في بيت خوله

الكاتب : محسن اليماني   المشاهدات : 410   الردود : 0    ‏2004-02-11
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-11
  1. محسن اليماني

    محسن اليماني عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2003-12-06
    المشاركات:
    463
    الإعجاب :
    0
    صحابيات


    هي خولة بنت ثعلبة بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن غنم بن عوف، من ربات الفصاحة والبلاغة، تزوجها أوس بن الصامت بن قيس أخو عبادة بن الصامت رضي الله عنهما. وهو ممن شهد بدراً وأُحُداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنجبت منه خولة ولدهما (الربيع).
    راجعت خولة بنت ثعلبة زوجها أوس بن الصامت بشيء فغضب فقال: (أنتِ علي كظهر أمي، ثم خرج الزوج بعد أن قال ما قال فجلس في نادي القوم ساعة ثم دخل عليها يريدها عن نفسها، ولكن يقظة الضمير وحساسية الشعور عند خولة أبت أن توافقه حتى تعلم حكم الله في مثل هذا الحدث الذي يحدث لأول مرة في تاريخ الإسلام. فقالت: كلا والذي نفس خولة بيده، لا تخلصن إليّ وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه).
    وخرجت خولة حتى جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلست بين يديه فذكرت له ما لقيت من زوجها، وهي بذلك تريد أن تستفتيه وتجادله في الأمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: [ما أمرنا في أمرك بشيء.. ما أعلمك إلا قد حرمت عليه]، والمرأة المؤمنة تعيد الكلام تبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد يصيبها وابنها إذا افترقت عن زوجها، وفي كل مرة يقول لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعلمك إلا قد حرمت عليه" ( ).
    وما كادت المرأة تفرغ من دعائها حتى تغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه عند نزول الوحي، ثم سرى عنه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا خويلة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك قرآناً ثم قرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ إلى قوله… ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة المجادلة، الآيات من 1-4). ثم بين لها رسول الله كفارة الظهار فقال لها: [مريه فليعتق رقبة] فقالت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق، فقال: [فليصم شهرين متتابعين] قالت: والله إنه لشيخ كبير ما له من صيام. قال: [فليطعم ستين مسكيناً من تمر] فقالت: والله يا رسول الله ما ذاك عنده. فقال عليه الصلاة والسلام: [فإنا نستعينه بعذق من تمر]. فقالت خولة يا رسول الله وأنا أستعينه بعذق آخر. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه، ثم أستوصي بابن عمك خيراً]. ففعلت ( ).

    الدرس الأول: عواقب الغضب.
    "راجعت خولة بنت ثعلبة زوجها أوس بشيء فغضب فقال كلمته التي قال... "
    الغضب وراء الكثير من المشكلات التي زلزلت الكثير من الأسر فصدع بناءها وفرّق أبناءها.. وإنا نوصيك أيتها الأخت الكريمة بوصايا لتجاوز عواقب الغضب فنقول:
    1- ابتعدي عن أسباب الخلاف وذلك بإيثار طاعة الزوج على رغبات النفس طاعة لله عز وجل تماماً كما يمتنع الصائم عن شهوات نفسه حال صومه، قال صلى الله عليه وسلم: [المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأحصنت فرجها، وأطاعت زوجها، فلتدخل من أي أبواب الجنة شاءت] حسنه الألباني.
    2- الزمي السكوت عند الغضب حتى لا تنطقي كلاماً تندمين عليه ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: [إذا غضب أحدكم فليسكت] صححه الألباني. واعلمي أن من أكبر أسباب الطلاق مراجعة الزوجة لزوجها حال غضبه.
    3- أتركي المكان الذي أنت فيه، كأن تنتقلي من الصالة إلى الغرفة أو بالعكس. والمهم أن تتحولي عن موضع الشجار. ولذلك خرج علي رضي الله عنه عند خلافه مع فاطمة إلى المسجد (حديث خلاف علي مع فاطمة في صحيح البخاري).
    4- تذكري ما أعده الله عز وجل لمن كظموا غيظهم وألجموا غضبهم بلجام التقوى كما قال صلى الله عليه وسلم: [من كظم غيظاً، ولو شاء يمضيه أمضاه ملأ الله قلبه رضىً يوم القيامة] صحيح الجامع.
    5- تذكري المصائب التي نتجت عن الغضب.. من طلاق وفراقٍ للزوج والأبناء.

    الدرس الثاني: سؤال أهل العلم عمّا يجهله المسلم..
    ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
    مما أمتاز به نساء السلف:
    حرصهن على تعلم أمور الدين والسؤال عما يجهلنه. عن أبي سعيد الخدري: قالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوماً من نفسك فوعدهن يوماً لقيهن فيه فوعظهن وأمرهن… البخاري (101).
    قال الحافظ في (الفتح) (1/196): "وفي الحديث ما كان عليه نساء الصحابة من الحرص على تعلم أمور الدين".
    بل ولم يقف الحياء عائق لهن وهنّ الحييّات العفائف من تعلم العلم والسؤال عما يجهلنه من أمور دينهن.. ولذلك أمتدحت عائشة نساء الأنصار – فقالت: "نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين" رواه البخاري في كتاب العلم (1/228 الفتح).
    - والذي يطلع على كتب السنة يجد الكثير من مسائل النساء للنبي صلى الله عليه وسلم ولغيره.. أيضاً.. فبعض النساء كن يسألن أمهات المؤمنين.. أو أزواجهن من أهل العلم والرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم..
    - فهذه أم سليم تسأل عن احتلام المرأة وهل عليها غسل.
    - وهذه أسماء تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كيفية غسل المرأة من الحيض وكيفية تطهرها من الدم..
    - وهذه أخرى تسأل عن هل يجوز الكذب على الضرة.. فتقول: إن لي ضرةً فهل علي جناح أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور]رواه البخاري" الفتح 9/317 .

    الدرس الثالث: التوقف حتى التبين أو العلم قبل العمل..
    "كلا والذي نفس خولة بيده. لا تخلصن إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه"..
    - هكذا كان رد خولة.. لابد من علم حكم الله في الواقعة قبل مباشرة الحياة الزوجية..
    - وهكذا كانت نساء السلف في حرصهن على العلم بالأعمال قبل الإقدام عليها ومما يروى في ذلك..
    - عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيّهما أهدي؟ قال: [إلى أقربها منك باباً] (1).
    - وفيه إرشاد لما كانوا عليه من تقديم العلم على العمل و يتضح ذلك من سؤالها النبي صلى الله عليه وسلم قبل إقدامها على الفعل. ولذا قال الحافظ في (الفتح) (10/447) وفيه تقديم العلم على العمل".

    الدرس الرابع: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق..
    لقد عظّم الإسلام الزوج في عين المرأة.. وأوجب عليها طاعته ولكن بالمعروف ولذلك رفضت خولة طلب زوجها في معاشرتها حتى تعلم حكم الله فيها..
    وقد جاءت بعض الروايات تقول: "فجلس في نادي قومه ساعة ثم دخل عليّ.. فإذا هو يريدني، قالت: فقلت كلا والذي نفسي بيده لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله فينا، قالت: فواثبني، فامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف..
    - ولذلك فالمرأة المسلمة التي تبتلى بزوجٍ فاجر.. يأمرها بالمنكرات ومخالفة رب الأرض والسموات فالواجب عليها عدم طاعته..
    *فالزوج الذي يأمر زوجته أن تضع حجابها عند الرجال الأجانب من إخوانه وأصدقائه لا تطيعه زوجته..
    *والزوج الذي يريد جماع زوجته في الحيض لا تطيعه.. "إن الله لا يستحي من الحق.. لا تأتوا النساء في أدبارهن".

    الدرس الخامس: السرعة في معرفة الحكم..
    بعض النساء تقع في محظور شرعي أو تحتاج إلى معرفة حكم شرعي في أمر قد حصل لها فلا تسأل عنه إلا بعد سنة!!
    أما خولة.. فما أن وقع الظهار حتى خرجت تريد النبي صلى الله عليه وسلم لتسأله عن الحكم الشرعي في معاشرة زوجها لها.. على الرغم من وجود صعوبات تمنعها من الخروج لعل منها ما ورد في رواية ابن الأثير في أسد الغابة (5/442) حيث قالت خولة: ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابها ثم خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم..".

    الدرس السادس: استفتاء العلماء واستشارة الأتقياء.
    الكثير من النساء من جعلت جارتها.. أياً كانت هذه الجارة.. هي مرجعها في حل مشكلاتها الأسرية.. ومآلها في معرفة الأحكام الشرعية..

    • أعطيه العين الحمراء.. فإذا بالعين تتحول حمراء حقاً من كثرة البكاء بعد وقوع الطلاق وحدوث الفراق..

    - أما خولة فاستعارت من جارتها ثيابها ثم جاءت للنبي صلى الله عليه وسلم.

    نعود مرة ثانية لخولة رضي الله عنها.. فإذا بها جالسة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تجادله في زوجها..
    - يا رسول الله.. إن لي منه صبية أن تركتهم له ضاعوا.. وإن ضمتهم لي جاعوا.. والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ما أراك إلا قد حرمت عليه..
    - وتقول يا رسول الله.. أكل شبابي ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني..
    اللهم إني أشكو إليك ما نزل بي..

    وهنا يأتي الدرس السابع: الشكوى إلى الله تعالى..
    لله در خولة.. تقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي زوجها.. أما الاستغاثة وأما الدعاء فلا يكون إلا لله تعالى.. اللهم إني أشكو إليك. ولذلك قال الله تعالى: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾. وهذا هو صريح الإيمان.. وهذا هو التوحيد الذي غرسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلوب أتباعه منذ نعومة أظفارهم: يا بني إني أعلمك كلمات…

    الدرس الثامن: سمع الله وبصره..
    • ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.
    روى الإمام البخاري تعليقاً عن عائشة قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات.. ثم ذكرت أنها كانت في الحجرة بينما كانت خولة تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – وكانت تسمع بعض كلامها ويخفى عليها بعضه فتبارك الله الذي سمعها من فوقه سبع سماوات..
    • وأهل الإيمان الذين نوّر الله بصائرهم بالحق يثبتون هذه الصفة وغيرها من صفات الخالق من غير تأويل ولا تشبيه "ولا تعطيل" ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.
    فالله عز وجل يسمع الهمسات.. ودبيب الكائنات.. لا يخفى عليه شيء.. ولذلك عندما رفع الصحابة أصواتهم بالدعاء والذكر قال صلى الله عليه وسلم: [ن الذي تدعون ليس بأصم ولا غائب إن الذي تدعون سميعاً بصيراً، وهو أقرب إليكم من أعناق ركابكم] متفق عليه.
    وعليه فإن إيمان العبد أن الله سميع له ثمرات وآثار لابد من ظهورها من هذه الثمار.
    (1) مراقبة الله عز وجل في كلامه.. لأن من يعلم أن الله يسمعه كيف يتلفظ بمعصية من قبيح القول وساقطه..
    (2) كما أن إيمانه بأن الله سميع يدفعه لقول الحق والبعد عن الباطل أخيراً.. إن أمر الصفات لو تفكرنا بها .. واستحضرناها لتغير حالنا.. واستقامت سيرتنا.
    - البنت التي أمرتها أمُّها بخلط الماء باللبن.

    الدرس التاسع: مكانة المرأة في الإسلام:
    لقد كانت المرأة في الجاهلية تُملك ولا تملِك.. وتُورث ولا تورّث.. فهي إلى البهائم أقرب بل ربما البهائم أحياناً أفضل حالاً منها.. إذ أن رجل يفرح إن ولدت له ناقته بأنثى.. أما إذا ولدت له امرأته بأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.. أما بعد الاسلام.. فشيء آخر.. ويكفي المرأة شرفاً أن سمع الله قولها.. ولذلك يروى أن عمر بن الخطاب..
    خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته، فوقف؟ فجعل يُحدِّثها وتحدثه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين حبست الناس على هذا العجوز ؟ فقال : "ويلك أتدري من هي هذه؟! امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سموات هذه خولة بنت مالك بن ثعلبة التي أنزل الله فيها: ﴿ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ الآية. والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا لصلاة ثم أرجع إليها" !!
    انقل مكانة المرأة في الإسلام في موضوعات النساء".

    الدرس العاشر: معونة المرأة لزوجها..
    قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم [مريه فليعتق رقبة]، قالت: فقلت: والله يا رسول الله ما عنده ما يعتق؟! قال: [فليصم شهرين متتابعين]، قالت: فقلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من طاقة؟! قال: [فليطعم ستين مسكيناً، وسقاً من تمر]، قالت: فقلت: يا رسول الله ما ذاك عنده، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [فإنا سنعينك بعذق من تمر] قالت: فقلت: يا رسول الله وأنا سأعينه بعذق آخر فقال: [قد أصبت وأحسنت فأذهبي فتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً ]، قالت: ففعلت!!.
    وهكذا ساهمت خولة بمالها لإعانة زوجها.. ومسألة مساعدة الزوجة لزوجها من مالها من أعظم الصدقات.. وقد سألت زينب امرأة عبد الله بن مسعود ومعها امرأة من الأنصار النبي صلى الله عليه وسلم عن الصدقة على الزوج.. فماذا قال عليه أفضل الصلاة والسلام: [لهما أجران، أجر القرابة، وأجر الصدقة]متفق عليه" هذا في الآخرة أما في الدنيا. فهو من أكبر أسباب المودة والألفة بين الزوجين.. ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ظل يتذكر ما بذلته خديجة من مالها في مواساته سنوات طويلة فكان يقول صلى الله عليه وسلم: [وواستني بمالها إذ حرمني الناس]..
    لكن هذه المساعدة وتلك المواساة إنما تكون للصالحين من الأزواج أما أهل السفر إلى الخارج ومعاقرة المنكرات فلا يعطون ولا يواسون والله أعلم.
     

مشاركة هذه الصفحة