الهـجــرة النبويــَّة .. وما لم تقرأه القـوى الإسلاميـة (1-2)

الكاتب : المثقف   المشاهدات : 456   الردود : 0    ‏2004-02-21
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-21
  1. المثقف

    المثقف عضو

    التسجيل :
    ‏2004-01-03
    المشاركات:
    157
    الإعجاب :
    0
    (مقالــة رأي)

    المؤتمرنت

    "السبت, 21-فبراير-2004"

    بقلم : نـزار خضير العبادي -
    بقدر ما كانت خيبتنا كبيرة بالأنظمة السياسية في احتواء مخطط التآمر الغربي على الإسلام ، كانت خيبتنا أعظم بكثير بالحركات الإسلامية التي لا تترك مناسبة إلا وتؤكد فيها بأن مشروعها السياسي يستمد عزائمه من موارد الدين الحنيف ، في وقت لا تتذكر فيه من الدين غير بضع نصوص قرآنية ، وأحاديث نبوية تنتقيها بدقة لتدعيم اتجاهات خطابها السياسي ، وإفحام مناوئيها بحجج لا قبيل لأحد بتفنيدها ، أو للمجادلة في سلامة الأخذ بتشريعها ..
    فما كان للدول إلا أن تساوم المتآمرين ، أو تشهر أمامهم بيارق الاستسلام ، لأنها لم تكن تثق بقدرة القوى الإسلامية على الصمود معها في خندق واحد ، ولأنها كانت متأكدة أن أغلب تلك القوى تنتظر أن ترى هذه الأنظمة مهشمة تحت سرفات الغزاة ، فتنقض على عروشها ، فتلك هي لحظة إشهار رايات الإسلام ، ورفع منابر الخطاب الديني .
    ومع أن الأمر غير مطلق ، وفي ساحة الأمة من القوى الإسلامية من إنتزع فخرنا وإعجابنا بجدارة ما ترجم هويته به ، إلا أن حجم انبهارنا بذكرى الهجرة النبوية (على صاحبها أفضل الصلاة والسلام) دفعنا صوب لحظات الأسى على أولئك المتخندقين تحت أسقف اللفظ الإسلامي من غير أن يرمقوا تجارب معلم البشرية (صلى الله عليه وآله وسلم) بلحظة عين ليتعلموا من مدرسته العظيمة أصول المعارضة ، والقيم الأخلاقية التي ينبغي على المتطلعين للتغيير التحلي بها من قبل اعتلاء المنابر ، وتكفير الخصوم ، وشحذ السيوف على أعناقهم – كما تفعل الكثير من القوى الإسلامية في مختلف بقاع الأرض .

    * دروس من الهجرة النبوية
    كم يتمنى المرء لو أن بعض القوى الإسلامية كانت قد قرأت كل المفردات التي حملتها هجرة الرسول الكريم (ص) وهو يغادر دياره خفية مع ثلة صغيرة من المؤمنين برسالته ، بعيداً عمن يتربص به الدوائر ، ويتأبط الشر لوأد دعوة الحق والفضيلة التي من شأنها أن تطيح بعروض الكفر والرذيلة التي سحقت قيم الإنسانية وصرعت البشرية في عالم موحل وحقير .
    فالرسول الكريم (ص) مثّل آنذاك صوت الصحوة والتغيير في الوقت الذي مثلت أسياد قريش سلطة الكفر الظالمة ، وكانت الهوة بين الفريقين في العدة والعدد ، وفي الفكر والعقيدة هائلة جداً لا سبيل للمقارنة بينهما . وهو الأمر الذي جعل للهجرة بُعداً مضافاً إلى حماية (الدين الجديد) ، ألا وهو موازنة القوى ، وتأهيل الذات أولاً وبناء عزائمهما من قبل إشهار السيوف ، ومنازلة قوى الشر . وأعتقد أن هذه المسألة لم تقرأها الكثير من القوى الإسلامية المعارضة للأنظمة السياسية في بلدانها ، الأمر الذي وجدناها تبدأ بالتكفير والدعوة (للجهاد) ، ونسف مصالح هذا النظام أو ذاك ، وتصفية زيد أو عمرو ..إلخ .
    أننا لو تصفحنا أوراق الهجرة النبوية لوجدنا أن الرسول الكريم (ص) لم يستبدل وطناً بوطن ، ولم يهاجر ليخلد إلى الراحة والأمان بمنأى عن المشركين . بل أخذ يؤسس قوى التغيير بطريقة غاية في الذكاء، والحكمة، وأرى من المفيد الاستشهاد ببعض مفرداتها الأساسية التي تقاطعها اليوم الكثير من قوى المعارضة الإسلامية.
    فالخندق الأول الذي قاد منه الرسول (ص) قوى التغيير جاء مترجماً بواقعة صغيرة في الأيام الأولى لهجرته (ص) حين صافحه أحد الفلاحين، فتحسس النبي (ص) الشقوق التي حفرتها الفأس بكف الرجل. فما كان منه صلوات الله عليه إلاّ أن يدنيها من ثغره الطاهر، ويقبلها ثلاثاً، وفي كل مرة يقول:(هذه يد يحبها الله ورسوله).
    وعلى الرغم من أن جميع الإسلاميين يحفظون هذه الحديث جيداً، لكن الغالبية من تنظيماتهم لم تقرأ البعد التشريعي العظيم، الذي كان يرمي إليه سيد المرسلين (ص). فالرسول الكريم (ص) انطلق أولاً من غرس قيم حب العمل، وفضل ذلك في بناء عزة النفس، وصون كرامة المرء، وبالتالي منح الشعور بالرفعة السمو، والكبرياء بعد أن كان عاطلاً ذليلاً يستعطف الأسياد لسد رمقه؛ فالنبي (ص) كان يعلم جيداً أن امتلاك الفرد لذاته وإنسانيته الاستقلالية التي يمده بها العمل تعزز ثقته بنفسه، وبارادته وقدرته على الإتيان بفعل التغيير للأنماط الاجتماعية والفكرية التي كانت سائدة، وتتسبب بمعاناته، وحياته الذليلة.
    أما لو قارنا هذا المفهوم بما هو كائن في سلوك أغلب القوى السياسية الإسلامية اليوم فإننا نصطدم بتبنيها الاتجاه المعاكس تماماً، والترويج له بقوة، وبشتى الوسائل.
    فتلك القوى جعلت من الصدقات رديفاً وحيداً للإسلام ؛ بحيث أصبح الغرب (غير المسلم) سرعان ما يجنح تفكيره إلى جمع الصدقات للفقراء، ودور الأيتام، ومعالجة المرضى عندما يدور الحديث أمامه عن الإسلام. وبلا شك أن تلك الصورة كان وليدة الاهتمام المبالغ فيه للقوى، والجمعيات ، والمنظمات الإسلامية بالجانب المالي خلافاً لأي شيء آخر.
    علاوة على ذلك أن تلك الجهات (الإسلامية)- لو افترضنا صدق نواياها من جمع التبرعات- أسهمت بغرس الإتكالية، والتذلل للآخرين، وقتل كرامة أولئك المساكين عندما جعلت من أجهزتها أرباباً تمتلك مفاتيح مخازن القوت اليومي للفقراء- وربما أيضاً- ما يستر عورات نسائهم. في الوقت الذي كان بالإمكان استثمار أموال الصدقات في مشاريع إنتاجية غير شاقة، تكون بمثابة الفرص الكريمة لأولئك الناس لكسب قوتهم اليومي من عرق جبينهم، وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وإحساسهم بكرامتهم. وهذه الصيغ تتبعها جميع الكنائس الكبيرة في دول أوروبا، وغيرها.
    لكن الأمر ببعض المراجعات الدقيقة، غالباً ما يرفض القبول بفرضيات حُسن النوايا، مادام ينتهج خطاً معاكساً للتجارب المستوحاة من السيرة النبوية الشريفة- على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- خاصة إذا ما تعقبنا سيرة حياة رموز القوى، والحركات السياسية الإسلامية في مختلف بلدان العالم، لنجد أن الغالبية العظمى لا تنحدر من بيوت برجوازية، أو غنية في حين تحولت ضمن الأطر الجديدة إلى حالة من الغناء الفاحش، وباتت تملك العقارات، والمؤسسات، وتتنقل في العواصم الأوروبية، والعربية بحرية. فضلاً عن أن غالبية القيادات الوسطية منها لم يعد يعرف لها مكان عمل يرتاده غير أن يحضر الصلوات، والاجتماعات الدورية.
    ربما يحتج البعض على ما سلف ذكره بشأن الصدقات، والحاح الكثير من القوى الإسلامية في جمعها، وانتقادنا للأمر، ولا شك أن الاحتجاج سيكون مستنداً إلى التشريع القرآني، والنبوي الذي أمر بالصدقات، وإلى مئات الروايات التي تتحدث عن مواقف للرسول (ص) وصحابته في مسألة بذل الصدقات على الفقراء، والمساكين.
    وهنا أود التأكيد أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، والإيمان بفروض الإنفاق في سبيل الله، وبذل الصدقات هو جزء من الإيمان بكتاب الله ورسوله، فهذه مسألة محسومة، ولا سبيل لبعض المنافقين لتأويل كلامي إلى غير غايته. لكن نقطة الجدل الرئيسية تكمن في تقديم مسألة جمع الصدقات في أولويات عمل الكثير من المؤسسات الإسلامية (سواء ذات الطابع السياسي، أم الاجتماعي) على جميع المهام الأخرى التي ينبغي القيام بها، والتي ذهب إليها النبي (ص) منذ بداية هجرته النبوية قبل أن يأمر المسلمين بالجهاد، أو إخراج الزكاة، أو غيرها من الفروض.
    الأمر الآخر هو أن النظرة لبذل الصدقات على المحتاجين تغيرت في عصرنا عّما كانت عليه في زمن الرسول (ص) لأن الفرص الاستثمارية للأموال، وقوى العمل اليوم باتت واسعة جداً بسبب زيادة الاحتياجات البشرية أولاً، واتساع رقعة أسواق التبادل التجاري الخارجي ثانياً، وسهولة التواصل بين الدول ثالثاً. وتلك كلها عوامل تفتح آفاق عريضة جداً لاستثمار الأموال، واحتواء عشرات آلاف العاطلين عن العمل. في حين كان النشاط الصناعي في زمن الرسول (ص) ضيقاً جداً، ولا يتعدى بعض الحرف اليدوية البسيطة. وحاجات الفرد محدودة، وفرص التبادل التجاري ضيقة ، ولها مواسم معينة، فضلاً عن أن الجزيرة العربية أرض قاحلة، لا ماء فيها، والزراعة ضعيفة للغاية، إلى جانب احتكار (الأسياد) لمعظم الأنشطة. وبالتالي لم يكن أمام الرسول (ص) وصحابته إلاّ توزيع الصدقات على الفقراء والمساكين، وفي الوقت ذاته غرس قيم حب العمل في المجتمع لتمكينه من امتلاك أسباب قوته، ومقومات نموه وارتقائه، وتأمينه من الفقر والجوع.
    إذن مالم تقرأه القوى الإسلامية في الهجرة النبوية هو قيادة التغيير من قيم العمل، وليس من منابر الخطابات، والتصريحات السياسية، أو المكايدات وتبادل الاتهامات، أو وصم الشعب بعار الفقر، وتعبئة رأسه بأنه فقير، مهان، ذليل، راكع للسلطة، مستسلم لأذناب الفساد، خاضع لنظام عميل لهذه الجهة، و تلك.. وغيرها مما تتفاخر به اليوم بعض القوى السياسية الإسلامية المعارضة لأنظمتها في عدد من الدول، كما لو كانت قد قطعت عهداً على نفسها بزرع الإحباط في نفوس الناس، ونزع ثقتهم بأنفسهم، وتمريغ كرامتهم بالوحل.
    لا أظن تلك القوى قد قرأت دروس معلم البشرية (ص) جيداً لتتعلم منه كيف أن رجلاً واحداً أصبح أمة لا طرف لها في بضعة سنوات! وكيف أن من كانوا يمسون عبيداً أذلاء، أصبحوا بهديه أسياداً يفتحون أمصار العالم الواحد تلو الآخر، ينشرون فيها الرحمة، والفضيلة والسلام..!
    بكل تأكيد ليس بين من يقود أحزابنا رسول ، أو نبي.. لكن المؤكد أن محمداً (ص) عمل بما علمه ربه، فراح يقبل بثغره الطاهر يد فلاح بسيط ويقول: (هذه يد يحبها الله ورسوله) ليثبت لنا أن إصلاح المجتمعات، وتغييرها امتياز ممنوح لكل يدٍ تعمل.
    أما أحزابنا (الإسلامية) تغاضى البعض منها عما علمها نبيها (ص) فصارت تسعى إلى بناء أمة إسلامية، انطلاقاً – ليس من يد تقبلها، وتحثها على العمل- بل من يدٍ تستجدي منها قيمة السيارات الفارهة، وتذاكر الرحلات إلى أوروبا، ونفقات الاجتماعات، ومرتبات الحراسات، وحوافز الناشطين، وتمويلات المشاريع التجارية والشخصية..
    (ملاحظة/ أؤكد أنْ أمتنا الإسلامية مازال فيها الخير، وأنْ هناك العديد من التنظيمات الإسلامية التي تبعث فينا العزة، وتجدد في نفوسنا الأمل).

     

مشاركة هذه الصفحة