(الرهينة) الفصل الاول

الكاتب : المتمرد   المشاهدات : 609   الردود : 7    ‏2001-08-24
      مشاركة رقم : 1    ‏2001-08-24
  1. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الجزء الاول من الفصل الأول:)

    كم هي جميلة هذه المدينة! شاهدتها لأول مرة عندمالا أخذت من قريتي ووضعت في قلعتها (القاهرة) بين رهائن الإمام.

    أخذني (عكفة )(1) الإمام ذوو الملابس الزرقاء , عنوة من بين أحضان والدتي ومن بين سواعد أفراد أسرتي المتبقين .

    لم يكتفوا بذلك بل أ خذوا حصان والدي تنفيذا لرغبة الإمام .

    كان يوما معتدلا , خفت فيه حدة هطول الأمطار لتتيح لنا مشاهدة المدينة والقرى البعيدة المتلألئة فوق الجبال , كان الجو صافيا . إنه (علان )(2) شهر التأهب للحصاد . كنت مع زميلي (الدويدار)(3),, الدويدار (الحالي)(4) كما يسمونه , على سطح دار النائب العالي , لا أدري لماذا أحببت صداقته , ربما لتقارب السن , وربما لعملنا المشترك .

    كنت قريب العهد في منزل النائب , نائب الإمام و عامله على المدينة وما يتبعها , عندما أخذوني قسرا من قلعة القاهرة , معقل (الرهائن.)(5)

    وأدخلت من بوابة قصر النائب وأنا أتذكر نظرات الازدراء التي ودعني بها زملائي الرهائن . كنت على علم بأن بعض الرهائن قد أخذوا إلى قصور الإمام وبعض نوابه وأمرائه دوادرة . وكنت أسمع أن بعضهم قد تمكن من الفرار والبعض قد فشل , فكبلوه بالقيود الحديدية في قلعة القاهرة مدى الحياة . الشيء الذي لم أكن أعرفه هو معنى الدويدار وما هو عمله ? ولم أكن أعي أي تفسير يقال , ربما لصغر سني .

    - من شروط الدويدار أن يكون صبيا لم يبلغ الحلم . هكذا كان يقول أستاذنا الفقيه السجين أيضا معنا , والمكلف بتعليمنا القرآن والفروض والطاعة في قلعة القاهرة معقل الرهائن .

    - يقوم الدويدار حاليا بعمل الطواشي وعندما تبدو علينا الحيرة يقول :

    - والطواشي هم العبيد المخصيون . فنزداد حيرة أكثر .

    - والخصي , هو من تضرب خصيته . ونحتار أكثر أيضا من جديد متألمين لهذا العمل القاسي فيقول :

    - لكي لا يمارس عملا مشينا , جنسيا , كمضاجعته نساء القصور , أي بمعنى آخر يجب أن يكون فاقدا لرجولته , أي بمعنى آخر , عاجزا . ونحتار أيضا , فنقول :

    - هذا يكفي , مفهوم ?

    - غير مفهوم يا سنا الفقيه . يقوم غاضبا لردنا الجماعي الذي كان يعتبره وقحا أو وقاحة , ونصيح بنشيدنا المعتاد :

    - غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , إلخ

    كان بعض الرهائن ممن مارسوا أعمال الدويدار ثم عادوا إلى قلعة القاهرة مرة أخرى لبلوغهم الحلم كما يقول الفقيه : يحكون أشياء غريبة وعجيبة علينا . وكنت ألاحظ أن معظم العائدين منهم إلى القلعة قد تغيرت ملامحهم , حيث غدوا مصفري الوجوه بالرغم من ظهور نعومة شاملة في أجسامهم مع شيء من الترهل وذبول في غير أوانه .

    كنت ألاحظ أيضا اهتمام حرس القلعة بهم , هؤلاء ناعمي الملمس رقيقي الأصوات , بملابسهم النظيفة المرسلة حتى الأرض , وبتلك الكوافي المزركشة التي حاكتها نساء القصور فوضعوها على رؤوسهم لتخفي شعرهم المجعد الممشط , الذي تفوح منه رائحة الدهون المعطرة التي يستنشقها بلذة أفراد الحرس , والفقيه مدرسنا أيضا الذي يبالغ في مراعاته لهم بسماجة أكثر مما يلزم , مما كان يدفع ببعضنا للاحتجاج والتذمر لهذه المعاملة المتميزة فيصيح غاضبا :

    - أوباش , اخرسوا يا متوحشون , أعوذ بالله من أشكالكم وطباعكم أيضا !

    - .. غفر الله لك يا سيدنا , ولوالديك مع والدينا , يا حنان يا منان . وينفض الرهائن من الدرس ويتجهون إلى سطح السور المطل على المدينة يمرجحون سيقانهم في الهواء , وينظرون إلى الأفق البعيد , كل يبحث عن قريته وراء الجبال .

    كان الفقيه مدرسنا , رغم وجود العصا في يده , لا يجرؤ على رفعها على أحد منا . حاول مرة وضرب بها أحد الرهائن , فأدى ذلك إلى كسر ذراعه ونتف لحيته , ولم يعاود ممارسة ذلك مرة أخرى .

    عندما وصلت إلى دار النائب , فرح صديقي الدويدار بي , وغمرته سعادة لم أكن أتوقعها . وبدأ يعرفني على كل جزء من القصر الواسع وملحقاته , وكنت أصادف , وأنا معه , نساء من مختلف الأعمار وعلى مستويات متفاوتة من الجمال والهندام وحسن الملبس .

    كنت أنزوي عندما كان يقوم بتعريفي بهن :

    - هذه عمة النائب .

    - ...

    - هذه ابنة النائب .

    - ...

    - وهذه أخت النائب , المطلقة .

    - ...

    - وهذه زوجة النائب الثانية .

    - ...

    - وهذه الأولى .

    - ...

    - وهذه الخادمة الجديدة , إنها جميلة كما ترى , أليس كذلك ?

    - ...

    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .


    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    توضيح بعض المفردات المرقمة والتي هيى بين قوسين
    1-عكفة= حرس الأمام الخاص
    2- علان= نجم زراعي يأتي قبل حصاد الغلال وهو احب نجوم الزراعة في اليمن
    3-الدويدار=صبي حاضر البديهة يستخدمه الامراء والحكام في قصورهم
    4-الحالي= الجميل
    5-الرهائن=أبناء المشائخ ورؤساء القبائل الذين يعتقلهم الإمام لضمان ولاء آبائهم.

    يتبع :)
     
  2.   مشاركة رقم : 2    ‏2001-08-25
  3. الذيباني

    الذيباني عضو متميّز

    التسجيل :
    ‏2001-02-21
    المشاركات:
    1,085
    الإعجاب :
    0
    أحسنت يالمتمرد

    جميل ,,, ونحن بانتظار بقية الفصول...
     
  4.   مشاركة رقم : 3    ‏2001-08-25
  5. SHAHD

    SHAHD عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2000-11-24
    المشاركات:
    718
    الإعجاب :
    1
    بدايتها مشوقة جدا ... أرجو ألا يطول انتظارنا لبقيتها 0

    لك جزيل الشكر 0
     
  6.   مشاركة رقم : 4    ‏2001-08-25
  7. ghareeb

    ghareeb عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2001-07-13
    المشاركات:
    989
    الإعجاب :
    0
    very nice of you brother
    go ahead
     
  8.   مشاركة رقم : 5    ‏2001-08-25
  9. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    الذيباني / شهد / غريب :)
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الجزء الثاني من الفصل الأول
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    - وهذه القديمة .

    - ...

    - وهذه التي تحلب الأبقار .

    - ...

    - وهذه المربية , مربية الأطفال , و و و .



    ولم أكن أجيب أيضا , كنت أنكمش حين يربتن كتفي , وأنفر حين تمتد أيدي بعضهن لقرص وجنتي أو فرك شفتي بتلذذ .

    كنت أتقزز من ذلك , بينما كان زميلي يضحك ملء شدقيه ويهرع بي من السلالم الواسعة المرصوفة بالحجارة المربعة ليقودني إلى الحمام التركي . سراديب وقباب وممرات كلها مرصوفة أيضا بالحجارة المربعة السوداء , ملحمة " بالقضاض " المصنوع من النورة البيضاء .

    لبخار يتصاعد بكثافة عند القمريات الرخامية الجاذبة للضوء , ترددت في الدخول , لكن زميلي قال :

    - لا تخف , ليس اليوم للنساء !

    - للنساء أو الرجال , لن أدخل هذا المكان مرة أخرى .

    - هل تعرف أننا الوحيدان في هذا القصر الذي يحق لنا دخوله في أي وقت ? سواء كان ذلك يوم النساء أو يوم الرجال ?

    شعرت بجسمي يقشعر وقلت :

    - لن أدخله أبدا .

    قال وقد جذبني خارجا نحو إسطبل مهجور للخيل :

    - سوف تدخله مستقبلا !

    بدأ يشوقني بحكايات لمشاهدات عاشها داخل ذلك الحمام وعن النساء , الكبيرات والصغيرات والعوانس منهن بالذات , وكيف يغمرهن الفرح بمقدمه لخدمتهن .

    كان إسطبل الخيل واسعا , تنبعث منه رائحة ذكرتني بسفل منزلنا في الجبل , رائحة روث وبول البقر والثيران ممزوجة برائحة التبن والعجور , وأصوات الدجاج المنزعجة لقدومنا بينما كانت تنبش بأظفارها أكوام السماد باحثة عن الحشرات . كم كان والدي حريصا على بقاء النواقيس النحاسية على رقاب الثيران !

    كان وقع أصواتها الموسيقى يطربني كلما مررت بسفل دارنا , أو في المراعي أو عند النبع . حتى الجمال والحمير في جبلنا كانت تعلق على أعناقها تلك الأجراس النحاسية القديمة التي تحذر الناس والأطفال بالذات في الطرقات والأزقة . لم أشاهد في إسطبل النائب , ذلك الواسع , سوى بغلتين فقط , أما أبقاره الحلوب , فهي في مكان قريب من باب قصره الخلفي . وعندما تملكتني الدهشة أسعفني زميلي الدويدار بالإجابة قائلا :

    - الخيل يأخذها الإمام وولي عهده سيف الإسلام الأمير , إلى قصورهم , ولا يبقون سوى بعض البغال والحمير .

    - ولكني لا أجد حمارا واحدا ?

    - أمثالي وأمثالك , والآخرين !

    لم ترق لي عبارته التي كان يعدها نوعا من الممازحة الظريفة , وقد توقفنا عند باب الإسطبل لنواجه فناء القصر الواسع حيث اكتشفت أنه مكون من عدة قصور , منها القديم ومنها الجديد . قال زميلي :

    - تلك الدار القديمة المبنية بالآجر , مخصصة لأخت النائب المدللة والمطلقة وهي جميلة .

    - وكل هذا من أجلها ?

    - لأنها من أم أخرى , تركت لها والدتها ثروة أكبر من ثروة والد النائب .

    لم أسأل بعد ذلك , فقد انشغلت بالتطلع إلى الأماكن الأخرى فقال :

    - اسمها حفصة , الشريفة حفصة . أطرقت مستمعا , فتمهل قليلا ثم قال بعد أن بلع تنهيدة كانت ستخرج من جوفه :

    - استطاعت بثباتها أن ترغم ابن عمها على أن يطلقها , وظللت مستمعا فاستمر قائلا :

    - وحدثت أزمة كبيرة , تدخل فيها مولانا ولي العهد لصالحها . لم أجبه وإن كنت قد حاولت التساؤل عن سبب الطلاق لكنه استرسل مجيبا :

    - كان زواجها من ابن عمها في صالح النائب . هززت كتفي فاستمر قائلا :

    - لأن النائب متزوج بأخت ابن عمها . ابتسمت لهذه الفازورة اللغز , فقال :

    - وخوفا من أن يؤول الميراث إلى الغير , تم الزواج , وسيكون الإرث متوازنا . أعنت اهتزاز كتفي بابتسامة استفسار فقال :

    - لكنها رفضت ابن عمها منذ الليلة الأولى , كان يسهر عادة حتى الفجر مع القات . نفضت جمود استفساراتي بأن قلت سريعا :

    - ألهذا السبب تم الطلاق ? ابتسم وقد انتشى لحضوري المباشر معه قائلا :

    - ليس هذا هو السبب , هناك أسباب أخرى مهمة , منها , عجزه التام عن نيلها , لضعف فيه متأصل , ولكبر سنه أيضا , فلديه عدة زوجات وعدة أبناء لا حصر لهم .

    لم أندهش لذلك ولم أستفسر أكثر من اللزوم , فقال ونحن نمشي نحو ذلك المنزل وقد شدني كلامه :

    - هي صغيرة , أصغر أبناء العائلة . وكان والدها يحبها ويدللها , محبة في والدتها التي كانت أصغر زوجاته وأجملهن وأكثرهن ثراء .

    لم أشعر بالإرهاق ذلك النهار , بالرغم من أن صاحبي قد جال بي معظم جوانب عالمه العجيب . كان فرحا ومرحا , متشبثا بي , تغمره السعادة لوجودي معه , فكم أصوات نادته دون أن يجيبها , أو يأبه لها !

    كانت غرفته تقع في منعطف أحد السلالم الواسعة , جذبني إليها وهو يقول :

    - هذه غرفتنا .

    - غرفتنا ?

    - نعم غرفتنا !

    اتجهت صوب النافذة الصغيرة الوحيدة داخل الغرفة , استرحت مقرفصا بجوارها وأمعنت النظر بعد ذلك في داخل الغرفة . كان قد خرج فجأة . في الغرفة فراش صغير قد برز التبن المحشو به من ثقوب عدة , ولحاف شبه صوفي أسود اللون معطف عند مرقد رأسه فوق مخدة متسخة يكسل أن يغسل كيسها القطني المزركش . يحف بزاويته تلك , صندوق خشبي ملون بأصباغ رخيصة , قد وضعه بجانب الفراش المهترئ لمنعه من الانزلاق أثناء نومه , ويسهل عليه فتحه متى شاء , ويحفظ بداخله ملابسه وأشياءه الأخرى .

    توقف نظري عند بعض الصور التي ألصقها على الحائط , ولا أدري كيف استطاع لصقها وإن كان يخامرني الشك بأنه قد استعمل في ذلك لعابه .

    صور متكررة لفتيات جميلات ذهبيات الشعر , زرق العيون لم أشاهد لهن مثيلا في حياتي .

    قال لي مرة إنه يقوم بقص صورهن من بعض الصحف والمجلات التي تصل إلى النائب والمجلات التي تصل إلى النائب من بلاد مدخل , كانت هنالك أيضا بعض صور لأشخاص بألبسة عجيبة , كان يقول كالمعلم العارف :

    - هذه صورة الفوهرر , هتلر , وهذا موسوليني , ملك الطليان , أما هذا الشيخ الوقور فهو المختار , عمر المختار . كان مزهوا بأنه يعرف الكثير مما أجهل , فيزداد تعاليا عندما يكلمني عن سماعه لأخبار العالم من مذياع النائب , وبأنه الوحيد الذي يقوم بتشغيل ذلك الجهاز الذي يلتف لسماعه حشد كبير من الناس داخل القصر وخارج أسواره أيضا , يعرف كل الأوقات وجميع المحطات والرموز والألغاز , كان يضحك مني ساخرا وهو يقول :

    - الآن ستدق ساعة بيغ بن معلنة الساعة الرابعة مساء بتوقيت غرينتش .

    - الآن موعد تعليق يونس بحري من إذاعة برلين . كنت أضحك بتعجب لهذا الكلام الجديد على . أحضر لي فراشا ولحافا , وسألني , قبل أن يلقي بهما من على كتفه , عن أي زاوية أختار داخل الغرفة , وأجبته مازحا :

    - الضيف في حكم المضيف . ضحك وقد رمى الفراش واللحاف في الزاوية المقابلة له , ثم جلس بجواري , وبدأ يحكي من جديد :

    - أنت لا تعرف طبعا صندوق الطرب ? لويت شفتي مستغربا للكلام الجديد , فقال :

    - صندوق الطرب , عبارة عن جهاز , أكبر من الراديو , لكنه يصدر الأغاني الجميلة , للقعطبي و العنتري و الماس والشيخ على أبو بكر


    يتبع:)
     
  10.   مشاركة رقم : 6    ‏2001-08-31
  11. SHAHD

    SHAHD عضو فعّال

    التسجيل :
    ‏2000-11-24
    المشاركات:
    718
    الإعجاب :
    1
    أخي المتمــــرد ...

    هل نفهم من هذه الغيبة .. أن الحلقات ستكون أسبوعية ؟؟؟

    على ما أعتقد أنك ذكرت أنها رواية تتعدى المئتي صفحة !!!! .... متى ستنتهي إذن ؟؟
    أم أنها ستكون رواية على هيئة أجزاء ؟؟؟:)

    طال انتظارنا ... نريد معرفة باقي الرواية .... ممكن ؟؟
     
  12.   مشاركة رقم : 7    ‏2001-08-31
  13. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    مرحبا أختي الفاضلة شهد اسعد الله صباحك

    صراحة حين لا اجد من يتابع مثل هذه القصة التي اعتبرها اروع ما قرأت اتذمر واتوقف عن انزالها احتراما للقصة.

    لكن طالما انتم متابعين ابشري ولو تريديها كلها في يوم واحد :)
     
  14.   مشاركة رقم : 8    ‏2001-09-02
  15. المتمرد

    المتمرد جمال عيدروس عشال (رحمه الله) مشرف سابق

    التسجيل :
    ‏2000-10-13
    المشاركات:
    6,577
    الإعجاب :
    0
    اللقب الاضافي:
    توفى يوم الأربعاء 5 يناير 2005
    - أنت لا تعرف طبعا صندوق الطرب ? لويت شفتي مستغربا للكلام الجديد , فقال :

    - صندوق الطرب , عبارة عن جهاز , أكبر من الراديو , لكنه يصدر الأغاني الجميلة , للقعطبي و العنتري و الماس والشيخ على أبو بكر

    في الحقيقة سرد لي أسماء ربما سمعت عنها فقط , لكنني لم أسمعها تغني مطلقا , وسرد لي أسماء أخرى عرفت فيما بعد أنها لمطربين من بلاد العرب الأخرى . لا أدري ما الذي دفعه بحماسة لجذبي والسير بي إلى مكان رائع في القصر , مرتب في غاية النظام والنظافة , وأجلسني على مفرشة فارسية ثم أشعل لمبة غازية عرفت أنها لمبة الألف المضيئة بشعلتها الدائرية التي كان لدينا في منزلنا واحدة منها أخذها جدي إلى ديوانه من حملة لحج مع سعيد باشا القائد التركي . وكانت تضاء لنا في شهر رمضان فقط , وقد أخذها العكفة والسواري فيما أخذوا من بيتنا .

    وبدأ صاحبي يحرك صندوق الطرب الكبير المصنوع من خشب الأبنوس , ووضع الأسطوانة الأولى والثانية والثالثة , حتى بدأت أمل فتثاءبت . عدنا , وبدأ يكمل مشواره من جديد , فقلت متأدبا :

    - ألا ترى بأننا سنمكث معا وقتا طويلا , وأخاف أن لا نجد ما نتكلم فيه مستقبلا ?! ضحك وقد غشي الظلام المدينة والقصر وغرفتنا أيضا , حيث لم يكن لديه ما نستضيء به سوى فانوس صغير قد علاه الصدأ مرميا في زاوية من الغرفة , تعلوه الأتربة والأوساخ , والحشرات الميتة , فأصبح وجوده وعدمه سواء .

    ارتمى على فراشه بعد أن اطمأن على وضعي . وبرغم التعب والإرهاق لم أستطع النوم , ظلت عيناي مشدودتين إلى النافذة الصغيرة والوحيدة الصادر منها ذلك البصيص من نور النجوم . سمعت وقع أقدام على السلالم , خفيفة وحذرة , توقف ذلك عند باب الغرفة غير المقفل بإحكام , ثم سادت لحظة صمت سمعت خلالها صوتا خافتا ينادي :

    - عبادي , عبادي , يا عبادي , يا حالي , بس , بس . كتمت أنفاسي وقد أحكمت اللحاف حول وجهي , شعرت به قام من مرقده .. وتكرر الصوت هذه المرة من داخل الغرفة . تأكدت أنه قد قام مضطربا ثم بترو قال :

    - من ? ماذا تريدين يا زهراء ? لم تجبه , بل شعرت أنها قد اقتربت منه وجلست بجواره بينما قال :

    - ألا ترين أن لدي ضيفا هذه الليلة ?

    - أعرف ذلك , وما الذي جعلك ترقده لديك , ففي الدار غرف لا حصر لها كعدد أيام السنة . لم يجبها , وشعرت بعد ذلك بأنها تقترب منه أكثر , تحول همسها إلى فحيح ملتهب . كان يحاول أن يثنيها متعللا بوجودي ولكن كل محاولاته باءت بالفشل , وأصبح الفحيح مشتركا .

    لم أشعر بالخوف من حياتي كهذه الليلة , وانتهى الفحيح لتأخذ منه قبلة علا صوتها مدويا مما جعله ينزعج خوفا من أن أكون متيقظا .. وتسللت خارجة . شعرت به يتوجه نحوي بعد ذلك ليطمئن , ثم همد راقدا وقد علا شخيره ليطغى على أصوات الديكة وكلاب المدينة التي زادت من سهادي .

    وتجلجلت مع الفجر أصوات العساكر والحرس بأنشودة الصباح الباكر المعتادة .

    - يا لله رضاك , يا لله رضاك . وأرضى علينا برضاك .

    - واحنا طلبناك عظيم الشأن . يا فاتح أبوابه .

    يتبع
     

مشاركة هذه الصفحة