عراقي في سجون سوريا ( قصة حقيقية )

الكاتب : فايزالعربي   المشاهدات : 1,887   الردود : 12    ‏2001-08-25
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-25
  1. فايزالعربي

    فايزالعربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-03-09
    المشاركات:
    347
    الإعجاب :
    0
    مقابلة أجرتها مجلة السنة مع صاحب الشأن ...

    أجرى الحوار د. بشير زين العابدين


    أمضى 11 شهراً في فرع فلسطين

    هلال عبد الرزاق علي يروي قصة معاناته في أشهر سجون دمشق

    في سورية جريمة كبيرة ترتكب علانية وبشكل جماعي ولكن لا يجرؤ أحد أن يتحدث عنها لأن الخوض فيها - بعرف النظام - جريمة أخرى، فخلف حاجز الإرهاب والخوف الجماعي الذي شيدته أجهزة المخابرات عبر أربعة عقود من الزمان؛ يقبع آلاف المواطنين داخل السجون السورية في عزلة كاملة عن العالم الخارجي يتجرعون مرارة الظلم ويعانون من التعذيب اليومي ويسامون الذل والاضطهاد والحرمان... أغلب هؤلاء لا يعرفون تهمتهم ولا يعلمون مصيرهم، بل إن كثيراً منهم قد فقد الأمل بلقاء أهله وأصبح - بالرغم من وجوده - في عداد المفقودين.

    هذه قصة شاهد عيان على الممارسات القمعية التي ترتكبها أجهزة الأمن في سورية ضد المواطنين، وقد وقعت أحداثها خلال الفترة 23/7/2000 - 22/6/2001، من عهد الرئيس الجديد بشار أسد الذي كان يتحدث قبل أيام قليلة من اعتقال صاحب هذه القصة عن "الحريات العامة" و"الشفافية" و"كرامة المواطن السوري". إنها لا تختلف كثيراً عن قصص آلاف المعتقلين ولكنها تتميز بأن صاحبها قد امتلك الجرأة ليخرج من الصمت ويتحدث عن معاناته التي استمرت 11 شهراً في أقبية فرع فلسطين.

    تعريف:

    هلال عبد الرزاق علي عراقي الأصل من مواليد مدينة كركوك عام 1957 متزوج من سيدة سورية ولديه أربعة أطفال. يعرفه الكثير من الرياضيين؛ فهو لاعب كرة سلة محترف شارك في العديد من البطولات العربية والآسيوية... يتحدث باعتزاز عن مواهبه والشهادات التي حصل عليها كمدرب لكرة السلة من أمريكا وإيطاليا. يعيش هلال علي منذ فترة طويلة مع أسرته في بريطانيا حيث كان يعمل مدير مبيعات في إحدى الشركات العقارية في مدينة لندن، وكلما حانت فترة الصيف كان يصطحب زوجته وأطفاله إلى مدينة حماة لقضاء الإجازة مع أقاربهم هناك. في هذه الأثناء توثقت علاقة هلال مع عدد من الرياضيين الذين تعرفوا عليه أثناء مشاركتهم في البطولات الدولية، وعندما علمت إدارة "نادي النواعير" في مدينة حماة (أصبح اسمه فيما بعد نادي الجماهير) بخبرته الطويلة في مجال التدريب تعاقدوا معه للإشراف على فريق كرة السلة لديهم، وسرعان ما صعد النادي إلى الدرجة الأولى لأول مرة منذ 13 عاماً مما شد انتباه محرري صفحات الرياضة في جريدة "الفداء" بحماة، وظهرت صور المدرب هلال علي خلال شهر مارس عام 2000 كذلك في جريدة "الرياضة" الأسبوعية، وفي جريدة "الثورة" التي أجرت معه مقابلة مطولة حول تاريخه الرياضي.

    كان هذا النجاح سبباً في تفكير هلال بالإقامة في سورية لتطوير فريقه الذي أصبح ينافس على المركز الأول في الدرجة الأولى على مستوى القطر، ولذلك فقد تقدم بطلب الإقامة لمدة سنة وأرسل أوراقه إلى مديرية الأمن العام.

    هنا يتوقف هلال عن الحديث وقد اغرورقت عيناه بالدموع فقد كان من الصعب أن يقتنع الناس بأن ذلك الشبح الذي غارت عيناه في وجه شاحب قد كان رياضياً في يوم من الأيام. كان هناك تعارض كبير بين وضعه الصحي وتاريخه الرياضي؛ فقد اصفر وجهه وظهرت عليه التجاعيد مع أنه لا يزال في ريعان الشباب، وفقد أكثر من 45 كيلو غراماً من وزنه وأصبح ظهره محنياً لأنه لم يكن قادراً على التمدد طوال ستة شهور.

    إنه يحتاج لسنوات طويلة حتى يسترجع صحته، أما الآلام النفسية فإنها تلازمه بشكل دائم ولا يعلم إن كان سيستطيع التخلص منها في يوم من الأيام، فهو يعاني من فقدان التركيز، ويعاني كذلك من النسيان المزمن الذي كان رحمة له كلما تذكر أبناءه وأقاربه في السجن الانفرادي.

    - سألته: "ماذا حصل بعد تقدمك بطلب الإقامة؟"

    تذكر بأنه كان يروي قصة اعتقاله، وعاد ليقول:

    المخابرات العسكرية بحماة:

    "في يوم الأحد 23/7/2000 اتصل بي شخص من إدارة المخابرات العامة وطلب مقابلتي بخصوص أوراق الإقامة التي تقدمت بها، فقابلته في النادي حيث طلب مني جواز سفري وهوية زوجتي، وفي هذه الأثناء وصل ستة عناصر مسلحين من الأمن العسكري وطلبوا مني مرافقتهم فامتثلت لأمرهم، وعندما هممت بصعود السيارة صرخ ابني عبد الله:

    "وين رايح بابا؟"

    لم أكن أملك إجابة واضحة ولكن أحد المسلحين تطوع بالإجابة عني:

    "بابا بده يغيب شي ساعتين زمان وراجع".

    صاحبت العناصر إلى مركز المخابرات العسكرية بحماة والذي يترأسه العميد أحمد حلوم وهو عمارة من ثلاث طوابق دونها بوابة كبيرة لا تجاورها أي عمارات أخرى في الطريق إلى دمشق، وعندما توقفت السيارة ترجلنا منها وأدخلني المسلحون إلى غرفة مقفرة لا يوجد فيها غير طاولة واحدة، وبقيت أنتظر لفترة طويلة وأفكر في سبب وجودي هنا، فقبل أيام قليلة داهمت المخابرات منزل أحد أقارب زوجتي لعلاقة كانت تربطه برجل كردي اسمه (ج) اعتقل بسبب نشاطه في صفوف الشباب في مدينة حماة، ولكنني لم أكن أعرف المدعو (ج) ولم أكن أعلم أي شيء عن نشاطه، بل كان اهتمامي محصوراً على التدريب في نادي النواعير وكثير من تلاميذي أعضاء في حزب البعث وأجهزة الأمن، ولم يكن لدي كثير من المعارف في مدينة حماة. ثم أخذت أفكر لبرهة بأن احتجازي في هذه الغرفة قد يكون بسبب تشابه في الأسماء أو خطأ وقع فيه أحد المخبرين فلم أرتكب - في علمي - أي مخالفة للقانون، وترجح الظن لدي بأنهم يريدون أن يسألوني عن قريب زوجتي المدعو (أ). في هذه الأثناء كان الحراس يستفزونني بحمل أسلحتهم وينظرون إليّ بأعين ملؤها التحدي والاستخفاف. ثم انقطع الصمت الطويل بدخول رجل متوسط الطول له شارب كبير، يلبس زياً مدنياً وقد علمت فيما بعد أنه العميد محمد الشعار.

    نظر إلي العميد بازدراء ثم سأل الحراس:

    "هدا هو هلال؟"

    فقالوا: "نعم سيدي"

    عند ذلك سألني بفظاظة: "بتعرف (ج)؟"

    فأجبته: "لا ما بعرف (ج)".

    ثم خرج دون تعليق وبقيت أنتظر حتى طلبني العميد إلى مكتبه الواسع، فجلست قريباً منه ولكنه انتهرني بعنف وأمرني بالجلوس بعيداً عنه في آخر الغرفة فامتثلت، وجلست حيث أراد. ثم أومأ إلى الحراس فأدخلوا قريب زوجتي وهو يرتجف من شدة الخوف وقد قيدت يداه وغطيت عيناه بقماشة (يسمونها طماشة)، ودار بينهما الحوار التالي:

    - "بتعرف هلال؟"

    -"نعم سيدي"

    - "شو علاقته بـ (ج)"

    - "ماله علاقة سيدي"

    - "طلعوه لبره"

    وهنا التفت إلي الضابط وقد نفد صبري وقلت له ليس لي أي علاقة بالمدعو (ج) فما هو الداعي لاحتجازي هنا؟

    فقال لي بأنني لست الشخص المطلوب ولكنني سأبقى عندهم الليلة لاستكمال التحقيق، فذكرته بأن لدي أطفالاً وأقارب وهم قلقون علي ولا يعرفون مكان وجودي الآن، فلم يزد أن قال: "اتفضل وبكرة منشوف شو بيصير"

    وفي حركة سريعة اقتادني الحراس خارج الغرفة وقيدوا يدي وأخذوني إلى سجن الفرع حيث استقبلني سجان مرعب اسمه عمران، وكان صوته غاية في الخشونة فصرخ في وجهي بقصد التخويف: "****... وقف منيح ولا"، ثم جرني إلى الزنزانة المنفردة رقم (4)، وأقفل من خلفي الباب.

    تلفت حولي فإذا هي زنزانة ضيقة في غاية القذارة وفيها مرحاض تنبعث منه روائح كريهة، فجلست على الأرض وقد أسقط في يدي وعدت أسترجع الساعات الأخيرة التي مرت علي كأنها كابوس مزعج وكلي أمل أن تنتهي في الصباح.

    كانت هذه هي المرة الأولى التي أسجن فيها فقد أمضيت غالب حياتي في الملاعب وفي طريق الاحتراف، بل إنني لم أذهب مرة واحدة إلى مركز شرطة ولم يكن لدي أي سبب لمخالفة القانون أو ارتكاب الجرائم، فقد كنت ميسور الحال وعندي أربعة أطفال أرغب في تربيتهم أحسن تربية، وأخذت الهواجس تنتابني حتى غلبني النوم فافترشت الأرض والتحفت بطانية قذرة ونمت حتى الصباح.

    في صباح يوم الإثنين 24/7/2000، ابتدأ مسلسل الرعب الذي استمر دون توقف لمدة 11 شهراً فقد استيقظت على أصوات مختلطة من الضرب والشتائم والأنين والاستغاثة، وعلمت بأنها أول نوبات التعذيب الوحشي الذي كان يتعرض له المعتقلون داخل الفرع. كان السجانون يأتون في الصباح الباكر ويفتحون أبواب الزنازين بعنف ويخرجون ضحاياهم مقيدين ومغمضي العيون ثم يسوقونهم كالخراف وأنا أنظر إليهم وقد ارتعدت مفاصلي من شدة الرعب، ثم يبدأ الجلد بالأسلاك الكهربائية (الكيبلات) على ظهورهم وسائر أنحاء الجسد دون تمييز، ويرتفع صوت الجلادين وهم يكررون نفس الأسئلة: "مين بتعرف؟"، "شو علاقتك بفلان؟"، "إيمتى شفته؟". وأخذت أفكر كيف كان اعتقالي مثل اعتقال الكثير من هؤلاء< بناء على دليل الهاتف الذي عثروا عليه عند قريب زوجتي فاتصلوا بي وأحضروني إلى الفرع، هذه الطريقة الجائرة نفسها هي التي أودت بحياة كثير من الأبرياء وغيبتهم لسنوات طويلة في غياهب السجون لا لجرم إلا أنهم وجدت أسماؤهم وأرقام هواتفهم مكتوبة في دليل أحد المشبوهين.

    كنت أنتظر أن يأتي الجلادون ويأخذونني إلى التعذيب في أي لحظة، وبالفعل جاء أحدهم فأخرجني من الزنزانة و"طمش" عيني وقيدني وجرني إلى غرفة التحقيق حيث دخل أحد المحققين وأمر بفك القيد عني وأعطاني ورقة وقلماً لأكتب قصة حياتي كاملة! وعندما كتبت له قصة حياتي تناول الأوراق وأخذ يصحح ويشطب على بعض السطور ويضيف من عنده فاعترضت على هذا الأسلوب، وعند ذلك قال لي:

    "بدك تعلمني شغلي؟"

    وخرج من الغرفة ثم عاد ليخبرني بأن العميد قد انزعج لإصراري على عدم الاعتراف، فأخبرته بأنه ليس لدي ما أعترف به وهذا ما عندي، فأمرني أن أبصم على ما كتبت، ثم عاود السؤال على (أ) مرة أخرى عن علاقتي بالمدعو (ج) فأجابه بأنه ليس هناك أي علاقة، وعندما تأكدوا من ذلك أعادوني إلى الزنزانة المنفردة وجلست هناك لمدة ثمانية أيام لم يكلمني فيها أحد.

    كان التعذيب يبدأ يومياً من الساعة الثامنة صباحاً ويتوقف عند الثانية، ثم يبدأ مرة أخرى في الثامنة مساء حتى الحادية عشرة، ومع أنني لم أتعرض للتعذيب فإن صرخات المعتقلين وأنينهم كانت أشد من لسع السياط التي تصدر صفيراً مرعباً قبل أن تحط على ظهور المساجين وهم يئنون من شدتها، ومع أنني كنت متماسكاً فقد لازمتني حالة عجيبة من الهلع خاصة عندما أصيبت إحدى السجينات في زنزانتها الانفرادية بانهيار عصبي وأخذت تصرخ بأعلى صوتها قبل أن ينقلوها إلى المستشفى.

    وفي يوم السبت 29/7/2000 جاء رئيس المحققين في الفرع الرائد غسان الجواد وأخذ يمر على الزنازين وينظر إلى المساجين بداخلها حتى وصل إلى زنزانتي ففتح الباب وقال لي:

    "إبني نحنا عارفين أنك بريء ومنتظرين خبر من الشام حتى نفرج عنك اليوم أو بكرة"

    وعرض علي الانتقال إلى السجن الجماعي ففرحت لذلك وشكرته، ثم نقلوني إلى حيث أشار فوجدت نفسي مع خمسة من المساجين وأخذنا نتبادل أطراف الحديث فسألت كل واحد منهم عن تهمته، وإليكم الجرائم التي ارتكبوها:

    - كان الأول قد امتنع عن التصويت لبشار أسد في انتخابات الرئاسة فجروه إلى السجن وأخذوا يضربونه ضرباً مبرحاً لتمرده!

    - أما الثاني فقد ورد في إحدى تقارير المخابرات أنه قال: "أهل حلب وحماة قبضايات لأنهم قاوموا"، كان شاباً صغيراً ولم يكن سنه قد تجاوز أربع سنوات عندما اندلعت أحداث حماة، ومع ذلك فكان يتعرض للصعقات الكهربائية حتى يعترف بالذي علمه هذا الكلام!

    - وتحدث الثالث بحزن عن مكالمة هاتفية دارت بينه وبين أقاربه قال فيها بأنه سيذهب إلى القرداحة في وفد رسمي لزيارة قبر الرئيس الراحل، ولما سأله قريبه ماذا سيلبس، أجاب: "كلسون أحمر"، ولم يكن يعلم بمراقبة المخابرات لمكالمته الهاتفية فاعتقل في ذلك اليوم. وكان الجلادون ينفذون تعهدهم له بتحويل لون "كلسونه" إلى الأزرق من شدة التعذيب حتى يتوب!

    - وكان الرابع مسجوناً بسبب العثور على جهاز للتنقيب عن الآثار في أرض يملكها.

    - واتهم الخامس ببيع السجائر المهربة.

    كانوا قد تعرضوا جميعاً لشتى أصناف التعذيب من الجلد والصعق الكهربائي، أما أنا فقد نجوت من التعذيب ربما بسبب توسط إدارة النادي لصالحي.

    بعد ثلاثة أيام في السجن الجماعي أخبرت بوصول البرقية من دمشق، وكنت أترقبها على أحر من الجمر حتى أعود لأطفالي الذين افتقدوني ولم يعلموا أين ذهبت، وسرعان ما تلاشت آمالي عندما أخبرني المحقق بأنني قد طلبت في الشام وأن علي الذهاب إلى هناك لاستكمال التحقيق.

    عند ذلك أخرجت مقيداً مع ثلاثة آخرين وأركبونا داخل سيارتين في كل واحدة منها أربعة عناصر مسلحين ببنادق كلاشنكوف، ولما وقع الرائد على أوراق تسليمنا بعد طول انتظار تحركت السيارتان باتجاه دمشق، وكان علينا أن نخفض رؤوسنا طول الرحلة وكلما رفع الواحد منا رأسه كان الحارس يهوي على رقبته بكل ما أوتي من قوة ويقول: "نزّل راسك ولك كلب"، وبقينا على هذه الحالة حتى وصلنا إلى فرع فلسطين.

    "فرع فلسطين":

    توقفت السيارتان عند بوابة كبيرة وسط سور عال، وانطلقت لمسافة 70 متراً عندما استطعت أن ألمح عمارتين كبيرتين، ثم اعترضتنا بوابة أخرى استوقفنا عندها الحرس وجردوا رجال الأمن من أسلحتهم، ثم أنزلونا نحن الأربعة من السيارتين وأدخلونا إلى مكتب مدير السجن وهو رجل بذيء اللسان ممتلئ الجسم حنطي اللون برتبة مساعد أول، اسمه أحمد، ويمتاز بصوت شديد الخشونة. تفرس فينا المدير بنظرات ملؤها الحقد وصرخ فجأة: "وقف منيح ولا حمار" ... ثم أمر بنقلنا إلى غرفة مجاورة حيث جلسنا ننتظر ونحن نعاني من حرارة الشمس وكثرة الصراصير، فطرقت الباب وطلبت أن أذهب إلى الخلاء فأجابني أحد الحراس هازئاً: "استنى شوي راح نحولك عالميريديان"!

    بقينا ننتظر أربع ساعات بطولها ثم دخل علينا رجل لا يقل خشونة عن مدير السجن ليكتب بياناتنا الكاملة، ويأخذ أغراضنا إلى صندوق الأمانات، وعندما وصل إلي دار بيننا الحوار التالي:

    - "شو اسمك ولا؟"

    - "هلال عبد الرزاق علي"

    - "شو جنسيتك؟"

    - "جنسيتي ولا أصلي؟"

    - "جنسيتك ولك كلب"

    - "بريطاني"

    فسكت لبرهة ثم ذهب إلى مكتب المدير الذي استدعاني إلى مكتبه مرة أخرى وسألني:

    - "شو جنسيتك ولا؟"

    - "بريطاني"

    - "م---ك، أنت عراقي"، ثم خاطب الحراس: "نزلوا هالكلب على المنفردة (11)"!

    عند ذلك فقدت صبري وقلت له أي منفردة؟ وما هي تهمتي، ولماذا تعاملونني بهذا الأسلوب؟

    ففوجئت به يصرخ بأعلى صوته: "ولك خدو هالحمار على المنفردة (11)"، ولم يكد ينتهي من عبارته حتى هجم علي عدد من الحراس وجروني بعنف خارج المكتب وهم يصرخون بي: "نزل راسك ولا"، "خليك ماشي عالحيط"، وأنزلوني بالسلالم إلى القبو حيث رأيت عدداً من الأبواب الحديدية على جانبي الممر، وكانوا يركضون أمامي وخلفي حتى انتهينا إلى آخره ففتحوا أحد هذه الأبواب ورموني في المنفردة (11).

    المنفردة (11):

    أطرق هلال علي لفترة وحاول أن يفهمني بجمل مبعثرة بأن كل الذي حكاه لي كان مقدمة قصيرة لفصول المعاناة الطويلة التي أمضاها في الزنزانة المنفردة لستة أشهر متوالية. كان طول الزنزانة 180 سم وعرضها 80 سم تنبعث منها رائحة كريهة ولا يصل إليها سوى كمية ضئيلة من التهوية والنور ولذلك فقد أصبحت مرتعاً للقمل والصراصير. ولأن طول هلال 190 سم فلم يكن قادراً على التمدد لمدة ستة أشهر فانحنى ظهره وأصبح يمشي مشية عجوز تجاوز الثمانين من العمر.

    كان يتذكر الأحداث بصعوبة لأنه يريد أن ينسى هذه الحقبة السوداء من حياته، ولكن أنين المعذبين ومعاناة المعتقلين كانت تدفعه لأن يستحضر كل شاردة وواردة لأنه عاهدهم أن يخبر العالم بما رآه ويستصرخ أصحاب الضمائر الحية للمساعدة في رفع المعاناة عن مئات المساجين الذين تم اعتقالهم - مثله - عن طريق دليل الهاتف دون سابق تهمة أو اشتباه.

    ارتمى هلال على أرض الزنزانة وجلس على بطانية رطبة منتنة، وأخذت الهواجس تتلاعب به، فتذكر رحلته البائسة من حماة إلى دمشق، وطول الانتظار في فرع فلسطين وخشونة التعامل التي لقيها من الحراس. لقد أصبح اسمه من الآن فصاعداً: "منفردة (11)" والويل له إذا ذكر اسمه الحقيقي، وصار بين عشية وضحاها سجيناً مسلوب الإرادة لا يملك من أمره شيئاً، بل إنه فقد اسمه وأصبح رقماً آخر في عداد المفقودين داخل فرع فلسطين. لقد لازمه الشك بأن هنالك خطأ ما وسيفرج عنه حال تبين هذا الخطأ، ولكن لم يكن لديه أي قرينة تدعوه إلى التفاؤل ... وبقي على هذه الحالة من التفكير العميق حتى غلبه الإعياء فتكوم في أرض الزنزانة ونام.

    ثم يتحدث هلال عن صباح أول يوم في الانفرادية:

    "استيقظت وقد قرصتني حشرة في وجهي فتورمت عيني اليسرى ولم أكن أعرف نظام السجن بعد، فطرقت الباب طرقاً متتالياً حتى جاءني سجان ضخم اسمه المعلم حسن، ففتح الباب وقال: "شو بدك ولا؟"، فقلت له: "شوف عيني"، فنظر نظرة لم تكن تبعث على الاطمئنان، وقال لي: "قرب ولا"، وعندما اقتربت منه سدد لكمة قاسية على عيني اليمنى فسقطت على أرض الزنزانة من شدة الألم، وأقفل الباب ورائي وهو يتمتم بأقذع الشتائم. ولم ينقضي اليوم الأول حتى عرفت نظام السجن كاملاً، فلم يكن لنا أي حق في طرق الأبواب، وكانت الفرصة الرئيسة للسجانين كي يشفوا نزعتهم السادية هي خروج المساجين من الزنازين الانفرادية إلى الخلاء... كان هناك 19 زنزانة منفردة و4 مزدوجة وكان يتناوب 42 سجيناً على حمامين ثلاث مرات في اليوم فيخرجنا الحراس واحداً واحداً بالركل والجلد ولم يكن يسمح للواحد منا أن يبقى أكثر من نصف دقيقة في بيت الخلاء. ولا بد من الاعتراف بأنني عندما خرجت للمرة الأولى أكلت نصيباً وافراً من الركل واللكم من قبل المعلم حسن، ولم أكن أجد أي مبرراً لذلك فاعترضت بصوت مرتفع وذكرته بأنني إنسان مثله، فصرخ في وجهي صرخة منكرة قائلاً:

    "خراس ولك كلب، هلق بخليك تاكل الخ -- تبعك"!

    وبسبب هذا التضييق وانعدام الماء والصابون فقد أصيب أكثرنا بالبواسير وكانت الدماء تغطي المرحاض، وإذا تأخر الواحد منا في الخلاء كان يخرج بالقوة ويجر إلى زنزانته بالركل والضرب.

    كانت كل زنزانة انفرادية قد زودت بوعاء (طاسة) للأكل والشرب، وبسبب الأذى الذي كان يصيبنا من السجانين في دخول الخلاء فقد اضطر الكثير منا لقضاء الحاجة في طاسته كلما اشتد المرض عليه، ثم يغسلها ويعاود استخدامها لطعامه من جديد.

    ولأنني لم أكن متهماً بالدرجة الأولى فلم أكن أتعرض لوجبات التعذيب التي كانت من نصيب السجناء الآخرين، ولكن سماع أصوات المعذبين كان أشد إيلاماً على النفس من وقع السياط في كثير من الأحيان. كانت نوبات التعذيب تبدأ في الساعات المبكرة من الصباح وتستمر حتى الواحدة والنصف وهناك نوبة ليلية تبدأ من السابعة مساء حتى العاشرة وقد تستمر حتى الثالثة بعد منتصف الليل. كنا نسمع شتائم الجلادين واستغاثة المعذبين وتوسلاتهم، وكنا نميز طريقة التعذيب من تتابع أنين المعتقلين الذين يخضعون للتعذيب بواسطة "الكرسي الألماني" الذي يهشم العمود الفقري، والتعليق من أيديهم وضربهم على سائر أنحاء الجسد وهم عراة، وكذلك الجلد بالأسلاك الكهربائية السميكة.

    لازمتني حالة رعب شديد وكنت أخاف أن يأتي الجلادون في أي لحظة ويجرونني إلى غرفة التعذيب، وكلما سمعت وقع أقدام بالقرب من زنزانتي كانت ترتعد فرائصي، حتى أمضيت 11 يوماً على هذه الحالة، ولم يفتح باب زنزانتي خلال هذه الفترة إلا لدخول الخلاء. كنت أنام وأجلس على البطانية المتعفنة بفعل الرطوبة وانعدام التهوية حتى اسودت ملابسي وأصابتني الالتهابات الجلدية والأورام، حتى إن السجانين كانوا يتأففون من رائحتي كلما مروا بالقرب من زنزانتي، ولم تجد توسلاتي لهم بتغيير تلك البطانية القذرة.

    بعد انقضاء اليوم الحادي عشر في المنفردة جاء الجلادون وأصعدوني إلى غرفة التحقيق "مطمشاً"، ثم دخل أحد المحققين فأمر بفك الطماشة، وأعطاني ورقة وقلماً لأكتب قصة حياتي من جديد! وعندما انتهيت من الكتابة ابتسم المحقق وبشرني بأنني لن أبقى في الفرع عندهم أكثر من أسبوعين، فرجوته أن يأمر بنقلي إلى المهاجع الجماعية لأنني لم أعد أحتمل السجن الانفرادي، فطلب مني الصبر، وقال لي: "المنفردة أحسن لك". ثم أرجعت على نفس الهيئة التي أتيت بها إلى زنزانتي المنفردة، ومكثت بها الشهور الستة التالية دون أن يكلمني أحد أو يحقق معي من جديد.

    كنت مريضاً بالقولون وأعاني من مرض الربو المزمن، وانتشرت الحساسية في جسدي كله، ومع ذلك فقد كان العلاج ممنوعاً عنا طوال فترة السجن. ونتيجة للمرض وفقدان الشهية فقد انخفض وزني 45 كيلو وطال شاربي حتى غطى فمي، ولم يسمح لي بحلق شعري طوال هذه الفترة سوى مرة واحدة، أما اللحية فكانت تحلق أسبوعياً ولكن قص الشارب كان ممنوعاً، وكانت الحلاقة من أبرز المناسبات عند الجلادين لممارسة هواية التعذيب، فكانوا يضربون المساجين على رؤوسهم ورقابهم والويل لمن يجرؤ على فتح عينيه أثناء الحلاقة. وبالإضافة إلى هذه الحالة المزرية فلم يكن يسمح لنا بالاغتسال أكثر من مرة كل شهرين وكانت المياه حارة في الصيف شديدة البرودة في الشتاء، أما الملابس فلم يسمح لنا غسلها سوى مرتين طوال فترة السجن الانفرادي، ولذلك فقد تشققت بفعل تراكم العرق وكثرة الضرب.

    كان الكلام ممنوعاً طوال الوقت، وأي محاولة لقراءة القرآن كانت تقمع بأسلوب وحشي، وذات مرة تشجع السجين في منفردة (17) بقراء بعض السور، ولما سمعه السجان حسن اقتحم عليه زنزانته وتناوله بالضرب المبرح وهو يقول له: "والله ما تعيدها مرة ثانية لشخ بتمك"، وكذلك كان نصيب السجين الذي أخذته العبرة وهو يلح في الدعاء فسمعه أحد السجانين وأخذ يضربه على سائر أنحاء جسده ويقول له: "إذا سمعتك عم تدعي مرة ثانية لح أكسر راسك يا عرص".

    أما أنا فقد دفعت ثمن نزعتي الإنسانية غالياً، عندما سمعت استغاثة مخنوقة من امرأة مصابة بالربو في مهجع النساء فطرقت باب زنزانتي حتى سمعت وقع أقدام السجان حسن وهو يصرخ: "شو بدك ولا كلب"، فأعطيته بخاخ الربو الذي أحضرته معي من حماة وقلت له أعطه للمرأة المسكينة، ولم أكد أنتهي من قولي هذا حتى لكمني على رأسي ثلاث لكمات أسقطتني على الأرض وتتابعت بعدها الركلات والشتائم المقذعة، ولم أعد أعي شيئاً حولي إلا أنني سمعت المعلم حسن يقفل باب الزنزانة وهو يقول: "ولك عامل حالك شريف يا عرص، نحنا ما عنا إنسانية هون"!

    أما صيغة الإعلان عن وصول الطعام فلم تكن تتغير أبداً... كان السجان رفيق يصرخ في أول الممر: " يا كلاب ... الأكل اليوم (ويمد الواو) شوربة ورز ... كل واحد يدير وجهه على الحيط ... واللي بشوفه مو داير وجهه لح (فعل قوم لوط)".

    كان الطعام غاية في القذارة وسوء الطبخ، وكنا نأكل مرق الدجاج دون أن نرى الدجاج لأن السجانين ومساعدي مدير السجن كانوا يأخذونه قبل أن يصل إلينا، وكثيراً ما كنت أرفع الصراصير والحشرات الأخرى عن الشوربة والمرق وأشربها، أما إذا كانت الوجبة بطاطس مسلوقة، أو إذا قدم لنا التفاح (في المناسبات) فكانوا يرمونه على رؤوسنا الموجهة نحو الجدار، وكنا نحظى ببيضتين طوال الأسبوع. وكان السجانون يخبئون الفواكه والخبز الطري فوق سقف المنفردة (1) لإخفائها عن المدير ويأخذونها معهم بعد انتهاء الدوام.

    كنا نعاني من البرد الشديد في الشتاء ومن الحرارة الخانقة في فصل الصيف ولم تتغير البطانيات القذرة التي ورثناها عن السجناء قبلنا طوال فترة الإقامة في السجن الانفرادي. وبالإضافة إلى انتشار القمل والصراصير، فقد كنا نعاني كثيراً من الجرذان التي كانت تقتحم عزلتنا هرباً من القطط الجائعة التي كانوا يرسلونها للقضاء على هذه الجرذان، وكثيراً ما كانت القطط تظفر بصيدها في فتحات التهوية ونعلم بوفاة الجرذ حين يتقاطر دمه على رؤوسنا ونحن نيام".

    - ابتسم هلال عندما سألته كيف كان يقضي وقته في السجن الانفرادي لمدة 180 يوماً متواصلة، وقال لي بأن: "الشهر في الزنزانة مثل الشهرين والثلاثة والأربعة... تمر الساعات الطويلة ويتعاقب الليل والنهار ونحن على حالنا. كنت أقاوم وأبحث في خلجات نفسي عن بصيص أمل وأعد الأيام عن طريق الحفر على حائط الزنزانة، ولا أنسى عندما دخلت علي فراشة فأنست لها كثيراً وأخذت أكلمها وهي لا تجيب، وقد أصبت عدة مرات بهياج عصبي وكنت أصرخ بأعلى صوتي: لماذا تفعلون بي هكذا؟ ما هي تهمتي بالتحديد؟ أنا ضيف عندكم في هذه البلد أهذه هي الطريقة التي تعاملون بها الضيوف؟

    وكنا نختلس الساعات التي ينام فيها السجانون في آخر الليل فنتكلم فيما بيننا همساً، وبهذه الطريقة استطعت التعرف على عدد من المساجين في الانفرادية، وكنت آنس للحديث إليهم كثيراً.

    من قصص الزنازين المنفردة:

    طلبت من هلال أن يحدثني عن بعض السجناء الانفراديين الذين جاورهم لمدة ستة أشهر، فكان يتذكر بحزن شديد معاناة السجين في الزنزانة رقم (19)، ومن سوء المعاملة التي لقيها من السجان (محمد) الذي كان يستمتع بضربه كلما جاء دوره للخروج إلى الخلاء، فقد كان يأمره أن يضع يديه خلف ظهره ويغمض عينيه ويرفع رأسه ... ثم تتردد أصداء صفعة قوية تنخلع لها قلوبنا، ولكن السجان الآخر في نوبته (رفيق) كان يضحك ويقول له: "محمد ... ما سمعت"!، فيتميز محمد غضباً ويشتم السجين قائلاً: "**** أبوك يا ابن الكلب، ولك شلون هيك بتخجلني قدام صحابي؟"، ويصفعه صفعة أخرى لا تعجب صاحبه (رفيق) فيأتي هو ويقوم بنفس الطقوس السابقة، فيأمر السجين بوضع يديه خلف ظهره، وإغماض عينيه ورفع رأسه فيمتثل وهو يئن من شدة الألم، ثم يصفعه صفعة أشد من سابقتيها، ويضحك رفيق ضحكة المنتصر ويقول: "هيك بدي ياك... روح شخ". وكانت هذه العملية تتكرر مع عدد من المساجين كلما جاء دورهم لدخول الخلاء.

    - أما السجين في المنفردة (13) فكان مصاباً بمرض السكري ولم يكن يستطيع النوم دون أن يأخذ إبرة في المساء، وكان المسكين يتوسل إليهم يومياً لعدة ساعات أن يأتوه بالإبرة ولكن السجانين كانوا يتعمدون التأخر عن ذلك، ثم يأتي أحدهم آخر المطاف مصراً على أن يعطيه الإبرة بنفسه فنسمع صرخات شديدة من جراء الطعنة التي يلقاها من السجان وهو يقول له: "خود... **** أبوك عرص"، وقد استمرت هذه المأساة بصفة يومية طول إقامتي في السجن الانفرادي.

    - المنفردة (16) كانت هذه الزنزانة تتميز عن غيرها برائحة منتنة تزكم الأنوف، ولم يكن يسمح لنزيلها أن ينظف زنزانته أو حتى أن يغتسل أو يغسل ملابسه، وكان كلما خرج للخلاء يعيره السجانون برائحته الكريهة ويبصقون على وجهه وهو صامت لا يتكلم.

    - المنفردة (17) نزيلها المدعو (ج) نفسه، كان الجلادون يخرجونه للتحقيق يومياً ويتعرض لمختلف أنواع التعذيب الذي لم ينقطع عنه يوماً واحداً طوال الأشهر الستة التي قضيتها في الانفرادية.

    - المنفردة (12) ينزل فيها عديل (ج)، وهذه هي تهمته الوحيدة، فهو لا يعرف شيئاً عن نشاط عديله، ولا يعرف سبب اعتقاله، ومشكلته الوحيدة هي صلة القرابة.

    المهجع الجماعي:

    في أواخر شهر يناير عام 2001، ساقني الجلادون إلى غرفة التحقيق مرة أخرى، ولما دخل المحقق سألته: "ألم ينته التحقيق بعد؟"، فأجابني ببرود بأنني لست متهماً ولذلك فقد ابتدأوا بالأشخاص المهمين وقد احتاجوا لوقت طويل حتى يأخذوا جميع أقوالهم، ولكنه طمأنني بأنني سأخرج عن قريب.

    كانت هذه هي المرة الأولى التي أخرج فيها من قبو فرع فلسطين وكان شكلي مرعباً للغاية، فقد طال شاربي حتى غطى فمي بأكمله، ونقص وزني وتغيرت ملامح وجهي، وماتت كثير من خلايا جسمي فلم أعد قادراً على المشي أو حتى الوقوف، فاستأذنت المحقق أن أجلس على الأرض، وجلس هو على الكرسي فسألني نفس الأسئلة التي وجهت لي قبل ستة أشهر: اسمي وعملي وعلاقتي ب (ج)، ولما لم يجد عندي جديداً قال بهدوء: "يالله روح"، فتوسلت إليه أن ينقلني على المهاجع الجماعية لأنني لم أعد أحتمل السجن الانفرادي، فأخذ رقم زنزانتي وأمر بإعادتي إلى المنفردة، وبعد تسعة أيام صدرت الأوامر بنقلي إلى المهجع رقم (4) فخرجت مع السجانين إلى المهجع المذكور، ولما فتح الباب خرجت رائحة كريهة ونظرت داخل الزنزانة فإذا هي مملوءة عن آخرها، وتضايق المساجين الستة والأربعون من رؤيتي لأنني كنت سأشاركهم هذا المكان الضيق (5×4 م). ولم أتمالك نفسي من الصراخ: "رجعوني على المنفردة... رجعوني على المنفردة"، فدفعني السجانون إلى الداخل وأغلقوا الباب.

    كان المنظر في الداخل كئيباً للغاية، فلم يكن المكان يتسع لجلوس الجميع فاضطر بعضهم للوقوف، ولكنني فرحت كثيراً عندما علمت بوجود حمام داخل الزنزانة، فاغتسلت ثم حشرت نفسي داخل هذه المجموعة، وكان أول سؤال يوجه إلى هو سبب سجني، فأجبتهم بأنني لم توجه إلي تهمة، وسأخرج خلال أسبوعين على أبعد تقدير، ولم أكن أعلم بأنني سأقضي الأشهر الخمسة القادمة في هذا المهجع الكئيب.

    تغير حالي كثيراً في المهجع فصرت آكل وأشرب وآنس إلى المساجين وأقضي الساعات الطويلة في التحدث والاستماع إلى المآسي التي يروونها.

    من قصص المهجع:

    - طلبت من هلال أن يحدثني عن التهم الموجهة إلى المساجين في فرع فلسطين، فأطرق لبرهة وأخذ يذكر قصصهم بالتفصيل، وقال لي:

    - "أتذكر سليمان الذي قضى إحدى عشر شهراً في المهجع ولم يكن وحده فقد كانت معه والدته (عمرها سبعون عاماً) في مهجع النساء. كانت تهمتهم أن أحد أقاربهم في الخارج اتصل بهم هاتفياً وسألهم عن حالهم بعد موت حافظ أسد، أجابوا بديهة: "مكيفين"، وكانت هذه الكلمة كفيلة بجرهم إلى السجن.

    - أبو أيمن من اللاذقية، رجل كبير في السن عمره 67، كانت تهمته أنه قابل أحد المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين أثناء رحلته إلى الحج في أوائل الثمانينيات وأعطاه ذلك الرجل مبلغ 500 ريال لإحدى الأسر المحتاجة في سورية، وبعد مرور سنوات طويلة قرر ذلك الشخص أن يعود إلى سورية فذهب إلى السفارة في الدولة التي يقيم فيها وسجل جميع اعترافاته وذكر اسم أبو أيمن في اللاذقية وأنه طلب منه توصيل المبلغ المذكور. وعندما أبرقت السفارة إلى دمشق كان المسكين أبو أيمن يعالج في المستشفى جراء جلطة أصابته، ولم يكن المرض ليشفع له فقد تم جره من المستشفى إلى فرع فلسطين لاستكمال التحقيق!

    - محمد شاهر شاب من مدينة حماة متزوج ولديه سبع بنات، وكانت تهمته "الدعوة إلى الكتاب والسنة" في صفوف الشباب. عندما رأيته كان قد قضى سنة ونصفاً، وكان أحد الجلادين قد دأب على وضع رأسه في المرحاض وتمريغ وجهه بحذائه العسكري ومسح شعره بالنجاسة، ونتيجة لتكرر هذا الأسلوب الوحشي فقد جرحت وجنته ولم يعد ينبت الشعر في أجزاء من لحيته وشاربه.

    - وكان هنالك مجموعة (حوالي 28) من الشباب السوريين والفلسطينيين الذين تجاوبوا مع الانتفاضة الفلسطينية فقاموا بمحاولة فاشلة لتهريب بعض الأسلحة إلى الأرض المحتلة عبر الحدود الأردنية حيث ألقي القبض عليهم، وكنا نستغرب أن يتميز هؤلاء عن غيرهم بأشد أنواع التعذيب في قلعة الصمود والتصدي، وتحديداً في فرع"فلسطين"!

    - وكان هنالك أيضاً مجموعة من العراقيين الذين حاولوا التسلل عبر الحدود السورية ليذهبوا إلى لبنان ومنها إلى أوروبا، وقد فر هؤلاء المساكين من الحصار والضيق الاقتصادي في بلدهم ليعانوا من الويلات في بلدهم الشقيق.

    - وأذكر من المساجين أيضاً رجل تم القبض عليه بتهمة بيع أشرطة إسلامية أمام أحد المساجد، وبالرغم من أن الأشرطة مصرح بها فقد تم اعتقاله، وكان يتعرض كذلك للتعذيب.

    - ولا أستطيع أن أنسى رجلاً كان معنا اسمه نعيم، وكانت رجله مقطوعة، وتهمته أنه قد ساعد في محاولة تهريب الأسلحة عبر الحدود السورية إلى الأردن ومنها إلى فلسطين. لقد كان الجلادون يضربونه على رجله المتبقية، ولقد رأيت بأم عيني اللحم يتساقط منها عندما يعود من حفلة التعذيب، وكنا نحمله إلى الخلاء، وبالرغم من تورم رجله وانتفاخها فقد كان يستدعى المرة تلو الأخرى لسحب المزيد من الاعترافات منه، ولم يكن هناك شيء أشق على نفوسنا من حمله كل يوم وتسليمه إلى الجلادين الذين كانوا يسحلونه إلى غرفة التعذيب، ثم نسمع صياحه وتوسلاته واستغاثته.

    وكان معنا عقيد سابق في الجيش السوري، وكان كبيراً في السن ومصاباً بضعف في القلب، وقد منع السجانون عنه الدواء فكان يتوسل إليهم بأن يحضروا له نوعاً من الحبوب التي يضعها تحت لسانه ولم يكونوا يستجيبون له، وذات مرة سقط على أرض الزنزانة وخرج الزبد من فمه فطرقنا الباب وأخرجناه محمولاً إلى الممر، فكان السجانون يركلونه ويقولون له: "قوم يا عرص ... لو عملت شو ما عملت ما في دوا"، ولما طال به الحال أحضروا الممرض الذي فحص ضغطه فوجده في حالة خطيرة فرفعوه، وجاءوا بعد فترة فطلبوا ملابسه وأغراضه، وقيل لنا بعد ذلك أنه قد انتقل إلى رحمة الله، وبالرغم من حزننا عليه فلم نجد أي شعور بالشفقة أو الذنب عند هؤلاء الجلادين الذين كانوا يقولون لنا بعد ذلك: "والله غير تموتوا كلكم هون متل هالكلب".

    هذه هي الحالة التي كنا عليها طوال الأشهر الخمسة التي قضيتها في المهجع؛ كنا نزدحم مثل قطيع من الأغنام في زنزانة لا تتسع لنصفنا نتبادل الأدوار في النوم فيقف بعضنا وينام الآخرون، وفي فصل الصيف كان يتطوع بعضنا للقيام بعملية التهوية بملابسهم القذرة، وكان الجلادون يأتون بين الفينة والأخرى وينادون باسم الضحية فيتقدم من بيننا خائفاً مرتعشاً، ولا نلبث أن نسمع صياحه وأنينه من غرفة التعذيب، ومن سوء حظنا أن فتحة تهوية المهجع كانت تطل على غرفة التعذيب فكنا من خلالها نتمكن من معرفة ما يقع على إخواننا من البلاء.

    صور من التعذيب:

    ثم ينتقل هلال للحديث عن التعذيب في فرع فلسطين، وما يسببه ذلك له من كوابيس مفزعة، فقد كان الجلد بأسلاك الكهرباء الرباعية (الكيبلات) أمراً اعتيادياً ولم ينج منه أحد قط، ولكن أصحاب التهم "الخطيرة" كانوا يتعرضون لنوع آخر من التعذيب أبرزها: "الكرسي الألماني" الذي يثبت عليه السجين ثم يرجع به إلى الخلف حتى يصبح رأسه قريباً من رجليه فيفقد وعيه من شدة الألم، وكثيراً ما أصيب المساجين من جراء ذلك بآلام مزمنة في الظهر، وعندما يعود إلينا زملاءنا في المهجع بعد جلوسهم على هذا الكرسي كنا نمددهم على الأرض وندلك ظهورهم، ويبقون متمددين على حالهم أياماً طويلة بسبب عجزهم عن الوقوف أو المشي.

    وكان الجلادون يستخدمون "الدولاب" فيخرجون رأس السجين مع يديه ورجليه ويبقى في الطرف الآخر ظهره ومؤخرته ويضرب بعد ذلك بالعصي حتى يعترف على نفسه بكل ما يملى عليه.

    وكثيراً ما كان يشتكي زملاؤنا في المهجع من تعليقهم مثل الخراف وتعريتهم وضربهم على جميع أنحاء الجسد، ولم يكن الضرب أشد إيلاماً من تحمل الرسغ لسائر ثقل الجسم، فيعود السجين إلى زنزانته وهو غير قادر على تحريك يديه وقد يستمر على هذه الحالة لبضعة أيام.

    كنا نعرف طريقة التعذيب من تتابع صياح الضحية، ثم ينزل المسكين ويحكي لنا ما فعل به الجلادون، وكثيراً ما كانوا يأخذون المعتقل ويبقونه واقفاً طول النهار وهو مقيد ومغمض العينين خارج غرفة التحقيق، ثم يخرج المحقق ويقول له: "انزل ولك كلب، بكرة منشوف شغلنا معك" فينزل مرة أخرى تحت ضرب الجلادين وركلهم حتى يدخل الزنزانة.

    مهجع النساء:

    يقدر هلال بأن عدد السجينات في مهجع النساء كان حوالي 14 امرأة، وكان بعض النساء يصطحبن أطفالهن فكان في المهجع طفل عمره خمس سنوات وبنت عمرها أربع سنوات وأخرى عمرها 11 سنة كانوا يرون أمهاتهم يشتمن بأقذع الألفاظ الفاحشة التي يندى لها الجبين ويسمعون أصوات التعذيب، وكنا نرق لبكاء الأطفال الذين يذكروننا بأبنائنا فلم يكن أحد منا يعرف حال أهله بعده لانعدام الصلة والانقطاع عن العالم الخارجي.

    كانت هناك طفلة عمرها 16 سنة حافظة للقرآن الكريم وأخرى عمرها 17 سنة جيء بهما مع والدهما، وكانت هناك امرأة متزوجة منذ خمسين يوماً جيء بها وهي حامل، وأذكر أنني سمعت صوت ثلاث نساء يسقطن، وكانت النساء تصرخ بطلب الطبيب، فيجيبهن السجان: "شو دخلني أنا... هاي شغلتكن أنتو النسوان... اتصرفوا"، ولم تكن تجدي فيه الاستغاثة والولولة والعويل الذي يستمر لفترة طويلة ثم ينقطع بالتدريج.

    لقد ماتت الشفقة والرحمة في قلوب هؤلاء السجانين الذين لم يكونوا يميزوا بين رجل وامرأة وطفل، فقد وضعت البنت ذات الستة عشر ربيعاً في إحدى الزنازين المنفردة، وكان أحد السجانين يفتح عليها الباب دون إذن فتصرخ لكرامتها، ولما تكررت هذه الحادثة هب المساجين من الزنازين المنفردة والمهاجع وأخذوا يطرقون بأيديهم العارية على الأبواب الحديدية غضباً لهذا الاستهتار حتى نزل العميد وعدد من الضباط ونقلوا البنت إلى مكان آخر. وعندما استطعنا التواصل مع مهجع النساء عن طريق أنابيب التمديدات الصحية كانت هذه البنت المسكينة تطلب والدها وتبكي بكاء حاراً يقطع قلوبنا وتشتكي له من السجان (شادي) الذي كان يصفعها على وجهها ويفحش في السب والشتم، ولا يزال صوتها يرن بأذني وهي تقول بصوت طفولي بريء: "بابا... بابا... هدا الحارس (شادي) عمبيضربني" وكل المساجين يشاركون والدها البكاء من قلة الحيلة والهوان.

    وقد حدثني بعض المساجين بأنهم رأوا إحدى النساء في غرفة التحقيق وقد عراها الجلادون وهي تستر ما تستطيع بيديها وتولول وتستغيث. وكان مهجع النساء يستقبل بين الفينة والأخرى بعض النساء المتهمات بالدعارة ويلقى النساء الأخريات من سوء خلقهن الكثير، وكان السجانون يفتحون باب المهجع النسائي ليتلذذوا بمشاهدة رقص هؤلاء النساء ونحن نسمع كل شيء، وإذا اشتكت أي امرأة محتشمة من ذلك كان الحارس يصرخ بهن: "اخرسوا يا كلبات، هي أشرف منكن كلكن". بل كانوا يتعمدون الإساءة إلى المرأة التي تحافظ على سترها وينعتونها بأقذع الشتائم، وكنا نسمع ولا نستطيع أن نحرك ساكناً.

    الفساد:

    يتكون قبو سجن الفرع من ممر طويل فيه 10 مهاجع جماعية (5×4 م)، و19 زنزانة انفرادية (180×80)، و4 زنازين مزدوجة بحجم المنفردة مرتين، وكان يوضع في بعضها 8 سجناء، ولا ندري كيف كانوا يجلسون أو ينامون فيها، بل إن أحد المساجين قد قضى في المزدوجة سنة ونصف يشاركه سبعة آخرون في كثير من الأحيان. وكان هناك عدد من المهاجع في الطابق الأرضي.

    كان مدير السجن برتبة مساعد أول واسمه أحمد، وله ثلاثة نواب: شادي وحاتم وأبو عصام، وكانوا غاية في السوء والفظاظة ولم تكن الألفاظ البذيئة والفاحشة تغادر ألسنتهم على الإطلاق، أما الحراس فكانوا ثلاث مجموعات من خمسة سجانين، تسمى نوبات، مرتبة على النحو التالي:

    - نوبة المعلم أبو سومر ومعه: رامز، وعلي، وخصيم (أبو غضب)، وسامر.

    - نوبة المعلم حسن ومعه: إبراهيم، ورفيق، ومحمد، وأحمد.

    - نوبة المعلم محسن ومعه: سامر، وعلي، وحسام، وجمال.

    وقد كانت هذه المجموعات الثلاثة تتناوب على حراسة الزنازين. وقد تم اختيار هؤلاء السجانين بدقة متناهية فكانوا جميعاً من أبناء الطائفة الحاكمة ومن أصحاب السوابق الذين يمتهنون الأعمال الدنيئة، وكانوا على درجة عالية من الغلاظة وسوء الخلق فيشتمون بعضهم البعض بألفاظ نابية ويتلذذون بتعذيب المساجين ويتسابقون في أذيتهم. لقد كان السجن هو مصدر رزقهم الوحيد، ونشأت عن هذه الحاجة سوق رائجة لا يعرفها إلا من دخل فيها والعياذ بالله:

    ففي المرحلة الأولى يتعاون المدير مع عصابات أمنية في الخارج لمساومة أهالي السجين على أغلى ثمن لقاء زيارته، وكانوا يقتسمون هذه المبالغ فيما بينهم كل حسب النسبة المتفق عليها. وقد علمنا بأن المدير كان يحصّل 5000 ليرة سورية عن كل زيارة من خلال عصابة تتعاون معه خارج السجن.

    ثم يسلم الأهالي مدير السجن الأموال والألبسة والمأكولات التي أحضروها لأبنائهم فيقتسم الغنيمة مع الحراس ولا يصل للسجين من ذلك إلا القليل؛ فإذا ترك الأهالي خمسة آلاف ليرة يقتطع المدير منها ثلاثة آلاف ويقول للسجين بابتسامة خبيثة: "تركولك أهلك ألفين ليرة"، ولا يستطيع السجين أن ينبس ببنت شفة. وطالما كنا ننظر إلى السجانين وهم يتخاطفون الكباب والحلويات ويأكلونها بشره وهم يتضاحكون بينما لا يصل إلى السجناء منها شيء.

    وكان يسمح لنا بشراء بعض المواد الغذائية مرة في الشهر فنشتري الجبن والشاي والسكر والسجائر والصابون، وكانوا يسمون هذه المناسبة: "ندوة"، ثم نوقع تخويلاً للمدير بصرف المبلغ المطلوب من أموالنا في عهدته، وتسمى: "الأمانات"! وكانت هذه فرصة كبيرة للنهب والسرقة فهناك نحو 500 سجين في فرع فلسطين، فيعمد مدير السجن على تسجيل البضائع بأسعار مضاعفة ويأخذ الفرق على حساب المعتقلين.

    أما السجانون فكانوا يرغموننا على شراء ما يحتاجونه هم، وعند تسليم البضائع كان السجانون يتجمعون على باب الزنزانة ويتخاطفون ما يريدونه والويل لمن يعترض عليهم من المساجين، وأذكر أنني اشتريت علبتين من جبنة البقرة الضاحكة ولم يصلني منها عند التسليم سوى ثلاث مثلثات من العلبة الثانية! بل إن السجانين كانوا يشربون الشاي ويستخدمون السكر والصابون الذي نشتريه ويقولون لنا: "إزا جعتوا أنتو نحنا منجوع".

    أما المحنة التي مرت بها أسرتي فهي خير مثال لما يتعرض له أهالي آلاف المعتقلين في سورية، فقد استطاع أحد السجانين واسمه إبراهيم السالم (من نوبة المعلم حسن) أن يتعرف على عنوان أهلي في حماة، فكان يذهب إليهم بنفسه ويدعي بأنني طلبت منه أن يحضر إلي بعض الأموال، واستطاع بهذه الطريقة أن يسرق منهم أكثر من مائة ألف ليرة سورية حتى اضطرت زوجتي لبيع حليها، وأخذ منهم كميات كبيرة من الأجبان والزيتون والمرتديلا والأدوية والملابس، وكان كلما تأخر عليه أقاربي في الدفع يلفق الأكاذيب عن حالتي في السجن ليستدر عطفهم ويحثهم على بذل المزيد، ولم يكن يخجل من زيارتهم وهو يرتدي الملابس التي أرسلوها لي في زيارته السابقة لهم، ولما علموا بفساد نيته وسرقته انقطعوا عنه، فجاء إلي واعترف لي ببعض ما فعل فغضبت لذلك وصرخت ولكن لم يكن لي حيلة وأنا خلف القضبان، أما سبب اعترافه فهو رغبته في تعاوني معه لأخذ المزيد، فقد أعطاني ورقة وقلماً وطلب إلي أن أكتب رسالة لزوجتي حتى تتأكد أنه مرسل من قبلي، ولما امتنعت أخذ يخبرني أخباراً سيئة عن زوجتي وأولادي. وعندما فقد الأمل من الاستمرار في لعبته انتقم إبراهيم السالم لكرامته المهدرة عن طريق إخبار زوجتي بأنني قد قتلت تحت التعذيب فخرت مغشياً عليها وقضت في المستشفى عدة أيام.

    ولكن التجارة الحقيقية كان يمارسها رجال أكبر من إبراهيم السالم، فقد عرض بعضهم على والد زوجتي الإفراج عني لقاء مبلغ مليوني ليرة سورية، فاجتهد في جمع المبلغ ولكنه انتقل إلى رحمة الله بعد أن أصابته سكتة قلبية من شدة الحزن، وكان ضعيف الجسم لا يقوى على مواجهة الضغوط التي كانت تمارس عليه. وللقارئ الكريم أن يتصور حالة أسرة واحدة من آلاف الأسر نكبتها أجهزة الأمن السورية؛ فالزوجة في المستشفى ووالدها في القبر وزوجها في السجن وأولادها يبكون في الليل والنهار لا يعرفون سبب ما حل بهم من بلاء، ومع ذلك فالعصابات الأمنية تبتزهم إلى آخر لحظة، وكل واحد منهم يطلب نصيبه من الغنيمة دون أن تعرف الشفقة والرحمة سبيلاً إلى قلوب هؤلاء.

    أما في المهجع فقد كان علينا تحمل نفقات سفر المساجين الذين أفرج عنهم فكان المساعد أول أحمد يطلب منا أن "نتبرع" بثمن توصيل زميلنا إلى منزله، فيجمع المدير عشرة أضعاف ثمن التوصيل ويحتفظ بالباقي لنفسه. ولما اشتد علي مرض الربو جاء المعلم محسن وهو يوبخ المساجين على قسوة قلوبهم وعدم تبرعهم لي بالدواء، وهب المساجين كل يدفع ما يستطيعه من صندوق الأمانات، ومع ذلك فلم يصلني أي دواء وعلمت فيما بعد بأن "المعلم" محسن كان يأخذ هذه الأدوية ويتاجر بها في الخارج!

    ويمكن سرد مجلدات من قصص المآسي المروعة التي كانت تحدث في وقت الزيارة، فبعد انقطاع أشهر طويلة بل وسنوات يسمح مدير السجن للأهالي برؤية ذويهم شريطة أن يدفعوا المبالغ اللازمة، وعندما يصل الأهالي لا يسمحون لهم برؤية أبنائهم أكثر من دقائق معدودة، وكان النساء يتعرضن للإساءة والمهانة من قبل الحراس الذين لا يمكن اتقاء شرهم إلا بدفع المبالغ المجزية لهم، وقد أصيب أحد نزلاء المهجع واسمه خليل محسن بانهيار نفسي بعد زيارة أهله له، فقد كان والده المقعد يتوسل إلى الحراس أن يسمحوا له بتقبيل ابنه للمرة الأخيرة قبل أن يموت، ولم يسمحوا له بذلك بل جروا ولده الماثل أمامه من خلف الشبك إلى مهجعه.

    الإفراج:

    مرت خمسة أشهر في المهجع دون أن أقابل أحداً من المحققين، وفي أواسط شهر يونيو الماضي استدعيت إلى إدارة السجن وأخبرني المحقق بأن السفارة البريطانية قد تدخلت بقوة للإفراج عني وبأن السفير قد اتصل بهم عدة مرات وتحدث إلى مجلس الأمن القومي وضغط عليهم ليفرجوا عني ما دمت لم أرتكب أي مخالفة للقانون. غمرتني سعادة عارمة وهرعت إلى زملائي في المهجع وأخبرتهم الخبر ففرحوا لي فرحاً شديداً وأخذ بعضهم في البكاء لقرب مغادرتي لهم. وفي يوم الأربعاء 20/6/2001 استدعيت إلى الإدارة من جديد ولقيني محقق كبير في السن فتحدث معي بلطافة لم أعهدها، ودار بيننا الحوار التالي:

    - "لا تكون زعلان علينا؟"

    - "هلكتوني والله"

    - "وأنت لا تقول أنك مو غلطان"!

    - "وشو غلطي؟"

    - "ليش بتتعرف علي هيك أشكال؟"!!!

    - "والله ما بعرفه"

    - فقال بضجر: "خلص ... خلص ... اليوم منطلعك، لا تخاف".

    ثم نزلت إلى المهجع وقال لي الحرس: "ضب غراضك"، وبعد ساعتين نادوا باسمي وأصعدوني مرة أخرى حيث بصمت على مجموعة أوراق لا أدري ما هي، ورمى إلي مدير السجن جواز سفري وهوية زوجتي وحوالي 150 ليرة، وصرخ بالحراس بغيظ وكأنه قد انقطع رزقه بخروجي: "ارموه بالتشميسة"، ثم وصلت السيارة التي ستقلني إلى الجوازات وجاء السجان أحمد بوجه يختلف عن الذي عرفته به خلال الأشهر الماضية قائلاً بلطف:

    "شو هلال ... ما بدك تعطينا شي؟"!

    فأجبته: "ما بقي عندي شي"

    فتفحصني إلى أخمص قدمي وقال بوقاحة منقطعة النظير: "طيب هات هالساعة من إيدك لشوف"! فتمنعت عنه، ولم يغادرني حتى جاء أحد المحققين ليبلغني الرسالة الأخيرة، فأعلن لي بصوت مرتفع وبكل ثقة:

    "إزا فتحت تمك منعرف شلون نجيبك مرة تانية"!!!

    ثم غادرت السيارة إلى قسم الهجرة والجوازات، حيث أدخلت مقيداً إلى غرفة العميد وكان القنصل البريطاني وبعض أعضاء السفارة حاضرين، فسألتهم بحرقة: "لماذا تأخرتم طوال هذا الوقت؟" فقال لي القنصل: " كنا نبحث عنك ونسأل السلطات السورية ولكنهم كانوا ينفون وجودك عندهم" وأخرج لي ملفاً كبيراً فيه مراسلات تثبت بأنهم كانوا مجتهدين في البحث عني، ثم طمأنني بأن زوجتي وأولادي قد غادروا إلى لندن.

    لم أكن أعرف أن منظري كان مرعباً، ولم أدرك مقدار التغير الذي حل بي إلا عندما رأتني والدة زوجتي فسقطت مغشياً عليها في الشارع أمام الناس.

    ولا بد أن أعترف بأنني لم أشعر بالأمان إلا عندما غادرت الطائرة مطار دمشق، وكان يتجاذبني حزن وفرح؛ أما الفرح فكان للقاء أطفالي الذين لم أرهم منذ حوالي سنة، وأما الحزن فكان للذين ذرفوا الدموع المحرقة عندما ودعوني في المهجع، فقد أمضينا أشهراً طويلة في السجن ولم يكن أحد منا يعرف ما هي تهمته وما هو مصيره. وكان آخر ما أوصوني به وأنا خارج من الزنزانة: أن أبلغ العالم بمعاناتهم وأستصرخ أصحاب الضمائر الحية ليعملوا على رفع البلاء عن هؤلاء المظلومين.

    ألا هل بلغت؟
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-27
  3. سامي

    سامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-10
    المشاركات:
    2,853
    الإعجاب :
    0
    القصص كثيره

    الاخ فايز القصص كثيره في فلسطيني في سجون الكويت ومصري في سجون العراق ويمني في سجون السعوديه ويمني في سجون اليمن ومصري في سجون اليمن وجزائري في سجون الجزائر ولبناني في سجون سوريه ولبناني في سجون اسرائيل وفلسطيني في سجون اسرائيل وغيره وغيره تبغاني اكمل
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-27
  5. فايزالعربي

    فايزالعربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-03-09
    المشاركات:
    347
    الإعجاب :
    0
    القصص كثيرة وليست متشابهة

    شكرا على المشاركة أخي سامي

    والحق معك القصص كثيرة ولكنها ليست متشابهة فوحشية حزب

    البعث فاقت كل الحدود ، أسأل الله تعالى أن يزيل هذا الحزب المجرم

    عن اخوتنا في سوريا والعراق .

    معلومة أخي سامي : يوجد في الكويت حاليا خمسين ألف نسمة

    من الاخوة العراقيين _ رغم كل ماحدث _ والبعض منهم ممن يرتكب

    جريمة ما يفضّل دخول السجن في الكويت على ارساله الى بلده

    عراق المهيب الركن :D
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-08-28
  7. الوايلي

    الوايلي عضو

    التسجيل :
    ‏2001-08-25
    المشاركات:
    15
    الإعجاب :
    0
    نستاهل الغرب يكرهنا

    بعد هذه القصص اللي يدمى لها القلب صرنا مثل النعام في الغرب كلمه حق نحن العرب اكبر ارهابيين في حقنا وحق شعوبنا والدليل القصص اللي تروى والاحداث في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا والكثير من الدول العربيه وما خفيا كان اعظم
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-08-28
  9. فايزالعربي

    فايزالعربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-03-09
    المشاركات:
    347
    الإعجاب :
    0
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-08-28
  11. أبو لقمان

    أبو لقمان مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2001-06-11
    المشاركات:
    5,204
    الإعجاب :
    3
    تعدد الأسباب والسجن واحد

    الحقيقة يا أستاذ فايز أن وحشية الأحزاب الحاكمة تفوق بمراحل بقية الحكومات غير الحزبية وماذكرته مثال على ذلك .. أما العراق فحدث ولا حرج .. وأضيف قصة أخرى ليس مؤلمة جسديا كالتي أعلاه .. إلا إنها مؤلمة نفسيا .. عند ما تغيب دولة القانون وهي بإختصار كما يلي:

    شاب نزل من بلدته العدين إلى محافظة " إب " لشراء مستلزمات زواج أخته الوحيده .. في السوق حصل شجار ومضاربة بين مجموعة من البشر .. حضر الأمن المركزي .. فض المشاجرة .. قبضوا على من له علاقة بالمشاجرة ومن ليس له علاقة بها .. كان صاحبنا من ضمن الذين قبض عليهم لوجوده في نفس البقعة واستولوا على ما بحوزته من مال " ثمن الحلي والملابس التي كان يزمع شراءها لأخته في زواجها" .. أودعوا الحبس "الزاجر" هو إسم السجن .. صاحبنا هذا فيه عيب وهو أنه يتعتع بالكلام .. ليس أبكما .. ولكن الكلمة تخرج منه بصعوبة .. لم يستطع توضيح موقفه من المشاجرة وأنه ليس طرفا فيها لا من قريب أو من بعيد .. خرج الجميع وبقي صاحبنا بالحبس بدون سبب لأنه لم يأت أحدا يسأل عنه ولم يتعب أحدا من الأمن نفسه في سؤاله أو فهمه .. وهكذا بقي صاحبنا بالحبس ... ضن أهله أنه قد قتل وسلب ما معه من مال .. ويشاء الله أن يحبس أحد أفراد قريته في نفس السجن لسبب ما .. ويرى ابن قريته حيا يرزق ويعلم أهله بذلك ويخرجوه من الحبس الذي كان مفروضا ألا يدخله ابتداءا وقد أمضى فيه مدت سنتين وبضعة أشهر بدون تهمة أو حكم محكمة .. هل هناك إيذاء لإنساية الإنسان أكثر مما ذكر الأخ "فايز " أو ماذكرته أنا؟؟؟
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2001-08-29
  13. سامي

    سامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-10
    المشاركات:
    2,853
    الإعجاب :
    0
    لا ليس الاحزاب

    الاخ لقمان ملاحظتك من وجهة نظري ليست صحيحه فوحشية النظام لا تنبع من كونه حزبي او غير ذلك بل كون الشعب يسكت ويرضى ان يحكم بالطريقه التي يريدها النظام ام لا فان رضى فهو بخير وان لم يرد ذلك حل عليه عذابهم ومثال ذلك دول الخليج لو طلع واحد وقال ما ابغى النظام شوف ايش حايحصله والله ليشوف اشياء ما شافها في منامه ولن يشفع له ان نظامه ليس حزبي والا ايش رأيك;)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2001-08-29
  15. فايزالعربي

    فايزالعربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-03-09
    المشاركات:
    347
    الإعجاب :
    0
    عصابات اجرامية وليست أنظمة حزبية

    أخي الكريم أبو لقمان

    الأنظمة الحاكمة في العراق وسوريا ليست أنظمة حزبية وانما أنظمة

    عصابية فاق اجرامها كل حد ، ربما يستغرب البعض مما يقال عن

    وحشية النظام السوري بسبب عدم تركيز وسائل الاعلام عليه لأن أذاه

    اقتصر على شعبه ولم يمتد للخارج مثل النظام العراقي ، أؤكد لكم

    أن الشعب السوري يعيش مأساة حقيقية وبامكانكم اجراء تجربة

    للتأكد من صدق كلامي ، حاولوا مناقشة أي مواطن سوري عن

    أوضاع بلده الداخلية ستجدوه اما يكيل المديح بشكل مبالغ أو يلتزم

    الصمت .

    ---------------------------------

    أخي الكريم سامي

    لا أعتقد أنه يوجد مواطن خليجي مهما بلغت درجة غباءه يود تغيير

    النظام في بلده لأننا نسافر لكثير من الدول العربية ونرى حال اخوتنا

    هناك تحت حكم الثوار والتقدميين والأبطال ... ألخ ألخ ، من هنا

    عرفنا قيمة حكامنا ، ففي الكويت مثلا بامكان المواطن العادي رفع

    قضية على أحد أفراد الأسرة الحاكمة ، ولقد حصل هذا مع والدي

    رحمه الله شخصيا حيث حدث نزاع بينه وبين أحد الشيوخ على ملكية

    أرض وعند اللجوء للمحكمة جاء الحكم لصالحنا ، كما أن الكثير من

    الاخوة العرب المقيمين في الكويت يعبرون لنا عن استغرابهم من

    الطريقة المهذبة والحضارية التي يتعامل بها رجال الشرطة مع الناس

    بعكس ما هو حاصل في بلدانهم .

    بعد كل هذا أخي سامي هل تتصور أن " يطلع واحد ليطالب بتغيير

    النظام " ؟؟!!!!!
     
  16.   مشاركة رقم : 9    ‏2001-08-29
  17. سامي

    سامي قلم فضي

    التسجيل :
    ‏2001-07-10
    المشاركات:
    2,853
    الإعجاب :
    0
    صحيح

    صحيح يا اخ فايز الوضع في الخليج احسن منه في الدول الاخرى والوضع في الكويت احسن منه في السعوديه ولكن ما كنت اقوله انكم راضيين بأنظمتكم شئتم ام ابيتو ولذلك هي متعاونة معكم ولكن لو حدث وطلع شخص ومارس حقه الطبيعي في الحياه بعدم رضاه عن النظام واقصد النظام بشكل كامل فما ادري ايش ممكن يحصله اتمنى ان تخبرني انت ومثال على ذلك الاعلماء في السعوديه سامان العوده وسفر الحوالي وسعد الفقيه الذي شرد من وطنه مع المسعري واخيرا المجاهد اسامه بن لادن الذي سحبت منه الجنسيه في سابقه لم تعرفها الانظمه العصابيه كما سميتها وهي كذلك بالفعل .
    انتم ترغبون بالنظام لاسباب كثيره لا داعي لذكرها ولكن جربوا النظام عندما لا ترغبون به صدقني حيوروكم الويل بمساعة زعيمة الديمقراطيه في العالم امريكا
     
  18.   مشاركة رقم : 10    ‏2001-08-29
  19. فايزالعربي

    فايزالعربي عضو نشيط

    التسجيل :
    ‏2001-03-09
    المشاركات:
    347
    الإعجاب :
    0
    الذكي من اتعض بغيره

    أخي سامي


    قلت (( ولكن ما كنت اقوله انكم راضيين بأنظمتكم شئتم ام ابيتو ولذلك هي متعاونة معكم ولكن لو حدث وطلع شخص ومارس حقه الطبيعي في الحياه بعدم رضاه عن النظام واقصد النظام بشكل كامل فما ادري ايش ممكن يحصله اتمنى ان تخبرني انت))

    الرد : أنا عن نفسي وأعتقد أن الكثير من الكويتيين مثلي سوف

    أضحك بشدة على هذا المجنون الذي يطالب بتغيير النظام دون أن

    يتعض بما حدث لجيراننا العراقيين بعد انقلابهم على الأسرة المالكة .

    أخي سامي : كان لي صديق فلسطيني مقيم بالكويت منذ صغره

    وغادرها بعد الغزو ليعمل سائق تاكسي في الأردن ، التقيته قبل

    فترة وسألته عن حاله فقال لي : ( الحمدلله ، فقراء لكن محترمين )

    ثم أوضح لي قصده قائلا أنه عندما يرتكب مخالفة مرورية أثناء

    عمله وتوقفه سيارة الشرطة ينزل له الضابط الأردني بنفسه ويكلمه

    باحترام بينما شاهد بعينه كيف تعامل الشرطة السورية أصحاب

    التكاسي هناك وكيف يصيح الشرطى السوري بأعلى صوته على

    السائقين (( با ابن الشرمو ..... ة ))

    وبالنسبة لموضوع سحب الجنسية فلقد قام النظام العراقي

    فعلا بسحب الجنسية العراقية من كثير من المثقفين العراقيين منهم

    الصحافي سعد البزاز ومنهم شاعر العراق الكبير محمد مهدي

    الجواهري الذي رد على صدام بعد سحبه لجنسيته بقصيدة

    أذكر منها قوله (( أجبني يا ابن الزنا أأنت العراقي أم أنا ))

    أما ابن لادن فهو حضرمي أساسا وليس سعوديا ، وأعتقد أن الاخوة

    السعوديين ممكن أن يفيدوك أكثر مني بخصوص حبس العلماء ،

    وعلى كل حال وكما قلت أنت بنفسك الوضع في الخليج أفضل منه

    في الدول الأخرى .

    وشكرا على التواصل .
     

مشاركة هذه الصفحة