العقول الليبية المهاجرة .

الكاتب : الليل والنهار   المشاهدات : 558   الردود : 0    ‏2004-02-10
      مشاركة رقم : 1    ‏2004-02-10
  1. الليل والنهار

    الليل والنهار قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2003-01-13
    المشاركات:
    2,999
    الإعجاب :
    2
    قد يستغرب القاريء العربي أن يكون من بين خيرت أبناء ليبيا وعقولها المتميزة المبدعة من هاجر واختار العيش والعمل فى أوربا وكندا وأمريكا وغيرها من المنافى، وذلك لأن ليبيا بلد صغير فى تعداد سكانه (خمسة ملايين)، غنى بما حباه الله من ثروات طبيعية كالنفط والغاز وغيرهما. وهي البلد الذى يحتاج ويعتمد ـ الى جانب أبنائه ـ على عشرات الألاف من الكوادر البشرية العربية والأجنبية من فنيين وحرفيين الى أساتذة جامعات ومهندسين وأطباء وغيرهم.
    اذا منذ متى بدأت هجرة العقول الليبية الى خارج الوطن؟ ولماذا فقدت ليبيا زبذة كوادرها البشرية ومتعلميها؟ ولماذا يستمر هذا النزوح للمتميزين من أبناء العرب عامة الى المجتمعات الغربية التى توظف عبقرياتهم وعطاءهم فى دفع نهضتها وتقدمها العلمي، وتغذية زخمها الحضاري، بينما يرزح الوطن العربي تحت براثن التخلف والعجز على كل الأصعدة وفى كل المجالات؟
    عرف الليبيون الهجرة مرتين خلال قرن من الزمان. الهجرة الأولى كانت فى العشرينات والثلاثينيات من القرن الماضي بعد أن استحكمت قبضة المستعمر الايطالي على ليبيا، وضاقت السبل بالليبيين والليبيات فهاجر ما يقارب ربع مليون منهم ـ حسب الدراسات ـ الى دول مجاورة مثل: تونس وتشاد ومصر، أو الى دول عربية واسلامية أخرى مثل: فلسطين وسورية والسعودية وتركيا وغيرها.
    وكان هولاء المهاجرون من فئات وشرائح مختلفة. ومنهم من هاجر من أجل لقمة العيش, ومنهم من هاجر من أجل طلب العلم أو مواصلة الجهاد السياسي من الخارج. وجميعهم كانوا يبحثون عن ملاذ أمن من بطش الإيطاليين الفاشيست، وأعواد مشانقهم، ومعتقلاتهم الجماعية.
    أما موسم الهجرة الليبية الثانية فقد كان نحو الشمال!! وبدأ مع منتصف السبعينات، أي قبل حوالي ربع قرن تقريبا. وبدأ بأفواج كبيرة من الطلبة الذين جاءوا الى أوربا وأمريكا في بعثات دراسية جامعية ودراسات عليا، حكومية أو على نفقتهم الخاصة. واستقر بالكثير منهم المقام بعد إنهاء الدراسة بسبب التطورات السياسية السلبية داخل ليبيا, ومخاطر العودة لمن ساهم فى أى نشاطات عامة فى الخارج. ثم توالت بعد ذلك هجرة آخرين كرجال الأعمال والخريجين، وأصحاب الاتجاهات الفكرية والسياسية وغيرهم من الفئات.
    ويقدر عدد الليبين فى المهجر اليوم بنحو مائة ألف موزعون على أمريكا وكندا وأوربا، وخاصة بريطانيا حيث يوجد أكبر تجمع لجالية ليبية في الخارج ـ حوالي عشرين ألفا ـ وكذلك فى بعض دول الخليج العربية. ويلاحظ على هؤلاء أن أغلبيتهم الساحقة من الشريحة المتعلمة، وأن نسبة كبيرة منهم من حملة الشهادات الجامعية والمؤهلات العليا.
    فهناك العشرات - ان لم يكن المئات - من أساتذة الجامعات والباحثين الليبيين يعملون اليوم فى جامعات أمريكية وكندية وايرلندية وبريطانية وخليجية وغيرها، بينما الجامعات الليبية تفتقر الى أطقم التدريس والبحث الكفؤة. ومن هؤلاء ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ البروفسور مصطفى أبوشاقور الباحث والخبير الليبي فى مجال استخدام أشعة الليزر فى تقنية الإتصالات فى جامعة نيويورك بأمريكا. وقد اختارته هذه الجامعة مؤخرا مديرا مؤسسا لبرنامج أبحاث ودراسات دكتوراة اسمه "تقنيات المستقبل". وهذا البرنامج هو الأول من نوعه فى أمريكا ليبحث فى ويطور تقنيات جديدة قد نتعرف عليها فى المستقبل. وقد تم اختيار هذا العالم والباحث العربي الليبي للإشراف عليه.
    ومثال أخر هو البروفسور عثمان البصير الأستاذ الجامعي والباحث الليبي فى جامعة واترلوو بكندا، ويعد من المتفوقين عالميا فى تخصص "المنظومات الذكية" التى تستخدم فى مجالات شتى منها المواصلات والإتصالات. وقد قامت عدة مؤسسات اعلامية وأكاديمية كندية بالتعريف والإشادة به.
    من فئة الأطباء هناك أكثر من ألفي طبيب ليبي يعملون فى المهجر، وجلهم من الأطباء المهرة المتفوقين. ويوجد منهم للعمل فى بريطانيا وحدها حوالي ألف طبيب بينما تجلب وتوظف ليبيا اليوم أطباء ذوي كفاءات ومستويات مهنية متواضعة جدا من دول مثل بولندا ورومانيا وأوكرانيا وغيرها.
    العقول الليبية المهاجرة فى مجالات أخرى كثيرة أيضا ومنهم مهندسون فى مجال الكمبيوتر وتقنية المعلومات، ومنهم اداريون واعلاميون ورجال أعمال وسياسيون وكتاب ومفكرون. والسؤال الذى يتبادر الى الأذهان هو لماذا هاجرت كل هذه العقول؟ وخسرت ليبيا مساهماتها الحيوية فى مسيرة التنمية. وقد تكون الأسباب والدوافع عادة متعددة، ولكن المؤكد فى الحالة الليبية أن الدافع الإقتصادي ليس هو الأول أو الرئيسى فيها. بل هناك أسباب أخرى سياسية وأمنية منها عدم توفر أي هامش للرأي الآخر فى ليبيا، وعدم القبول بالتعدد فى الفكر والتوجه السياسي. وأنقلبت الموازين بحيث لم يعد الإبداع العقلي والتميز العلمي هو المعيار فى التشجيع وتوفير كل التسهيلات..بل الولاء العقائدي والسياسي للسلطة القائمة.
    فيمكنك فى ليبيا أن تكون أستاذا جامعيا متميزا عالميا فى مجال تخصصك الأكاديمي، ولكن إن كنت تحمل أفكارا مغايرة للفكر الأخضر! فهذا سيعرضك للمصاعب، وربما حتى الفصل من الجامعة, وقد يؤول بك الأمر الى غياهبالسجون. وقد تكون من أشهر الأطباء وأمهر الجراحين، ولكن ذلك لن يحصنك من أن يقوم ممرض أو غفير في المستشفى الذي تعمل به بصفته أحد أعضاء اللجان اياها.. الثورية..والشعبية ..والأمنية..والتطهير.. و... وما أكثر اللجان في بلادي، باتهامك بأنك متأمر على التوجه الجماهيري! وأنك مريض سياسيا تحتاج الى علاج! فتتحول أنت الطبيب الماهر الى نزيل فى احدى السجون السرية ـ وما أكثرها ـ الى أن يتم شفاؤك من مرضك العضال، وقد يدوم العلاج لعشرات السنين!
    وهكذا فإنه بسبب واقعنا السياسي والإجتماعي العربي المتخلف نخسر وننزف خيرت عقولنا ليلجأوا الى دول الغرب ومجتمعاتها فيقوموا بتطوير تقنياتها، وعلاج مرضاها، وبناء طرقها وجسورها مقابل العيش فى أجواء من الحرية والأمان. فمتى تهب نسمات الحرية والعدل على بلدي والعديد من أجزاء وطننا العربي الكبير؟ ومتى تتوفر أجواء الإستقرار، وسياسات تكريم العقول المبدعة بدلا من اقصائهم وتهجيرهم؟ حتى يعود الكثير من هذه العقول المهاجرة الى عشها وربوعها، وتساهم فى الخروج بنا من مأزق التخلف الى رحاب التحضر والرقي فنحن أولى بأبنائنا وعقولنا المبدعين... والأقربون أولى بالمعروف.
    بقلم : جمعة القماطي
     

مشاركة هذه الصفحة