثها صراخه وذلك الطبيب الذي حاول أن يحتوي الموقف بأن يعزز له بعض الإبر في ذراعه ..
    لحظات ..عيناه ترتخيان وبعض التأوهات الهلعة تصل مسامعه..لم يعد يرى
    شيئاً بعض الدماء تحجب عنه رؤيتهم ..السعال أخرج ما تبقى من دماء في جوفه..وبرغم كل ما حدث أغمض عينيه بهدوء ..وأبتسم ..
    أجل ..إبتسم بعد سنين العناء ولأول مره من القلب ..ودون سخرية..الآن ..الآن فقط لم يكن لوحده في أحرج مواقفه..وأخيراً كان هنالك من يخشى وفاته ويحاول إبقائه على قيد الحياة .
    وأخيراً ..مات مبتسماً..!!
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-31
  3. بن ذي يزن

    بن ذي يزن بكر أحمد مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-09-30
    المشاركات:
    3,545
    الإعجاب :
    1
    الشهاده لله أني غصت في أعماق العمق .

    يا لها من عدن ............ولكن هل هي عداله بعد كل هذا العناء ان يموت مبتسما ، وهل يا ترى شعر بلذة ابتسامته ؟
     

مشاركة هذه الصفحة