أُطروحات في موضوع إقامة الدولة الإسلامية مخالفة للطريقة الشرعية

الكاتب : hatem   المشاهدات : 476   الردود : 0    ‏2004-02-13
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-13
  1. hatem

    hatem عضو

    التسجيل :
    ‏2004-02-10
    المشاركات:
    35
    الإعجاب :
    0
    أُطروحات في موضوع إقامة الدولة الإسلامية مخالفة للطريقة الشرعية

    هناك أطروحات يقف وراءها جماعات إسلامية، أو مفكرون مسلمون، تتعلق بهذا الموضوع . وبغض النظر عن القائل فلا بد من الاهتمام بالقول . ولا بد من استعراض سريع لها وإماطة اللثام عنها حتى لا يبقى المسلم في حَيْرة، يضيع في متاهات هذه الطروحات، أو يحمل شبهات تتعلق بحمل الدعوة . ونعرض فيما يلي أهمها :
    هناك من المسلمين من يقول بأن فرض العمل لإقامة الخلافة يجب أن يقتصر على دعوة الحكّام وملئهم.
    وهناك من المسلمين من يقول بأن العبادة هي المطلوبة وليس العمل لإقامة الدولة الإسلامية.
    وهناك من يقول بأن سيرة الرسول r غير محققة.
    وهناك من المسلمين من يرى أن حمل السلاح في وجه حكام اليوم هو طريقة التغيير الواجبة الاتباع.

    القول بأن فرض العمل لإقامة الخلافة يجب أن يقتصر على دعوة الحكّام وملئهم.

    والملأ من الناس هم سادة الناس ممن بيدهم الأمور ويحيطون بالحكام . فإن نجحت دعوة هؤلاء تغيرت المجتمعات لصالح الإسلام بسهولة وإلا فلن يحصل تغيير . والذي ألجأ إلى هذا الفهم من الاقتصار على الملأ في الدعوة هو أن العمل لإقامة الخلافة من خلال دعوة المسلمين العاديين سيوقعهم تحت إذلال الحاكم، وستُحَمَّل نفوسهم ما لا تطيق الصبر عليه، والمسلم قد نهي عن ذلك بقول الرسول : « لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه» قيل : وكيف يذل نفسه ؟ قال : «يتعرّض من البلاء لما لا يطيق» [ رواه أحمد والترمذي وابن ماجة ] .
    والناظر في الواقع الذي تنشأ فيه الدعوات يرى أنها تنشأ في المجتمعات التي يكثر فيها الظلم والفسق والضياع والعنت ومشقة الحياة . وحيث يكون مرد كل هذه الظواهر إلى البعد عن الإيمان بالله وحده وحقه بالحاكمية . لذلك كان الأنبياء سابقاً، ومنهم رسولنا الكريم  يدعون أول ما يدعون إلى الإيمان بالله وعبادته .
    والمجتمعات بشكل عام، قديماً وحديثاً، يقودها الحكام وَمَلأُهم . وتكون التصورات الاعتقادية الباطلة وما ينشأ عنها من قوانين بحسب مصالحهم . ويحافظون عليها لحفاظهم على مصالحهم ومراكزهم . ويتولون كبر الدفاع عنها وحمايتها . وهذا ما حدا بأعرابي حصيف عندما سمع بدعوة الرسول  لأول مرة لأن يقول كلمة بعيدة الغور، صائبة الهدف : " إن هذا أمر تكرهه الملوك " . والناس في هذه المجتمعات ينقادون لهؤلاء الحكام ومَلئِهم، فهم يتأثرون أكثر مما يؤثرون . ويخضعون للنظام المطبق عليهم ولو كانوا له كارهين . ويعلمون أن دفع ظلم الحكام عنهم مكلف .
    والأنبياء والرسل عندما يبعثهم الله، يبعثهم إلى أقواهم ليبصروهم الحق ويهدوهم سواء السبيل . وكان الذي يتولى مسؤولية الرد وقيادة المواجهة هو الحكام وملأُهم من الذين استكبروا .
    والملأ : هم أعوان الحكام، وهم أصحاب المصالح والأغنياء المترفون . وهم زعماء الناس وسادتهم، وهم الذين يشكلون الوسط السياسي والفكري للحاكم، يعتمد عليهم ويستعين بهم . وهم الذين بيَّن الله سبحانه أنهم في طليعة من يتصدى لأنبياء الله، لأن نفوسهم قد امتلأت بحب المال والجاه، ومصالحهم ارتبطت بمراكزهم . لذلك فعندما تأتي دعوة الله سبحانه وتعالى لهم يظنون أنها تتعارض مع مصالحهم ومراكزهم فيتصدرون المواجهة ويوغرون صدر الحاكم، ويزينون له محاربتها والقضاء عليها . فينصاع بما تحمل نفسه من شرور وآثام لنصائحهم وتقوم المواجهة على أشدها بين أنبياء الله وهؤلاء الحكام الذين يحيط بهم هؤلاء الملأ، وتبدأ المعركة الفكرية والكفاح السياسي بين أنبياء الله وهؤلاء الحكام وملئهم على كسب الناس . ويقوم الأنبياء بالدعوة إلى الحق بالحق وهم عزل وضعفاء لا يملكون من القوة إلا سلطان الكلمة الصادقة بما لها من تأثير على النفوس . فيواجههم الحكام ومعهم ملأُهم بالحجة الباطلة ابتداءً، من قولهم إنها سحر البيان أو إنها أساطير الأولين أو إن حاملها مجنون أو كذاب . وإن المؤمن بها سفيه من أراذل الناس . وحين لا ينفع ذلك يلجأون إلى التعذيب والتشريد والبطش والتقتيل . وتنفتح المعركة من أوسع أبوابها بين الأنبياء وأتباعهم وبين الحكام وملئهم ومن يبقى من الناس على دين ملوكهم . سُنّة واحدة يحدثنا القرآن عنها بإيجاز معبِّر .
    فها هو سيدنا نوح عليه السلام يدعو قومه . فيعترضه أول ما يعترضه الملأ من قومه . قال تعالى في سورة الأعراف :  لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غَيْرُهُ، إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم  قال الملأ من قومه إنا لنراك في ضلال مبين  قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين .
    وها هو سيدنا هود عليه السلام يدعو قومه عاداً . فيردُّ عليه دعوته أول ما يردّ الملأ منهم . قال تعالى في سورة الأعراف :  وإلى عادٍ أخاهم هوداً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غَيْرُهُ أفلا تتقون  قال الملأ الذين كفروا من قومه إنا لنراك في سفاهة وإنا لنظنك من الكاذبين  .
    وها هو سيدنا صالح عليه السلام حين دعا قومه ثموداً كان أول من أنكر عليه دعوته هم الملأ من قومه . قال تعالى في سورة الأعراف :  وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غَيْرُهُ …  . وقال تعالى :  قال الملأ الذين استَكْبَروا من قومه للذين استُضعِفوا لِمن آمن منهم أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه، قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون  قال الذين استَكْبَروا إنا بالذي آمنتم به كافرون  .
    وها هو سيدنا شعيب عليه السلام حين دعا قومه في مدين واجهه الملأ مستكبرين . قال تعالى في سورة الأعراف :  وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيرُهُ ...  وقال تعالى:  قال الملأ الذين استَكْبَرُوا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا … .
    وها هو سيدنا موسى عليه السلام، إذ أرسله الله إلى فرعون وملئه فكذبوه وأخافوا من معه وأشاعوا عليه وحرضوا فرعون على قتله . قال تعالى :  ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين  وقال تعالى :  قال الملأ من قوم فرعون إنّ هذا لساحر عليم  وقال تعالى :  وقال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وَآلِهَتَكَ …  وقال تعالى :  فما آمن لموسى إلا ذُريةُ من قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم، وإنّ فرعون لعالٍ في الأرض وإنه لمن المسرفين  .
    وتحدثنا سيرة الرسول ، والتي لا تشذ عن سيرة من سبقه من الأنبياء، أن الذي كان يجمد الدعوة ويمنع الإيمان بها والاستماع لها هو شدة الملاحقة والتعذيب للمؤمنين . فيخاف المؤمن أن يفتنه قومه وأهله عن إيمانه . ويخاف الذي يريد أن يؤمن أنْ يلاقي ما يلاقيه من قد آمن . وتبقى المعركة سجالاً بين المؤمنين وبين من خالفهم وعلى رأسهم الملأ . ثم ينسحب البساط من تحت أرجل الطواغيت، ويمسك بزمام الأمر من قام بحق هذه الدعوة .
    وقد جاء في البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : بينما النبي  ساجد وحوله ناس من قريش جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور، فقذفه على ظهر النبي ، فلم يرفع رأسه فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره ودعت على من صنع ذلك . فقال النبي :" اللهم عليك الملأَ من قريش : أبا جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، … " قال ابن مسعود رضي الله عنه : فرأيتهم قتلوا يوم بدر فألقوا في بئر .
    إنّ مكة لم تعرف زمن الرسول  حاكماً واحداً فقط وملأَه، بل كان فيها ملأ متعددون، وهؤلاء هم الذين تصدروا مواجهة دعوة الرسول  وصرف الناس عنها .
    والأنبياء أُرسلوا إلى أقوامهم بينما أُرسِلَ محمد  في دعوته إلى الناس كافة .
    وإذا تولى الملأ من قريش كِبْرَ الرد والصد فليس معنى ذلك أن الدعوة كانت مقصورة عليهم . فالرسول  قد دعا الجميع من غير تفريق، فلم تعرف دعوته تفريقاً بين غني وفقير ولا بين سيد ومسود . حتى أن الرسول  قد عاتبه ربه لما عبس في وجه ابن أم مكتوم، وهو مؤمن فقير أعمى، وحرص على دعوة السادة الذين كان مجتمعاً بهم مع أنه كان يطمع بإيمانهم وبإيمان من وراءهم . وليس هذا العتاب من الله لرسوله منعاً من الاهتمام بدعوة السادة بل فيه منع من التفريق فقط . فدعوة السادة كدعوة العامة سواء في الطلب .
    حتى أن السِّيَرَ تذكر أن الرسول  عندما كان يدعو السادة لم يكن يدعوهم فقط لأنهم زعماء وسادة بل كان يدعوهم طمعاً في إيمان من وراءهم من الناس العاديين . إذاً فإن الدعوة كانت تشمل الجميع .
    وكذلك فقد لبى نداء الدعوة أناس لم يكونوا معتبرين أسيادا في قومهم من مثل بلال وعمار وأمه وأبيه . وكذلك صهيب وسلمان لم يكونا من سادة قريش . وكذلك فإن عامر بن فهيرة وأم عبيس وزنيرة والنهدية وابنتها وجارية بني مؤمل كلهم كانوا رقاباً أعتقهم أبو بكر رضي الله عنه وهؤلاء كانوا من أوائل المؤمنين .
    فالرسول  كان يدعو من يأنس فيه الخير ابتداء، ثم دعا الناس جميعاً، وكان يستجيب له صغار السن وكبارهم، والوضيع في قومه والشريف .
    فلا اقتصار في موضوع الدعوة بل شمول للجميع، وبالطريقة التي سلكها الرسول  حتى يحقق لنا ما حققه الرسول من إقامة دار الإسلام .

    القول بأن العبادة هي المطلوبة وليس العمل لإقامة الدولة الإسلامية :

    وأن الرسول  دعا إلى عبادة الله ولم يَدْعُ إلى إقامة دولة إسلامية، أو أن القضية المركزية هي عبادة الله وليست الدولة الإسلامية، أو ليس المهم أن نقيم دولة إسلامية بل المهم هو أن نعبد الله، أو ما في هذا المعنى .
    وللإجابة على هذا الاعتراض لا بد من تحديد واقع العبادة وكيف تتحقق .
    فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ليعبده . فالعبادة هي الغاية التي خلق الله الإنسان من أجلها . ومعنى (لا إله إلا الله) هو : لا معبود إلا الله وحده وأن ما عداه باطل يجب أن يكفر به ويجب أن يشهد الإنسان بذلك . و (محمد رسول الله) أي أن تكون العبادة والطاعة بحسب ما جاء به محمد رسول الله وحده  ويجب أن يشهد الإنسان بذلك .
    فالعبادة هي لله وحده ولا تكون إلا بما شرع الله مما جاء به رسول الله  وحده وهذا أصل يجب تحقيقه في كل عمل أو قول في حياتنا .
    فالمسلم حين يقوم في هذه الحياة بالعمل لتحقيق حاجة في نفسه، أو لتحقيق قيمة ما في واقع حياته فهو إنما يندفع بدافع إشباع حاجاته وغرائزه التي قد تشبع على أكثر من وجه .
    وإشباعها على الوجه الشرعي فقط والاقتصار عليه، وتعليق ذلك على الإيمان بالله، يجعل عمل المسلم عبادة .
    وحيث أن وراء كل عمل تحقيق رغبة أو حاجة، كانت أعمال الإنسان شاملة لكل نواحي الحياة .
    فالعبادة هي أن يجعل الإنسان كل أعماله مسيَّرة بأوامر الله ونواهيه، وأن يكون هذا التسيير قائماً على الإيمان بالله وحده، وهذا يؤدي إلى شمولية العبادة لكل أعمال الإنسان .
    وعندما تقول لمسلم : ( أعبد الله ) فليس معنى هذا أنك تأمره فقط بأن يصلي أو يزكي أو يحج أو أن يقوم بما وضعه الفقهاء تحت باب العبادات . إنما معناه أن يطيع الله في كل ما أمر وأن ينتهي عن كل ما نهى عنه .
    فالإيمان بالله هو أصل الأعمال . والعبادة تكون لتسيير الأعمال جميعها بناء على الإيمان بالله وحده . وعلى هذا فالدين كله عبادة , والعبادة معناها الذل . ومعنى ندين لله أي نعبده ونتذلل لأمر الله العليم الخبير، ونخضع له راضين مستسلمين .
    لذلك كان من عبادته وطاعته : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيله لأهل الكفر والنفاق، وإقامة دين الله في حياة المسلمين، ونشر الدعوة بين الناس جميعاً، وحماية بيضة المسلمين، كما تظهر في الصلاة والزكاة والقيام ..
    وعبادة الله الشاملة لكل أعمال الإنسان يقوم بها المسلم بحسب الواقع الذي يعيشه . فإذا كان واقع المسلم أنه لا يصلي فدعوته إلى الصلاة هي دعوة إلى عبادة، ودعوته إلى الصيام هي دعوة إلى عبادة ودعوته إلى أن يبيع ويشتري بحسب الشرع الإسلامي هي دعوة إلى عبادة . وحيث أن الإيمان بالله هو أصل كل عبادة لذلك كان يجب أن يسبق الدعوة إلى الصلاة أو الصيام، إثارة منطقة الإيمان في المدعو، وجعل الإيمان هذا هو الدافع للتقيد والمسيّر للأعمال .
    وكذلك فإن الدعوة إلى إقامة الإسلام، والحكم بما أنزل الله هي أمر من أوامر الله تجب طاعته . ويقوم به من يؤمن بالله، ويجب أن يسبق الدعوة له الدعوة إلى الإيمان بالله، وبهذا تتحقق العبادة في هذا الأمر .
    وبما أن المسلمين اليوم يعيشون في أنظمة كفر لا تستمد أحكامها من عند الله، ولا يحيا المسلم فيها الحياة الإسلامية، فإنّ الدعوة إلى إقامة الدين تكون دعوة إلى عبادة الله، يجب أن تنصرف إليها الهمم، وتبذل لها الجهود .
    ولهذا فإن علينا أن نربط دعوتنا إلى عبادة الله بمشكلات عصرنا والتي تتمثل جميعها بالدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية، حيث تتحقق عبادة الله على أكمل صورة . ولذلك كانت الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية هي دعوة إلى إقامة الدين وهي عبادة . وهي دعوة إلى عبادة . لكونها أمراً من الله الذي آمنا به . والمسلم الذي لا يقوم بذلك يكون مفرطاً بعبادة الله سبحانه .
    ولذلك كانت طبيعة طرح هذا الموضوع من قبل هؤلاء المسلمين خاطئة لأنها تظهر وكأن العمل لإقامة الخلافة متعارض مع العبادة . وفيه ضرب للقرآن ببعضه، وهذا نُهي عنه المسلمون .

    القول بأن سيرة الرسول  غير محققة :

    ومعنى ذلك أننا غير ملزمين بنصوص ليست موثقة . وبالتالي فإننا غير مطالبين بالعمل بها . ويعتبرون أن ذلك حجة لهم ( وليس حجة عليهم ) في القعود عن التأسي بفعل الرسول  في مكة حين العمل لإقامة الخلافة .
    وللإجابة على هذا القول نقول بأن السيرة هي أخبار وحوادث تحتاج إلى تحقيق وتوثيق . وبما أنها متعلقة بأفعال الرسول  فهي جانب من الوحي . وعليه يجب أن يهتم المسلمون بسيرة المصطفى اهتمامهم بالكتاب والسنة . فسيرته في مكة هي أعماله التي قام بها . وأدى قيامه بها إلى إقامة دار الإسلام في المدينة . وإهمالها يورث القادرين على تحقيقها إثم عدم التحقيق، ويورث المسلمين إثم عدم حث القادرين على تحقيقها .
    ومن غريب الأمر أن الذين يطرحون هذا الطرح هم ممن يهتمون عادة بتخريج الأحاديث وتحقيقها . يطرحونه وكأنهم مُعفَوْن من العمل لإقامة الدين، يطرحونه ويكتفون بأنهم سجلوا نقطة مهمة وفاصلة .
    أَنسيَ هؤلاء المسلمون أنهم مأمورون كأي مسلم آخر بالعمل لإقامة الدولة الإسلامية، وهذا يوجب عليهم البحث والتقصي والتحقيق . إنهم إذا دعاهم الواقع لتخريج أحاديث نبوية في أمور شرعية، جزئية، وهو جهد يشكرون عليه، بذلوا الجهود وقضوا الأوقات الطويلة في ذلك . فكيف بهم، وكم عليهم أن ينفقوا من الجهود والأوقات متى علموا أن الأمر متعلق بإقامة الدين ؟ .
    إن كتب السيرة لم تصل إلى الحد الذي تهمل فيه أخبارها كما لم تصل إلى الحد الذي تؤخذ فيه كل مروياتها .
    إن الكتابة التاريخية التي عمل كتَّاب السيرة في مجالها لم يعتمد فيها ما اعتمد في طرائق المحدثين من شدة في التدقيق، وفي التثبت من عدالة الرواة والنقلة، ومن صحة ما ينقل، ومن مبالغة في الإيجاز، وتحرج في النقل .
    مما جعل علماء الحديث أو المهتمين بالتحقيق ينظرون إلى كتّاب السيرة وكأنهم متساهلون . والحق أن علم الحديث يتطلب ما حققه المحدثون وعلماء الحديث في أنفسهم وفي نقلهم .
    وإن علم السيرة يتطلب في جانب منه هذا، وهو الجانب المتعلق بسيرة الرسول  وصحابته . أما الجانب الآخر الذي لا يتعلق بالرسول  وصحابته فليس التساهل به مما يغمز في هذا العلم . فالحوادث كثيرة والأيام تمر بسرعة فلا يستطيع كاتب السيرة أو التاريخ الإحاطة بكل الحوادث ان هو أراد أن يعتمد طريقة المحدثين . من هنا كانت سيرة الرسول  من أهم ما يجب على المسلمين العناية به لأنها تحوي أخبار الرسول  من أقواله وأفعاله وسكوته وصفاته . وهذه كلها تشريع كالقرآن . فالسيرة النبوية هي مادة من مواد التشريع لذلك تعتبر جزءاً من الحديث . وما صح فيها عن النبي  يعتبر دليلاً شرعياً لأنه من السنة . هذا فضلاً عن أن الاقتداء بالرسول  أمر به القرآن، قال تعالى : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة  فالعناية بالسيرة وتتبعها أمر شرعي .
    وقد كانت طريقة الأوائل في نقل السيرة تعتمد على رواية الأخبار . وقد بدأ المؤرخون شفوياً، وبدأ الجيل الأول الذي شاهد أعمال الرسول  أو سمع عنها ورواها يرويها لغيره . وحملها عنه الجيل الذي بعده، ودوّن بعضهم منها أحاديث متفرقة كالتي تُرى في كتب الحديث حتى الآن . حتى إذا جاء القرن الثاني رأينا بعض العلماء يبدأون في جمع أخبار السيرة وضم بعضها إلى بعض وتدوين ذلك بطريقة الرواية بذكر اسم الراوي ومن روى عنه تماماً كما يفعل في الحديث . ولذلك يستطيع علماء الحديث ونقاده أن يعرفوا أخبار السيرة الصحيحة المقبولة من الضعيفة المردودة بمعرفتهم الرواة والسند . وهذا هو المعتمد عند الاستشهاد بالسيرة إذا كان صحيحاً . فالمسألة ليست إنشاء علم جديد، وإنما تقضي الدقة وتوخي الصواب من قول الرسول  وفعله . على أنه يوجد مَن حقق السيرة من بعض المهتمين . والجماعة أو الحزب الذي يقوم بالتأسي بالرسول  في إقامة الدين لا بد من أن يتحقق من النصوص التي يعتمد عليها كأدلة لعمله.
    كذلك فإن كتب السيرة على اختلافها تُجمع كما تجمع كتب الحديث وكما يرشد القرآن الكريم على مراحل سير الدعوة وأعمالها . فقد بيّن القرآن الكريم كثيراً من تفاصيلها بالشكل الذي يكفي لأن يلقي الضوء الساطع على صحة المنقول منها . فقد جاء في القرآن الكريم ما يبين كثيراً في تحديد المطلوب وبشكل دقيق .
    فمثلاً تعرض الرسول  لمهاجمة العقائد الفاسدة فتعرض للأصنام والدهرية واليهودية والمجوسية والصابئين، وقد دل القرآن على ذلك في كثير من آياته الشريفة .. وهاجم الرسول  العادات والأعراف حيث هاجم الوأد والوصيلة والحام والأزلام، وتعرض للحكام وتناولهم بالاسم وبالأوصاف وكشف مؤامراتهم على الدعوة . والجماعة تلتزم بهذا كله . والتزامها به يكون التزاماً بأصل العمل وبالمعنى العام منه . وليس بتفصيلاته ولا وسائله ولا أشكاله . فتتعرض للأفكار الخاطئة والمفاهيم المغلوطة وتهاجم الأعراف والعادات المنحرفة عن الإسلام في واقعها، وتتعرض للحكام وتكشف مؤامراتهم وتبين أفكار الإسلام وأحكامه وتدعو الأمة إلى تبنيها والعمل معها لإقامتها في حياتهم .
    والرسول  واجه وهو أعزل من غير محاباة ولا مسايرة ومن غير قبول لأنصاف الحلول، ورفض كل عروضات الترغيب والترهيب وصبر ولم يحد عن أمر ربه . والقرآن قد حدثنا عن هذا فيكون هذا إرشاداً للجماعة أثناء سيرها .
    بل ان نزول قوله تعالى على الرسول  :  فاصدع بما تؤمر ...  فيه دلالة على أنه قبل نزول هذه الآية لم يكن صَدْعٌ بل سِرّية واستخفاء وهي مرحلة ما قبل الصدع .
    وقوله تعالى :  ولتنذر أم القرى ومن حولها  أمر بالدعوة خارج مكة . وذكر القرآن للمهاجرين والأنصار دليل على وجود الهجرة والنصرة .
    وبذلك يكون القرآن هو المرشد الأول . وكتب الحديث زاخرة بأخبار المسلمين في العهد المكي . والبخاري مثلاً قد ذكر تحت باب " ما لقي النبي  وأصحابه من المشركين بمكة " فذكر حديث خبّاب بن الأَرَتّ عندما جاء يطلب من الرسول  الدعاء للمسلمين بالنصر، وذكر كذلك دعاء الرسول  على الملأ من قريش، وذكر كذلك أشد ما لاقى الرسول  من قومه حين صعد إلى الطائف . وكذا في باقي كتب الحديث . ولذلك فإننا لسنا أمام أمر مطلوب منا فعله ولا نملك نصوصه .
    والجدير بالذكر هنا أن كُتّاب السيرة هم أئمة موثقون عدول ومشهود لهم .
    - فابن إسحاق ( 85 هـ – 152 هـ ) وله " المغازي" قال عنه الزهري : " من أراد المغازي فعليه بابن اسحق " . وقال فيه الشافعي: " من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على ابن اسحاق " . وذكره البخاري في تاريخه .
    - وابن سعد وله " الطبقات " . ( 168هـ – 230هـ ) قال عنه الخطيب البغدادي : " محمد بن سعد عندنا من أهل العدالة وحديثه يدل على صدقه فإنه يتحرى في كثير من رواياته " . وقال عنه ابن خِلِّكان : " كان صدوقاً ثقة " . وقال عنه ابن حَجَر : " أحد الحفاظ الكبار الثقات المتحررين " .
    - والطبري ( 224هـ – 310 هـ ) وله " تاريخ الرسل والملوك " اتبع فيه طريقة الإسناد . وقال عنه الخطيب البغدادي : " كان عالماً بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها، عارفاً بأيام الناس وأخبارهم " . وكان لغلبة الحديث عليه أن وضع كتابه في التاريخ على طريقة المحدثين . وله كتاب في الحديث يسمى " تهذيب الآثار وتفصيل الثابت عن رسول الله  من الأخبار " حيث قال عنه ابن عساكر : انه من عجائب كتبه وتكلم فيه بكل ما يصح عن حديث رسول الله  .
    وكذلك فإن ابن كثير والذهبي يعتبران ممن لهم باع طويل في الحديث .

    القول بأن حمل السلاح في وجه حكام اليوم هو طريقة التغيير الواجبة الاتباع :

    ويستدلون بحديث أشرار الأئمة الذين طلب الرسول  منابذتهم بالسيف إن لم يقيموا حكم الله .
    وللإجابة على هذا الفهم الذي نجلُّ أصحابه وان خالفناهم الرأي، نقول : ان التحقق من مناط الحديث أي الواقع الذي ينزل عليه ليعالجه يكشف لنا فقهه الصحيح . فالحديث يتناول الحاكم الإمام، في دار الإسلام، الذي بويع مبايعة شرعية . فكان إماماً بمبايعة المسلمين له . وكانت الدار التي يحكمها هذا الإمام هي دار إسلام، أي تحكم بالإسلام وأمانها بأمان المسلمين . والمسلمون في هذه الحالة مأمورون بطاعته فإن حدث وفرّط هذا الحاكم بما أنزل الله، وأخذ يحكم علناً بأحكام الكفر، ولو بحكم واحدٍ، من غير أن يكون معه حتى ولا شبهة دليل فإن المسلمين مأمورون بمنابذته بالسيف على ذلك . وتأمل معنى الحديث، موضوعنا، يتبين لك ذلك . فعن عوف بن مالك الأشجعي قال : سمعت رسول الله  يقول : " خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم " . قيل يا رسول الله : أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك ؟ قال : " لا، ما أقاموا فيكم الصلاة " [ رواه مسلم ] ، والمراد بإقامة الصلاة أي تطبيق أحكام الشرع من باب تسمية الكل باسم الجزء .
    أما حاكم دار الكفر فواقعه يختلف تماماً : فهو ليس إماماً للمسلمين وإن كان حاكمهم، وليس منصَّباً عليهم تنصيباً شرعياً، كما هو مطلوب شرعاً، ولم يتعهد أصلاً بإقامة أحكام الإسلام في حياتهم وإن كان فرضاً عليه .
    كذلك فإننا إذا نظرنا إلى واقعنا فإننا سنجد أنه لا يكفي حمل السلاح في عملية التغيير . وان المسألة تتعدى تغيير الحاكم إلى الحكم بالإسلام، فمن سيقوم بأعبائه . إنه يحتاج إلى رجال دولة وإلى وسط سياسي إسلامي . وإنّ أمرَ الحكم بالإسلام ليس من السهولة بحيث يستطيعه قائد عسكري مهما أوتي من كفاءة عسكرية أو من إخلاص للإسلام، إنه يحتاج إلى خبرة ودراية ومتابعة وإلى فهم شرعي مميز . وطريق الرسول  يؤمّن كل ذلك :
    - انه يؤمن القائد المسلم السياسي الفذ الذي يملك خبرة السنوات الطويلة التي قضاها في حمل الدعوة قبل إقامة الدول الإسلامية، يعلم أحابيل الدول الكافرة ودجلها ودهاءها فلا تخدعه، ويستطيع أن يحمي الدولة وينتقل بها إلى الدور الذي يليق بها بين دول العالم : دولة هادية مهدية وخلافة راشدة على منهاج النبوة .
    - ويؤمّن الشباب المؤمن الذي حمل أعباء الدعوة قبل قيام الدولة، حيث سيشكلون مع غيرهم من المسلمين المهتمين بأمور الدعوة الوسط السياسي الإسلامي وسيكون منهم الولاة وأمير الجهاد والسفراء وحملة الدعوة للناس في الدول الأخرى .
    - ويؤمّن القاعدة الشعبية التي تحتضن الإسلام ودولته وتحميهما .
    - ويؤمن أهل القوة المدربين والذين ستزيد قوتهم بوقوف الناس معهم وليس في وجههم، خاصة حين يعلمون أن الحاكم وجهاز الحكم معه والقوة التي يستند إليها هي قوة لهم يقومون بما فرضه الله عليهم من تطبيق للإسلام وإعزاز للدين .
    ثم إن العمل المسلح يحتاج إلى مال وسلاح وتدريب وهذا يرهق قدرة الحركة، فيغريها باللجوء إلى الغير، وهذا هو أول سبيل السقوط . وقد جرب المسلمون هذه الطريق فكانت وبالاً عليهم . مع ما في كلمة ( جرَّبَ ) من مغالطة .
    واننا حين نشير إلى أن حمل السلاح ليس هو الطريقة الشرعية في التغيير فذلك ليس ضناً بهؤلاء الحكام الظلمة الذين لم يرعَوْا في المسلمين إلاً ولا ذمة . بل ضناً بأخوة لنا في الدين، مخلصين نحب أن تتوحد جهودهم في العمل الشرعي المطلوب . ونذكرهم بمنع الرسول  لأصحابه في مكة من استعمال السلاح بناء على طلبهم وقوله لهم : " لقد أمِرتُ بالعفو، فلا تقاتِلوا القوم " [ سيرة ابن هشام ] ، ونزول قوله تعالى :  ألم ترَ إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال …  الآية .
    وهكذا تتضافر الأدلة الشرعية لتؤيد سلوك طريقة الرسول  في الدعوة . وأية إضافة أو حذف أو تغيير أو تبديل أو تحوير سيظهر أثرها السيئ على الدعوة وعلى الجماعة وعلى الأمة الإسلامية . ومن هنا حرصنا على أهمية القراءة الجيدة للشرع ولطريقة الرسول  من أجل الوصول إلى حسن التأسي، وعلى الله قصد السبيل .
     

مشاركة هذه الصفحة